المنتخب فى التفسير
/
سورة النساء/
آية 13
( تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم )التفسير : 13 - تلك الأحكام المذكورة فى بيان المواريث وما سبقها، شرائع الله التى حدَّدها لعباده ليعملوا بها ولا يتعدوها، ومن يطع الله ورسوله فيما حكم به كان جزاؤه الجنة التى تجرى فيها الأنهار خالدًا فيها وذلك الفوز العظيم (1). -----(1) نظام الميراث الذى بيَّنه القرآن الكريم أعدل نظام للتوريث عُرِفَ فى كل قوانين العالم، وقد اعترف بذلك كل علماء القانون فى أوروبا، وهو دليل على أن القرآن من عند الله، إذ أنه لم يكن مثله ولا قريب منه معروفًا عند الفرس ولا عند الرومان، ولا فى أى شريعة أخرى قبله، وقد قام على النظم العادلة الآتية: أولها: أنه جعل التوريث بتنظيم الشارع لا بإرادة المالك، من غير أن يهمل هذه الإرادة، بل جعل له الوصية بالمعروف فى الثلث ليتدارك تقصيرًا دينيًا فاته، كزكوات لم يؤدها، أو ليعين بعض ذوى الحاجة ممن تربطه بهم صلة مودة أو قرابة لا تستحق ميراثًا، ومَنْع الوصية إذا كان الباعث عليها معصية أو تحريضًا على الاستمرار فى معصية، وتولى الشارع توزيع الثلثين إن كانت وصية، أو توزيع الكل إذا لم تكن وصية، أو كانت بأقل من الثلث فوزع الشارع الباقى. وثانيها: أنه فى توليه سبحانه توزيع الثلثين أعطى الأقرب فالأقرب من غير تفرقة بين صغير وكبير، ولذلك كان الأولاد أكثر حظًا من غيرهم فى الميراث، لأنهم امتداد لشخص المالك، ولأنهم فى الغالب ضعاف، ومع ذلك لم يستأثروا بالميراث، بل يشاركهم الأم، والجدة، والأب، والجد، وإن كانوا يأخذون أقل من الأولاد. وثالثها: أنه يلاحظ فى التوريث مقدار الحاجة، ولذلك كان نصيب الأولاد أكبر. لأنهم أكثر احتياجًا، إذ هم مقبلون على الحياة، والآباء والأمهات مدبرون عنها. وإن ملاحظة الحاجة هى التى جعلت نصيب المرأة على النصف من نصيب الرجل فى أكثر أحوال الميراث، إذ إن التكليفات المالية التى يطالب بها الرجل أكبر، فهو المطالب بنفقة الأولاد وإصلاحهم، وهو المطالب بنفقة المرأة، إذ إن الفطرة الإنسانية هى التى جعلت المرأة قوامة على البيت وتدبيره، ورعاية الأولاد، وتهيئة راحتهم، وجعلت الرجل كادحًا يعمل خارج البيت، ويقدم المال المطلوب لميزانية الأسرة. وإن الإعطاء على مقدار الحاجة هو العدل، والمساواة مع تفاوت الحاجة هى الظلم. ورابعها: أن الشرع الإسلامى فى توزيعه للتركة يتجه إلى التوزيع دون التجميع، فلم يجعلها للولد البكر، ولم يجعلها للأبناء دون البنات، ولا للأولاد دون الآباء، ولم يحرم من ليسوا من عمود النسب، كالاخوة والأعمام وأبناء الأعمام وإن بعدوا، فالميراث يمتد إلى ما يقارب القبيلة، ولكن يأخذ الأقرب فالأقرب، ولا يوجد فى مسائل الميراث أن ينفرد به واحد إلا نادرًا. وخامسا: أنه لم يحرم المرأة من الميراث كما كان يجرى عند العرب، بل لها ميراث، وفى ذلك احترام للمرأة وإعطاؤها حقوقها. وفوق ذلك لم يمنع الإسلام قرابة المرأة من الميراث، بل ورَّث القرابة التى تكون من جانبها، كما ورَّث القرابة التى تكون من جانب الأب، فالأخوات والاخوة لأم يأخذون عندما يأخذ الأشقاء، بل فى بعض الأحيان يأخذ الأولاد لأم ولا يأخذ الاخوة والأخوات، وهذا بلا شك تكريم للأمومة، واعتراف بقرابتها، ولم يكن ذلك معروفًا من قبل، ولكنها شريعة الله العليم الحكيم.
الصفحة الرئيسية
الإتصال بنا
روابط
عن الموقع
خريطة الموقع