18- الإتيان باسم الموصول العائد
على الجمع مفرداً
منشأ
هذه الشبهة:
ومنشأ هذه
الشبهة - عندهم - قوله تعالى: (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالاً
وأولاداً فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم
، وخضتم كالذى خاضوا أولئك حبطت أعمالهم فى الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون ) (1).
والشاهد -
عندهم - فى الآية هو قوله تعالى: " وخضتم كالذى خاضوا " وآثرنا ذكر الآية بتمامها لأن الرد على
هذه الشبهة يقتضى النظر فى الآية كلها لا فى الجزء الذى استشهدوا به وحده.
وكان
تعليقهم على قوله عز وجل: (وخضتم كالذى خاضوا (هو قولهم:
" وكان يجب أن يجمع اسم الموصول العائد على ضمير الجمع فيقول: (خضتم كالذين
خاضوا (!
الرد على الشبهة:
هذه الآية
- بتمامها - وردت فى سياق الحديث عن المنافقين ؛ لأن ما
قبلها هو قوله عز وجل: (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار نار جهنم خالدين
فيها هى حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم ) (2).
والآية مسوقة لتهديد المنافقين والكفار
، لعلهم يقلعون عما هم فيه من نفاق وكفر.
وقد أدير
الحديث فيها على تشبيه المخاطبين (المنافقين والكفار) بالأمم الغابرة ، كانت أشد
منهم قوة ، وأكثر مالاً وولدا ، وانغمسوا فى شهواتهم
الفانية ، فسار المنافقون والكفار سيرتهم فركنوا إلى متع الحياة الدنيا الفانية ،
ولم يبتغوا ما عند الله ، وأن المنافقين والكفار فعلوا كل ما فعله من قبلهم من المعاصى والسيئات.
ثم بين
الله عز وجل أنهم الخاسرون فى الدنيا والآخرة فالذى معنا فى الآية فريقان:
- فريق سابق فى الزمن ،
لم يكن موجوداً فى عصر نزول القرآن.
- فريق كان حاضراً فى
عصر نزول القرآن ، وهم الذين خاطبهم الله فى هذه الآية
الكريمة. وليس فى هذه الآية فريق ثالث تحدثت عنه الآية.
ومن هذا
يتضح أن تعقيب خصوم القرآن على هذه الآية ، بأن الصواب أن يقال: " وخضتم
كالذين خاضوا " فاسد من كل الوجوه ؛ لأن معنا فى
الآية فريقان لا ثلاثة ، ولو قيل: " خضتم كالذين خاضوا " لانفكت رابطة
الكلام ، ولبرز فى النظم طرف ثالث لا وجود له فى سياق الآية.
بيان
ذلك:
أن المقارنة
جرت فى الآية بين الفريقين " المنافقين والكفار "
و " الأمم الغابرة ". ودارت المقارنة على هذا المنهج:
- فاستمتعوا بخلاقهم.
- فاستمتعتم بخلاقكم.
- كما استمتع الذين من
قبلكم بخلاقهم.
- وخضتم كالذى خاضوا.
والمعنى: وخضتم خوضاً مثل خوضهم (3).
فالذى فى الآية اسم موصول مفرد ،
يعود على المصدر المفهوم من الفعل الماضى " خضتم "
فشبه الله عز وجل خوض المنافقين بخوض الذين من قبلهم. وهذا هو النسق الذى دارت عليه المقارنة فى الآية
تشبيه سلوك اللاحقين بسلوك السابقين من الأمم الغابرة ، التى
عتت عن أمر ربها وعصت رسله.
واختار
الإمام الشوكانى أن المعنى: " كالخوض الذى خاضوا " (4) ، ومن قبله قال الإمام الزمخشرى: " وخاضوا فخضتم كالذى
خاضوا " (5).
هذا هو
الحق فى هذه العبارة ، لا كما قال خصوم القرآن الكارهون
لما أنزل الله عز وجل.
المراجع
(1) التوبة: 69.
(2) التوبة: 68.
(3) انظر: الدر المصون (6/84).
(4) فتح القدير (2/433).
(5) الكشاف (2/201).