17- جمع الضمير العائد على المثنى
منشأ
هذه الشبهة:
هو قوله
تعالى: (هذان خصمان اختصموا فى ربهم فالذين كفروا قطعت
لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم ) (1).
يقولون:
كان يجب
أن يثنى الضمير العائد على المثنى ، فيقول: " خصمان اختصما فى ربهما " !.
الرد على الشبهة:
أشرنا من
قبل إلى طريقتين من طرق التعبير اللغوى الفصيح ، وهما:
- طريقة مراعاة اللفظ.
- وطريقة مراعاة المعنى
فحيث جمع
القرآن الضمير العائد على المثنى ، فهو من استعمالات الطريقة الثانية ، التى يراعى فيها جانب المعنى على جانب اللفظ.
وينبغى أن نعرف أن المثنى نوعان:
- مثنى حقيقى ، ومثاله
من القرآن الكريم قوله تعالى: (قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ) (2).
ف " رجلان
" مثنى حقيقى ؛ لأن واحده فرد فى
الوجود ؛ أو ذات واحدة ؛ هذا هو المثنى الحقيقى. وإذا
وُصِفَ أو استؤنف الحديث عنه وجب تثنية الضمير العائد عليه.
* أما النوع الثانى من
المثنى ، فهو المثنى اللفظى ومثاله من القرآن قوله
تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع ) (3).
وهذا
النوع من المثنى ضابطه أن واحده جمع فرد من عدة أفراد ،
وليس فرداً واحداً.
والنوع
الأول (المثنى الحقيقى) يسمى مثنى لفظاً ومعنى.
أما الثانى (المثنى غير الحقيقى) فيسمى
مثنى فى اللفظ ، وجمعاً فى المعنى. وفى وصفه أو استئناف الحديث عنه يجوز أن يراعى فيه
جانب اللفظ ، أو جانب المعنى.
ومنه ما
ورد فى آية " الحج ": " هذان خصمان "
لما كان معناه جمعاً روعى فيه جانب المعنى فقال عز وجل:
" اختصموا فى ربهم " ومعروف أن مفرد الخصمين
خصم ، وهو اسم جنس يندرج تحته - هنا - أفراد كثيرون وبهذا نزل القرآن فى هذه الآية ، فتحدث عن الخصمين بضمير " الجمع " الذى هو " واو الجماعة " " اختصموا " ثم
بضمير الجماعة " هم " فى قوله تعالى: " فى ربهم ".
ونظيره فى القرآن قوله تعالى:
(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ) (4). أعاد الضمير جمعاً " اقتتلوا
" هذا فى جملة الخبر ، مع أن المبتدأ مثنى " طائفتان
" وذلك لأن هذا اللفظ مثنى غير حقيقى ، بل هو مثنى
فى اللفظ ، جمع فى المعنى.
وفى هذه
الآية راعى النظم القرآنى المعجز المعنى فى جملة الخبر وحدها " اقتتلوا " ثم راعى اللفظ فى بقية الآية هكذا:
(فأصلحوا
بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله فإن
فاءت فأصلحوا بينهما (.
وكلا
المنهجين فصيح صحيح بليغ.
والذى سوَّغ مراعاة المعنى فى "
اقتتلوا " وقوعه بعد جمعٍ ، هو " المؤمنين " ، وليس فوق ذلك درجة
من الصحة والإصابة ، وإن كره الحاقدون.
والخلاصة:
أن "
اختصموا " و " فى ربهم " الذوق السليم
يشهد أن " اختصموا " أبلغ من اختصما ، وأن " ربهم " أبلغ من
ربهما.
لأن "
اختصموا " يفيد تبادل الخصومة بين جميع أفراد ال "
خصمان " من أول وهلة ، وكذلك " ربهم ؛ إن ضمير الجمع فيه " هم "
يفيد من أول وهلة ربوبية الله لكل فرد منهم.
والاختصام
هو الحدث الرئيسى فى هذه
الواقعة. فعُبِّر عنه بهذا اللفظ الفخم " اختصموا " ومحال أن يستقيم لو
قيل بعده " فى ربهما " فسبحان من هذا كلامه ،
الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل
من حكيم حميد.
المراجع
(1) الحج: 19.
(2) المائدة: 23.
(3) هود: 24.
(4) الحجرات: 9