15- تذكير
خبر الاسم المؤنث
الشبهة:
هو قوله
تعالى: (ولا تفسدوا فى الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفاً
وطمعاً إن رحمة الله قريب من المحسنين ) (1).
وموضع
الشاهد عند المعترضين فى الآية الكريمة هو كلمة " قريب
" وهى " خبر " اسم " إن " " رحمة ".
وحين
نظروا فى نظم هذه الآية توهموا كذلك أن فيها خطأً
نحويًّا منشؤه عدم التطابق بين المبتدأ " رحمة " والخبر " قريب "
فى التأنيث ، لأن المبتدأ " رحمة" مؤنث. أما
الخبر " قريب " فهو فى الآية مذكر قالوا:
وكان يجب
أن يتبع خبر " إن " اسمها فى التأنيث فيقال: قريبة.
الرد على
الشبهة:
ذكر
علماؤنا فى توجيه هذا " التذكير " الحاصل
بحذف علامة التأنيث من الخبر ، عدة وجوه ، لا نريد أن نطيل بذكرها كلها ، لذلك نكتفى بما يرد كيد هؤلاء الطاعنين فى
نحورهم.
- بعضهم يجعل " رحمة الله " فى معنى الغفران [ أو الرضوان ] فلذلك جاء الخبر " قريب "
مذكراً.
وقد اختار
هذا الرأى النضر بن شميل
والزجاج (2).
* ومنهم من جعل " قريب " صفة لخبر محذوف
مذكر تقديره: شىء أو أمر قريب ، ودليل هذا الحذف هو
تذكير " قريب ".
* ومنهم من جعله من باب النسب ، أى ذات قرب ، كقولهم فى حائض: ذات
حيض.
* ومنهم من جعل " قريب " مصدراً
مستعملاً استعمال الأسماء مثل النقيق ، وهو صوت الضفادع.
والضغيب وهو صوت الأرنب. والمصدر يُلتزم فيه
الإفراد وإن جرى على جمع ، والتذكير وإن جرى على
مؤنث كما فى هذه الآية الكريمة.
* ويرى آخرون أن تأنيث " رحمة " لما كان
تأنيثاً مجازياً لا حقيقياً جاز فى الاستعمال اللغوى تأنيث خبره وصفته ، وجاز تذكيرهما على حدٍ سواء. سواء
كان فى ضرورة الشعر ، أو فى
النثر.
وقال الحلبى تلميذ أبى حيان ، وهما من الأئمة الأعلام فى النحو:
" وهذا
يجىء على مذهب ابن كيسان ، فإنه لا يقصر ذلك على ضرورة
الشعر ، بل يجيزه فى السعة " (3).
وقال
الفراء: " قريبة وبعيدة إما أن يراد بهما قرابة
النسب أو عدمها فيؤنثها العرب ليس إلا ، كقولهم: فلانة قريبة منى أى فى النسب وبعيدة منى أى فى النسب. أما إذا أريد بها القرب المكانى أو الزمانى فإنه يجوز الوجهان ؛ لأن قريباً وبعيداً قائم مقام
المكان أو الزمان ، فتقول:
فلانة
قريبة وقريب ، وبعيدة وبعيد ، والتقدير هى فى مكان قريب وبعيد. قال الشاعر:
عشية لا
عفراء منك قريبة
فتدنو ولا
عفراء منك بعيد " (4)
يعنى أن
الشاعر جمع بين الوجهين التأنيث والتذكير والموصوف مؤنث ؛ لأن " قريب " و
" بعيد " أريد بهما القرب فى المكان والبعد فيه.
والآية
الكريمة ليس القرب المذكور فيها مراداً به قرب النسب
فيلزم تأنيثه ، وإنما المراد قرب الزمان ، والعرب تجيز
فيه الوجهين: التأنيث والتذكير.
ولامرئ القيس ، وهو من شعراء الجاهلية ، وشعرهم حُجة فى إثبات اللغة ، بيت نحا فيه هذا المنحى ؛ فقال:
له الويل إن أمسى ولا أم سالم
قريب ،
ولا البسباسة ابنته يُشكرا (5)
والشاهد فى البيت تذكير " قريب " مع جريانه على مؤنث "
أم سالم " وهو نظير " قريب " فى الآية
الكريمة.
والخلاصة:
رأينا فى الرد على هذه الشبهة أن القرآن الكريم لم يخرج عن سنن
البيان العربى حين ذكَّر " قريب " فى الآية ، وهى مجراة على مؤنث
مجازى غير حقيقى " رحمة الله ".
وكان أصح وأثبت ما ذكرناه فى
الرد على خصوم القرآن ، هو ما قاله الفراء رحمه الله ، من أن العرب كانوا يفرقون
بين القرب والبعد من النسب وبين القرب والبعد فى المكان
والزمان:
فالأول: يلتزم فيه تأنيث ما جرى خبراً أو صفة لمؤنث.
أما الثانى: وهو القرب والبعد فى
المكان والزمان فإنهم يجيزون فيه الوجهين: التأنيث والتذكير ، وقد ذكر رحمه الله
بعض الشواهد الشعرية لشعراء هم حُجة فى إثبات اللغة ،
وطرائق استعمالاتها. وبهذا تظهر براءة القرآن الناصعة
مما حاول خصومه إلصاقه به من خطأ.
المراجع
(1) الأعراف: 56.
(2) وعلى هذا يكون التذكير قرينة على صحة حمل "
رحمة الله " على غفران الله ، أو رضوانه. انظر: معانى القرآن للزجاح (2/380).
(3) يعنى فى النثر دون
اشتراط ضرورة تدعو إليه. انظر: الدر المصون (5/345).
(4) معانى القرآن (2/382)
والبيت لعروة بن حزام. وقد أورده للغرض نفسه أبو حيان فى
البحر (4/313).
(5) الدر المصون. الشاهد
رقم (562).