الخــــــــــــــــــلافـــــــــة
لغةً: من خلف فلان فلانا إذا كان خليفته وجاء من بعده، وهى مصدر
تخلف فلان فلانا إذا تأخر عنه، والخلافة النيابة عن الغير.
واصطلاحاً: الخلافة فى الإسلام منصب سياسى يجمع صاحبه بين السلطتين
الزمنية والروحية، ولكن وظيفته الدينية لا تتعدى المحافظة على شرع الله، ومن حقه
قيادة الدولة الإسلامية ورسم سياستها وتنفيذها على المستويين: الداخلى والخارجى،
وواجبه تبليغ الدعوة الإسلامية ونشرها والتصدى بالقتال- إذا لزم الأمر- ضد من يقف
عقبة فى سبيل أدائه لمهمته، وله أن يعاقب الخارجين على أوامر الشرع، ويؤم الناس فى
الصلوات ويساعدهم على أداء الفرائض الأساسية.
وقد وردت هذه المادة فى آيات عديدة من القرآن الكريم، منها قوله تعالى: }
وإذ قال ربك للملائكة إنى
جاعل فى الأرض خليفة { (البقرة 30) أى قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرنا بعد قرن.
وقوله سبحانه وتعالى: } يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق { (سورة ص 26) أى استخلفناك على الملك فى الأرض. لأن داود- u- كان ملكا نبياً.
وقد نشأ منصب الخلافة- باعتباره ضرورة فرضتها الظروف السياسية- عقب وفاة
النبى r
وكان نتيجة للمناقشات الحرة التى جرت بين الصحابة- رضوان الله عليهم- فى
"سقيفة بنى ساعدة" لقد كان اجتماع "السقيفة" هذا أشبه بجمعية
تأسيسية أو وطنية مُناط بها البحث فى مصير أمة بعد وفاة موجهها وقائدها، وقد دارت المناقشات فيه بحرية كاملة، وانبثق
عنه آنئذ قيام نظام الخلافة، هذا النظام الذى استمر- بشكل أو بآخر- فى العالم
الإسلامى حتى القرن العشرين، ولم يغب عن مجتمعنا إلا بعد أن قام "كمال
أتاتورك " بإلغائه سنة (1323 هـ 1924 م) عقب انهيار الخلافة العثمانية.
وكان اختيار لقب "خليفة" وإطلاقه على أول رئيس للدولة الإسلامية-
أبى بكر الصديق t
الهدف منه: التمييز بين هذا النظام الذى أقامه المسلمون وبين أنظمة الحكم التى
كانت سائدة فى العالم آنئذ، لقد كانت هذه الأنظمة تقوم على القهر والجبروت،
وتستعبد الشعوب وتستغلها وتحرمها من أبسط حقوقها، بينما جاء النظام الإسلامى ليكون
جديداً فى جوهره وغاياته فهو يرفض القهر والظلم، ويقوم على قواعد ا لحرية
والمساواة والعدل والاعتداد برأى الأمة ؛ ولهذا كان هذا اللقب تأكيداً لحقيقة مهمة
هى أن حكم الرسول r
مستمر وباق فى أمته، وأن أبا بكر إنما يخلف محمدا r فى التنفيذ والتطبيق ورعاية مصلحة الأمة، وليس فى الإضافة إلى
الدين أو الانتقاص منه.
نرى كل هذه الحقائق واضحة فى ذهن كل من عرض لموضوع "الخلافة"
الذين قدموا لها تعريفات توضح جوهر النظام الإسلامى وغاياته، ولعل من أبرزها تعريف
"ابن خلدون " الذى عبَّر عن ماهيتها بقوله: "الخلافة هى حمل الكافة
على مقتضى النظر الشرعى فى مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال
الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهى فى الحقيقة خلافة
عن صاحب الشرع فى حراسة الدين وسياسة الدنيا به".
لقد كان اختيار المسلمين لخليفتهم الأول t بناء على قاعدة الشورى، وتحددت مهمته فى قيادة المسلمين، ورعاية
مصالح الناس، وتنفيذ شرع الله عز وجل، واشترط العلماء فيمن يلى هذا المنصب
شروطا منها الكفاية والعدل وصحة البدن و العقل... إلخ.
واستمر اختيار الخلفاء وفقا لهذه الشروط طوال عصر الراشدين، ثم حدث تحول
ابتداء من العصر الأموى، فتركت الشورى، واعتمد نظام الغلبة والتوارث، وبعد أن كانت
الخلافة اختيارا أصبحت قهرا وإجبارا، تقترب أو تبتعد عن قيم الإسلام ومبادئه،
وتتفق معه فى قليل أو كثير إلى أن تم إلغاؤها تماما كما أسلفناه.
أ. د/ عبد الله جمال الدين
المراجع
1- الأحكام السلطانية والولايات الدينية- أبو الحسن الماوردى- طبع الحلبى
مصر- بدون تاريخ.
2- موسوعة
السياسة الإسلامية- عبد الوهاب الكيالى وأخرون: المؤسسة العربية للدراسات والنشر
سنة 1979 م.
3- الخلافة-
توماس ارنولد: ترجمه عن الإنجليزية إلى العربية جميل معلى- دمشق سنة 1946 م-
4- النظريات السياسية الإسلامية، الأستاذ الدكتور/ محمد ضياء
الدين الريس: ط 7 القاهرة سنة 1979
م.
5- نظام الدولة
فى الإسلام، الأستاذ الدكتور/ عبد الله جمال الدين: ط 2 القاهرة سنة 1990 م.
6- نظام الحكم
فى الشريعة والتاريخ- ظافر القاسمى: جزءان- بيروت سنة 1974 م.