التصــــــــــــــــــوف
يمثل التصوف نزعة إنسانية، يمكن القول بأنها ظهرت فى كل الحضارات على نحو
من الأنحاء، وهو يعبر عن شوق الروح إلى التطهر، ورغبتها فى الاستعلاء على قيود
المادة وكثافتها، وسعيها الدائم إلى تحقيق مستويات عليا من الصفاء الروحى والكمال
الأخلاقى.
ولم يكن المسلمون استثناءً من هذه القاعدة، فقد ظهر التصوف
لديهم مثلما ظهر لدى من سبقهم أو عاصرهم من الأمم. وقد قدَّم الصوفية تفسيرات
متعددة لهذه النسبة التى تميزوا بها عن غيرهم من الفرق والطوائف التى ظهرت فى
المجتمع الإسلامى، ومن هذه التفسيرات ما يلى:
- إن التصوف
مأخوذ من صفاء الأسرار ونقاء الآثار.
- إنه نسبة إلى
الصف الأول فى الصلاة.
- إنه نسبة إلى
عمل أهل الصُّفَّة من صحابة الرسول r وقد لاحظ القشيرى أن هذه
التفسيرات ليست صحيحة من الناحية اللغوية.
- إن التصوف نسبة إلى صوفة القفا.
- إنه منسوب إلى رجل كان يجاور بمكة قبل الإسلام يسمى صوفة بن بشر، وعلق
ابن تيميه بأن النسبة إلى هذا الرجل أو إلى قبيلته نسبة ضعيفة "... لأن غالب
من تكلم باسم الصوفى لا يعرف هذه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة فى
الجاهلية، ولا وجود لها فى الإسلام".
- إن هذه التسمية نسبة إلى الصوف، الذى هو زى الأنبياء، وشعار الصالحين
والأولياء، ولباس أهل الزهد والتقشف والتواضع والإقبال على الله، وهم يتميزون به
عن أهل الرغبة فى الدنيا.
ولا يرفض القشيرى هذا التفسير، ولكنه لا يقبله قبولاً تامة، وفى ذلك يقول:
"فأما من قال: إنه من الصوف؟ ولهذا يقال: تصوف إذا
لبس الصوف كما يقال تقمَّص إذا لبس القميص، فذلك وجه، ولكن القوم لم يختصوا بلبس
الصوف". ومع ذلك يبقى أن هذا التفسير هو أقرب
التفسيرات إلى القبول، وإن كان شيوخ التصوف قد أوضحوا أن التصوف يهتم بالجوهر
قبل المظهر ويعنى بالحقائق والأعمال أكثر من عنايته بالرسوم والأشكال.
وأما تعريفات التصوف فإنها كثيرة جدا، وقد ذكر السهروردى أن له أكثر من ألف
تعريف بل ذكر الشيخ زرّوق أنها تبلغ نحو الألفين وترجع هذه الكثرة إلى أن كل واحد
ممن عرَّفوا التصوف كان يعبِّر عن ذوقه ووجده وحاله، ولهذا اختلفت العبارات. لان
الطرق إلى الله تعالى بعدد النجوم أو بعدد أنفس
السالكين.
ويمكن تصنيف هذه التعريفات إلى أنواع بحسب الطابع الغالب عليها:
(أ) فبعضها يركِّز على الجانب العملى، الذى يهتم بمجاهدة النفس ومقاومة
شهواتها، وذلك كالذكر والمراقبة، ومحاسبة النفس والزهد فى الدنيا، ومن نماذج هذه
التعريفات:
- التصوف: قلة الطعام، والسكون إلى الله تعالى والفرار من الناس.
- التصوف: ضبط حواسك، ومراعاة أنفاسك، وهكذا.
(ب) وبعضها يتجه
إلى ملاحظة الجانب الأخلاقى، الذى هو من أهم أركان التصوف، ومن هذه التعريفات:
- التصوف: هو
الدخول فى كل خُلُق سَنِىّ، والخروج من كل خلق دنىّ.
- التصوف: خُلُق فمن زاد عليك فى الخُلُق فقد زاد عليك فى الصفاء.
- وقال الهروى
الأنصارى: واجتمعت كلمة الناطقين فى هذا العلم أن التصوف هو الخُلُق.
(جـ) وكان بعضها
يهتم بجانب المعرفة، وهى المعرفة الإلهامية الذوقية التى هى موضع اعتزاز الصوفية
وفخرهم. ومن هذه التعريفات ما قال العطار عن علم التصوف الذى هو "ثمرة
للعمل والحال، وليس نتيجة للحفظ والقال، وأنه من العيان لا من البيان، ومن الأسرار
لا من التكرار ومن العلم اللدنى لا من العلم الكسبى... ".
(د) ومن التعريفات ما يجمع هذه الجوانب كلها، ويضيف إليها ضوابط
للسلوك المقبول عندهم بما يدفع التُّهم عن طريق الصوفية، ومن هذه التعريفات تعريف
ابن خفيف للتصوف.
وقد نشأ التصوف عند المسلمين لأسباب متعددة، بعضها من داخل البيئة
الإسلامية، وبعضها من خارجها.
وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التى نشأ فيها التصوف، وكان الزهد نفسه ثمرة
لعوامل دينية واجتماعية حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من
السلوك، لم تكن مألوفة فى حياة الصَّدْر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون
بالبساطة والقناعة، والبُعْد عن التفنُّن فى مطاعمهم ومشاربهم، أخذا بالورع، وخشية
من الحساب، ولكن الحياة تحولت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السرف
الفاحش الذى يستثير أهل الفقر والمسكنة، المستمسكين بما كان عليه السلف من زهد
وبساطة، وكان ذلك من دواعى نشأة التصوف عند المسلمين كما يقول ابن خلدون: " و
أصل هذه الطريقة العكوف على العبادة... والإعراض عن زخرف
الدنيا، والزهد فيما يُقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه... وكان ذلك عاما فى
الصحابة والسلف فلما فشا الإقبال على الدنيا، فى القرن الثانى وما بعده، وجنح
الناس إلى مخالطة الدنيا، اختُّص المقبلون على العبادة باسم الصوفية
والمتصوفة".
على أن التصوف لم يخْل من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى،
جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين- بعد
الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة فى التصوف كالهند وفارس، وقد كان بعض
الصوفية من أصولٍ ترجع إلى هذه الشعوب، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين
كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضاً، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن
ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر فى النظم الصوفية الأخرى.
وأدى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف، وقد انقسموا حوله إلى
أنصار يرون فى التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق
العادات، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم.
وإلى خصوم يرون التصوف بدعة وضلالة، واستعلاء على الشريعة بدعوى الحقيقة،
وإعلاء للباطن على حساب الظاهر، وترويجاً للأفكار والمذاهب الدخيلة التى تتحدث عن
الفناء والحلول، ووحدة الوجود وإسقاط التكاليف، ووقوعاً فى أسر البطالة والتواكل
والجمود والسلبية، والإعراض عن العلم بدعوى العلم اللدنى.
وكان من بين المسلمين من اتخذ موقفاً وسطا بين هؤلاء وهؤلاء، ومن أبرز
ممثلى هذا الاتجاه ابن تيمية (728 هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية (751 هـ) وقد أشار
كل منهما إلى مواقف الفريقين، وذكر ابن تيمية أن "الصواب هو الإقرار بما
فيها، وفى غيرها من موافقة الكتاب والسنة، والإنكار لما فيها وفى غيرها من مخالفة
الكتاب والسنة". وإذا طبقنا هذا المعيار فسنجد أنه يوجد بين الصوفية:
السابقون المقربون، والمقتصدون الذين هم من أهل اليمين، وفيهم من هو ظالم لنفسه،
وقد انتسب إليهم طوائف من أهل البدع والزندقة ولكن المحققين من الصوفية يتبرَّأون
منهم وينكرونهم.
ولعل هذا الموقف هو أولى الآراء بالقبول " لأنه أقرب
إلى الموضوعية والإنصاف، وأبعد من التعميم والتعصب المذموم.
و ينبغى ونحن نتحدث عن التصوف ألا نغفل عما حفل به التصوف من تربية أخلاقية
وتحليلات نفسية كانت موضع إعجاب الدارسين فى الشرق والغرب، وقد كان للصوفية
المسلمين دورهم فى نشر الإسلام، فى كثير من بقاع الأرض فى آسيا وإفريقيا قديماً،
وفى أوروبا حديثاً، وهو دور معروف لدى المؤرخين.
أ. د/ عبد الحميد مدكور
المرجع
1- التعرف لمذهب أهل التصوف، لأبى بكر الكلاباذى، تحقيق د. عبد الحليم محمود، طه سرور- دار إحياء
الكتب العربية 1960م
2- الرسالة
القشيرية، لأبى القاسم القشيرى- تحقيق د / عبد الحليم محمود، د/ محمود بن الشريف-
دار إحياء الكتب الحديثة 1966
م.
3- طبقات
الصوفية لأبى عبد الرحمن السلمى- تحقيق الأستاذ/
نور الدين شريبة القاهرة سنة 1953 م
4- فى التصوف
الإسلامى وتاريخه، نيكلسون- ترجمة د/ أبو العلا عفيفى- لجنة التأليف والترجمة
والنشر 1956 م.
5- اللمع، لأبى
نصر السراج الطوسى، تحقيق د/ عبد الحليم محمود، طه سرور- دار الكتب الحديثة سنة 1960 م.
6- مدخل إلى
التصوف الإسلامى د/ أبو الوفا التفتازانى- دار الثقافة للطباعة والنشر ط 3 لسنة 1979 م