النُّبُـــــوَّة
لغة : النبوة والنباوة الارتفاع، أو المكان المرتفع من الأرض. و
"النبى": العَلَم من أعلام الأرض التى يهتدى بها، ومنه اشتقاق
"النبى" لأنة أرفع خلق الله،
وذلك لأنه يهتدى به. النبأ: الخبر، يقال: نَبِأ، ونَبأَ وأنبأ: أخبر، ومنه: النبى
لأنه أنبأ عن الله. "النبوءة" و النبوة": الإخبار عن الغيب، أو
المستقبل بالإلهام، أو الوحى.
واصطلاحا: عَرَف الإنسان منذ القدم كلمة "النبوة"، فقد وجدت فى جميع
اللغات واللهجات، غير أن استعمالاتها تعددت وتنوعت ففى اليونانية القديمة كانت تطلق على المتكلم
بصوت جهورى، أو على من يتحدث في الأمور الشرعية، وعند الفراعنة كانت تطلق علي كهنة
آمون، كما أطلقت على إيزيس" في مصر
القديمة، وعلى زرابيس فى روما، وكلاهما لا يخرج عن هذا المعنى. لم يقتصر الأمر على
إطلاقها على من يعمل فى الحقل الدينى، بل أطلقت أيضا على السحرة والمنجِّمين،
وكذلك على من اختل عقلهم، وضعف تفكيرهم، فأتوا من الأعمال ما لا يفهمه العقلاء،
وقد ذكر علماء مقارنة الأديان عدة أنواع من النبوات، منها: نبوة السحر، ونبوة
الرؤيا والأحلام، ونبوة الكهانة، ونبوة الجذب، أو الجنون المقدس، ونبوة التنجيم.
وكانت
كلمة النبوة عند بنى إسرائيل تفيد معنى الإخبار عن الله، ولذا كانت تطلق على من
يتخرجون من المدارس الدينية، حيث كانوا يتعلمون فيها تفسير شريعتهم، كما كانوا
يدرسون أيضا الموسيقى والشعر، لذا كان منهم شعراء ومغنون وعازفون على آلات الطرب،
وبارعون في كل ما يؤثر فى النفس ويحرك الشعور والوجدان، ويثير رواكد الخيال. ومن
المسلم به أن خريجى هذه المدارس لم يكونوا على درجة واحدة من الصفاء الذهنى،
والإدراك العقلى، كما لم يكونوا كلهم على درجة واحدة من التقوى والصلاح، ولذا لم
تفرق الكتب المقدسة قبل الإسلام فى حديثها عن الأنبياء بين من يتلقون الوحى من
الله، وبين من يدرسون شريعة الله ويشرحونها للناس، فجاء حديثها- أحيانا- عن
الأنبياء كذبة إذ نجد فى سفر أشعياء حديثا عن النبى الكذاب، حيث يقول:
"الشيخ المعتبر هو الرأس والنبى الذى يعلم بالكذب هو الذنب (9: 15)، ويقول
متّى: "ويقوم أَنْبيِاءُ كَذَبَةُ كثيرون، ويُضلونَ كثيرين " (24: 11)،
ويقول لوقا: "لأنه هكذا كان يفعل آباؤهم بالأنبياء الكَذَبَةِ" (26:6)،
ويصف يوحنا فى رؤيته خروج الأرواح النجسة من فم النبى الكذاب.
وحين
نزل القرآن الكريم على محمد-r حدد معنى كلمه "النبوة" فوضح أن النبى هو ما نزل
عليه وحى الله وأمر بتبليغه للناس فهو ليس
ساحرا، لأن الفلاح لايكون حليفه، يقول تعالى: ] ولا يفلح
الساحر حيث أتى [ (طه 69)، كما أن ما
يبلغه عن ربه ليس شعرا، يقول تعالى: ] وما هو
بقول شاعر قليلا ما تؤمنون [ (الحاقة 41 ) فلا ينبغى
أن يقرن النبى بالشاعر، أو بمن يلقى الكلام بصوت جهورى، كما كان ذلك معروفا عند
اليونان، كما أنه ليس كاهنا كما كان معروفا عند قدماء المصريين، إذ نفى القرآن
الكريم عنه هذه الصفة، فقال تعالى: ] ولا بقول كاهن قليلا ما
تذكرون [ (الحاقة 42).
فإذا
بين القرآن الكريم أن النبى ليس شاعرا ولا كاهنا، فالأولى أن ينفى عنه وصفا كان
يطلقه بعض الناس على المشعوذين باسم الدين، وهو الجنون المقدس، فقال تعالى: ] ما أنت
بنعمة ربك بمجنون [ (القلم 2) أى ما أنت
بهذا الذى نزل عليك من الله بواحد من هؤلاء الذين كانوا يعرفون بين الناس بأنهم
"مجاذيب "، أو لديهم "جنون مقدس ". وأخيرا لست ممن يتخذون
العرافة والتنبؤ بالغيب حرفة لهم، فلا يلتبس ما تُبَلَّغُه عن الله بكلام من
يَدَّعُون أنهم يعرفون الغيب، يقول تعالى: ] فقل إنما
الغيب لله فانتظروا إنى معكم من لمنتظرين [ (يونس 20) ويقول :] وعنده مفاتح الغيب لا
يعلمها إلا هو [ ( الأنعام 59)، ويقول ] قل لا أقول
لكم عندى خزائن الله، ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إنى ملك، إن أتبع إلا ما يوحى
إلى، قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون [ (الأنعام 50).
وبهذا
فرق الإسلام بين النبوة الإلهية، وبين ملابساتها من الكهانة، والعرافة، والقيافة،
والفراسة، كما أنه حدد استعمالات الكلمة، فلا تُطْلَق إلا على مَنْ نزل عليه الوحى
من الله، فلم يعد من المستساغ عقلا، ولا من الجائز شرعا أن تُطْلَق على الكهنة، أو
على مَنْ يدرسون الشريعة ويعلمونها للناس، وبالتالى لا تُطْلَق على السحرة
والمنجمين، ولا على المجانين والمشعوذين فى طريق الدين، فلم يبق من الاستعمالات
القديمة لكلمه "النبوة " إلا إطلاقها على أصحاب الرؤيا الصالحة، التى
تكون مقدمه وإرهاصا لنزول الوحى على من اختصه الله بهذه الرؤيا، كما حدث ليوسف u، يقول الله تعالى:
] إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إنى رأيت أحد عشر
كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين [ (يوسف 4).
أ.
د/ محمد شامة
المراجع
ا-
النبوات: ابن تيمية، مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ.
2- لسان العرب: ابن منظور.دار
صادر -بيروت
3- فى رحاب القرآن: محمد شامة، القاهرة 1988 م
4-noell Wilfried
Woerterbuch Der Religionen , Muenchen. Wilhelm Goldmann Verlag 1960
5- رسالة فى اللاهوت والسياسة سبينوزا-
ترجمه: حسن حنفى القاهرة 1971
م.