التعريف فى اللغة
إرتث مادتها رثت، والرثة والرثة والرثيث الخلق الخسيس البالى من كل شئ، تقول ثوب رث وحبل رث ورجل رث
الهيئة فى لبسه وإرتث على وزن افتعل على مالم يسم
فاعله اى
حمل من المعركة رثيثا أى جريحا وبه رمق، والمرتث الصريع الذلى يثخن فى الحرب ويحمل حيا ثم يموت، وقال ثعلب هو الذى يحمل من المعركة وبه
رمق فان كان قتيلا فليس بـمرتث،
وعن التهذيب يقال للرجل إذا ضرب فى الحرب فأثخن
وحمل وبه رمق ثم مات، وفى حديث كعب بن
مالك رضى الله عنه أنه إرتث يوم أحد فجاء به الزبير
يقود بزمام راحلته، والإرتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته
الجراح (1) .
تعريف الأرتثاث عند الفقهاء:
مذهب الحنفية:
تحدث صاحب البدائع عن الشهيد
وشرائط الشهادة وعد من الشروط ألا يكون الشهيد مرتثا لأن الإرتثاث يمنع الشهادة.
ثم قال: والمرتث من خرج عن صفة القتلى و صار إلى حال الدنيا بأن جرى عليه شىء من
إحكامها وصل اليه شئ من منافعها وإذا عرف هذا فنقول : من حمل من المعركة حيا ثم
مات فى بيته أو على أيدى الرجال فهو مرتث وكذلك إذا أكل أو شرب أو باع أو أضاع أو
تكلم ولوبكلام طويل أو قام من مكانه ذلك أو تحول أو تزول عن مكانه ذلك أو تحول من
مكان إلى آخر وبقى على مكانه ذلك حيا يوما كاملا أو ليلة كاملة وهو يحفل فهو مرتث، وروى عن أبى
يوسف أنه اذا بقى وقت صلاة كامل حتى صارت الصلاة دينا فى ذمته وهو لا يعقل فليس بمرتث، وإن بقى مكانه يوما فهو مرتث أوصى كان إرتثاثا عند أبرز يوسف خلافا لمحمد وقيل ، لا خلاف بينهما فى الحقيقة فجواب أبى يوسف خرج فيما إذا وصى بشئ من أمور الدنيا فان ذلك يوجب الارتثاث بالإجماع لأن الوصية بأمور الدنيا من أحكام
الدنيا ومصالحها فينقص ذلك معنى أعادة وجواب محمد محمول على ما
إذا أوصى بشىء من أمور الآخرة ذلك ولا يوجب الارتثاث بالإجماع كوصية سعد بن الربيع على ماروى أنه لما أصيب المسلمون يوم
أحد ووضعت الحرب أوزارها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مات هل من رجل ينظر ما فعل سعد فى بن الربيع فنظر عبد الله بن
عبد الرحمن من بى النجار رضى الله تعالى عنهم فوجده
جريحا فى القتلى وبه رمق فقال له: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنى أن أنظر
فى الأحياء أنت أم فى الأموات فقال: أنا فى الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله
عليه وسلم عنى السلام وقل له: ان سعد بن الربيع يقول جزاك الله عنا خير ما يجزى
نبى عن أمته وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم أن
سعدا يقول: لا عذر لكم عند الله تعالى أن يخلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف قال عبد
الله ثم لم أبرح حتى مات فلم يغسل وصلى
عليه، ثم قال صاحب البدائع وذكر فى الزيادات أنه إن أوصى بمثل وصية سمد بن الربيع
فليس بإرتثاث ثم قال: والصلاة إرتثاث لأنها من أحكام الدنيا،
ولو جر برجله من بين الصفين حتى لا تطؤه الخيل فمات لم يكن مرتثا لأنه ما نال شيئا من راحة الدنيا بخلاف ما إذا مرض فى خيمته أو فى بيته لأنه قد نال الراحة بسبب ما مرض فصار مرتثا ثم تحدث بعد ذلك صاحب
البدائع من المرتث فى أنه إن
لم يكن شهيدا فى حكم الدنيا فهو شهيد فى حق ثوب الشهداء (2) ومحل ذلك يرجع إليه فى مصطلح،"شهيد" ومصطلح " غسل" ومصطلح "ثواب".
مذهب المالكية:
قال خليل فى الشرح الكبير: لا
يغسل شهيد مترك إلا أن رفع حيا من المعركة ثم
مات وإن نفذت مقاتله إلا المغمور، وقال
الدردير ان من رفع من المعركة حيا منفوذ المقاتل ثم مات فإنه لا يغسل ولا يصلى عليه وعلق
الدسوقى فى حاشيته على رأى خليل بقوله حاصل كلام المصنف أنه إذا رفع حيا فانه يغسل ولو منفوذ
المقاتل ما لم يكن مغمورا وهو من لم يأكل ولم يشرب ولم يتكلم الى أن مات ولم تنفذ مقاتله فإنه لا يغسل ثم قال الدسوقى وهذا
هو المشهور من قول ابن القاسم كما نقله فى
التوضيح عن ابن بشير ونقل المواق من ابن عرفة وابن يونس والمازرى ما يوافقه ثم قال الدسوقى:،
وطريقة سحنون أنه متى رفع منفوذ المقاتل
أو مغمورا فلا يغسل وهو الذى اقتصر عليه ابن عبد البر فى الكافى وصاحب المعونة،
واحتج المواق كما نقله الدسوقى وخليل كما نقله الصاوى بتغسيل عمر بن الخطاب رضى
الله عنه بمحضر الصحابة مع أنه رفع منفوذ المقاتل (3).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: الشهداء الذين
عاشوا وأكلوا الطعام أو بقوا مدة ينقطع فيها الحرب وان لم يطعموا كغيرهم من الموتى
وقال: وعمر شهيد غير أنه لما لم يقتل فى
المعترك غسل وصلى عيه(4) وجاء فى المجموع: من جرح فى الحرب
ومات بعد انقضاء الحرب غسل وصلى عليه لأنه مات بعد ا أنقضاء الحرب (5).
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة إن حمل أن كلم (6) فى أرض المعركة- "فأكل أو طال
بقاؤه غسل وصلى
عليه- لأن
رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيدا رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحل (7) فحمل الى المسجد فلبث فيه أياما ثم مات وظاهر
كلام الخرقى أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل
وصلى عليه وإن مات فى المعركة أو عقب حمله
لم يغسل ولم يصل عليه وقال أحمد فى موضع إن تكلم أو أكل أو شرب صلى عليه، وعن أحمد أنه شئل عن المجروح إذا بقى فى المعركة يومان إلى الليل ثم مات فرأى أن يصلى
عليه، والصحيح التحديد بما ذكرنا من طول الفصل والأكل
لأن الأكل لا يكون إلا من ذى حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك، وقد ثبت إعتبارهما فى كثير من المواضع
وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشئ منها لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: يوم أحد، "من ينظر ما فعل سعد بن الربيع" فقال رجل أنا أنظر يا رسول الله فنظر فوجده جريحا به
رمق، فقال له ان رسول الله صلي الله عليه وسلم. أمرنى أن أنظر فى الأحياء أنت أم فى الأموات قال: فأنا فى الأموات،
فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى السلام وذكر الحديث، قال: ثم لم أبرح أن
مات وروى أن أصيرم بنى عبد الأشهل وجد صريعا يوم أحد. فقيل له ما جاء بك، قال أسلمت ثم جئت وهما من شهداء أحد
دخلا فى عموم قول رسول الله صلى الله عليه
وسلم: " ادفنوهم بدمائهم
وثيابهم ولم يغسلا ولم يصل عليهما وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفى حديث أهل اليمامة عن ابن عمر رضى الله عنه أنه طاف فى القتلى فوجد أبا
عقيل الأنفى قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحا كلها قد خلص الى مقتل فخرج الماء
من جراحاته كلها فلم يغسل " (8).
مذهب الظاهرية:
قال ابن حزم الظاهرى: المقتول
بأيدى المشركين خاصة فى سبيل الله عز وجل فى المعركة خاصة ان حمل عن المعركة وهو
حى فمات غسل وكفن وصلى عليه (9).
مذهب الزيدية:
قال الزيدية فى شرح الأزهار:
الشهيد الذى لم يمت فى موضع القتال لكنه ذهب منه وقد جرح فى موضع
المعركة بما يعرف من طريق العادة أنه يقتله
يقينا نحو رميه أو ضربه بسيف أو عصا أو رضخه أو طعنه فى معمد ولم يمت منها فى
الحال فان هذا لا يغسل ولو مات فى بيته على فراشه ذكره الصادق بالله وعلى خليل
وظاهر قول الهادى عليه السلام أنه اذا نقل وبه رمق
غسل وحكى فى الزوائد للقاسمية أنه إذا أكل أو شرب أو دوى غسل وإلا فلا ومثله عن أبى طالب يحيى
ابن الحسين (10).
مذهب الأمامية:
قال الأمامية عن الشهيد ظاهر
الأخبار أنه
إذا أدركه
المسلمون وبه رمق يغسل سواء مات فى المعركة وغيرها وتخصيصة
لمن مات فيها محل تأمل وظاهر الأخبار انه يكفى فى وجوب التغسيل إدراكه حيا وان لم
ينقض الحرب ولا تقل عن المعركة ثم مات بعده بساعة أو ساعتين قبل أن تنفضى الحرب
فحكمه حكم الشهيد ومعنى قولهم مات فى الحرب أنه لم ينقل عنها وبه رمق ولم ينقض
الحرب وبه رمق فإن نقل عنها وبه رمق أو إنقض الحرب وبه رمق غسل لأنه لم يمت بين
الصفين (11) .
مذهب الإباضية :
قال الإباضية يغسل الشهيد إن
تعدى المعركة حياة قيل لا وقيل إن مات فى يومه فلا يغسل وإلا غسل وقيل يغسل الشهيد
مطلقا والمشهور الأول (12) وجاء فى الإيضاح فى أثر أصحابنا من أهل المشرق أن
الشهيد الذى لا يغسل هو المقتول فى المعركة وإن حمل من المعركة وفيه رمق حياة حتى
مات من بعده فإنه يغسل وفى أثر أصحابنا التفوسيين رحمهم الله أن المجروح إذا مات
فى يومه ذلك فإنه لا يغسل ولا يتمم عليه .
--------------------------------------------------------------
(1) لسان العرب للأمام العلامة
ابن منظور حـ2 ص 151 ، ص 152 مادة "رثت" طبع صادر دار بيروت للطباعة
والنشر ببيروت الطبعة الثانية سنه 1354هـ وترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح
المنير واساس البلاغة للزواوى حـ2 ص 282 مادة "رث" الطبعة الأولى طبع
مطبعة الرسالة بالقاهرة سنة 1959م.
(2) كتاب بدائع الصنائع فى
ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين الكاسانى حـ1 ص 321 ، ص 322 الطبعة الأولى طبع
مطبعة الجمالية بمصر سنة 1328هـ.
(3) حاشية الدسوقى على الشرح
الكبير لشمس الدين محمد عرفة الدسوقى وبهامشه الدردير حـ1 ص 425 ،ص 426 طبع مطبعة
دار إحياء المكتب العربية عيسى البابى الحلبى وشركاه بمصر وبلغة السالك لأقرب
المسالك للصاوى على الشرح الصغير للدردير حـ1 ص 191 طبع المطبعة التجارية الكبرى
بمصر .
(4) مختصر الإمام أبى إبراهيم
بن يحيى المزنى على هامش كتاب الأم للإمام أبى عبد الله محمد بن إدريس الأفعى حـ1
ص 177 ، ص 178 الطبعة الأولى طبع المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر سنه 1321هـ .
(5) المجموع شرح المهذب لأبى
ذكريا النووى مع فتح العزيز شرح الوجيز للرافعى حـ5 ص 260، ص 261 طبع مطبعة التضامن
الأخوى والمهذب لأبى إسحاق الشيرازى حـ1 ص 135 طبع مطبعة عيسى الرابى الحلبى
وشركاه بمصر
(6) الكلم : الجرح.
(7) الأكحل – عرق فى اليد أو هو
عرق الحياة .
(8) المغنى لبن قدامه على مختصر
أبى القاسم الخرقى يلية الشرح الكبير على متن المقنع لأبى عمر ابن قدامة المقدسى
حـ2 ص 335 طبع مطبعة المنار بمصر فى سنة 1341 هـ .
(9) المحلى حـ2 5 ص 115 مسألة
562 طبع إدارة الطباعة المنيرية الطبعة الأولى سنة 1349 هـ.
(10) شرح الأزهار للحسن بن
مفتاح حـ1 ص 409 الطبعة الثانية سنة 1357 هـ.
(11) كتاب مفتاح الكرامة
للعاملى جـ 1 ص 422 وكتاب الخلاف للطوسى جـ 1 ص 289 مسالة رقم 54 .
(12) شرح كتاب النيل جـ 1 ص 645
وكتاب الإيضاح جـ 1 ص 280 .