إحصار
التعريف به: الاحصار فى اللغة المنع والحبس
1، وفى الشرع المنـع من بعض أعمال معينة فى الحج أو العمرة على تفصيل
فى المذاهب فيما يلى بيانه :
مذهب الحنفية:
عند الحنفية يكون الاحصار فى الحج بمنع
الوقوف بعرفة والطواف الركن، فاذا- قدر على أحدهما فليس بمحصر، وفى العمرة المنع
من البيت ودليلهم قوله تعالى: " فان أحصرتم فما استير من الهدى " 2.
ونقل الزيلعى عن المحيط والبدائع والتحفة
والمرغينانى والأسبيجابى وغيرها. أن المرأة اذا أحرمت بغير زوج أو محرم أو مات
محرمها أو زوجها بعد احرامها فهى محصرة، ويكون الاحصار بالمرض، فان كان بغيره فهو
مطلق فيتناوله وغيره من الأعذار فيكوق بالعدو، والعدو يكون كل من المشركين: البغاة
وقطاع الطريق والعدو يكون من المسلمين وغيرهم.
وبمعناه فى المبسوط وغيره وفيه أيضا أن الذى ضل الطريق فهو محصر
يبقى محرما الى أن يحج ان زال الاحصار قبل فوات الحج 3.
قال الحنفية: ومن منع بمكة من الطواف
والوقوف بعرفة صار محصرا لانه. تعذر عليه الوصول الى الأفعال كما اذا كان ذلك فى
الحل، وان لم يمنع عنها بأن قدر على أحدهما لا يكون محصرا، ألما اذا قدر على
الوقوف بعرفة فلأنه أمن الفوات، واذا قدر على الطواف فلأنه فائت الحج يتحلل به
والدم بدل عنه فى التحلل، فلا حاجة الى الهدى 4. انظر مصطلح "
تحلل، فوات، دم ".
مذهب المالكية:
الاحصار عند المالكية على ثلاثة أقسام:
الأول: من أحصر عن البيت، وعن. الوقوف
بعرفة معا لمحرم بالحج، أو أحصر عن البيت والسعى لمحرم
بالعمرة.
والثانى: من أحصر عن البيت فقط .
والثالث : من أحصر عن عرفة فقط .
ويكون المنع بعد: كافر أو بسبب فتنة وقعت
بين المسلمين أو بسبب حبس بدون حق ( أى ظلما) أو كان الحق ثابتا لكن ثبت عسره، أو
كان المنع لمرض أو بسبب هبوب ريح عطلت السفينة أو بسبب خطأ فى الأيام أو بسبب حبس
بحق5 .
ومن منع بسبب حق بأن منعه الدائن حتى يؤدى
دينه وكان قادرا على دفع الدين فلا يباح له التحلل لأنه متمكن من التخلص والسير فى
نسكه فلا يكون محصرا 6.
مذهب الشافعية
قال الشافعية: يكون الحصر عن الوقوف أو الطواف أو السعى، والحصر
يكون بالعدو سواء كان من المسلمين أو من المشركين، والحصر بالعدو: هو الحصر العام
أما الحصر الخاص فيكون بمنع الغريم له وحبسه ولم يجد ما يقضى دينه، ويكون بالمرض
كذلك 7.
وجاء فى نهاية المحتاج 8 بعد أن
ذكر أن الاحصار هو المنع قال: ان الاحصار المنع من المقصود سواء منه مرض أو عدو أو
حبس، والحصر التضييق.
وقال موانع اتمام النسك ستة:
الأول: الحصر العام، وهو ما كان بسبب قطع
طريق أو غيره، وسواء كان المانع كافرا أو مسلما، وسواء أمكن المضى بقتال أو بذل
مال أو لم يمكن ، اذ لا يجب احتمال الظلم فى أداء النسك، وسواء كان
العدو فرقا أم فرقة واحدة لقول الله عز
وجل: " فان أحصرتم فما استيسر من الهدى .. الآية "، وقد نزلت بالحديبية
حين صد المشركون رسول الله صلى الله عليه وعن البيت وكان معتمرا فنحر والأولى قتال
الكفار عند القدرة عليه ليجمعوا بين الجهاد ونصرة الأسلام واتمام النسك.
الثانى: الحصر الخاص، بمثل الحبس ظلما أو
بدين مع الاعسار والعجز عن اثباته وبمثل المرض.
الثالث: الرق ، فان أحرم العبد بلا اذن
سيده، فان لسيده تحليله على تفصيل موضعه فى مصطلح " رق ".
الرابع: الزوجية فللزوج تحليل (أى اخراج
زوجته من الاحرام ) من حج تطوع لم يأذن فيه، وفى حج الفرض بلا اذن على الأظهر،
وفيه تفصيل ينظر فى مصطلح "حج "
الخامس: الأبوة ، وذلك بشرط أن يكونا
مسلمين، فان كانا كذلك فلهما تحليله من نسك التطوع اذا أحرم بغير اذنهما،: فى ذلك
تفصيل محله مصطلح " حج، أب، ابن ".
السادس: الدين، فلصاحب الدين منع المديون
من السفر ليستوفيه الا ان كان معسرا، أو الدين مؤجلا أو يستنيب من يقضيه من مال
حاضر وليس له تحليله.
وجاء فى المهذب: ان أحصره العدو عن الوقوف أو الطواف أو السعى وكان
له طريق آخر يمكنه الوصول منه الى مكة فلا يعتبر محصرا 9.
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: المحصر هو من يمنع من أداء
النسك بعد الاحرام بحج أو عمرة سواء منعه عدو من المشركين أو من المسلمين ولم يكن
له طريق آمن للحج وسواء كان الحصر عاما بالنسبة لكل الحجاج أو كان خاصا فى شخص
واحد مثل أن يحبس بغير حق أو يأخذه اللصوص أو حبس بحق أو دين حال لكنه قد يستطيع
أداءه و منع لمرض و ذهاب نفقة 10، أما من منعه العدو وكان يمكنه الوصول
الى الحرم من طريق أخرى غير التى أحصر فيها فلا يعتبر محصرا، كذلك من حبس بحق أو
دين حاق وكان قادرا على أدائه فلا يعتبر محصرا
مذهب الظاهرية:
وقال ابن حزم الظاهرى : كل من عرض له ما
يمنعه من اتمام حجه أو عمرته قارنا كان أو متمتعا، من عدو أو مرض أو كسرأو خطأ
طريق، و خطأ فى رؤية الهلال أو سجن أو أى شىء كان فهو محصر.
و الاحصار الحصر بمعنى واحد، وهما اسمان
يقعان على كل مانع من عدو أو مرض أو غير ذلك أى شىء كان 11.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: الاحصار هو حصول مانع اضطرارى
عقلى أو شرعى منع من اتمام ما أحرم له ، أسباب الحصر تسعة هى: الحبس ، أو المرض،
أو الخوف: أو انقطاع الزاد بحيث يخشى على نفسه التلف أو الضرر إذا حاول الاتـمام
مع حصول أى هذه الأعذار. هذه الموانع الاربعة عقلية.
أما الموانع الباقية فشرعية: هى: انقطاع
المحرم فى حق المرأة، فاذا انقطع محرمها بسبب من الأسباب العقلية المتقدمة أو
وبموت أو بغيرها ولو تمـردا منه ولم تجد محرما غيره صارت بانقطاعه محصرة: فلو أحصر
محرمها وقد بقى بينها: بين الموقف دون بريد فهل يجوز لها الاتمام من دونه ؟.
قال. " الامام ": الأقرب أنه لا
يجوز لها الأتمام من دونه الا ألا يبقى
بينها وبين الموقف الا ما يعتاد فى مثله مفارقة المحرم فى السفر ويتسامح بمثله
وأقرب ما يقدر به ميل.
والسبب الثانى من موانع الحصر الشرعية، من
أحصره مرض من يتعين عليه أمره نحو أن يمرض الزوج أو الزوجة أو الرفيق أو بعض
المسلمين أو الذميين وخشى عليه التلف ان لم يكن معه من يمرضه وجب على زوجته أو
رفيقه أن يقف معه ليمرضه ولا يجوز أن يعين غير الأخص كأن يجتمع مع الرجل زوجة
ومحرم فيتعين فى حق الزوجة.
قال الامام: الا أن يعرف أن المحرم أرفق من
الزوجة فانه جوز له أن يعين المحرم.
وجاء فى حاشية شرح الأزهار تعليقا على ما
سبق، مع يمينه أن تلك المحرم أرفق.
والسبب الثالث: من أحصره تجدد عدة كامرأة
طلقت بعد الاحرام أو مات زوجها فالواجب عليها أن تعتد حيث طلقت.
والسببان الأخيران: بمنع الزوج أو السيد
اذا جاز له المنع من الاتمام، وذلك اذا كان الاحرام بالنافلة من غير اذن الزوج أو
السيد فان لهما المنع عن اتمام ما أحرما له، وبذلك تصير الزوجة محصرة ويصير العبد
كذلك محصرا، ويلحق بمنع السيد لعبده كل من طولب بحق يجب عليه كالمطالب بالدين
الحال لا المؤجل12 .
وجاء فى البحر الزخار 13: ويصير
محصرا بالعدو المشرك اجماعا لنزول الآية فى احصار الحديبية، وكذا الباغى
مذهب الامامية:
أما الامامية فقد فرقوا بين الاحصار والصد،
فالمراد بالاحصار عندهم فى باب الحج منع الناسك بالمرض عن نسك يفوت الحج أو العمرة
بفواته مطلقا كالموقفين (الوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر الحرام) وذلك بالنسبة
للحج، أو عن النسك المحلل.
والمراد بالصد، منع الناسك بالعدو وما فى
معناه عما يفوت الحج أو العمر مع قدرة الناسك بذاته على الاكمال، فأثبتوا بهما أصل
التحلل فى الجملة وفرقوا فى عموم التحلل على ما سيأتى 14.
ومن الفروع التى تقوى تحقق الاحصار والصد
فيها المنع عن مكة وأفعال منى معا ويقوى عدم تحققها بالمنع عن مكة بعد التحلل
بمنى، وكذلك منع المعتمر عن أفعال مكة بعد دخولها، ومنع الحاج عن مناسك منى يوم
النحر اذا لم يمكنه الاستنابة ، فيه نظر من حيث تحقق الاحصار والصد به وعدم تحققه 15.
مذهب الأباضية:
وقال الأباضية: المحصر هو الممنوع من اتمام
الحج أو العمرة بعد الاحرام به ويقال أيضا محصور لأنه يقال حصر، وأحصره ، والحصر
يشمل السجن والقيد وخوف القتل و المثلة أو الضرب المبرح أو
نحو ذلك، ويشمل المرض كذلك 16.
بم يتحلل المحصر
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: يتحلل المحصر بذبح الهدى على
قول أبى حنيفة ومحمد، ولا حلق عليه ولا تقصير، وان حلق فحسن.
وقال أبو يوسف : عليه أن يحلق، ولو لم يحلق
فلا شىء عليه لأن النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحصروا فى الحديبية وأمرهم بأن
يحلقوا وحلق عليه الصلاة والسلام بعد بلوغ الهدايا محلها.
وفى الكافى أن المراد فى قول أبى يوسف عليه
الحلق ، الاستحباب لا الوجوب ، بدليل قوله: ولو لم يفعل لا شىء عليه. لأن ترك
الواجب يوجب الدم، وترك السنة اساءة.
وفى الكرمانى، فى حلق المحصر روايتان عن
أبى يوسف: فى رواية واجب، وفى رواية غير واجب ، وفى رواية النوادر عنه يجب الدم
بتركه.
ولأبى حنيفة ومحمد أن الحلق لم يعرف كونه
نسكا الا بعد أداء الأفعال وقبله جناية فلا يؤمر به.
وفى الكافى: لا يحلق عندهما اذا أحصر فى
الحل، وأما اذا ا أحصر فى الحرم فيحلق لأن الحلق مؤقت بالحرم عندهما، وان لم يجد
ما يذبح بقى محرما حتى يذبح أو يطوف 17.
ولو كان المحصر قارنا بعث هديين: هديا
لحجه، وهديا لعمرته لانه نه محرم بحرامهما فلا يتحلل الا بعد الذبح عنهما، ولو بعث
بهدى واحد يتحلل عن الحج ويبقى فى احرام العمرة لم يتحلل عن واحد منهما لأن
التحلل منهما لم يشرع الا فى حالة واحدة فلو تحلل عن أحدهما دون الآخر يكون فيه تغيير
للمشروع.
ولا يحتاج الى تعيين أحدهما للعمرة و الآخر
للحج لأن هذا التعيين غير مقيد، ولا يكفى هـدى واحد ليتحلل من الاحرامين لأنه شرع
قربة مقصودة بنفسها فلا ينوب الواحد عن اثنين، ولأن جهة الكفارة فيه راجحة،
والكفارة تتعدد على القارن لجنايته على الطرفين 18.
مذهب المالكية:
قال المالكية: يختلف ما يكون به التحلل المحرم المحصر باختلاف النسك
الذى يمنع منه ،
وذلك على الوجه الآتى :
أولا: من أحرم بحج ومنع من الوقوف بعرفة
والبيت معا، أو أحرم بعمرة ومنع عن البيت والسعى معا، وكان المنع ظلما بسبب
عدو أو فتنة أو حبس بدون حق ، أو بحق لكن ثبت عسره، فالأفضل له التحلل بالنية، بأن
ينوى الخروج من الاحرام، ومتى نوى ذلك صار حلالا ولا يحرم عليه شىء مما يحرم على
المحرم.
ويسن له أن ينحر هديه ويحلق رأسه أو يقصر
فان لم يكن معه هدى لا يجب عليه.
وقوله تعالى: " فان أحصرتم فما استيسر
من الهدى " محمول على. ما اذا كان الهدى مع المحصر من قبل كأن ساقه تطوعا،
والنية فى الأصل كافية للتحلل ويجوز له البقاء على احرامه للعام القابل الا أن
التحلل أفضل من البقاء على احرامه، وانما يجوز له التحلل بثلاثة شروط:
الأول: ان لم يعلم حين الاحرام أن هناك من يمنعه
من عدو أو فتنة أو حبس، فان كان يعلم بذلك فليس له التحلل، بل يبقى على احرامه حتى
يحج فى العام القابل، لكن ان علم بما يمنعه حين وظن أنه لا يمنعه فمنعه فله حينئذ
أن يتحلل بالنية ، كما وقع للنبى صلى الله عليه وسلم حين أحرم بالعمرة عام
الحديبية عالما بالعدو وهو يظن أنه لا يمنعه فمنعه، فلما منعه تحلل بالنية.
الثانى: أن ييأس من زوال المانع قبل فوات
الحج بأن يعلم أو يظن أن المانع لن يزول قبل فوات الوقوف بعرفة فان لم ييأس اتنظر
لعل المانع يزول.
الثالث: أن يكون الوقت متسعا لادراك الحج
عند الاحرام به بحيث أنه اذا لم يمنع يتأتى له ادراكه، أما لو أحرم بوقت لا يدرك
فيه الحج فليس له أن يتحلل، وان أحصر لأنه داخل على البقاء على احرامه ولا يلزم
المحصر طريق مخوف على نفسه وماله.
ثانيا: من وقف بعرفة وحصر عن البيت الحرام
وما بعده عن مواضع النسك كمزدلفة ومنى لمرض أو عدو أو حبس ولو بحق أو فتنة فقد تم
حجه لأن الحج عرفة، لكن لا يجوز له التحلل من احرامه الا بطواف الافاضة اذا كان قد
قدم السعى، فان لم يكن قد سعى فلا يحل الا بطواف الافاضة والسعى ولو بعد سنين، فان
بقى محصرا حتى فاته النزول بمزدلفة ورمى الجمار والمبيت بمنى ليالى الرمى فعليه
هدى واحد لفوات الجميع.
ثالثا: من تمكن من البيت وأحصر عن الوقوف
بعرفة فله أن يتحلل من احرامه ان شاء، وان شاء بقى على احرامه للعام القادم، لكن
ان دخل مكة أو قاربها فالأفضل له التحلل، ويكره له البقاء على احرامه لقابل، ويكون
التحلل بفعل عمرة ما لم يفته الوقوف وهو بمكان بعيد عن مكة جدا، فحينئذ يكون له
التحلل بالنية كالمحصور عن البيت والوقوف معا، وفسر التحلل بالعمرة بأن يطوف ويسعى
ويحلق بنية العمرة من غير تجديد احرام غير الأول بل ينوى التحلل من احرامه الأول
بفعل العمرة ويخرج المتحلل بالعمرة للحل ليجمع فى احرامه المتحلل منه بالعمرة بين الحل
والحرم، لأن كل احرام يجب فيه الجمع بين الحل والحرم، وهذا اذا كان قد أحرم أولا
بالحج من الحرم، أما لو أحرم بحجه أولا من الحل فلا يحتاج للخروج ثانية الى الحل،
ولا يجوز له التحلل ان استمر على احرامه حتى دخل وقت الحج فى العام القابل، فان
خالف وتحلل بعمرة فقيل يمضى تحلله ويكون متمتعا، وقيل لا يمضى تحلله وهو باق على
احرامه وما فعله من التحلل لغو 19.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: من أحصر عن اتمام حج أو عمرة
جاز له التحلل لأن الرسول لما صد عن البيت وكان معتمرا تحلل وأمر أصحابه بالتحلل
لأن فى مصابرة الاحرام الى أن يأتوا بالأعمال مشقة وحرج وقد رفعه الله تعالى عنا.
ولو منعوا من الرجوع أيضا جاز لهم التحلل فى الأصح، واذا جاز التحلل فان كان
المحصر واجدا للهدى لم يجز له أن يتحلل حتى يهدى لقوله تعالى: " فان أحصرتم
فما استيسر من الهدى".
ويجب أن ينوى بالهدى التحلل لأن الهدى قد
يكون للتحلل وقد يكون لغيره فوجب أن ينوى ليميز بينهما ثم يحلق.
وعلى القول بأن الحلق نسك حصل له التحلل
بالهـدى والنية والحلق، وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك حصل له التحلل بالنية
والهدى ، فان كان عادما للهدى حسا أو شرعا كأن احتاج اليه أو الى ثمنه أو وجده
غاليا فقيل لا بدل له لعدم ورود البدل فى الآية فيبقى فى ذمته ، والأظهر !ن له
بدلا كغيره من الدماء ويكون البدل طعاما فيقوم فان عجز صام عن كل مد من المقوم به
يوما كما فى الدم الواجب، وله اذا انتقل الى الصوم التحلل فى الحال على الأظهر
بالحلق والنية،: قيل لا يتحلل الا بعد الصوم، ولا يجوز له التحلل اذا أحصره المرض
لأنه لا يتخلص بالتحلل من الأذى الذى هو فيه فلا يتحلل كمن ضل الطريق، وتحلل
الرقيق يكون بالنية و الحلق 20.
مذهب الحنابلة:
قال الحنابلة: ويكون التحلل بذبح هدى شاة
أو سبع بدنة، أو سبع بقرة قوله تعالى " فان أحصرتم فما استيسر من الهدى
" ، وينوى بذبح الهدى التحلل وجوبا، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: "
انما الأعمال بالنيات "، ولفعله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، سواء كان
الحصر عاما أو خاصا، وسواء كان المنع قبل الوقوف بعرفة أو بعده.
ولا يحل المحصر القادر على الهدى قبل ذبحه،
فان كان معه هدى قد ساقه أجزأه وان لم يكن معه لزمه شراؤه ان أمكنه، فان لم يمكنه
صام عشر أيام بنية التحلل ثم حل، ولا اطعام فى الاحصار لعدم وروده
وقال الآجرى: ان عدم الهدى مكان احصاره
قومه طعاما، وصام عن كل مد يوما وحل، وأوجب عليه ألا يحل حتى يصوم أن قدر فأن صعب
عليه حل ثم صام، ويجب مع الهدى حلق أو تقصير، وهو احدى الروايتين عن أحمد، لأن
النبى صلى الله عليه وسلم حلق يوم الحديبية وفعله فى النسك دال على الوجوب.
والرواية الثانية وهى ظاهر كلام الخرقى
أنه لا يلزمه الحلق أو التقصير لأن الله تعالى ذكر الهدى وحدد ولم يشترط سواه 21.
ومن حصر عن طواف الافاضة فقط بأن رمى وحلق بعد وقوفه لم يتحلل حتى يطوف طواف
الافاضة ويسعى ان لم يكن قد سعى، وكذا لو حصر عن السعى فقط لأن الشرع ورد بالتحلل
عن احرام تام يحرم جميع المحظورات، ومن حصر عن واجب كرمى الجمار لم يتحلل وعليه دم
وحجه صحيح، ومن صد عن عرفة دون الحرم فى حج تحلل بعمرة ولا شىء عليه، لأن قلب الحج
الى العمرة مباح بلا حصر فمع الحصر أولى، فان كان قد طاف وسعى للقدوم ثم أحصر تحلل
بطواف وسعى آخرين لأن الأولين لم يقصد بهما طواف العمرة ولا سعيها وليس عليه أن
يجدد احراما 22 .
مما تقدم انما هو في الاحصار ظلما بعدو كان
أوبحق غير ثابت أو بحق مع اعسار، أما الاحصار بمرض أو ذهاب نفقة أو ضل الطريق لم يكن له
التحلل، ويبقى على احرامه حتى يقدر على البيت، لأنه لا يستفيد بالاحلال الانتقال
من حال الى حال منها ولا التخلص من الأذى به 23
مذهب الظاهرية :
قال ابن حزم الظاهرى : للمحصر أن يحل من
احرامه سواء شرع فى عمل الحج أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى
له أكثر فرضهما أو أقله، كل ذلك سواء.. وعليه هدى ولابد، الا أنه لا يعوض من هذا
الهدى صوم ولا غيره فمن لم يجد فهو عليه دين حتى يجده وقال: المحصر اذا صد فقد بلغ
هديه محله فله أن يحلق رأسه 24.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية: من أحصر بأى سبب من الأسباب
التى ذكرت آنفا فانه. يتحلل بعد أن يبعث بالهدى الى منى، ان كان المحصر حاجا،
ولكنه ان كان معتمرا ويعين لنحره وقتا معلوما ينحر فيه فيحل من احرامه بعد ذلك
الوقت بمعنى أنه يحل له محظورات الاحرام بعد ذلك الوقت، ولو لم يبلغه الخبر بأن
الهدى قد ذبح.
لكن يستحب له تأخير الخروج عن الاحرام نصف
نهار عن الموعد ليغلب على ظنه أنه قد ذبح الا أن يغلب على ظنه أنه لم يذبح لأمارة
دلت على ذلك أنه يؤخر الاحلال حينئذ وجوبا، فان انكشف أنه أحل، ففعل المحظور قبل الوقت
الذى عينه أو قبل الذبح لزمته الفدية الواجبة فى ذلك المحظور وبقى محرما، ولو قد
فعل ذلك المحظور، حتى يتحلل اما بفعل عمرة أو بهدى آخر ينحره فى أيام النحر من هذا
العام أو من القابل فى مكانه، ومن أحصر ولم يجد هديا يتحلل به فصيام ثلاثة أيام فى
الحج وسبعة اذا رجـع الى أهله، لكن التحلل يحصل بصيام الثلاثة الأول.
قال الامام: ذلك فيمن أحصر عن الحج أما من أحصر عن العمرة، ولم
يمكنه الهدى فالظاهر وجوب صيام ثلاثة أيام حيث عرض الاحصار، وأى وقت كان، وسبعة
اذا رجع، فاذا تعذر عليه الصوم والهدى جميعا جاز له التحلل، ويبقى الهدى فى ذمته 25
.
مذهب الأمامية:
قال الامامية: ومن صد بالعدو عن الموقفين
ومكة ولا طريق غير الطريق المصدود عنه، أو له طريق آخر ولكن لا نفقة له تبلغه ولم
يرج زوال المانع قبل خروج الوقت ذبح هديه المسوق أو غيره وقصر أو حلق وتحلل حيث صد
حتى من النساء من غير تربص ولا انتظار لطوافهن ولو أحصر عن عمرة التمتع، فتحلل
فالظاهر حل النساء أيضا، اذ لا طواف لهن بهما حتى يتوقف حلهن عليه.
ومتى أحصر الحاج بالمرض عن الموقفين معا أو
عن أحدهما مع فوات الآخر عن المشعر مع ادراك اضطرارى عرفة خاصة دون العكس،
وبالجملة متى أحصر عما يفوت بفواته الحج أو أحصر المعتمرعن مكة أو عن الأفعال بها
فان دخلها بعث كل منهما ما ساقه ان كان قد ساق هديا أو ثمنه ان لم يكن ساق،
والاجتزاء بالسوق مطلقا هو المشهور لأنه هدى مستيسر، الأقوى عدم التداخل ان كان
السياق واجبا لاختلاف الأسباب المقتضية لتمدد السبب ولو لم يتعين ذبحه وكفى .
ويكون اطلاق هدى السياق حينئذ عليه مجاز، واذا بعث وأعد نائبه
وقتا معينا لذبحه أو نحره، فاذا بلغ الهدى محله وحل وقت المواعدة حلق أو قصر تحلل
بنيته الا من النساء ضى يحج فى القابل، أو يعتمر مطلقا ان كان النسك الذى دخل فيه
واجبا مستقرا أو يطاف عنه للنساء مع وجوب طوافهن فى ذلك النسك ان كان ندبا أو
واجبا غير مستقر بأن استطاع له فى عامه، ولا يبطل تحلله الذى أوقفه بالمواعد لو
ظهر عدم ذبح الهدى وقت المواعدة ولا بعده لامتثال المأمور المقتضى لوقوعه مجزيا
يترتب عليه أثره، ويبعثه فى القابل لفوات وقته فى عام الحصر، ولا يجب الامساك عند
بعثه عما يمسكه المحرم الى أن يبلغ محله على الأقوى لزوال الاحرام بالتحلل السابق،
والامساك تابع له، والمشهور وجوبه، ويمكن حل الرواية القائلة بالوجوب على
الاستحباب كامساك باعث هديه من الآفاق تبرعا 26 .
مذهب الأباضية:
وقال الأباضية: قيل فى المحصر أن يبعث
الهدى ان كان معه، فاذا نحر عنه حل له غير النساء والصيد، ويواعد على وقت الذبح،
والا فيحتاط بتأخير حكم الاحلال، وقيل لا يحرم عليه الصيد : النساء اذا حل.
وقال أبو عبيدة وأبو نوح والربيع: لا حج
لمن فاته الوقوف بها (أى عرفة)، وليصنع كالناس أى يفعل ما بقى من أفعال الحج.
ويجمله عمرة ثم يحل من احرامه ، وقالوا: والمحصر عن حج أو عنهما فانما يتحلل اذا
نحر عنه هديه يوم النحر أو يفوته الحج فيجعلها عمرة، فاذا نحر عنه يوم النحر حل له
كل شىء الا النساء والصيد والطيب فحتى يحج من قابل وان لم يكن مع المحصر عن الحج
بمرض هدى فلا يحل حنى يفوت وقت الحج، وقيل حتى يصح ويحج.
وقال قوم: لا هدى على محصر بعدو، وان. كان
معه هدى فلينحره حيث أحل، وقيل عليه هدى ينحره حيث أحل ، قيل لا ينحره الا فى
الحرم، ومن فاته الحج بخطأ فى عدد الأيام أو لخفاء الهلال أو غير ذلك من الأعذار،
فحكمه المحصر بمرض ان بقى . على احرامه حتى يحج من قابل فلا هدى عليه 27.
أثر الاشتراط عند الاحرام
مذهب المالكية :
قال المالكية: ان نوى المحرم عند احرامه أو
شرط باللفظ. أنه متى حصل له مرض أو حصر من عدو أو فتنة أو حبس ظلما أو بحق أو غير
ذلك من كل ما يمنعه من تمام نسكه كان متحللا من غير تجديد نية التحلل فى الحصر عن
الوقوف والبيت، ومن غير فعل العمرة فى الحصر عن الوقوف فان تلك النية وذلك
الاشتراط لا يفيده، ولو حصل له ذلك المانع بالفعل فهو عند وجود المانع باق على
احرامه حتى يحدث نية التحلل أو يتحلل بعمرة 28.
مذهب الشافعيه:
قال الشافعية: اذا أحرم وشرط التحلل اذا
مرض أو ضاعت نفقته فقيل: ان الشرط لا يثبت لأنه عبادة لا يجوز الخروج منه ما بغير
عذر فلم يجز التحلل منها بالشرط، وقيل : يثبت الشرط لحديث ضباعة بنت الزبير حيث
دخل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم فقالت: انى أريد الحج : أنا شاكية، فقال
الرسول: " حجى واشترطى أن محلى حيث حبستنى "، وعلى هذا اذا شرط أنه اذا
مرض صار حلالا، فمرض صار حلالا، وقيل لا يتحلل الا بالهدى 29.
مذهب الحنابلة :
قال الحنابلة : من شرط فى ابتداء احرامه
أن يحل متى مرض أو ضاعت نفقته أو نفدت أو قال ان حبسنى حابس فمحلى حيث حبستنى فله
التحلل بجميع ذلك ، لحديث ضباعة السابق، وليس عليه هدى ولا صوم ولا قضاء، وله
البقاء على احرامه حتى يزول عذره ويتم نسكه 30 .
مذهب الظاهرية :
قال ابن حزم الظاهرى: ان كان اشترط الحاج
أو المعتمر عند احرامه أن محله حيث حبسه الله عز وجل، فليحل من احرامه ولا شى،
عليه سواء شرع فى عمل الحج أو العمرة أو لم يشرع بعد، قريبا كان أو بعيدا، مضى له
أكثر فرضهما أو أقله، كل ذلك سواء، ولا هدى فى ذلك ولا غيره ولا قضاء عليه فى شىء
من ذلك الا أن يكون لم يحج قط ولا اعتمر، فعليه أن يحج ويعتمر ولابد 31.
مذهب الامامية:
قال الامامية: لا يسقط الهدى الذى يتحلل به
بالاشتراط وقت الاحرام أن يحله حيث حبسه، وله تعجيل التحلل مع الاشتراط من غير
انتظار بلوغ الهدى محله وهذه فائدة الاشتراط فيه. وقيل: انها سقوط الهدى، وقيل
سقوط
القضاء على تقدير وجوبه بدونه، والأقوى أنه
تعبد شرعى، ودعاء مندوب، والاشتراط يفيد تعجيل التحلل للمحصر دون
المصدود لجوازه بدون الشرط 32.
مذهب الأباضية:
قال الأباضية: ان قال المحرم: ان محلى حيث
حبست، فليحل من حين حبس، ولا تلزمه كفارة هدى ان حبس ويحل من احرامه حيث حبس ولم
يرج التسريح ان لم يكن معه هدى ، والا فحتى يبلغ محله، ويجوز له أن يحرم بحج وينوى
ان تيسر فهـو حج وان حبس ففعله عمرة 33.
مـــكان الذبح
مذهب الحنفية :
وقال أبو يوسف ومحمد: يتوقت بالحرم حتى لا
يجوز ذبحه فى غيره، وهذا هو رأى أبى حنيفة.
وقال أبو يوسف ومحمد: يتوقت بالزمان
وبالمكان وهو الحرم، وهذا فى المحصر بالحج، أما دم العمرة فالاجماع على عدم تعين
الزمان لأن أفعال العمرة لا تتوقت فيه وانما قيد بالمكان بقوله تعالى : " ولا
تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله " وهو اسم للمكان والمراد به الحرم بدليل
قوله تعالى: " ثم محلها الى البيت العتيق 34 " بعد ذكر
الهدايا،، وقال تعالى: " هديا بالغ الكعبة 35 " ولأنه دم
كفارة لأنه يجب للاحلال قبل أوانه، ودم الكفارة يختص بالحرم 36.
مذهب المالكية:
قال المالكية: من أحصر عن الحج أو العمرة
وتحلل نحر هديه الذى كان معه بمكانه الذى هو به ان لم يتيسر ارساله لمكة، فان تيسر
له ذلك بعثه، ومن أحصر عن الوقوف وتمكن من البيت وتحلل بفعل عمرة، وكان معه هدى،
فلا يخلو، اما أن يخاف عليه العطب اذا أبقاه عنده حتى يصل الى مكة أولا، فان لم
يخف عليه ندب حبسه معه حتى يأتى مكة ليأخذه معه لينحره بمكة 37.
مذهب الشافعية:
قال الشافعية: من أحصر وتحلل بالذبح ، فان كان فى الحرم ذبح الهدى
فيه، وان كان فى غير الحرم ولم يقدر على الوصول الى الحرم ذبح الهدى حيث أحصر لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم نحر هديه بالحديبية وهى خارج الحرم، وان قدر على الوصول
الى الحرم، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يحوز أن يذيح فى موضحه لأنه موضع تحلله فجاز فيه الذبح
كما لو أحصر فى الحرم ،
والرأى الثانى: لا يجوز أن يذبح الا فى
الحرم لأنه ع قادر على الذبح فى الحرم، فلا يجوز أن يذبح فى غيره 38.
مذهب الحنابلة:
محل ذبح الهدى عندهم فى موضع حصره حلا كان
أو حرما الا أن يكون قادرا على أطراف الحرم، ففيه
وجهان:
أحدهما: يلزمه نحره فى الحرم، لأن الحرم
كله منحر وقد قدر عليه.
والثـانى: ينحره فى موضعه، لأن النبى صلى
الله عليه وسلم نحر هديه فى موضعه، وعن أحمد: ليس للمحصر نحر هديه الا فى الحرم
فيبعثه ويواطىء رجلا على نحره فى وقت يتحلل فيه.
وعقب صاحب المغنى على ذلك فقال: وهذا،
والله أعلم، فيمن كان حصره خاصا، أما الحصر العام فلا ينبغى أن يقوله أحد لأن ذلك
يفضى الى تعذر الحل لتعذر وصول الهدى الى محله، ولأن الرسول وأصحابه نحروا هداياهم
فى الحديبية، وهى فى الحل، ولا ينحر من أحصر بمرض أو ذهاب نفقة، الهدى الذى معه
الا بالحرم فيبعث به ليذبح فى الحرم 39.
مذهب الظاهرية :
المحصر اذا صد فقد بلغ هديه محله، وأورد
ابن حزم ما رواه أبى أسماء مولى عبد الله بن جحفر أنه أخبر أنه كان مع عبد الله بن
جعفر"فخرج معه من المدينة فمروا على الحسين بن على وهو مريض بالسقيا فأقام
عليه عبد الله بن جفر حتى اذا اخاف الفوات خرج وبعث الى على بن أبى طالب وأسماء
بنت عميس وهما بالمدينة فقدما عليه وأن حسينا أشار الى رأسه فأمر على بحلق رأسه
فحلق ثم نسك عنه بالسقيا فنحر عنه بعيرا، ثم قال: انما أتينا بهذا الخبر لما فيه
أنه كان معتمرا، فهذا على والحسين وأسماء
رأوا أن يحل من عمرته ويهدى فى موضعه الذى كان فيه وهو قولنا 40.
مذهب الزيدية :
لا يصح ذبح الهدى الا فى محله وهو منى، ان
كان المحصر حاجا، ومكة ان كان معتمرا 41.
مذهب الامامية :
المصدود يذبح هدى التحلل أو ينحره حيث وجد
المانع، أما المحصر فيبعثه الى محله وهو منى ، ان كان حاجا، ومكة ان كان معتمرا،
واذا اجتمع الاحصار والصد على المكلف بأن يمرض ويصد بالعدو فله أن يتخير أخذ حكم
ما شاء منهما، وأخذ الأخف من أحكامهما لصدق الوصفين الموجب للأخذ بالحكم سواء عرضا
دفعة أم متعاقبين 42.
مذهب الاباضية :
المحصر بعدو يحل من عمرته أو حجته حيث أحصر
عند الجمهور .
وقال أصحابنا : المحصر عن عمرة بعدو أو مرض
يبعث هديه الى الحرم ان لم يصد فيه، ينحر فى يوم معلوم فيتحلل من احرامه اذا قضى
ذلك اليوم ، وان كان فى الحرم ذبحه حيث كان، وقال قوم : لا هدى
على محصر بعدو، وان كان معه هدى فلينحره
حيث أحل، وقيل : عليه هدى وينحره حيث أحل، وقيل لا ينحره الا فى الحرم 43.
التوقيت بالحرم
اختلفت المذاهب على أقوال : فمنها ما وقت
بالحرم فلا يذبح هدى المحصر الا فيه، ومنها ما وقت بالزمان فى أيام النحر مع
التوقيت المكانى بالحرم، ومنه ما وقت بمكان الاحصار مع التفصيل بين هدى الحج وهدى
العمرة فى كل ذلك.
مذهب الحنفية:
يتوقت دم الاحصار بالحرم حتى لا يجوز ذبحه
فى غيره ولا يتوقت بيوم النحر حتى جاز ذبحه فى أى وقت شاء وهذا عند أبى حنيفة .
وقال أبو يوسف ومحمد : يتوقت بالزمان وهو
أيام النحر وبالمكان هـو الحرم ، وهذا الخلاف فى المحصر
بالحج ، وأما دم المحصر بالعمرة فلا يتعين
بالزمان بالاجماع لأن أفعال العمرة لا تتوقت فيه فكذا الهدى الذى يتحلل به منها ،
وجه قولهما أن هذا دم يتحلل به من احرام الحج فيختص بيوم النحر كالحلق فى الحج ،
وربما يعتبران بدم المتعة و القران، وله (أى لأبى حنيفة) قوله تعالى: " فان
أحصرتم فما استيسرمن الهدى)، ذكره
مطلقا ، والتقييد بالزمان فسخ له، فلا يجوز
الا بمثله 44.
مذهب الزيدية :
وقال الزيدية: اذا بعث المحصر بالهدى الى
منى أو مكة عين لنحره وقتا معلوما للرسول ينحره فيه ليحل من احرامه بعد ذلك الوقت،
ولابد أن يكون ذلك الوقت من أيام النحر فى هدى الحج لا العمرة فلا يحتاج لتعيين اذ
لا وقت له فلو عين غير أيام النحر قبلها لم يصح، وأما بعدها فيصح، ويلزم دم
التأخير، فان أمر بالهدى ولم يعين وقتا بل أطلق تعينت أيام النحر ولا يتحلل الا
بعد خروجها 45.
وبقية المذاهب يتضح ما ذهبت اليه فى عنصر
مكان الذبح السابق .
ما يجب على المحصر بعد التحال
مذهب الحنفية :
المحصر عند الأحناف فى هذه المسألة اما أن
يكون محصرا عن الحج أو عن العمرة أو عنهما معا، فقالوا: على المحصر بالحج ان تحلل
حجة وعمرة، كذا روى عن ابن عباس وابن عمر رضى الله عنهم، لأنه لزمه الحج بالشروع
وتلزمه العمرة للتحلل لأن المحصر فى معنى فائت الحج، والعمرة واجبة عليه لأن فائت
الحج يتحلل بأفعال العمرة، فان لم يأت بها قضاها فكذا المحصر، ولا يقوم الدم مقام
العمرة الا
فى حق التحلل، وهذا لأن احرام الحج لا يخرج
عنه الا بأفعال الحج أو العمرة.
وينعقد لازما وان لم يقصد الالتزام ، كمن
شرع فى الحج بنية الفرض لزمه المضى وان فسد وجب عليه قضاؤه، وهذا اذا لم يقصد الحج
من عامه ذلك، وأما اذا قضاه فيها لا يجب عليه العمرة لأنه لا يكون بمنزلة فائت
الحج حينئذ، كذا روى عن أبى حنيفة، وعنه أنه لا يحتاج الى نية التعيين اذا قفاه فى
تلك السنة.
وروى الحسن عنه أن عليه حجة وعمرة فى
الوجهين وعليه نية القضاء، وهو قول زفر، و لو قضاهما من قابل فهو مخير ان شاء أتى
بكل واحد منهـما على الانفراد وان شاء قرن ، ولو لم يحل حتى تحقق بوصف الفوات تحلل
بالأفعال بلا دم ولا عمرة فى القضاء 46.
و المعتير اذا أحصر: تحلل يجب عليه قضاوها
لا غير.
والاحصار عنها متحقق عندنا لأنه عليه
الصلاة والسلام وأصحابه أحصروا بالحديبية وكانوا معتمرين فاكانت تسمى عمرة القضاء
ولأن التحلل ثبت لدفع ضرر امتداد الاحرام والحج والعمرة فى ذلك سواء 47.
وعلى القارن اذا أحصر وتحلل حجة وعمرتان
لأنه صح شروعه فى الحج والعمرة فيلزمه بالتحلل قضاؤهما وقضاء عمرة أخرى اذا لم
يقصد الحج فى تلك السنة.
وروى الحسن عن أبى حنيفة أن الحاج عليه
العمرة بعد التحلل، وان قضى العمرة فى تلك السنة.
والظاهر أنه لا يقضى العمرة اذا قضى الحج
فى تلك السنة لأنه لم يؤخرها بل أتى بجميع أفعال الحج فى وقته الذى صرع فيه، وان
شاء أدى عمرتين متفرقتين والحجة مفردة فيكفيه دم الأحصار، وان شاء ضم ادى عمرتين
الى الحجة فيكون قارنا فيلزمه دم القران مع دم الاحصار، وفى المحيط ان شاء ضم احدى
العمرتين فيكون قارنا فيلزمه ثلاثة دماء: دم شكر للقران، ودما جبر لاحصاره قارنا،
ولا يلزمه أن يقضى قارنا لأنه بالشروع التزم أصل العبادة لا صفتها 48.
مذهب المالكية :
قال المالكية: لا يسقط عن المحصر الذى تحلل
بالنية أو بفعل عمرة حجة الفريضة وعمرة الاسلام ولو كان الحصر من عدو أو حبس ظلما
بخلاف حجة التطوع فيقضيها اذا كان المانع لمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق ، أما لو كان
المانع فى حجة التطوع ظلما بسبب عدو أو فتنة أو حبس فلا . يطالب بالقضاء 49.
مذهب الشافعية :
قال الشافعية: لا قضاء على المحصر المتطوع
اذا تحلل لعدم وروده لأنه لو وجب لبين فى القرآن أو الخبر لأن الفوات نشأ عن
الاحصار الذى لا صنع له فيه ، فان كان نسكه فرضا مستقرا عليه كحجة الاسلام وكالنذر
والقضاء بقى فى ذمته ومن أحصر وبقى على احرامه غير متوقع زوال لاحصار حتى فاته
الوقوف لزمه القضاء لفوات الحج كما لو فاته بخطأ طريق أو خطأ فى الأيام وتحلل
بأفعال العمرة ان أمكنه التحلل بها 50.
وجاء فى المهذب 51: من أحصر
بسبب عدو منعه أداء النسك فلا قضاء عليه وان كان الحصر خاصا كمنع غريم فقيل لا
يلزمه القضاء كما لا يلزمه فى الحصر العام، وقيل يلزمه لأنه تحلل قبل الاتمام بسبب
يختص به فيلزمه القضاء كما لو ضل الطريق.
وان أحصر فلم يتحلل حتى فاته الوقوف فان
زال العذر وقدر على الوصول تحلل بعمرة ولزمه القضاء وهى للفوات، وان فاته والعذر
لم يزل تحلل ولزمه. القضاء وهدى للفوات وهدى للاحصار.
مذهب الحنابلة:
وقال الحنابلة: لا قضاء على محصر ان كان
حجه نفلا، لظاهر الآية. وذكر فى الانصاف أنه المذهب وقيده فى المستوعب والمنتهى
بما اذا تحلل قبل فوات الحج، أما لو لم يتحلل حتى فاته الحج لزمه القضاء 52.
أما فى الواجب فانه يفعله بالوجوب السابق فى الصحيح من المذهب 53.
مذهب الظاهرية :
قال ابن حزم الظاهرى : نحن لا نمنع من
القضاء عاما آخر لمن أحب ، وانما نمنع من ايجابه فرضا، لأن الله تعالى لم يأمر
بذلك ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد صح أن الله تعالى لم يوجب على المسلم الا
حجة واحدة وعمرة فى الدهر فلا يجوز ايجاب أخرى الا بقرآن أو سنة صحيحة توجب ذلك 54.
مذهب الزيدية :
قال الزيدية : يجب على المحصر القضاء لما أحصر عنه اتمامه سواء كان
الذى أحصر عنه واجبا أم تطوعا ، وصفة القضاء كصفة الابتداء فيقضى الحج حجا والعمرة
عمرة 55 .
مذهب الامامية :
قال الامامية : لا يسقط الحج الواجب مع
الصد ، ويسقط المندوب والمحصر الذى حل الا من النساء كما سبق يحج فى القابل ان كان
واجبا ، أو يطاف عنه للنساء ان كان مندوبا 56.
متى يأمن المحرم الاحصار
مذهب الحنفية :
قال الحنفية: لا احصار بعدما وقف بعرفة
لإنه لا يتصور الفوات بعده فأمن منه ، وهذا بالنسبة للحاج ، فلا يتحلل بالهدى
ويمكنه أن يتحلل بالحلق فى يوم النحر فى غير النساء وان لزمه دم لكونه حلق فى غير
الحرم فلا حاجة الى ان يبعث دم الاحصار ليتحلل من غير عذر، ثم ان دام الاحصار حتى
مضت مدة التشريق فعليه لترك الوقوف بالمزدلفة دم ولترك رمى الجمار دم ولتأخير
الحلق وطواف الزيارة دم عند أبى حنيفة .
وعندهما ليس لتأخير الطواف شىء ، واختلفوا
فى تحلله فى مكانه قيل : لا يتحلل، وقيل يتحلل 57، على تفصل ينظر فى
مصطلح " تحلل ، حلق " .
مذهبا الشافعية والحنابلة :
وذهب الشافعية والحنابلة: الى أن المحرم
اذا تمكن من الوصول الى الحرم من طريق أخرى غير التى أحصر فيها لا يكون محصرا 5
.
مذهب الامامية :
وذهب الامامية الى أن كل من منع من المبيت
بمنى أو منع من رمى الجمرات... فهـو غير محصر فقالوا: أطبقوا على عدم تحقق الصد
والحصر بالمنع من المبيت بمنى ورمى الجمرات بل يستنيب فى الرمى فى وقته ان أمكن
والا قضاه فى القابل 59.
مذهب الاباضية :
قال الأباضية: وان أغمى على الواقف بعد
الزوال بعرفة أو وقع عليه مانع
كجنون أو حبس بعد الوقوف فى بعض الزمان بعد
الزوال حتى مضت أيام منى حجه ولا يخرج حتى يزور (60).
ما يفعله من زال عنه الإحصار
مذهب الحنفية:
قال الحنفية: إن بعث المحصر بالحج الهدى ثم
زال عنه الإحصار فإن كان يقدر أن يدرك الهدى والحج وجب التوجه عليه لأداء الحج،
وليس له أن يتحلل بالهدى لأن ذلك كان لعجزه عن إدراك الحج فكان فى حكم البدل، وقد
قدر على الأصل ، قبل حصول المقصود بالبدل، فسقط اعتباره، ويصنع بالهدى ما شاء،
لأنه ملكه وقد كان عينه بجهة فاستغنى عنه،
وإن كان لا يقدر أن يدركها لا يجب عليه التوجه، وإن توجه يتحلل بأفعال العمرة جاز
لأنه الأصل فى التحلل وفى التوجه فائدة وهو سقوط العمرة عنه فى القضاء، وإذا أدرك
الحج دون الهدى فعلى قول أبى حنيفة جوز له الخلل استحسانا والقياس أنه لا يجوز وهو
قول زفر، وهو أيضا رواية الحسن عن أبى حنيفة، أما على قول أبى يوسف ومحمد فلا
يتصور لأنه دم الإحصار بالحج عندهما يتوقت بيوم النحر، فإذا أدرك الحج أدرك الهدى
ضرورة وفى المحصر بالعمرة يتصور اتفاقا، فينبغى أن يكون جوابهما فيها كجواب أبى
حنيفة، وجه القياس أن العجز عن أداء الأفعال قد زال فيسقط حكم البدل وهو الهدى
لقدرته على الأصل وهو الحج، ووجه الاستحسان أنه لو لم يتحلل يضيع ماله مجانا وحرمة
المال كحرمة النفس فيتحلل، والأفضل أن يتوجه لأن فيه إيفاء بما التزم كما التزم
(61) .
مذهب الحنابلة:
قالت الحنابلة، كما جاء فى كشاف القناع
(62) : من زال عنه الحصر بعد تحلله وأمكنه فعل الحج الواجب فى ذلك العام لزمه
فعله.
وجاء فى المغنى (63) لو لم يتحلل المحصر
حتى خلى عنه لزمه السعى، وإن كان بعد فوات الحج يتحلل بعمرة.
مذهب الزيدية:
قال الزيدية، على ما جاء في شرح الأزهار.:
إن بعث المحصر بالهدى ثم زال عذره قبل الحل فى إحرام العمرة وقبل مضى وقت الوقوف
فى الحج لزمه فى هاتين الصورتين الإتمام لما أحرم له، وسواء كان الهدى قد ذبح أم
لا فيتوصل إليه بغير مجحف، أى يتوصل إلى حصول الإتمام بما لا يجحف بماله من بذل
المال ويلزمه أن يستكرى ما يحمله إن احتاج فأتم ما أحرم له جاز له أن ينتفع
بالهدى إن أدركه قبل أن ينحر فيفعل به ما شاء فإن أدركه بعد النحر فبل أن يصرف.
قال الإمام: فالأقرب أن له أن ينتفع به كما
لو أدركه حيا، وهذا أنما يكون في هدى العمرة سواء كان أتمها أم لا وإنما ينتفع به
إذا أدركه وقد عرف أن تمام العمرة غير متعذر عليه فى ذلك الإحرام.
وأما فى هدى الحج فإنه لا يجوز له أن ينتفع
به قط إلا أن أدرك الوقوف بعرفة، فإذا أدرك الوقوف انتفع به، وإن لم يدرك الوقوف
تحلل من إحرامه بعمرة ولا يحتاج إلى تجديد الإحرام لها بل يكفيه أن يطوف ويسعى
ويحلق، ولا يجوز له الانتفاع بالهدى، وقد قال الإمام: وإلا تحلل بعمرة ونحر.
مذهب الأمامية:
قال الأمامية، كما جاء فى الروضة البهية
(65) : لو زال عذره التحق وجوبا وإن بعث هديه فإن أدرك وإلا تحلل بعمرة، وإن ذبح
أو نحر على الأقوى، لأن التحلل بالهدى مشروط لعدم التمكن من العمرة فإذا حصل
انحصر فيه، ووجه العدم الحكم بكونه محللا قبل التمكن وامتثال الأمر المقتضى له.
إحصار
بيان المعنى فى اللغة:
مادة: حصن تدل على المنع ومنه الحصن لأنه
يمنع من فيه، ويقال: أحصن الرجل إذا تزوج وأحصن إذا أسلم وأحصن إذا صار حرا، وأحصن
إذا عف.. وفى جميع ذلك معنى المنع. فالرجل إذا تزوج منع نفسه من الزنا، وإذا أسلم
منع نفسه من القتل، وإذا عتق منع نفسه من أن يملك، والعفيف يمنع نفسه من الفحش.
فى القاموس: حصن ككرم منع نحو حصين، والحصن
بالكسر كل موضع حصين لا يوصل إلى جوفه، وامرأة حصان كسحاب: عفيفة أو متزوجة، ورجل
محصن كمكرم، قد حصنه التزويج، وأحصن تزوج .
وفى مختار الصحاح: أحصنت المرأة عفت
وأحصنها زوجها. وقال ثعلب: كل امرأة عفيفة فهى محصنة ومحصنة، وكل امرأة متزوجة فهى
محصنة بالفتح لا غير ، وقرىء " فإذا أحصن على ما لم يسم فاعله زوجن.
والإحصان فى الشرع قسمان:
ا) إحصان الرجم.
ب) إحصان القذف.
ولكل
شروط
فإحصان الرجم عبارة عن اجتماع صفات
اعتبرها الشرع لوجوب رجم الشخص إذا زنى.
وإحصان القذف: عبارة عن اجتماع صفات فى
المقذوف تجعل قاذفه مستحقا للجلد.
وعرف صاحب المبسوط الإحصان بأنه عبارة عن
خصال حميدة بعضها مأمور به وبعضها مندوب إليه وبأنه عبارة عن حال فى الزانى يصير
الزنا فى تلك الحالة موجبا للرجم (66).
شروط إحصان الرجم
اتفق الفقهاء على أن الإحصان من شروط
الرجم، ولكنهم اختلفوا فى شروط الإحصان على الوجه الآتى:
مذهب الحنفية:
قالوا إن الصفات التى اعتبرها الشرع لوجوب
الرجم سبعة : العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام ، والنكاح الصحيح وكون الزوجين
جميعا على هذه الصفات والدخول فى النكاح الصحيح.
لأن هذه الصفات إذا اجتمعت في الرجل أو
المرأة ثم زنى كان مستحقا للرجم فإنها كلها مانعة من الزنا فهى كالحصن يمنع من
دخل فيه ويحفظه.
أما العقل: فلأن الزنا عاقبته ذميمة،
والعقل يمنع عن ارتكاب ماله عاقبة ذميمة. وأما البلوغ: فلأن الصبى لنقصان عقله
وقلة تأمله لانشغاله باللهو واللعب لا يقف على عواقب الأمور فلا يعرف الحميدة
منها والذميمة.
وأما الحرية: فلأن الحر يستنكف عن الزنا،
وكذلك الحرة، ولهذا لما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم آية المبايعة على النساء
وهى قوله تعالى فى سورة الممتحنة ( يا أيها النبى إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على
أن لا يشركن بالله شيئا، ولا يسرقن، ولا يزنين ) ولما بلغ إلى قوله ( ولا يزنين )
قالت هند امرأة أبى سفيان: أو تزنى الحرة يا رسول الله ؟ .
وأما الإسلام: فلأنه نعمة كاملة موجبة
للشكر فيمنع من الزنا الذى هو وضع كفر النعمة موضع شكرها.
وأما اعتبار اجتماع هذه الصفات فى الزوجين
جميعا: فلأن اجتماعها فيهما يشعر بكمال حالهما، وذلك يشعر بكمال اقتضاء الشهوة من
الجانبين، يكن انقضاء الشهوة بالصبية والمجنونة قاصر، وكذا بالرقيق لكون الرق من
نتائج الكفر فينفر عنه الطبع وكذا بالكافرة، لأن طبع المسلم ينفر عن الاستمتاع
بالكافرة، ولهذا قال النبى صلى الله عليه وسلم لحذيفة رضى الله عنه حين أراد أن
يتزوج يهودية " دعها فلإنها لا تحصنك ".
وأما الدخول فى النكاح الصحيح: فلأنه
اقتضاء الشهوة بطريق حلال فيقع به الاستغناء عن الحرام، والنكاح الفاسد لا يفيد فلا
يقع به الاستغناء، وجعل الخول متأخرا عما سبقه، لأن وجوده قبل استيفاء سائر ما سبق
لا يجعل اقتفاء الشهوة على سبيل الكمال فلا يقع الاستغناء به عن الحرام على التمام
وبعد استيفائها يقرأ به الاستغناء على الكمال والتمام.
وظاهر الرواية على اعتبار هذه الصفات مجتمعة
أى أنها شرائط الإحصان حتى لا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية والدخول بها،
وكذلك الذمى العاقل البالغ الحر الثيب لم، يرجم إذا زنى بل يجلد.
وروى عن أبى يوسف أن الإسلام ليس "ن
شرائط الإحصان، ولذا يصير المسلم محصنا بنكاح الكتابية، ويرجم الذمى إذا زنى وليس
بشرط فى المذهب أن يكون كل واحد من الزانيين محصنا حتى يجب الرجم، فلو كان أحدهما
محصنا والآخر غير محصن، فالمحصن منهما يرجم وغير المحصن يجلد.
ويتفرع على ما ذكرنا:
أ) أنه إذا اختلى الزوجان خلوة صحيحة
وتصادقا على أنه لم يدخل بها لا يكونان محصنين لأن الخلوة إنما
تجعل كالاستيفاء فيما هو من حكم العقد،
والإحصان ليس من ذلك في شىء، فإذا أقرا بالجماع لزمهما حكم
الإحصان ، وإن أقر به أحدهما صدق على نمسه
دون صاحبه.
ب) وأنه لا يحصن الخصى إذا كان لا يجامع،
وكذا المجبوب والعنين، فإن جاءت بولد وثبت نسبه من الزوج ففى الخصى والعنين يكونا
محصنين للزوجة لأن الحكم بثبوت النسب حكم بالدخول، وفى المجبوب ذكر فى اختلاف وفر
ويعقوب رضى الله عنهما أنه على قول زفر رحمه الله تصير الزوجة محصنة لما حكمنا
بثبوت النسب من الزوج. وعند أبى يوسف لا تصير محصنة، لأنه لا يتصور الجماع بدون
الآلة والحكم بثبوت النسب بطريق الإنزال بالسحق وليس ذلك من الجماع فى شئ ، وثبوت
حكم الإحصان يتعلق بعين الجماع.
ج) وأن الرتقاء لا تحصن لانعدام الجماع مع
الرتق.
د ) وأن النكاح الفاسد لا يحصن لأن الإحصان
عبارة عن كمال الحال وذلك يحصل بوطء هو نعمة بل نهاية في النعمة حتى لا يحصل
بالوطء بملك اليمين والوطء بالنكاح الفاسد حرام فلا يوجب الإحصان.
هـ) وأن الخنثى إذا دخل بامرأته أو دخل
بالخنثى زوجها فهما محصنان لأنه لما حكم بكونه رجلا أو امرأة بالجماع فالنكاح
الصحيح تحقق بينهما فثبت به حكم الإحصان.
و) وإنه لو دخل مسلم بامرأته المسلمة ثم
ارتدا- والعياذ بالله- بطل إحصانهما، لأن الردة تحبط العمل، ويلحق المرتد بمن لم
يزل كافرا فكما أن الكافر الأصلى لا يكون محصنا فالمرتد كذلك فإن أسلما جميعا لم
يكونا محصنين إلا بجماع جديد بمنزلة زوجين حربيين أن ذميين أسلما.
ز) وأن العبد مع امرأته الأمة إذا عتقا لم
يكونا محصنين حتى يجامعها بعد العتق، فإن جامعها فهما محصنان
علما بالعتق أو لم يعلما.
ح) وأنه إذا ولدت المرأة من الرجل وهما
ينكران الدخول فهما محصنان لأن الولد شاهد على الدخول بينهما وهو أقوى من
شهادة شاهدين (67) .
مذهب المالكية:
قالوا: إن المحصن هو المكلف الحر المسلم
إذا وطىء وطئا مباحا بنكاح لازم ابتداء أو دواما فخرج من أصاب بملك أو زنا وخرج
بنكاح غير لازم كنكاح عبد حرة بلا إذن سيده ومعيب أو فاسد مع انتشار الآلة بلا
مناكرة بين الزوجين فى الوطء بأن يعترفا بحصوله لا إن أقر أحدهما بحصوله و نكره
الآخر.
وغير المحصن: هو من لم يتقدم له وطء مباح
فى نكاح لازم بأن لم يتقدم له وطء
أصلا أو تقدم له وعاء فى أمته أو زوجته
لكن فى حيضها أو نكاح فاسد.
وشروط الإحصان عندهم عشرة، إذا تخلف شرط
منها لم يرجم وهى بلوغ، وعقل، وحرية وإسلام، وإصابة فى نكاح لازم ووطء مباح
بانتشار، وعدم مناكرة، وكون الموطوءة مطيقة ولو لم تكن بالغا.
وخرج بكون الوطء مباحا ما إذا كان محظورا
كأن يكون فى الحيض أو الصيام فإنه لا يحصن، وعمدة مالك فى اشتراط الإسلام أن
الإحصان عنده فضيلة ، ولا فضيلة مع عدم الإسلام.
فالحاصل أن الذكر المكلف الحر يتحصن بوطء
زوجته المطيقة ولو صغيرة أو كافرة أو أمة أو مجنونة، والأنثى البالغة تتحصن بوطء
زوجها إن كان بالغا ولو عبدا أو مجنونا، فشرط تحصين الذكر- مع مراعاة بقية
الشروط - إطاقة موطوءته، وشرط تحصين الأنثى- مع الشروط الأخرى بلوغ واطئها فقط
، ولا يقال وإسلامه، لأن الكافر لا يصح نكاحه المسلمة فهو خارج بالنكاح الصحيح
(68).
مذهب الشافعية:
قالوا : إن شروط الإحصان أربعة:
1، 2-
البلوغ، والعقل.. فلا
حصانة لصبى ومجنون لعدم الحد عليهما.
3- الحرية، فالرقيق ليس بمحصن واو مكاتبا
ومبعضا ومستولدة لأنه على النصف من الحر والرجم لا نصف له، ويرجم الحر ولو كان
ذميا أو مرتدا لأنه عليه السلام رجم اليهوديين كما ثبت فى الصحيحين، وعقد الذمة
شرط لإقامة الحد على الذمى لا لكونه محصنا من فلو وطىء حربى فى نكاح وصحح نكاحه
فهو محصن، ولذا لو عقدت له ذمة فزنى رجم، ومثل الذمى المرتد والمستأمن لا يقام
عليه حد الزنا علي المشهور.
4- ووجود
الوطء في نكاح صحيح بغيبوبة الحشفة أو قدرها عند فقدها من مكلف بقبل ولو لم تزل
البكارة.
وحجتهم فى عدم اشترط الإسلام ما ثبت، من
أن النبى عليه السلام رجم اليهوديين اللذين زنيا ، ولو كان الإسلام شرطا ما
رجمهما " (69) .
مذهب الحنابلة:
قالوا: إن شروط الإحصان سبعة:
الأول: الوطء فى القبل لأن النبى عليه
السلام قال " الثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة "، والثيابة تحصل
بالوطء من القبل توجب اعتباره وعقد النكاح الخالى عن الوطء لا يحصل به إحصان سواء
حصلت فيه خلوة أو وطء فيما دون الفرج أو فى الدبر أو لم يحصل شىء من ذلك، لأن هذا
لا تصير به المرأة ثيبا: ولا تخرج به عن حد الأبكار الذين حدهم جلد مائة وتغريب
عام، بمقتضى الخبر، ولابد من أن يكون وطأ حصل فيه تغييب الحشفة فى الفرج لأن ذلك
حد الوطء الذى يتعلق به أحكام الوطء.
الثانى: أن يكون فى نكاح لأن النكاح يسمى
إحصانا بدليل قوله تعالى: (والمحصنات من النساء ) يعنى المتزوجات فالتسرى لا يحصل
به الإحصان لكونه ليس بنكاح ولا تثبت له أحكامه.
الثالث: أن يكون النكاح صحيحا لأنه إذا لم
يكن النكاح صحيحا يكون الوطء فى غير الملك فلا يحصل به الإحصان كالوطء بشبهة.
الرابع: الحرية، لقوله تعالى ): فإن أتين بفاحشة
فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) والرجم لا يتنصف وإيجابه كله يخالف النص
مع مخالفة الإجماع.
الخامس والسادس: البلوغ والعقل فلو وطىء:
هو صبى أو مجنون ثم بلغ أو عقل لم يكن محصنا.