ا- التعريف بها لغة:يقال: أجَر الشىء أكراه وأجَر العامل صاحب العمل رضى أن يكون أجيرا عنده وجمعه أُجراء، ومنه قوله تعالى: " على أن تأجرنى ثمانى حجج" (1) .وأجَر فلانا على كذا أعطاه أجرا.والفعل من باب قتل، وعند بني كعب من باب ضرب.ويقال: آجرت الدار فأنا مؤجرها، كما يقال: آجرت فأنا مؤاجر.وأجر من فلان الدار أكراها له وأجر فلانا الدار. كراه آياها وآجره مؤاجرة استأجرة، واستأجره اتخذه أجيرا كما يقال: ائتجر على فلان بكذا عمل له بأجر، ويقال: فى معنى أجره إكراه فهو مكر وكاراه فهو مكار واكتراه استأجره فهو مكتر و أكرانى دابته أجرنى آياها.والأجرة الكراء والكروة.والإجارة الأجرة على العمل.والأجر عوض العمل وجمعه أجور وجمع الأجرة أجر (2) .2- التعريف بها شرعا:يعرفها الفقهاء: بأنها عقد يفيد تمليك المنفعة بعوض، وبذلك تميزت من الجعالة لأن الجعالة ليست عقدا وإنما تنشأ بإرادة الجاعل وحدها، ومن البيع والهبة لأنهما يفيدان تمليك الأعيان، ومن العارية والوصية بالمنفعة لأن التمليك بهما بالمجان.وليس فى تعريف الإجارة بذلك إختلاف بين الفقهاء جميعا، وإنما يختلفون فى العبارة الدالة على هذا المعنى من ناحية استعمال لفظ بدل لفظ له معناه أو من ناحية زيادة بيان وتفصيل كما فى تعريف بعض الحنابلة لها فى " كشاف القناع ": بأنها عقد على منفعة مباحة معلومة تؤخذ شيئا فشيئا مدة معلومة من عين معلومة أو موصوفة فى الذمة أو عمل معلوم بعوض معلوم.واستثنوا من المدة ما فتح من الأرض عنوة وترك لأهله بالخراج على أن يكون أجرة له مراعاة للمصلحة العامة التى استوجبت ذلك فإنه فى نظر الحنابلة يعد متروكا فى يد أهله بطريق الإجارة دون تقدير مدة لذلك، ولذا يبقى فى أيديهم لا ينزع منهم.وينتقل بالوراثة إلى ورثتهم فيتوارثون منافعها كما تتوارث الأعيان (3) .وكذلك استثنوا الصلح مع صاحب أرض على حق ادعى عليه نظير بدل أو عوض هو أن يجرى المصالح فى تلك الأرض ماء أرضه الفاضل من ريها أو حاجتها من الماء فى ريها على أن يكون ذلك حقا له دائما، فقد أجازوا ذلك على أنه إجارة للمجرى فى أرض المصالح بلا اشتراط مدة بل تعد إجارة مستمرة (4) .وقد شاع عند كثير من الفقهاء استعمال اسم الإجارة وما اشتق منها فى استئجار الآدميين واستعمال اسم الكراء وما اشتق منه فى استئجار غيرهم ومع ذلك فقد يستعملون اللفظين دون تفرقة بينهما فى الاستعمال (5) .وفى "الشرح الكبير" للدردير (6) : أن المالكية يسمون العقد على منافع الآدمى وما يقبل الانتقال كالثياب والأوانى ما عدا السفن والحيوان إجارة، والعقد على منافع ما لا يقبل الانتقال كالأرض والدور، وكذلك منافع السفن والدواب كراء، وهذا هو الاستعمال الغالب عندهم، وقد يستعملون أحد اللفظين محل الآخر.الإجارة - محلهامحل الإجارة المنافع فلا ترد إلا على منفعة، والمنفعة نوعان:منفعة أشياء: وهى ما يكتسب من الأعيان كمنافع الدور والثياب والحيوان ونحو ذلك.ومنفعة أعمال: وهى ما يقوم به العمال من الأعمال التى تطلب منهم كالخياطة والصياغة والصناعة والنجارة والبناء والحمل ونحو ذلك.ولما كان محلها المنافع كان الواجب فيها عند تمامها تسليم ذلك المحل إلى من تملكه استيفاء لحقه، غير أن المنافع لا يتصور فيها التسليم بذاتها لأنها أعراض، فقام مقام ذلك تسليم العين التى تطلب منها المنفعة وتمكين المنتفع من الانتفاع بها، واعتبر ذلك تسليما للمنفعة نفسها، وذلك واضح فى إجارة الأشياء.أما فى إجارة العمال على الأعمال فإن تسليم العمل المطلوب يتم إما بقيام العامل الأجير بالعمل فعلا والتخلية بينه وبين المؤجر، وإما بتسليم نفسه إلى مستأجره واستعداده لأن يقوم به كما فى الأجير ا لخاص (الوحد) .ولذا لو سلم نفسه إلى مستأجره مدة الإجارة كلها مستعدا للقيام بالعمل استحق الأجرة، وان لم يعمل لأنه فعل ما يطلب منه وما يستطيع أن يقوم به وذلك محل اتفاق بين المذاهب.وبناء على ما ذكر لم تجز إجارة الشجر والكرم لأخذ ثمره كما فى استئجار البساتين لأخذ أثمارها لأن الثمر عين لا منفعة فلا ترد عليه الإجارة، وكذلك لم يجز استئجار شاة لأخذ لبنها أو أولادها أو صوفها ولا استئجارها لترضع جدياً أو طفلا ولا استئجار الآجام والبرك لأخذ ما يكون فيها من السمك ولا استئجار المراعى المملوكة لرعى ما فيها من الكلأ ولا استئجار الفحل للضراب وغير ذلك مما يراد من استئجاره تملك عين لا منفعتها، وإلى هذا ذهب الحنفية (7) ومالك (8) والشافعية (9) والحنابلة (10) كما ذهب إلى ذلك أيضا ابن حزم من الظاهرية (11) والزيدية (12) .وأما الشيعة الإمامية: فقد جاء فى كتاب تحرير الأحكام (13) لهم: " ولا يجوز استئجار شجر لأخذ ثمره، كما جاء فيه أيضا ما نصه وفى جواز استئجار الغنم والإبل والبقر لأخذ لبنها أو لاسترضاعها أو لأخذ صوفها أو شعرها أو وبرها أشكال كما جاء فيه أيضا: ويجوز كراء بئر أو عين لأخذ الماء منها أما شراء الماء فلا يصح ".والحكم الأول الخاص باستئجار الشجر لأخذ ثمره يدل على أن الشيعة الإمامية كغيرهم فى أنهم لا يجوزون ورود عقد الإجارة على الأعيان ومن ثم كان فى قولهم بجواز استئجار الغنم لأخذ لبنها وصوفها اشكال، وربما دل هذا على وجود خلاف فى الفقه الشيعى فى تجويز إجارة عين لأخذ ما تنتجه من ماء أو لبن ونحوه، ومن ثم جاز استئجار البئر لأخذ مائه نتيجة لهذا الخلاف وان لم يشر صاحب الكتاب إلى هذا الخلاف، وربما كان ذلك من قبيل الاستثناء وأن المذهب الشيعى يرى عدم الجواز إلا فيما نص على جوازه.الإباضية:أما الإباضية فقد جاء فى " شرح النيل " جواز كراء البئر أو العين لأخذ مائه، وأن ذلك محلخلاف عندهم (14) .وأجاز ذلك الحنفية لعموم البلوى (15) واستثنى الفقهاء من هذا الأصل إجارة الظئر للإرضاع مراعين فى ذلك أن الإجارة فى هذه الحال على ما تقوم به الظئر من أعمال ومنافع للطفل من حمل ورعاية وحفظ وغير ذلك من الأعمال التى تصلح أن تكون محلا لعقد الإجارة، أما اللبن فتابع لذلك. وذهب ابن عقيل من الحنابلة: إلى جواز استئجار البئر ليستقى منه أياما معلومة و ليؤخذ منه دلاء معلومة.وفى "المغنى": أن القول بهذا يقتضى جواز استئجار بركة ليصطاد منها السمك مدة معلومة.كما نصوا على جواز الاستئجار على الكتابة وعندئذ يكون التزام الكاتب بالحبر والأقلام ودخوله فى الإجارة من قبيل دخول التابع ومثله خيط الخياط وكحل الكحال ومرهم الطبيب وصبغ الصابغ (16) وماء الحمام، وذلك مع ملاحظة ما فى الحمام من الانتفاع بالأدوات والمكث فيه، ومثل هذه المسائل كثير فيما جرى به العرف.وفى "المحلى" لابن حزم (17) : ولم يجز مالك إجارة الشاة ولا الشاتين للحلب وأجاز إجارة القطيع من ذوات اللبن للحلب، كما أجاز استئجار البقرة للحرث مع اشتراط لبنها.وقد جاء "بالتاج والإكليل" للمواق ما يدل على ذلك (18) .فقد جاء فيه جواز أن يكترى البقرة وليشترط حلابها لأن الغرر خف بما انضاف إليها من الكراء كما خف فى الغنم إذا كثرت وجاء فى متن خليل ما يدل على أن شرط جواز الإجارة فى هذه المسائل ألا يكون القصد منها أصالة الحصول على عين و إلا كانت ممنوعة (19) .وجاء فى "الشرح الكبير" للدردير: ولا يجوز استئجار شجر لأخذ ثمره ولا استئجار شاة لأخذ لبنها، ثم ذكر بعد ذلك: أنه إذا اكتريت أرض أو دار وكان فيها شجر مثمر جاز أن يشترط فى عقد الإجارة دخول هذا الشجر فيه فيكون للمستأجر ثمره، وذلك إذا توافرت الشروط الآتية:ا- ألا يكون ثمر هذا الشجر قد بدا صلاحه، فأما إذا بدا صلاحه فإنه يجوز إشتراطه مطلقا بلا قيد ولو كان ثمره كثير القيمة، وذلك على أساس أن ذلك الشرط حينئذ يجعل العقد عقدين، عقد على إجارة العين وعقد على شراء الثمر واجتماع عقد الإجارة مع عقد البيع جائز.2- أن يكون بدو صلاح هذا الثمر فى مدة الإجارة فإن كان بدو صلاحه عادة بعد المدة لم يجز ذلك الشرط وفسدت به الإجارة وإن كان قليل القيمة.3- أن يكون هذا الشرط قد قصد به دفع الضرر عن العاقدين.4- أن تكون مدة الإجارة وجيبة لا مشاهرة.5- أن تكون قيمة الثمر ثلث مجموع ما تؤجر به العين مضافا إليه قيمة الثمر أو أقل، فإن زادت على الثلث لم يجز وفسد العقد.وليس يجوز مثل هذا الشرط فى الأرض المستأجرة يكون فيها زرع إلا إذا نقصت قيمته عن ثلث مجموع ما تؤجر به الأرض مضافا إلى ذلك قيمة الزرع (20) .وفى "إغاثة اللهفان" (21) الحنبلى: أن مالكا يرى جواز إجارة الشاة مدة معلومة بعلفها لأخذ لبنها، وخالفه فى ذلك الباقون ووجه قوله أن اللبن يحدث بعلفه وخدمته كحصول الغلة ببذر الزرع وخدمته لا فرق بينهما، وقد جاز إجارة الأرض لذلك كما أنه يجوز إجارة بئر لمائها مدة معلومة مع أن حصول الماء ليس من عمله، ويجوز إجارة بركة لأخذ ما فيها من السمك.ومما يتصل بهذا الموضوع، ما أشرنا إليه من إجارة الظئر و إجارة الحمام " كراء الحمام، وهاك تفصيل حكمهما.إجارة الظئروللمسترضع أن يستأجر ظئرا لقوله تعالى: "وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف " (22) .ويجوز استئجارها بأجر معين كما يجوز استئجارها بطعامها وكسوتها ولها عند ذلك الوسط عند الإمام لجريان العادة بالتوسعة على الظئر شفقة على الولد بالإنفاق ولها الأجر عند الحنفية إن أرضعته أو دفعته إلى من أرضعته من جارة لها أو ظئر أخرى استأجرتها لذلك لأن الغرض من الإجارة غذاء الطفل وقد تحقق ذلك بعملها وعمل الثانية يعتبر كعملها لأنه حدث بأمرها وللعامل أن يعمل بنفسه وبغيره ما لم ينهه المؤجر عن ذلك ويشترط عليه أن يعمل بنفسه وإذا كانت المرضع زوجا كان لزوجها فسخ هذه الإجارة إذا لم تكن بإذنه متى كان النكاح ظاهرا فإن لم يعلم إلا بتصادقهما فليس له الفسخ، وللمستأجر فسخها بحبل المرضع ومرضها وفجورها فجورا بينا وغير ذلك من آية أعذار.وتنتقض بوفاة الصبى لا بوفاة أبيه لأنه إنما عقد للطفل لا لنفسه وعليها كل ما يقضى العرف بإلزامها به كغسل الطفل وغسل ثيابه وإعداد طعامه إذ الأصل فى توابع العقود التى لا ذكر لها فى العقد أنها تحمل على عادة كل بلد، ولهذه الملاحظة صحت هذه الإجارة من حيث أنها تعد إجارة على ما حصل الطفل عليه من منافع بحسب العرف واللبن تابع كالصبغ فى الاستئجار على الصباغة ونحو ذلك، والأجرة فيها على الأب المؤجر فى ماله إن لم يكن للطفل مال وإلا ففى مال الطفل، وإذا أرضعته بلبن شاة أو غذته بطعام ومضت المدة فلا أجر لها إذ لم تأت بالعمل الواجب عليها بالعقد وهو الإرضاع (23) .وإلى هذا ذهب مالك (24) ، غير أن مالكا جعل لها الفسخ بموت الأب إذا لم يعجل لها الأجر ولم يترك مالا ولم يتطوع به متطوع من وارث و غيره.ويرى الشافعى جواز إجارة الظئر للحاجة إليها ولابد فيها عنده من تعيين مدة الإرضاع ومكانه ومن تعيين الرضيع برؤيته أو وصفه لاختلاف شربه باختلاف سنه وتكلف المرضع بأن تتناول ما يكثر به اللبن وتترك ما يقلله ولو سقته لبن غيرها استحقت الأجرة إن لم يشترط عليها ذلك (25) . وإلى هذا ذهب الحنابلة (26) : فصححوا إجارة الظئر بطعامها وكسوتها للعرف وتنتهى الإجارة بانقطاع اللبن وإذا لم ترضعه وسقته اللبن من شاة أو أطعمته أو دفعته إلى غيرها فأرضعته فلا أجرة لها لأنها تعرف ما التزمت به من قيامها بإرضاعه.مذهب الظاهرية:قال ابن حزم (27) : وجائز استئجار المرأة ذات اللبن لإرضاع الصغير مدة مسماة لقوله تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " (28) .ثم قال بعد ذلك: ولا يجوز استئجار شاة للحلب أصلا، وأجاز مالك إجارة القطيع لا الشاة والشاتين للحلب.مذهب الزيدية:ولا يختلف مذهب الزيدية عما ذهب إليه غيرهم من جواز إجارة الظئر بأجرة مسماة غير أنهم يجعلون حكمها حكم الأجير الخاص إن أفاد العقد معها ذلك، وعندئذ لا تصح إجارتها بنفقتها للجهالة إلا أن تقدر قيمتها فتصح، وليس لها أن تؤجر نفسها من آخر إلا بإذن مستأجرها ولا تحضن غيره ولا ترضعه إلا بإذن وإذا تعيبت بمرض أو حبل كان للمسترضع فسخها ولها أن تفسخ لما يلحقها من المضرة بعد ابتداء مدتها ولابد فيها كما تقدم من تعيين المدة والمكان والطفل، ولابد من إذن زوجها.ويرى الزيدية أنها تضمن ما يصيب الطفل من عيب غير غالب أو عيب ناتج عن إهمالها وتقصيرها أو مخالفتها للعقد فإذا سقته لبن شاة فمرض فعليها علاجه ودواؤه حتى يبرأ وإذا مات وكان هذا مما يتلف به الأطفال ألزمت بديته (29) .مذهب الإمامية:ويرى الشيعة الإمامية أن استئجار الظئر بطعامها وكسوتها غير جائز للجهالة وكذلك استئجار الخادم على هذا الوضع ولو بين ذلك بما ترتفع به الجهالة جاز بشرط تعيين وقت الدفع إليهما، وإذا كانت الإجارة بعوض معلوم وشرط لها نفقتها من طعام وكسوة ففى جواز ذلك نظر عندهم (30) . ولابد فى استئجار الظئر من تعيين المدة والصبى بالمشاهدة ومكان الإرضاع وبيان العوض وبيان المعقود عليه أهو خدمة الصبى وحمله وما إلى ذلك مما جرت به العادة فى رعايته وحضانته واللبن تابع حينئذ كماء البئر فى الدار، والصبغ فى الصباغة والخيط فى الحياكة أم المعقود عليه الإرضاع وماعدا ذلك تابع.والأقرب الثانى وهو أن المعقود عليه للإرضاع ولذا تستحق الأجرة به وإن لم تخدمه دون العكس.وجواز الإجارة فى هذه الحال مع أن المعقود عليه عين ترخيص دعا إليه الاستحسان، ويكون إرضاع الولد على وضع يصلح به حاله، ولو سقته لبن الغنم أو دفعته إلى غيرها فأرضعته لم تستحق أجرا ولا يجوز إجارة زوجة للإرضاع إلا بإذن زوجها.وفى جواز إجارة الرجل زوجته لإرضاع والدها منه رأيان:المذهب: عدم جوازه، وجوزه ابن إدريس وهو جيد يؤيده أن ليس للرجل إجبار زوجته على إرضاع ولدها منه ولكن يجوز له استئجار زوجته على إرضاع ولده من غيرها وتنتهى الإجارة بوفاة الطفل وأجرة الإرضاع على الطفل إن كان له مال لأن العقد له ولذا لا يبطل بموت والده (31) .مذهب الإباضية:جاء فى" شرح النيل": إجارة المرضع واردة فى القرآن، قال تعالى: " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن" وهى سنة جرت فى الجاهلية والإسلام، وقد استرضع رسول الله فى بنى سعد، وينبغى تخير المرضع فلا تكون مجنونة ولا برصاء ولا مجذومة ولا مشركة، وتجوز إجارتها إلى سنتين وعليها حفظه وإطعامه وشبعه وغسل ثيابه ولا تخرج به إلا بإذن والده ولا تعطيه لغيرها من النساء لترضعه إلا على الاضطرار ولا تطعمه قبل المدة إلا إذا استغنى عن اللبن ولا تترك إرضاعه إلى لبن الأنعام.فإن مات الطفل أو انتهى لبنها انتهت اجارتها ولا تستأجر إلا بإذن زوجها والأجرة لها إذا أرضعت إذن لها أم لم يإذن ولا تأخذ رضيعا آخر إلا بإذن من أبى الأول، ولها إرضاع ولدها معه، فإن أضر ذلك بالرضيع ردته لوليه وللأم أن ترضع ولدها بأجرة وإن كانت فى نكاح أبيه ولا تستحق أجرا إلا بالإرضاع بنفسها (32) .إجارة الحماموجازت إجارة الحمام استحسانا للعرف وأن انعقدت على جهالة فى مقدار المكث فيه ومقدار ما يستعمل من مائه. وتضمنت كذلك تملك عين هو الماء الذى يستعمله المستأجر لغسل بدنه، ذهب إلى ذلك الحنفية (33) ، وكراهة عثمان - رضى الله عنه- محمولة على ما فيه من كشف العورة. والى هذا ذهب المالكية (34) ، والشافعية (35) ، والحنابلة (36) .وفى "المحلى" لابن حزم (37) ، واستئجار الحمام جائز ويكون البئر والساقية تبعا فى إجارته ولا يجوز عقد إجارة مع الداخل فيه ولكن يعطى مكارمة فإن لم يرض صاحب الحمام بما أعطى ألزم الداخل فيه بعد خروجه بما يساوى بقاءه فيه فقط لأن مدة بقائه قبل أن يستوفيه مجهولة ولا يجوز عقد الكراء على مجهول.مذهب الإمامية:وذهب الشيعة الإمامية إلى جوازها (38) وقد جاء فى "شرح النيل": ويجوز كراء الحمام جميعه أن أكراه بأجر معلوم إلى مدة معلومة ولا يجوز له أن يدخل صاحبه فيه ولا غيره إلا بإذن المكترى. ويستنفع المكترى بمائه وبما فيه من المراجل والقدور وغيرها ولا ينتفع بالإزار، وقيل: يستعمل كل ما يصلح لدخول الحمام ولا يتفق صاحب الحمام مع من يدخل فيه على أجرة، ولكن يأخذ ما يعطيه إياه وقيل: يجوز الاتفاق (39) .الإجارة - أركانهامذهب الحنفية:يرى الحنفية أن ركنها الصيغة التى يصدرها العاقدان دالة على معناها وإنشائها وهى تتكون من الإيجاب والقبول: والإيجاب هو ما يصدر أولا منهما دالا على معناها من كل لفظ يدل عليه كالإجارة والاستئجار والاكراء والاكتراء أو كتابة تدل علي ذلك أو إشارة ممن يعجز عنها كذلك.والقبول: هو ما يصدر ثانيا مفيداً للرضى كقبلت ورضيت ونحوه مما أشرنا إليه آنفاً.وفى انعقادها لإضافة الإيجاب إلى المنافع كأجرتك سكني دارى شهرا بكذا خلاف بين الحنفية.ذكر فى البحر أنها لا تنعقد بذلك لان المنافع معدومة. جاء فى البزازية أن فى المسألة قولين (40) .وهما قولان عند الشافعية والزيدية (41) .ويرى غير الحنفية من الفقهاء كالشافعية والمالكية والحنابلة، أن أركانها الإيجاب والقبول، ويعبر عنهما بالصيغة والعاقدان والأجرة والمنفعة، بينما يرى الحنفية أن ما عدا الإيجاب والقبول من قبيل الشروط وفى بيان ما يشترط فى أركانها مما سبق بيانه ما عدا الأجرة والمنفعة يرجع إلى مصطلح " إيجاب، قبول، عاقد".والعاقدان فيها المؤجر، وهو مملك المنفعة، والمستأجر وهو متملك المنفعة، ويقال للمؤجر: آجر، ومؤاجر، ومكر، و مكارى، وللمستأجر مكترى.الإجارة: شروطهاللإجارة شروط فى عاقديها وشروط فى الصيغة وشروط فى محلها وهو المنفعة وشروط فى الأجرة وهى بدل المنفعة، وهذه الشروط منها شروط تتعلق بانعقادها، فإذا لم يتوفر شرط منها فيها لم تنعقد وشروط تتعلق بصحتها فإذا لم يتوفر شرط منها كانت غير صحيحه.وشروط تتعلق بنفاذها فإذا لم يتوافر شرط منها فيها كانت موقوفة لم يترتب عليها أثرها. وشروط تتعلق بلزومها علي ما ذهب إليه الجمهور من أنها عقد لازم، فإذا لم يتوفر شرط منها فيها كانت غير لازمة عند جميع الفقهاء.ومما يتعلق من هذه الشروط بالعاقدين أو بالصيغة شروط عامة يجب توافرها فى كل عقد، ولذا يرجع إلى بيانها فى مصطلح " شرط " ولا نعرض هنا إلا ما يتعلق بشروط محلها وهو المنفعة.وشروط بدل المنفعة وهو الأجرة، وقد ذكرنا ستة شروط تشترط فى محلها خمسة منها تعد شروط صحة والأخير يعد شرط نفاذ ولذا كانت الإجارة عند فقده موقوفة على إجارة مالك المنفعة إن كان لها مالك كما سيأتى بيان ذلك تفصيلاً.شروط محلها: وهو المنفعةأما المنفعة: فقد بينا فيما سبق أنها محل عقد الإجارة أى المعقود عليه، وهى عرض ليس له وجود عند إنشاء العقد، ولذا رأى الفقهاء من الحنفية قيام الأعيان فى الإجارة مقام منافعها واعتبار وجودها وجوداً لمناخها حتى يتعلق العقد بموجود فى الخارج، وذلك نتيجة لما يراه الحنفية من أن الأصل فى العقود أن ترد على موجود عند التعاقد، وذلك أصل فيه اختلاف الفقهاء( انظر مصطلح: عقد " محله ") . ويشترط فى المنفعة الشروط الآتية:الشرط الأوليجب لصحة الإجارة أن تكون معلومة عند التعاقد علما تنتفى به الجهالة المؤدية إلى النزاع وسواء فيه أن يكون نتيجة لعرف أو نتيجة لذكرها مع أوصافها أو لذكرها مع الإشارة إليها.فأما علمها بالعرف ففى مثل إجارة الدور والحوانيت فى الأماكن المختلفة، ذلك لأن استعمال الدور معروف عرفا وكذلك استعمال حوانيت كل ناحية من نواحى السوق أو البلد، ففى هذه الحال تنعقد الإجارة فيها على منفعتها المتعارفة لأن المعروف عرفا يعد فى حكم المشروط نصا فيتقيد بها المستأجر ولا يخرج عنها. ومن ذلك إجارة الأرض لزراعتها إذا قضى العرف بزراعتها بصنف معين فلا يجوز للمستأجر أن يتجاوزه إلى ما يضر بالأرض أو يضر بغيره ولكن إذا نص فى العقد على أن يزرع فيها ما يشاء لم يتقيد بالعرف حينئذ لأن النص أقوى دلالة منه.وأما معرفتها بذكرها مع أوصافها ففى مثل الاستئجار على صبغ هذا الثوب بلون كذا أو على خياطته بشكل كذا أو على نقل المتاع المعين من جهة كذا إلى جهة كذا وغير ذلك من الأمثلة.وأما معرفتها بالإشارة ففى مثل الاستئجار على حمل هذا المتاع من هذه الجهة إلى هذه الجهة أو على هدم هذا البناء ونحو ذلك. هذا ومن عناصر العلم بها بيان محلها وبيان مكانها.بيان محل العقدفأما بيان محلها فيكون ببيان العين التى وقعت عقد الإجارة على منفعتها كما فى استئجار هذه الدار للسكنى و استئجار هذه الأرض للزراعة، فلو قال: أجرتك إحدى هاتين الدارين لم يصح العقد لأن المعقود عليه مجهول لجهالة محله جهالة مفضية إلى النزاع.مذهب الحنفية: ولما ذكر قال أبو حنيفة: إن إجارة المشاع غير جائزة وان كان المستأجر مبين القدر كنصف أو ثلث أو غير ذلك لأن المحل المستأجر لشيوعه فى العين المسماة مجهول. وذهب صاحباه: إلى جواز إجارة المشاع لأن الشيوع فيه لا يمنع الانتفاع به لإمكان انتفاع المستأجر به كانتفاع مالكه.ولم يفرق أبو حنيفة فى الحكم بين إجارته للشريك فى العين وإجارته لأجنبى للسبب نفسه وهو جهالة المحل. وعلى هذا الأصل لو استأجر إنسان طريقا من دار ليمر فيها وقتا معلوما لم يجز فى قياس أبى حنيفة لأن البقعة المستأجرة غير معلومة عن بقية الدار وعندهما يجوز. ومما يتفرع على ما تقدم أنه لو استأجر علو منزل يبنى عليه لا يجوز فى قياس أبى حنيفة، لأن البناء عليه يختلف خفة وثقلا ومن الثقل ما يضر بالسفل ولا ضابط لذلك فصار المعقود عليه مجهولا بخلاف ما إذا استأجر أرضا ليبنى عليها لأن الأرض لا تتأثر بثقل البناء، وتجوز هذه الإجارة على قول صاحبيه لأن بناء العلو يحدده العرف حينئذ فلا يتناول العقد ما يضر السفل وعلى هذا الأساس يعرف حكم كثير من الفروق المماثلة (42) .بيان مكان المنفعةوأما بيان مكانها فإنما يكون فيما يحتاج فيه إلى هذا البيان كما فى إجارة الدواب وما يشبهها، إذ أن عدم بيانه يفضى إلى النزاع، فإذا أستأجر دابة للركوب دون بيان مكان فالإجارة فاسدة إلا أن يسمى موضعا معلوما كأن يستأجرها ليركبها إلى بلدة كذا، وإذا استأجر دابة ليحمل عليها متاعا وجب بيان ما يراد حمل المتاع إليه وبيان المتاع المحمول لأن ما يحمل يختلف خفة وثقلا.مدة الإجارةوكذلك من عناصر بيانها، بيان مدتها، إذا كانت المنفعة المعقود عليها قابلة للاستمرار والبقاء، إذ أن بيانها حينئذ بذكر اسمها غير كاف للعلم بها علما لا يؤدى إلى النزاع اذ أنها فى هذه الحال تكون غير معينة المقدار، وذلك كالاستئجار للسكنى والزراعة واللبس والخدمة واستئجار الأجير الخاص ونحو ذلك، ففى مثل هذه الأحوال يجب ذكر المدة لتكون معيارا لما وقع عليه العقد والمنفعة. فإذا أغفل ذكر المدة فى هذه الأحوال فسد العقد.والمدة فى هذه الأحوال يجب اتفاقا أن تكون محددة، وهى إما أن تذكر منكرة كسنة وشهر ويوم أو محددة كسنة كذا أو شهر كذا، فإن ذكرت منكرة ابتدأت الإجارة من وقت العقد إذا لم ينص فيه على وقت لابتدائها، ولم يكن فى العقد خيار شرط، فإن عين فى العقد وقت لبدايتها ابتدأت منه كاستئجار الدار ابتداء من الشهر الأتى، وان كان فى عقد الإجارة خيار شرط ابتدأت من وقت سقوط الخيار، وإن ذكرت المدة محددة معينة تقيدت الإجارة بها وانتهت بانتهائها، وإذا بينت المدة فى العقد على أنها مشاهرة أو مسانهة دون بيان مدة تنتهى بانتهائها الإجارة وجب بيان أجرة الشهر والسنة فتقع الإجارة حينئذ على الشهر الأول التالى للعقد، فإذا انتهى كان لكل من العاقدين فسخها قبل مضى اليوم الأول من الشهر التالى بشرط إعلام العاقد الآخر بذلك فإذا مضى اليوم الأول دون فسخ لزمت الإجارة فيه وهكذا، وكذلك الحكم فى المسانهة. وهذا إذا لم يبين للإجارة مدة إجمالية تنتهى بانتهائها أما إذا بين كأجرتك دارى عشر سنين على أن يكون كل شهر بكذا فإنها تصح فى كل المدة.وإذا عجل المستأجر فى مثل هذه الأحوال أجرة مرتين أو أكثر كان ذلك التعجيل بيانا لمدة بقاء الإجارة لازمة فتلزم فى المدة التى عجلت عنها الأجرة، وعلى ذلك لا يصح استئجار عامل بدون ذكر بيان العمل الذى يطلب منه ولا بدون ذكر مدته إذا كان العمل من الأعمال التى تمتد، كما لا يصح استئجار مسكن أو أرض بلا بيان مدة الإجارة ولا استئجار دابة للركوب دون بيان مدة الركوب أو مسافته، وهكذا مما يتفرع على ما سبق بيانه (43) .وإذا استأجر أجيرا ليعمل له عملا فقد قالوا إن كان العرف أن يكون العمل من طلوع الشمس إلى العصر فهو على ذلك وان كان إلى الغروب فهو على ذلك وعلى الجملة فإن بيان ما يتعلق بالمدة من بداية وانتهاء خاصا بالعمل يرجع فيه إلى العرف، وإذا استأجر شخص رجلا للعمل عنده يومين فعمل فى اليوم الأول وامتنع من العمل فى اليوم الثانى اجبر عليه فإن مضى اليوم الثانى لم يطلب منه أن يعمل لانتهاء الإجارة بانتهاء مدتها وله أجر مثل ما عمل (44) . الترديد فى المنفعةومما يتصل بذلك أن يتضمن العقد ترديدا بين عينين أو ترديدا بين منفعتين، كما إذا قال: أجرتك هذه الدار شهرا بكذا أو هذه الدار الأخرى شهرا بكذا أو أجرتك هذه الدابة لتركبها إلى بلدة كذا بكذا أو إلى بلدة كذا بكذا، والعقد فى هذه الأحوال جائز عند أبى حنيفة وصاحبيه، وكذلك الحكم إذا كان الترديد بين ثلاثة أمور قياسا على جواز ذلك فى البيع المشتمل على خيار التعيين لأن الإجارة معاوضة كالبيع فإن ردد بين أربعة أمور فسد العقد.وعلى هذا الحكم الترديد فى أنواع الخياطة وأنواع الصباغة ومثل ذلك فى الحكم ما إذا قال له: إن خطت هذا الثوب فبدرهم وان خطت هذا الثوب الآخر فبدرهم والعمل فيهما سواء إذ أن مثل هذه الجهالة لا تؤدى إلى المنازعة فالتخيير فى الواقع إنما هو بين إيفاء منفعتين معلومتين فلا جهالة ولأن الأجر على أصل أصحابنا لا يجب إلا بالعمل، وحين يأخذ فى أحد العملين تعين الأجر المستحق.وإذا أجره الحانوت على أنه إن جعله مكانا للحدادة فبعشرة دراهم، وإن جعله لبيع الأقمشة فبخمسة دراهم. جاز فى قول أبى حنيفة وخالفه فى ذلك صاحباه.وجه قولهما أن الأجر عند ذلك إنما يجب بالتسليم وهو يتم بالتخلية وعندهما لا يدرى أى المنفعتين ستستوفى فكان البدل مجهولا بخلاف التخيير بين أنواع الخياطة لأن الأجرة حينئذ تجب بابتداء العمل وبابتدائه يتعين أحد العملين وعند ذلك تتعين الأجرة ويصير العمل معلوما عند بدايته.ووجه قول أبى حنيفة أن التخيير بين منفعتين معلومتين فجاز العقد دون جهالة مفضية إلى النزاع لأنه بالتخلية فى الحانوت يجب أقل الأجرين، وإنما تجب الزيادة عند ابتداء العمل وتعينه عند ذلك، وهذا الخلاف يجرى فى كل ما يجب فيه الأجر بالتسليم ولا يعلم الواجب به وقت التسليم فهو باطل عندهما جائز عند أبى حنيفة (45) . وإذا حصل التخيير فى العامل إذا قال المستأجر للأجير: أن خطته أنت بنفسك فأجرك كذا وإن خاطه تلميذك فالأجر كذا، فهذا والترديد بين أنواع الخياطة سواء فى الحكم (46) .مذهب المالكية:يشترط المالكية فى المنفعة أن تكون لها قيمة بأن تكون مملوكة على وجه خاص بحيث يمكن منعها.كما يشترطون وجوب العلم بها علي وجه لا يؤدى إلى النزاع ولا إلى عدم إمكان التنفيذ، فيجب لذلك بيان العين فى إجارة الأعيان إذا انعقدت الإجارة على منفعة عين معينة ولا يكفى فى ذلك وصفها بخلاف ما إذا انعقدت على منفعة فى الذمة كما إذا استأجر دابة لتوصله إلى مكانا كذا.كما يجب بيان ما يحمل فى الإجارة على الحمل وبيان المدة فيما يمتد من المنافع وتكون المدة معيارا له، وذلك على الوجه الذى سبق بيانه فى مذهب الحنفية.وقد أجاز المالكية الكراء لمدة معينة كسنة وشهر بدون ذكر مبدأ لها وعندئذ يكون المبدأ وقت العقد سواء أكان الكراء مشاهرة أو وجيبة مدة محددة (كسنتين) وإذا كان الكراء مشاهرة دون ذكر مدة تنتهى عندها الإجارة كأن استأجر داراً للسكنى كل شهر بكذا صح العقد، وكان لكل من العاقدين فسخه فى أى وقت شاء سواء أكان ذلك فى الشهر الأول أو فيما بعده.وللمكترى أن يخرج متى شاء ويلزمه من الأجرة بقدر ما سكن وهذا أحد أقوال ثلاثة عند المالكية.ثانيها: لزوم العقد فى الشهر الأول فقط ولكل من العاقدين الفسخ فيما بعده.وثالثها: لزوم العقد فى أى شهر سكن فى بعضه، فلا يكون لأحدهما أن يفسخها بالنسبة لهذا الشهر، ولزم المكترى جميع أجرة هذا الشهر وإن لم يشغل المسكن فى باقيه، وهذا إذا لم يعجل المكترى أجرة شهر أو اكثر فإن عجل لزمت الإجارة فيما نقد من أجرته، فلو عجل أجرة عشرة أشهر لزمت فيها وإذا شرط عدم لزوم العقد مع التعجيل ببعض الأجرة فسد لما يلزم عليه من كراء بخيار مع نقد الأجرة وهذا غير جائز.أما إذا كان العقد وجيبة على مدة معينة كسنة أو سنتين أو كان على مدة نص فى العقد على نهايتها كأجرتك منزلى إلى أول سنة كذا فإن العقد فى هذه الحال يكون لازما حدث تعجيل فى الأجرة أم لم يحدث ما لم يشترط أحدهما من الفسخ بنفسه ولم يكن نقد الأجرة (47) .مذهب الشافعية:ولا يختلف الشافعية عن الحنفية فيما ذهبوا إليه: من وجوب العلم بالمنفعة محل العقد على ما مضى بيانه، غير أنهم لا يجوزون الإجارة بالمشاهرة إلا أن تكون لمدة كأجرتك هذه الدار لمدة سنتين كل شهر بكذا أو أجرتكها شهراً بكذا وما زاد فبحسابه (48) .وتبدأ المدة من وقت العقد ولا يرى الشافعية صحة العقد إذا ما تضمن تخييراً بين منفعتين بأجرتين قياسا على البيع إذ لا يرون فيه قبوله لخيار التعيين.مذهب الحنابلة:ويرى الحنابلة كذلك وجوب العلم بالمنفعة علما لا يؤدى إلى النزاع والعلم بها يكون إما بالعرف أو بذكرها مع وصفها أو نحو ذلك ولا يجوز تجاوز ما يقضى به العرف فيها، ويكفى العرف لتعيين المنفعة التى وقع عليها العقد عند عدم النص عليها إذا ما وجد عرف يبينها كاستئجار دار فى حى سكنى سنة دون ذكر ما يقصد من استئجارها فى صلب العقد.ويرون فساد العقد إذا ما تضمن التخيير بين منفعتين بأجرين فى عقد واحد كاستئجاره خياطا بعشرة دراهم لخياطة هذا الثوب أن خاطه على وصف معين وبخمسة إن خاطه على وصف آخر وإجارته الأرض سنة بعشرين جنيها إن زرعها قطنا وبخمسة عشر إن زرعها قمحا ونحو ذلك لجهالة الأجرة الواجبة عند العقد (49) .ويجب عند الحنابلة فى الإجارة لمدة أن تكون معينة كشهر كذا أو معينة البداية كشهر ابتداء من يوم كذا، فلو أستأجره داراً شهرا بلا تعيين لم يصح العقد، وإذا وقعت على شهر معين على أن ما زاد عليه فبحسابه صح العقد عن الشهر الأول فقط للعلم به دون ما بعده وإذا وقعت مشاهرة صح العقد عن الشهر الأول وكلما دخل شهر لزم المستأجر الأجرة إن لم يفسخ العقد أحدهما فى أوله لأن دخوله لشهر بمنزلة ابتداء عقد جديد عليه بسبب شروعه فى الانتفاع فيه مع تحقق الرضا من الجانبين والاتفاق على الأجرة، ولكل من العاقدين الفسخ عقب كل شهر ينقضى علي الفور فى أول الشهر التالى (50) .مذهب الظاهرية:يرى ابن حزم فى "المحلى" وجوب بيان المنفعة التى ورد عقد الإجارة عليها بيانا يمكن من التنفيذ دون منازعة، وإذا كانت مما يمتد فلابد من ذكر مدتها لتكون معياراً لها كالسكنى فى الدور والركوب فى الدواب ونحو ذلك، لأن الإجارة على خلاف ذلك أكل للمال بالباطل (51) .مذهب الزيدية:ويرى الزيدية أن الإجارة لا تصح إلا فى منفعة معلومة علما لا يؤدى إلى النزاع فلا تصح فى أجرتك إحدى دوابى لركوبها إلا بخيار لأحدهما مدة معلومة، وذلك هو خيار التعيين، ويجب ذكر المدة فى كل ما يقبل الامتداد من المنافع كالسكنى والزراعة ونحوهما، وتبتدىء المدة من وقت العقد إذا لم تعين بدايتها فيه كأجرتك الدار سنة، ويجب تعيين المنفعة إذا ما تعددت منافع العين المستأجرة واختلفت أضرارها وآثارها مثل أن يستأجر ما يصلح أن يكون سكنا ومحلا للتجارة أو عاملا يعمل أعمالا مختلفة أو أرضا تصلح لزراعة كثير من النبات المختلف، أما إذا كانت العين لا تصلح ألا لمنفعة واحدة، أو كانت منافعها المتعددة مستوية الضرر والأثر لم يجب التعيين.وكذلك إذا قضى العرف بتعيين إحداهما، ومن استأجر عينا لمنفعة معينة فله أن يستعملها فى غير تلك المنفعة إذا كانت مضرتها مماثلة أو أقل ما لم يشترط عليه إلا يستعملها فى غيرها (52) .وإذا عقدت الإجارة على مدة ولم يذكر فيه وقت ابتدائها كسنة مثلا صح العقد وابتدأت من وقت العقد ومدة الإجارة لا حد لأكثرها، أما أقلها فهو ماله أجرة عادة أما ما لا أجرة له فلا تصح الإجارة معه، كأن يستأجر دارا لحظة وإذا أجر الدار كل شهر بكذا أو كل سنة بكذا فالإجارة فاسدة لجهالة مدة الإجارة.مذهب الإمامية:يشترط الشيعة الإمامية لصحة الإجارة أن تكون المنفعة معلومة إما بتحديد العمل وتقديره كخياطة هذا الثوب وإما بالمدة مع ذكرها كالسكنى فى الدار، وقيل: ما يؤدى إلى العلم بها علما يمنع المنازعة كالعرف، كبيان المحمول فى الإجارة على الحمل مع ذكر المدة أو المكان.ولو جمع بين المدة والعمل كأن يقول المؤجر للأجير: إن عملت هذا العمل اليوم فلك درهمان وأن عملته فى غد فلك درهم كان الأظهر جواز الإجارة، ويستحق الأجير الأجرة بنفس العمل سواء أكان ذلك فى ملكه أو فى ملك المستأجر.ولا يتوقف تسليم الأجرة على تسليم العمل، ولا تسليم العمل على تسليم الأجرة، ولو جمع بين العمل والمدة، كأن يستأجره على أن يخيط هذا الثوب اليوم قيل: يبطل لأن استيفاء العمل فى المدة قد لا يتفق فيه تردد.وإذا لزمت المدة فى العقد قيل: يجب اتصالها بالعقد حتى لو أطلق أو أضاف بطلت، وقيل: عند الإطلاق تبدأ المدة من وقى العقد وإذا عين شهرا متأخرا من العقد بطلت فى قول، وفى قول تجوز، وهذا ما جاء فى كتاب "تحرير الأحكام" اذ جاء فيه ما نصه: ولا يشترط فى مدة الإجارة اتصالها بالعقد فلو أجره المحرم وهما فى رجب صح حتى لو أجر لاثنين فى زمنين متواليين صحت الإجارة.ويجب تعيين ما سيحمل على الدابة إما بالمشاهدة أو بالوصف وإذا تعين ليس له حمل غيره ما لم يشترط، وفى استئجار العين لابد من تعيينها وفى استئجارها للركوب يجب تعيين الوقت والمسافة وفى استئجار الصانع لابد من تعيينه لاختلاف الصناع فى الصناعة والدقة (53) .ولا تجوز مع التخيير بين عينين كدارين وإذا تضمنت المنفعة مدة وجبت أن تكون مضبوطة لا تحتمل الزيادة ولا النقص كسنة وشهر ويوم، ولو استأجر الدار كل شهر بكذا ولم يعين الأشهر قال الشيخ: يصح ويكون له المسمى فى شهر واحد وأجرة المثل فى الزائد عليه والوجه البطلان فى الجميع ويكون له أجر المثل عند الاستيفاء، وإذا كانت الإجارة فى الذمة مثل أن يستأجر دابة للركوب جاز أن تكون معجلة أو مؤخرة، وإذا ذكرت المدة بالأشهر ففى حسابها يتبع ما بين فى مذهب الحنفية (54) .مذهب الإباضية: يرى الإباضية وجوب العلم بالمنفعة لصحة الإجارة (55) ، فهذا شرط لا خلاف فيه بين الفقهاء، وقد قدمنا فى بيان المذاهب السابقة طريق العلم بها وبأى درجة يكون كما قدمنا كذلك ضرورة ذكر مدة محددة لما يمتد من المنافع لتكون المدة معيارا لها وليس فى ذلك خلاف بين المذاهب فيجب عند الإباضية.ويجب فى التعريف بالمنفعة ذكر المدة فيما يحتاج فيه إلى المدة وهو ما تعد المدة معيارا له كالمنافع الممتدة من الخدمة والسكنى ونحو ذلك، أما فيما لا يمتد من الأعمال فلا يلزم فيه ذكر مدة إلا بقصد التعجيل، ولابد أن تكون المدة محددة كيوم أو شهر أو سنة بشرط ألا تكون مما لا يحتمل الاستيفاء فيها كألف سنة فى استئجار أجير أو مدة لا يبلغها عمر الإنسان عادة أو يبلغها ولكن العادة تقضى بعدم إمكان استمرار العامل فى العمل المستأجر عليه طيلة تلك المدة كما ذكروا أنه لا يجوز الاستئجار على مدة مجهولة كاستئجاره أياما، ولا التخيير بين مدد مختلفة بأجرة هى كذا، ولا التخيير بين أماكن متفرقة متباعد ة للعمل فيها كالاستئجار على أن يخدم سنة إما فى الإسكندرية أو القاهرة فى مدة هى كذا بأجرة هى كذا.كما لا يجوز تقييد العمل بزمن معين كأن يستأجر حائكاً، على خياطة هذا الثوب اليوم لأن خياطته قد لا تتم فى اليوم.وحاصل ما جاء فى الديوان أن الإجارة تجوز بثلاثة أوجه: بأجرة معلومة بصنف معلوم إلى أجل معلوم مما تجوز فيه الإجارة، وكل ما كان حاضرا فاستأجر من يعمله فلا يحتاج فيه إلى ذكر الأجل مثل أن يستأجره على أن يبذر له هذا البذر أو يحصد له هذا الزرع أو يكيل له هذا الشعير أو يطحنه أو يقطع له هذا الثمر أو غير ذلك مما قد يحتاج فى إنجازه إلى أيام ولكن لا يعد الزمن معيارا له لتعينه بالمشاهدة أما ما لا يستغنى فيه عن ذكر الأجل لأنه المعيار المعرف له فلابد فيه من ذكر الأجل كرعاية الحيوان وحراسته وسكنى المنازل والإرضاع والخدمة ونحو ذلك، وهذا بخلاف ما ينقل أو يحمل فلا يحتاج فيه إلى ذكر الأجل، وإنما يشترط بيان مكان إبلاغه.ولا يجوز عند ذكر الأجل أن يكون مجهولا لأن الجهالة فيه جهالة لما جعل معيارا له، وذلك مفسد للإجارة.وإن عقدوا الإجارة إلى أجل معلوم والعمل فى هذا الوقت أو على أن يكون العمل والأجر إلى أجل معلوم أو عقدوا على أن ينقدوا الأجر ويكون العمل إلى أجل معلوم فذلك جائز على ما اتفقوا عليه (56) .والرأى فى حساب الأشهر وتقديرها فى المذاهب يرجع فيه إلى مصطلح " أجل ". ويحتسب يوم العمل بالشروع فيه عند طلوع شمسه على الأقل، فإذا شرع فى العمل بعد طلوع الشمس لم يحتسب له، ويحتسب له ابتداء من الغد، ويجوز عندهم التأجير سنة غير معينة البداية فيجب العمل حينئذ شاغلا للذمة، وعند ذلك يجب الشروع فيه عند طلب المؤجر إياه كالدين الثابت فى الذمة حالا يجب أداؤه عند طلبه من الدائن، وإذا أدى الأجير العمل بلا طلب أجزأه ذلك، وجاز العقد على سنة كل شهر منها بكذا فيستحق الأجير من المؤجر بحساب ما عمل فى الشهر وقيل: لا يستحق أجراً على المؤجر إلا إذا عمل الشهر كله ولكل من العاقدين فى هذه الحال خيار الفسخ متى شاء ، وقيل: ليس للأجير حق الفسخ إذا شرع فى العمل إلا عند تمام الشهر، ولا يقبل الفسخ منه فى أثنائه كما لا يقبل أيضا من المؤجر فى هذه الحال وإذا تضمن العقد بداية المدة ألزم الأجير بالعمل من حينه فإذا لم يبدأ حين العقد صح العقد ويجبر ما فات من العمل إما بعمل فى وقت آخر بعد المدة وإما بنقص الأجرة (57) .الشرط الثانىأن يكون استيفاؤها مقدورا، وهو شرط لصحة الإجارة.مذهب الحنفية:يرى الحنفية: أن تكون المنفعة ممكنة التحقق مقدورا استيفاؤها حقيقة ودون حرج شرعى، ذلك لأن العقد لا يكون وسيلة إلى نيل المعقود عليه بدون ذلك، ورتبوا على ذلك عدم جواز استئجار الآبق لعدم القدرة على استيفاء المنفعة المطلوبة منه وعدم جواز إجارة المغصوب لغير غاصبه وعدم جواز إجارة المشغول بمال المؤجر إذا كان ذلك يحول بين المستأجر وبين كمال انتفاعه به، ومما خرج على هذا الشرط أيضا عدم جواز استئجار الفحل للضراب والكلب للاصطياد لأن المنفعة المطلوبة منهما غير مقدورة التسليم والاستيفاء، إذ لا يمكن إجبار الفحل على الضراب ولا إجبار الكلب على الصيد.ومما خرج على ذلك أيضا عدم جواز الاستئجار على تعليم القرآن والصناعات، إذ أن الأجير لا يستطيع تسليم العمل بنفسه فإن تعليم التلميذ يتوقف على قبوله إياه وذلك غير مقدور للمعلم ومثله عدم جواز الاستئجار على المحظور شرعا لأن المعصية غير مقدورة الاستيفاء شرعا لحظرها كاستئجار النائحة للنوح واستئجار إنسان للقتل والضرب والسب وما إلى ذلك مما يحرم فعله وإجارة مكان ليتخذ كنيسة أو حانوتا لبيع الخمور، وكذلك الاستئجار على حمل الخمر لشاربها أو بائعها لا لمن يريقها. وكذلك لا يجوز استئجار الشخص أباه ليستخدمه ولو كان أبوه ذميا أو رقيقا لما فى ذلك من الاستخفاف به وكل ذلك محظور(58) مذهب المالكية:يرى المالكية رأى الحنفية فى أنه يشترط فى المنفعة القدرة على تسليمها حسا وشرعا وفرعوا على ذلك عدم جواز استئجار آبق أو بعير شارد أو عين غير مملوكة لمؤجرها هى ولا منفعتها، أو عين بعيدة بحيث لا يتيسر الوصول إليها للانتفاع بها، كما فرعوا على ذلك عدم جواز استئجار الأخرس للتدريس والأعمى للكتابة والأشل لعمل يعمل باليد إذا كان مشروطا عليه أن يعمل بنفسه (59) .مذهب الشافعية:واشترط الشافعية أن يكون المؤجر قادرا على تسليم المنفعة بتسليم محلها حسا وشرعا ليتمكن المستأجر من استيفائها والقدرة على ذلك تشمل ملك الأصل أو ملك المنفعة فكان للمستأجر أن يؤجر ما استأجر والمقطع له أن يؤجر ما أقطعه إياه الإمام خلافا لمن ذهب إلى أن المقطع له لا يملك المنفعة وإنما أبيحت له وهذا ما لم يؤذن بأن يؤجر وإلا كان له أن يؤجر اتفاقا للقدرة على التسليم.ومما فرعوه على ذلك عدم جواز استئجار آبق أو مغصوب لغير غاصبة إذا لم يكن المؤجر قادرا على انتزاعه منه قبل التسليم وعدم جواز استئجار أعمى لحفظ أمتعة يحتاج حفظها إلى النظر وعدم جواز استئجار أرض لزراعتها ولا ماء لها، أو كانت سبخة لا تنبت بخلاف ما لو كانت صالحة وكان لها ماء ولو بالمطر المعتاد.وذهبوا كما أشرنا: إلى أن امتناع التسليم شرعا فى الحكم كامتناعه حسا، وفرعوا على ذلك عدم جواز الاستئجار على فعل محظور كقتل وضرب واستئجار حائض لخدمة مسجد وتعليم قرآن إجارة عين بخلاف إجارة الذمة كالاستئجار على تعليم القرآن مطلقا، ومثله استئجار زوجة حرة لرضاع أو غيره بغير أذن زوجها على الأصح لاستغراق أوقاتها بحقه ما لم يكن هو المستأجر لها، وقيل: يجوز لأن محل العقد غير محل النكاح، إذ لا حق له فى لبنها وخدمتها وإن كان يجوز له فسخ الإجارة حفظا لحقه (60) .مذهب الحنابلة:وإلى هذا الشرط ذهب الحنابلة بناء على أنها بيع للمنافع فى واقع الأمر وإن كان لمدة فأشبهت بيع الأعيان فى وجوب القدرة على التسليم وبنوا على ذلك ما بناه غيرهم عليه من عدم جواز إجارة الآبق والجمل الشارد والمغصوب ممن لا يقدر على أخذه من يد غاصبة (61) .مذهب الظاهرية:جاء فى "المحلى" لابن حزم الظاهرى جواز الإجارة على تعليم القرآن والعلم مشاهرة وجملة، ومما خرج على هذا الشرط استئجار عين لا منفعة لها كاستئجار أرض لا ماء لها مطلقا أو أرض سبخة للزراعة ونحو ذلك كما فرع على هذا الشرط حكم إجارة المشاع وذلك نظراً إلى عدم القدرة على تسليمه لشيوعه واستلزام ذلك عدم قدرة المستأجر علي استيفاء حقه لعدم تحديد محله، وسيأتى بيان حكم إجارة المشاع (62) .مذهب الزيدية:وكذلك ذهب الزيدية إلى هذا الاشتراط وفرعوا على ذلك عدم جواز استئجار أجير لنزح البحر وحائض لكنس المسجد، وكذلك الاستئجار على المعاصى كالاستئجار على السحر والنوح، وكذلك الاستئجار على حجتين فى سنة واحدة.وذهب الناصر والمؤيد بالله: إلى صحة التأجير على التعليم وكذلك لا يصح استئجار الفحل للضراب لأن المؤجر لا يقدر على تسليم محل العقد لأنه من فعل الحيوان (63) .وذهب الإمامية:ويرى الشيعة الإمامية أنه يشترط فى المنفعة أن يكون استيفاؤها مقدورا. فلو أجر عبدا آبقا لعمل لم تجز له الإجارة (64) .إجارة المشاعرأى الحنفية، والشافعية، والزيدية، والشيعة الإمامية، وابن حزم، و الإباضية: يرى أبو حنيفة رحمه الله أن إجارة الحصة الشائعة لغير الشريك لا تجوز وإن كانت معلومة القدر كنصف وثلث وذهب إلى هذا الرأى الإباضية وعللوا ذلك بانتفاء الانتفاع بها وحدها مع الشيوع، لأن كل جزء من أجزائها مشترك ولم يفصل صاحب شرح النيل بين أن يكون الكراء للشريك أو لأجنبى كما هو مذهب أبى حنيفة والعلة المذكورة تقتضى جواز تأجيرها للشريك لإمكان الانتفاع بها حينئذ متى لم يكن هناك شريك آخر (65) .وجوز صاحباه تأجير الحصة الشائعة فى جميع الأحوال من غير تفصيل وهو مذهب الشافعية (66) ، والزيدية (67) ، والشيعة الإمامية (68) وإليه ذهب ابن حزم فى "المحلى" (69) .ذلك لأن الإجارة ضرب من المعاوضة كالبيع، وإذا جاز بيع المشاع جاز تأجيره والمشاع الانتفاع به مقدور بالمهايأة، وكما جازت إجارته للشريك اتفاقا تجوز إجارته لغيره، وإذا كان الشيوع الطارىء لا يفسد الإجارة فكذلك المقارن، إذ الواقع أن الطارىء فيها مقارن أيضا لتجدد الإجارة آنافآنا.ووجه قول أبى حنيفة: أن المعقود عليه مجهول لجهالة محله إذ الشائع اسم لجزء من الكل غير محدد كالثلث وهو غير معين، فأشبه إجارة عامل من عاملين، ثم أن منفعة الشائع غير مقدورة التسليم والاستيفاء إذ لا يتصور تسليمه بنفسه حقيقة وإنما يتم تسليمه بتسليم باقى العين معه وذلك غير معقود عليه و الانتفاع به بطريق التهايؤ ليس هو الانتفاع الذى يقتضيه العقد وهو الانتفاع بالحصة فى كل المدة إذ أن التهايؤ انتفاع بالكل فى بعض المدة وهذا غير مقتضى العقد إن كانت المهايأة زمنية، أما إذا كانت مكانية فإن الانتفاع فيها يكون ببعض المستأجر وبغيره.وفى الإجارة للشريك روايتان عن أبى حنيفة، كما أن الشيوع الطارىء فيه روايتان عنه كذلك: فى رواية يفسد الإجارة كالشيوع المقارن، وفى رواية لا يفسد وهى المشهورة لأن ما يشترط لابتداء العقد ليس بلازم أن يشترط لبقائه.وسواء عند أبى حنيفة أن تكون العين كلها لرجل فأجر نصفها لآخر أو كانت لاثنين فأجر أحدهما حصته فيها، وهذا ما ذكره الكرخى فى جامعه نصا عن أبى حنيفة وذكر أبو طاهر الدياس أن أبا حنيفة: إنما يرى عدم جواز إجارة المشاع فيما إذا أجر المالك بعض ما يملك، أما إذا أجر كل ما يملك فالعقد جائز بلا خلاف، والصحيح ما ذكره الكرخى.وسواء فى هذا الحكم عنده أيضا أن تكون العين المشتركة مما يحتمل القسمة أو مما لا يحتملها غير أن المالك إذا أجر مشاعا ثم سلم بعد الإفراز والقسمة صح العقد.ويجوز عند أبى حنيفة إجارة مالكين لواحد، لأن المنافع تدخل فى يده جملة واحدة من غير شيوع ثم يستوفيها من غير مهايأة، وإذا مات أحد المؤجرين فانقضت الإجارة بموته لم تفسد لطروء الشيوع عليها. وكذلك يجوز عنده أن يؤجر واحد العين لاثنين بعقد واحد لأن المنافع تخرج من يده جملة واحدة ثم يثبت الشيوع نتيجة لاختلافه المستأجرين وذلك ما يزول بالتهايؤ (70) .ومما خرج على عدم جواز الإجارة فى الشائع عند أبى حنيفة ما إذا استأجر شخص آخر على العمل فى شىء هو فيه شريك، كما إذا كان لاثنين متاع أو طعام مشترك غير مقسوم فاستأجر أحدهما صاحبه على أن يحمل نصيبه إلى مكان معلوم فحمل الطعام أو المتاع كله إلى ذلك المكان، فعلى رأى أبى حنيفة لا تجوز هذه الإجارة ولا يستحق أجرا على هذا الحمل، لأن المنفعة فى هذه الحال غير مقدورة الاستيفاء لتعذر تسليم الشائع بنفسه ومحل الإجارة شائع فلم تكن المنفعة فيه مقدورة التسليم، و إنما لم يجب أجر المثل لأن وجوب اجر المثل يقف على استيفاء المعقود عليه ولم يوجد بخلاف ما إذا استأجر رجل بيتا ليضع فيه طعاما مشتركا بينه وبين صاحب البيت أو سفينة لينقل بها متاعا مشتركا بينه وبين صاحب السفينة فوضع المتاع فى البيت أو نقله بالسفينة فإن الإجارة هنا جائزة لأن التسليم فيها يتحقق بتسليم البيت أو السفينة ولو لم يتم وضع المتاع أو نقله.أما فى مسألة الحمل فإن التسليم الموجب للأجر لا يتحقق بدون العمل وهو الحمل والمشاع غير مقدور الحمل بنفسه. وعبارة البدائع صريحة فى أن هذا الحكم محل اتفاق بين أبى حنيفة وصاحبيه إذ يقول: أن هذه الإجارة غير جائزة عند أصحابنا.ثم ذكر أن الأصل فى ذلك أن كل موضع لا يستحق فيه الأجر إلا بالعمل لا تجوز فيه الإجارة على العمل فى الحمل مشتركا وما يستحق فيه الأجر من غير عمل تجوز الإجارة فيه لوضع العين المشتركة فى المكان ا لمستأجر.وفقه هذا الأصل ما ذكرناه من أن ما لا يجب فيه الأجر إلا بالعمل لابد فيه من إمكان إيفاء العمل ولا تمكين فى العين المشتركة فلا يكون المعقود عليه مقدور التسليم فلا يكون مقدور الاستيفاء فلم تجز الإجارة وما لا يقف وجوب الأجر فيه على العمل يكون المعقود عليه مقدور التسليم والاستيفاء بدونه فتجوز فيه الإجارة، وعلى هذا يخرج ما إذا استأجر رجل آخر على أن يحمل له طعاما بعينه إلى مكان مخصوص بمقدار معين منه فإنه لا يصح وهى المسألة المعروفة بقفيز الطحان المصورة فى الإجارة على طحن مقدار من البر بقفيز منه.ذلك لأن الإجارة لو صحت لفسدت من حيث صحت إذ الأجير فى هذه الحال يصير شريكا بأول جزء من العمل بقدر أجره فيكون عمله بعد ذلك عملا فيما هو شريك فيه، وذلك لا يجوز لما تقدم ولكن فى هذه الحال يكون للأجير أجر مثله لأن المؤجر قد استوفى المنفعة بعقد فاسد فيجب عليه أجر المثل لا يتجاوز به قيمة الأجر المتفق عليه لأن الواجب فى الإجارة الفاسدة الأقل من الأجرين أجر المثل والأجر المتفق عليه (71) .مذهب المالكية:أجاز المالكية إجارة المشاع فى كل ما لا تختلف أجزاؤه فى الانتفاع به جودة ورداءة فإن اختلفت بأن كان الانتفاع بجانب منه خيراً من الانتفاع بجانب آخر جازت إن عينت الجهة التى تقع فيها الحصة المشاعة المستأجرة، وذلك منعا للنزاع (72) . مذهب الحنابلة:لا تصح إجارة حصة شائعة فى عين مشتركة بين اثنين لغير أحد الشريكين فيها لأنها إذا أجرت لغيره لم يملك مؤجرها أن يسلمها إلا بتسليم نصيب صاحبه فى العين ولا ولاية له عليه أما إذا كانت العين كلها لمالك واحد فإنه يجوز له أن يؤجر حصة شائعة منها لآخر لقدرته على التسليم إذ العين كلها له فيستطيع أن يسلمها إلى المستأجر فإن أجر باقيها فى هذه الحال لآخر ففى صحة العقد حينئذ وجهان، وإذا أجرها لاثنين أو لأكثر لم يصح، وإذا أجرها مالكاها لواحد بعقد واحد صح لعدم المانع.وكذلك إن أجرها أحدهما لصاحبه أو لآخر بإذن صاحبه، وإذا كان لجماعة فأجر أحدهما حصته لواحد منهم بغير إذن الباقين لم يصح العقد، وفى رواية عن الإمام: أن إجارة الشائع جائزة فى جميع أحواله وعليه العمل (73) . الشرط الثالثأن تكون المنفعة مقصودة وهذا شرط صحة، فقد جاء فى "البدائع" (74) : ويجب أن تكون المنفعة مقصودة إذ يعتاد استيفاؤها بعقد الإجارة، ويجرى التعامل بها بين الناس فلا يجوز استئجار الأشجار لتجفيف الثياب عليها ولا للاستظلال بها لأن هذه المنفعة غير مقصودة من الشجر عادة وقال أبو يوسف: إذا استأجر ثيابا ليبسطها فى بيته ليزينه بها ولا يجلس عليها فالإجارة فاسدة لأن بسط الثياب ليس منفعة مقصودة عادة.وفى "كشاف القناع" (75) : ويشترط فى الإجارة أن تكون المنفعة فيها مباحة لغير ضرورة مقصودة عادة، فلا تصح إجارة نقد أو شمع أو ثياب ليحلى به الدكان، ولا إجارة طعاما ليجعل على المائدة تجميلا لها ثم يرد. لأن هذه منافع غير مقصودة وفى "نهاية المحتاج" (76) : يشترط أن تكون المنفعة مقصودة فلا تصح إجارة تفاحة لشمها، وإلى ذلك ذهب الشيعة الجعفرية (77) والمالكية (78) فلم يجوزوا استئجار البساتين ونحوها للفرجة والشم.ولكن جاء فى "كشاف القناع": أيضا أنه يصح استئجار النقد ليتحلى به أو ليوزن به فخالفوا غيرهم فى اعتبار هذه المنفعة غير مقصودة، ويصح استئجار الشجر لتبسط عليه الثياب وتجفف أو للاستظلال بظله، واستئجار الطيب لشمه، وخالفوا غيرهم فى أن هذه المنفعة غير مقصودة أيضا أو لا قيمة لها (79) .كما أجازوا استئجار الكتب للقراءة والنظر لا المصحف فى حين أن غيرهم لم يجوز ذلك لأن المنفعة فى هذه الإجارة ليست لها قيمة، كما جاء فى تحرير الأحكام للشيعة الجعفرية(80) .ويجوز إجارة الحلى والثياب للزينة والتجمل، والأقرب جواز إجارة الدراهم والدنانير للنظر والتحلى مدة معلومة، كما يجوز استئجار الحبال والشجر لتجفيف الثياب أو لبسطها عليها حتى يستظل بظلها سواء أكانت ثابتة أم مقطوعة، واستئجار الفحل للضراب مع الكراهة بشرط التقييد بالمرة أو بالمرات، واستئجار الطيب والند للشم للصحيح والمريض، وأساس ذلك اختلاف المذاهب فى عد هذه المنافع مقصودة أم غير مقصودة، ويظهر أن ذلك مرجعه إلى اختلاف الأعراف.الشرط الرابعألا تكون المنفعة مطلوبة من الأجير فعلها قبل الإجارة وهذا شرط صحة وفى هذا الشرط ذهب الحنفية إلى عدم جواز الإجارة على ما هو فرض أو واجب على الأجير قبل الإجارة فإن كان فرضا أو واجبا عليه قبل الإجارة لم تصح وفسدت لأن من أتى بعمل مستحق عليه قبل طلبه منه بالأجر لا يستحق عليه أجرا، وبناء على هذا لا تجوز الإجارة على الصوم والصلاة والحج لأن ذلك من فروض الأعيان ولا على تعليم العلم لأنه فرض عين ولا على تعليم القرآن لأن ذلك استئجار على عمل مفروض كالصوم والصلاة، ولأن تعليم القرآن من ناحية أخرى غير مقدور الاستيفاء فى حق الأجير لتعلقه بالمتعلم وتوقفه عليه فكان استئجارا على ما لا يستطيعه.وقد روى أن أبى بن كعب أقرأ رجلا فأعطاه قوسا فسأل النبى صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال عليه السلام: "أتحب أن يقوسك الله بقوس من نار"، قال: لا، فقال عليه السلام:" رده".ولا تصح الإجارة على الجهاد لأنه فرض عين عند عموم النفير، ولا على الآذان والإقامة والإمامة. فقد روى عن عثمان بن أبى العاص الثقفى أنه قال: أخر ما عهد به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أصلى بالقوم صلاة أضعفهم ، وأن أتخذ مؤذنا لا يأخذ أجرأ على الآذان. ولكن يجوز الاستئجار على تعليم اللغة والأدب لأن ذلك ليس بفرض ولا واجب، وكذلك يجوز على بناء المساجد والربط والقناطر لذلك، ولا يجوز الاستئجار على غسل الموتى، لأنه واجب، أما على حملهم إلى القبر فقد ذكر فى بعض الفتاوى أنه جائز على الإطلاق، وفى بعضها أنه جائز إن وجد من يقوم بالحمل غير الأجير وإلا لا ، ويخرج على هذا أنه لا يجوز أن يستأجر الرجل ابنه لخدمته لأن خدمة الأب واجبة على الابن، ولا استئجار الزوج زوجته لخدمة منزل الزوجية لأنها واجبة عليها لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الأعمال بين على وفاطمة، فكان عليها العمل فى البيت، ولأنه من ناحية أخرى عمل ينتفع به الأجير فلا يستحق عليه أجرا، ولا يجوز استئجار الرجل زوجته على إرضاع ولده منها بخلاف إرضاع ولده من غيرها، ولكن يجوز استئجارها لإرضاعه إذا كانت الأجرة من مال الولد ليساره لأنها من نفقته ونفقة الولد فى ماله إذا كان له مال، ومن ثم جاز أن تستأجر المرأة زوجها للخدمة فى البيت أو لرعى غنمها لأن ذلك غير واجب عليه(81) . ومفاد ما تقدم من الفروع وتوجيهها جواز الاستئجار على ما هو مندوب أو فرض كفاية عند إنشاء عقد الإجارة لأن المنفعة التى وقع عليها العقد حينئذ غير متعينة على الأجير لأنه إنما يستحق الأجر بعمل يلزمه بعقد الإجارة لا بغيره.مذهب المالكية:وذهب المالكية إلى أنه لا تجوز الإجارة على ما هو مطلوب من الأجير بعينه قبل العقد ولو لم يكن فرضا كركعتى الفجر، بخلاف ما هو مطلوب منه على وجه الكفاية كغسل الميت أو حمله فيصح الاستئجار عليه ما لم يتعين ذلك على الأجير بخلاف صلاة الجنازة فلا يجوز الاستئجار عليها مطلقا ومقتضى ذلك أن المندوب من الصلاة والصوم لا يجوز الاستئجار عليه كما صرح بذلك الدسوقى فى تعليقه على هذا الموضوع، وقد صرح أيضا أن المندوبات مثل غيرها كالذكر والقراءة يجوز الاستئجار عليها، وجازت الإجارة على تعليم فقه وتعليم الفرائض، كما ذكر ذلك ابن يونس مخافة أن يقل تعلم العلم الشرعى ووسائله كعلم النحو والبيان ونحوها، وكذلك تجوز الإجارة على تعليم القرآن لقوله صلى الله عليه وسلم:" إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله تعالى "(82) .وسواء فى ذلك أن تكون الإجارة على تعليمه مشاهرة كل شهر بكذا أو وجيبة أو على حفظه جميعه أو جزء معين معلوم منه (83) .مذهب الشافعية:وذهب الشافعية إلى أنه لا يصح الاستئجار على فعل عبادة تجب فيها النية بحيث يتوقف حصولها على النية كالصلاة والصوم والإمامة، ويدخل فى ذلك النفل والجهاد لأنه فرض وجوزوا الاستئجار على الحج والعمرة عن ميت ومعضوب ( مزمن لا يستطيع الحركة) وعلى نفقة وزكاة وكفارة وأضحية وهدى وذبح وصوم عن ميت ، وسائر ما يقبل النيابة، وإن توقف على النية، لما فيها من شائبة المال. كما تصح فى كل ما لا تجب فيه نية، وتصح فى المباحات كالاصطياد وتصح فى تجهيز ميت ودفنه وفى تعليم القرآن كله أو بعضه وإن تعين على الأجير تعليمه للحديث السابق ذكره، ولا تصح لقضاء ولا لتدريس علم إلا إذا عين المتعلم وما سيتعلمه ولا تصح لقراءة شىء من القرآن أو الحديث (84) .مذهب الحنابلة:وذهب الحنابلة إلى أنه لا تصح الإجارة على عمل لا يقع من فاعله إلا قربة له كالحج والعمرة والآذان والإقامة والإمامة والصلاة وتعليم القرآن والفقه والحديث والقضاء، لما روى عبادة بن الصامت قال: علمت ناسا من أهل الصفة القرآن فأهدى لى رجل منهم قوسا فذكرت للنبى صلى الله عليه وسلم فقال: " إن سرك أن يقلدك الله قوسا من نار فاقبلها " رواه أبو داود. وتصح الإجارة على ذبح الأضحية والهدى وتفرقة الصدقة وعلى تعليم الخط والحساب والشعر المباح وعلى بناء المساجد والقناطر وفى استئجار والد ولده لخدمته خلافا للحنفية (85) .مذهب الظاهرية:وقال ابن حزم الظاهرى فى المحلى: ولا تجوز الإجارة على الصلاة وعلى الآذان ،ولكن يعطى عليهما الإمام من أموال المسلمين على وجه الصلة ويصح أن يستأجر الإمام والمؤذن من أهل المسجد على الحضور معهم عند حلول أوقات الصلاة مدة معينة فيقومان بهما فى وقتهما لحضورهما، كما لا تجوز الإجارة على واجب تعين على الأجير من صوم أو صلاة أو حج أو فتيا أو غير ذلك ولا على معصية أصلا لأن كل ذلك أكل للحلال بالباطل، لأن الطاعة المفترضة لابد من عملها، والمعصية مفترض اجتنابها، فأخذ الأجرة على ذلك لا وجه له (86) .ثم قال بعد ذلك: وجاز للمرء أن يأخذ الأجرة على فعل ذلك عن غيره مثل أن يحج عنه التطوع أو يصلى عنه التطوع أو يؤذن عنه التطوع أو يصوم عنه التطوع لأن كل ذلك ليس واجبا على أحدهما ولا عليهما والعامل يعمله عن غيره لا عن نفسه فلم يطع فى ذلك ولم يعص، أما المستأجر فقد أنفق ماله فى ذلك تطوعا لله تعالى فله أجر ما اكتسب بماله.ثم قال: ولا تجوز الإجارة فى أداء فرض من ذلك إلا عن عاجز أو ميت لما ورد فى ذلك من نصوص فى الحج والصيام تدل على جواز أن يعملها المرء عن غيره، فكان الاستئجار فى ذلك جائزا لأنه لم يأت عنه نهى. وكذلك الصلاة المنسية وما فات وقتها بالنوم والمنذورة إذ هى لازمة للمرء إلى حين موته فالإجارة فى آدائها عنه جائزة، أما المتروكة عمداً فليس على تاركها أن يصليها إذ ليس بقادر عليها لفوات وقتها فلا يجوز أن يؤدى عنه ما ليس مأمورا بأدائه (87) .مذهب الزيدية:ذهب الزيدية إلى أن الإجارة لا تصح على واجب سواء أكان فرض عين أم فرض كفاية على الأصح كالقضاء والجهاد وغسل الميت المسلم والصلاة عليه والآذان وتعليم القرآن والشهادة وسائر العلوم الدينية، وتجوز فى المندوب والمباح والمكروه دون المحظور (88) .مذهب الإمامية:وذهب الشيعة الإمامية إلى أنه لا تجوز الإجارة على الصلاة بالناس ولا على الآذان ولا على صلاة الإنسان لنفسه وحجه لنفسه ولا على آداء زكاته عن نفسه بلا خلاف، وتجوز الإجارة على الصلاة عن الميت، كما تجوز الإجارة على الحج وتعليم القرآن مع الكراهة وتعليم الشعر والحساب والفقه ونحو ذلك، ويجوز استئجار كتب العلم والفقه والأدب للنظر فيها والحفظ منها على أشكال (89) .مذهب الإباضية:أما الإباضية فقد ذهبوا إلى أن الإجارة لا تجوز إلا على منفعة لها قيمة على انفراد أى قيمة فى نفسها كالحمل، فلا تجوز على تعليم مطلقا كعلم الفقه والنحو واللغة ونحو ذلك من علوم الإسلام وكذلك لا تجوز على طاعة ولو كانت نافلة لأن الأكل بالدين حرام.وفى كتاب الديوان: لا يصلى خلف من يأخذ الأجرة على صلاته فإن صلى أحد خلفه فلا إعادة عليه، ولعل مبنى ذلك على أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الإمام، و ذهب بعضهم إلى جواز إجارة الإمام وتكون على مداومة حضوره فى وقت معين إلى المسجد ومراقبة مصالحه لا على نفس الصلاة، ومن ثم لا تجوز الإجارة على الصلاة والصيام، وتجوز الإجارة على الإمامة مع الآذان والقيام بالمسجد لا على الصلاة بانفرادها.ولا تجوز على منفعة محظورة بل يجب أن تكون مباحة فتجوز على الدلالة على الغريم وعلى القاتل وتجوز على الشهادة إن خاف فوت قوته وقوت أهله (90) .الشرط الخامسعدم انتفاع الأجير بعمله المعقود عليه، فإن كان ينتفع بعمله لم تجز الإجارة لأنه حينئذ يكون عاملا لنفسه فلا يستحق الأجرة إذ لا يستحق إنسان أجرا على عمله لنفسه.وعلى هذا يخرج الاستئجار على الطاعات فرضا كانت أو واجبة أو تطوعا لأن المتطوع يستحق الثواب على الطاعة فيكون منتفعا بعمله فلا يستحق أجرا، وإلى هذا ذهب الحنفية وبنوا على ذلك أن الإجارة على طحن مقدار من البر بجزء معلوم منه مطحون فاسدة، وأن الإجارة على عصر مقدار من السمسم بجزء معلوم من دهنه فاسدة، وأن الإجارة على نسج مقدار من الغزل بجزء منه بعد نسجه فاسدة، وإذا قام الأجير بذلك لم يكن له إلا أجر مثل عمله.وقد جوز هذه الإجارة بعض مشايخ بلخ، ومنهم محمد بن سلمة، ونصر بن يحيى.وهذه المسألة هى المعروفة عند الفقهاء بقفيز الطحان والأصل فيها ما رواه الدارقطنى عن أبى سعيد الخدرى أن النبى - صلى الله عليه وسلم- نهى عن قفيز الطحان.وقد فسره كثير من العلماء بطحن الطعام بجزء معلوم منه مطحونا، وقد جعلوا ذلك أصلا قاسوا عليه غيره وعللوا فساد الإجارة حين ذلك بأنها تتضمن استحقاق الأجير أجرة على عمله فى ماله ولا يستحق الإنسان مالا نظير قيامه بالعمل فى ماله يأخذه من غيره إذ أنه أكل للمال بالباطل، ذلك لأنه يصير شريكا بأول جزء من العمل لاستحقاقه الأجر عليه فيكون عمله بعد ذلك عملا فيما هو شريك فيه فلا يجوز (91) .وبيان ذلك أن الأجر يستحقه الأجير بالشروع فى العمل عند الحنفية ويستحق منه بقدر ما عمل فإذا كان الأجر جزءا غير معين مما يعمل فيه كان شائعا فى محله كله وكان الأجير شريكا للمؤجر فى ذلك المحل وكان عمل الأجير عملا فيما هو مشترك بينهما ولا تصح الإجارة على عمل فى مال مشترك بين المؤجر والأجير وعلى هذا فسدت الإجارة على طحن مقدار من الحبوب على أن يكون للأجير مقدار معين منها بعد الطحن كثلث أو قفيز أو نحو ذلك، ولا تفسر إذا ما انعقدت على طحن هذا المقدار بقفيز من الدقيق أو بقدح من الدقيق يدفعه المؤجر من اى دقيق شاء إذ إن الأجر فى هذه الحال ليس جزءاً من العمل واستحقاقه لا يجعل الحبوب مشتركة بين المؤجر والأجير.مذهب المالكية:وذهب المالكية إلى أن الإجارة تفسد إذا كانت على حمل طعام ونحوه لبلدة كذا بنصفه مثلا إذا لم يقبض الأجير الجزء الذى استؤجر به حين العقد أو يشترط قبضه وإن لم يقبضه فعلا أو جرى العرف بتعجيله وعجله فإن تم ذلك صحت وإلا فسدت.ويغتفر التأخير اليسير كاليومين والثلاثة وكذلك تفسد الإجارة عندهم إذا قال المستأجر للأجير: أعصر زيتونى وما عصرت فلك نصفه مثلا، أو احصد زرعى و أدره ولك نصفه.ولكنهم لم يذهبوا هذا المذهب للعلة التى علل بها الحنفية مذهبهم فى مثل هذه المسائل بل عللوا ذلك بعلة أخرى، ففى حمل الطعام بنصفه قالوا: أن الأجر عين، وإذا كان الأجر عينا كنصف هذا الطعام أو كدابة ونحو ذلك لم يجز تأخير قبضه إذا كان أجرا على منفعة فى الذمة كالحمل فإن ذمة الأجير تشغل به بناء على العقد فإذا لم يقبض كان ذلك كبيع معين تأخر قبضه إذ الأمر حينئذ لا يعدو أن يكون معاوضة بين الأجر الذى هو عين والمنفعة التى التزم بها الأجير، وقد تملك الأجير بناء على ذلك العين بما التزم من منفعة هى الحمل.ولكن إذا سلمت العين التى جعلت أجرا حين العقد انتفى تأخير القبض فتصح الإجارة. وكذلك إذا اشترط فى العقد قبضه فى الحال أو جرى المعروف بذلك، إذ العرف كالمشروط لأن العقد حينئذ يكون قد تم على أساس القبض فى الحال فكان التأخير فيه غير مراعى، وفى الزيتون والزرع عللوا الفساد بجهالة الأجر لأنه لا يدرى مقدار ما يخرج من الزيت بعد عصر الزيتون ولا مقدار ما يكون من الحبوب بعد الحصد ولذا أجازوا الإجارة إذا قال المستأجر للأجير: انفض زيتونى ولك نصفه أو التقط زيتونى ولك نصفه لانتفاء الجهالة حينئذ وفى الشرح الكبير للدردير: وجازت الإجارة بصاع دقيق يدفعه رب القمح لمن يطحنه له منه أو فى غيره نظير طحنه أو بصاع زيت يدفعه رب الزيتون لمن يعصره له، أجرا لعصره إذا لم يختلف كل من الحب أو الزيتون فى الخروج، فإن اختلف بأن كان تارة يخرج منه الدقيق أو الزيت وتارة لا يخرج منع ذلك للجهالة، فإن شك فى الأمر حمل فى الزيتون ونحوه كالسمسم على عدم الخروج لكون الشأن فيه ذلك فتمنع الإجارة وفى الحنطة ونحوها يحمل على الخروج فيجوز. لأن الشأن خروج الدقيق من الحب (92) .مذهب الشافعية:وفى نهاية المحتاج للرملى الشافعى (93) : ولا تجوز الإجارة على سلخ شاة مذبوحة بجلدها ولا على طحن بر ببعض الدقيق أو بالنخالة التى تخرج منه للجهل بثخانة الجلد ورقته بعد السلخ وبنعومة الدقيق وخشونته بعد الطحن لانتفاء القدرة عليها حالا( أى عند العقد) ولنهيه صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان، وقد فسر بأن يجعل أجر الطحن لحب معلوم قفيزا مطحونا.قال السبكى: ومنه ما يقع فى زماننا من جعل أجرة الجابى عشر ما يجبيه من النقود وذلك للجهل بمقدار الأجر عند العقد، ثم قال: ولا أثر لوقوع العمل المكترى له فى ملك غير المكترى (وهو الأجير) لوقوعه بطريق التبعية كما لو ساقى شريكه وشرط له زيادة من الثمر.وأختار السبكى أنه إن استأجر على الكل أو أطلق ولم تدل قرينة على أن المراد الاستئجار على العمل فى حصته فقط امتنع وهو مراد النص لوقوع العمل فى ملك غير المكترى قصدا فإن كان الاستئجار على حصة المستأجر فقط جاز وهذا هو ما نحا إليه الحنفية.مذهب الحنابلة:وفى مطالب أولى النهى من كتب الحنابلة (94) : ولا بأس بحصد زرع بسدس ما يخرج منه أو نصفه لحديث جابر أن النبى - صلى الله عليه وسلم - أعطى خيبر لأهلها على الشطر ولا يعارض هذا ما سبق ذكره من حديث الدارقطنى أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن عَسْب الفحل وعن قفيز الطحان لحمله على قفيز من المطحون فلا يدرى مقدار الباقى بعده وقد لا يبقى إلا القليل فتكون المنفعة مجهولة، وعلى ذلك لم ير الحنابلة فى النهى عن قفيز الطحان ما رآه الحنفية.مذهب الظاهرية:وفى المحلى (95) : وجاز إعطاء الغزل للنسج بجزء منه مسمى كربع أو ثلث أو نحو ذلك فإن تراضيا على أن ينسجه النساج ويكونا شريكين فيه جاز ذلك وإن اتفقا على أن يكون لأحدهما لم يلزمه وكان للنساج من الغزل أجر بمقدار عمله حتى إذا تم نسجه استحق جميع ما سمى له وكذلك يجوز إعطاء الثوب للخياط بجزء منه مشاع أو معين وإعطاء الطعام للطحين بجزء منه كذلك، وإعطاء الزيتون للعصير كذلك، وكذلك الاستئجار بجميع هذه الزيوت بجزء منها. مذهب الزيدية:وفى شرح الأزهار للزيدية (96) : ويصح أن يستأجر آخر على حمل طعام ببعض المحمول كسدسه بعد الحمل أو على رعى غنم بنصفها، نص عليه الهادى فى المنتخب.وقال زيد بن على والناصر لا تصح هذه الإجارة لأن الأجير قد استؤجر على حمل ملك نفسه وملك غيره، أما لو استأجره على حمل نصف هذا الطعام بنصفه الأخر فلا خلاف فى صحة هذه الإجارة ولو استأجر من ينسج له غزلا بنصف ما ينسجه أو يعمل له سكاكين بنصفها بعد العمل، فإن ذلك لا يصح، ذكره الهادى فى الفنون.قال ابن أبى الفوارس للهادى قولان فى المحمول والمصنوع قول يصح فيهما جميعا وقول لا يصح فيهما جميعا، وقيل بل الهادى يفرق بين المحمول والمصنوع لأن الصنعة معدومة فلا تصح أجرة بخلاف المحمول فهو موجود، قال وقد أشير فى الأزهار إلى ضعف هذا القول. مذهب الإمامية:وفى تحرير الأحكام للإمامية (97) : ولو استأجر آخر لسلخ شاة ميتة بجلدها أو مذبوحة بجلدها لم يجز.وقال الشيخ- أى الطوسى-: يجوز ولو استأجره لرعى الغنم مدة معينة بنصفها جاز والنماء. بينهما من جن العقد فى النسبة وكذا لو استأجره لرعيها بشاة معينة فيها ولو كانت مجهولة لم يجز ولو استأجره لحصد الزرع بجزء منه معلوم كالسدس جاز وكذا استئجار الطحان بالنخالة أو بقفيز من الدقيق جائز.مذهب الإباضية:وفى شرح النيل للإباضية (98) : وإن دفع له صوفا أو كنانا ليعمله ثوبا أو دفع له جلودا ليدبغها أو ذهبا أو فضة ليصنعهما حليا بتسمية قدر منها لم يجز، ولو فعل كان له أجر مثله، وقيل يجوز.الشرط السادسأن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، وهذا شرط نفاذ.اتفقت المذاهب الثمانية التى نحن بصدد بيان الحكم فيها على أنه يشترط فى ترتب آثار الإجارة عليها أن تكون المنفعة مملوكة للمؤجر، وهذا الشرط يتضمن ما اشترطه من ذهب إلى أن المنافع أموال وهو أن تكون المنفعة متقومة، أى ذات قيمة فى نفسها، لأنه لا يملك إلا ما كان له قيمة والاتفاق على هذا الشرط أساسه أن عقد الإجارة يفيد تمليك المنفعة كما قدمنا، ولا يملك إلا ما كان مملوكا فوجب لذلك أن يكون المؤجر مالكا للمنفعة حتى يستطيع تمليكها للمستأجر.وجاء فى كتاب شرائع الإسلام للشيعة الإمامية: يشترط فى الإجارة أن تكون المنفعة مملوكة، إما تبعا لملك العين أو منفردة، ولذا كان للمستأجر أن يؤجر، إلا أن يشترط عليه استيفاء المنفعة بنفسه، وإذا أجر الفضولى بطلت إجارته، وقيل: وقفت على إجازة المالك وهو حسن.ومما ينبغى ملاحظته أن ملك العين يترتب عليه ملك منافعها، ومن ثم كان لمالك العين أن يؤجرها لتمليك منافعها للمستأجر وقد ينفصل ملك المنافع عن ملك العين كما هو الحال فى المستأجر لعين والموصى له بالمنفعة والمستعير عند الحنفية والمالكية والموقوف عليه والمقطع عند من يرى أن الإقطاع تمليك للمنفعة لا للعين، وفى هذه الحال يلاحظ أن ليس كل من يملك المنفعة يملك أن يملكها غيره بالإجارة بل يرى أن بعض من يملك المنفعة لا يملك أن يملكها غيره وهاك البيان:بالنسبة للمستأجر يرى أنه يملك أن يؤجر فى بعض الأحوال دون بعضها عند الحنفية، وسيأتى بيان ذلك وبيان آراء المذاهب فيه عند كلامنا على تصرف المستأجر فى المنفعة.وبالنسبة للموصى له بالمنفعة فإن الوصية له بها قد تكون مطلقة وقد تكون مقيدة بالاستعمال وقد تكون مقيدة بالاستغلال وقد تكون عامة.ويرى الحنفية أنه لا يملك التأجير إذا كانت مقيدة بالاستعمال (99) لأنه ملكه بالمجان والتمليك بالإجارة تمليك بعوض وهو أقوى من التمليك مجانا ومن ملك الأضعف لا يملك الأقوى ( وبيان الآراء فى ذلك بالنسبة لجميع المذاهب يرجع إليه فى الوصية عند الكلام على تصرف الموصى له) .وبالنسبة للمستعير يرى الحنفية أنه لا يملك التأجير (100) لأن ملكه بالمجان فلا يملك أن يؤجر كما تقدم، ولأن الإعارة عقد غير لازم و الإجارة عقد لازم، ولا يبنى اللازم على غير اللازم ( وبيان الآراء فى ذلك يرجع إليه فى الإعارة عند الكلام على تصرف المستعير) .وبالنسبة للموقوف عليه فإنه مع كونه مالكا للمنفعة لا يملك أن يؤجر عند الحنفية إلا إذا كان له ولاية التأجير بأن جعل ناظرا على الوقف أو أعطى له الواقف حق التأجير أو خلا الوقف من ناظر وانحصر الاستحقاق فيه (101) .( وبيان الآراء فى ذلك يرجع إليه عند الكلام فى الولاية على الوقف ومن له ولاية استغلاله) .وبالنسبة للمقطع له فإنه يملك التأجير على رأى من يقول أن الإقطاع تمليك للعين، وعلى رأى من يقول أنه تمليك للمنافع، ( وبيان الأحكام فى ذلك يرجع إليه عند الكلام على الإقطاع) (102) .وإنما يكون هذا الشرط شرط نفاذ يترتب على عدم تحققه وقف العقد على الإجازة من ذى الشأن إذا كان محل العقد وهو المنفعة مملوكا أما إذا لم يكن له مالك كأن تكون منفعة مباحة أو منفعة محظورة يحرم تملكها أو غير متقومة كان حينئذ شرط صحة والإجارة عند فقده غير صحيحه، أو شرط انعقاد كما يأتى بيان ذلك.وقد رتب الفقهاء على هذا الشرط أنه لا يجوز استئجار حائط يستظل بظله لأنها منفعة غير مملوكة لمالك الحائط (103) .وكذلك إجارة الأعيان المباحة للانتفاع بمنافعها. وكذلك لا ينفذ استئجار دابة من غير مالكها ولا دار من غير مالكها لأن المؤجر لا يملك منافع عين هى ملك غيره، وهذه هى إجارة الفضولى وهى متوقفة على إجازة المالك فإن أجازها قبل استيفاء المنفعة نفذت وإلا بطلت، وإن أجازها بعد استيفاء المنفعة لم تجز الإجارة وكانت الأجرة للعاقد الفضولى لا للمالك، لأن المنافع باستيفائها قد انعدمت وخرجت عن احتمال إنشاء العقد عليها. وإن وقعت الإجازة فى أثناء الانتفاع قبل انتهاء مدة الإجارة صحت الإجارة فى قول أبى يوسف لبقاء مدة الإجارة فاعتبر بقاء المدة بقاء لها، فصلحت لأن تكون محلا للإجازة.وفى قول محمد صحت فيما يأتى من المدة ولم تصح فيما مضى، لأن كل جزء من أجزاء المنفعة معقود عليه، فكان كأنه قد عقد عليه بعقد مبتدأ، وبمضى الزمن ينعدم ما استوفى فيه من المنافع فلا تلحقه الإجازة بخلاف ما لم يستوف ولا تطيب الأجرة للعاقد عندما تكون له لأنها بدل ما لا يملك وهذا بخلاف استئجار الفضولى فإنه إذا أضاف العقد إلى نفسه وقع له ولا يتوقف (104) .وكذلك نص المالكية على أنه لا يجوز استئجار زهور لشمها أو للتمتع بنظرها واستئجار نار للاستضاءة، وكذلك استئجار آلات اللهو للعزف لأن جميع هذه المنافع غير متقومة شرعا (105) .وإلى ذلك ذهب الشافعية (106) والحنابلة (107) فقد جاء فى كشاف القناع: ولا تضح إجارة نقد أو شمع وأوان لتجميل بيت أو دكان إذ لا يقابل مثل ذلك بعوض، وكذلك لا يجوز إجارة كتاب لقراءة فيه (108) والى هذا ذهب الزيدية أيضا (109) ، والشيعة الإمامية (110) ويتضمن هذا الشرط أيضا إلا تكون المنفعة محظورة شرعا لأن المحظور شرعاً لا يملك، وعلى هذا لا تجوز الإجارة على المعاصى كالإجارة على السرقة والقتل والسب ونحو ذلك، وعلى هذا اتفقت كلمة المذاهب الثمانية (111) .ومما فرعه الحنفية على هذا الشرط عدم جواز استئجار الولد والده للخدمة لأن إهانة الوالد باستخدامه محظور، وأجاز ذلك الحنابلة مع الكراهة وعلى ذلك فليس كل محظور عندهم لا تصح الإجارة عليه بل فيما يكون محرما (112) .ويلاحظ أن الاستئجار على المعاصى الإجارة فيه باطلة ولا تملك بها الأجرة، ويعد الاستيلاء عليها غصبا ولذا كان هذا الشرط فى ذلك الموضع شرط انعقاد كما يعد شرط انعقاد أيضا فى إجارة ما لا يتقوم من المنافع أما فى إجارة ما لا يلى عليه المؤجر من المنافع فهو شرط نفاذ عند الحنفية وشرط صحة عند الشافعية ( ارجع إلى مصطلح فضولى) الأجرة وشروطهاالأجرة أو الأجر فى الإجارة هو بدل المنفعة التى وقع عليها عقد الإجارة فهو فى الإجارة كالثمن فى البيع إذ كلاهما عقد معاوضة ولذا كان كل ما يصلح ثمنا فى البيع يصلح أجرة فى الإجارة وما لا يصلح ثمنا فى البيع لا يصلح أجرة فى الإجارة ولكن ليس كل ما يصلح أجرة يصلح ثمنا، فالمنفعة تصلح أجرة فى الجملة وذلك عند اختلاف المنفعتين المتقابلتين ولكنها لا تصلح ثمنا فى البيع إذ البيع لا يكون إلا بمبادلة عين بعين. مذهب الحنفية:يرون أنه يجب فى الأجرة أن تكون مالا معلوما متقوما، والأصل فى اشتراط العلم بالأجرة قوله - صلى الله عليه وسلم-: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره، ويحصل العلم بالإشارة إليها وبالتعيين والبيان، ويكون العلم بها إذا كانت عينا بالإشارة أو بالتعيين والبيان وعند الإشارة إليها لا يحتاج إلى ذكر جنسها ولا نوعها ولا صفتها سواء أكانت مما يتعين بالتعيين أم مما لا يتعين بالتعيين كالنقود، وإذا لم تكن عينا كان العلم بها بالبيان والوصف المزيلين للجهالة المؤدية إلى النزاع وذلك يكون ببيان الجنس والنوع والصفة والقدر غير أنه إذا لم يكن فى البلد إلا نوع واحد من النقود لم يحتج فى العلم بها إلى ذكر النوع والوزن واكتفى بذكر الجنس والقدر، وإن كان فى البلد نقود مختلفة كانت من النقد الغالب، وإن تعدد النقد الغالب وجب البيان وإلا فسد العقد، ولابد من بيان مكان إيفائها إذا ما كان لها حمل ومئونة ضد الإمام، وعند أبى يوسف ومحمد لا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد مكانا للإيفاء، وما صلح من الأجور أن يكون دينا فى الذمة كالمكيلات والموزونات والعدديات المتقاربة لا يشترط ذكر أجل للوفاء، ويصح اشتراط تعجيله وتأجيله، وعند عدم الاشتراط يرجع فى الوفاء به إلى التراضى، وعند المشاحة لا يستحق إلا باستيفاء المنفعة المعقود عليها على ما سيأتى بيانه.وأما ما لا يصلح أن لا يكون دينا فى الذمة فمنه ما يصح فيه السلم كالثياب ونحوها فإنها عند عدم الإشارة إليها تكون معرفتها بأوصافها وعندئذ لابد من ذكر أجل للوفاء والتسليم لأن الوضع فيها عندئذ كالسلم فلا تثبت دينا فى الذمة إلا بالتأجيل ولذا وجب معها ذكر الأجل ومنه ما لا يجرى فيه السلم كالدواب الأرض ونحوهما فإنه لا يصير معلوما بذكر جنسه ونوعه وصفته وقدره لعدم انضباطه لابد من تعيينه بالإشارة إليه ألا ترى أن ذلك لا يصلح أن يكون ثمنا فى البياعات و إنما يعد مبيعا دائما له حكم المبيع فلا يصلح أن يكون أجرا فى الإجارات حتى يشار إليه وما كان منها مشارا إليه كان حكمه حكم الثمن إذا كان عينا حتى لو كان منقولا لم يصح التصرف فيه قبل قبضه وان كان عقارا فعلى الخلاف فى ذلك بين الشيخين ومحمد، ولو أستأجر أجيرا بأجر معلوم مع طعامه أو دابة بأجر معلوم مع علفها لم يجز لجهالة مقدار الأجر بسبب الجهالة فى مقدار الطعام و العلف وكان ذلك هو القياس فى استئجار الظئر إلا انه قد أجيز للعرف، وفرعوا على ذلك أن من استأجر داراً بأجر معلوم وشرط عليه المؤجر تجصيصها أو إصلاح شىء من جدرها أو أبوابها أو نحو ذلك كان العقد فاسدا لأن المشروط صار جزءاً من الأجرة وقيمته مجهولة فكان الأجر مجهولا، ومثل ذلك الأرض تستأجر بأجر معلوم على أن يكون على المستأجر كرى مراويها وحفر مصارفها ونحو ذلك.ولا يصح أن تكون الأجرة منفعة هى من جنس المنفعة المعقود عليها كإجارة دار لسكنى بسكنى دار أخرى وإجارة أرض لزراعتها بزراعة أرض أخرى ويجوز أن تكون منفعة من غير جنس المنفعة المعقود عليها كإجارة دار للسكنى بزراعة أرض، وفى إجارة منفعة بمنفعة من جنسها إذا استوفى أحد العاقدين دون الآخر.روى عن أبى يوسف أنه لا أجر عليه للآخر، وقال الكرخى: الظاهر أن عليه أجر المثل، وجه رواية أبى يوسف أنه حين قوبلت المنفعة بجنسها ولم تصح هذه المقابلة كان بإزاء المنفعة المستوفاة ما لا قيمة له وهو المنفعة فكان الآخر راضيا ببذل المنفعة لصاحبه بلا بدل، ووجه ما ذكره الكرخى أنه قد استوفى المنفعة بعقد فاسد وبه تتقوم المنافع كما تتقوم بالعقد الصحيح كما فى استئجار شىء لم يسم له عوضا أصلا فإذا سمى العوض وهو المنفعة كان ذلك أولى بالتقويم (113) . " وإذا ردد المؤجر بين أجرين فى زمنين بأن قال: إن عملت هذا العمل اليوم فلك دينار، وإن عملته غدا فلك نصفه دينار، ذهب الإمام إلى أنه يستحق الدينار إن عمله فى اليوم الأول، وإن عمله فى اليوم الثانى فليس له إلا أجر مثله لا ينقص عن نصف دينار ولا يزيد على دينار، وقال أبو يوسف ومحمد: الشرطان صحيحان جائزان فله دينار أن عمله فى اليوم الأول، وله نصفه دينار أن عمله فى اليوم الثانى،. وقال زفر والشافعى: الشرطان باطلا والإجارة فاسدة لأن الترديد بين عمل فى يومين ترديد فى الواقع بين عملين فكان المعقود عليه مجهولا مترددا بين عمل اليوم الأول وعمل اليوم الثانى، ووجه قول الصاحبين أن ما تم ليس عقدا واحدا بل هما عقدان بين فى كل منهما محله وأجره، والأجير إن نفذ العقد الأول استحق الأجر المبين به، وإن عدل عنه إلى الثانى لما جعل له من خيار فعمل العمل فى اليوم الثانى كان له أجره، ووجه قول أبى حنيفة أنه قد اجتمع فى اليوم الثانى بدلان مختلفان قدرا، ذلك لأن بدل العمل فى اليوم الأول يستمر إلى اليوم الثانى بدليل أنه إذا لم يذكر لليوم الثانى بدل وقام الأجير بالعمل فيه استحق على عمله المسمى فى العقد وإن لم يقم به فى اليوم الأول وعليه يكون أجر العمل فى اليوم الثانى مترددا بين أجر اليوم الأول وأجر اليوم الثانى فكان مجهولا، وذلك مفسد للإجارة فى اليوم الثانى فإذا عمل استحق أجر المثل لا ينقص عن نصف دينار ولا يزيد على دينار لاتفاق الطرفين على ذلك فى العقد (114) .استحقاق الأجرةيرى الحنفية: أن الأجرة لا يستحقها آجر العين على مستأجرها ولا الأجير على مستأجره بمجرد العقد، و إنما تستحق باستيفاء المنفعة أو بالتمكن من استيفائها فلا يستحقها مؤجر العين إلا إذا خلى بينها وبين مستأجرها، ولا يستحقها الأجير إلا بالعمل إن كان أجيرا مشتركا أو إلا بتسليم بنفسه إذا كان أجيرا خاصا (115) ، وإذا كان الأجر عينا مشارا إليها وكان مما له حمل ومئونة احتيج إلى بيان مكان إيفائه عند أبى حنيفة (116) ، وعند أبى يوسف ومحمد لا يشترط ذلك، ويتعين مكان العقد للإيفاء فإذا لم يبين مكان الإيفاء فسد العقد عند الإمام، أما عند صاحبيه فلا يفسد، و إنما يكون مكان الإيفاء مكان العقد حيث تكون العين المستأجرة الدار والأرض، أما فى الإجارة على العمل فحيث يوفى العمل، وفى الحمل حيث استوفى المؤجر، فكلما حمل له مسافة أخذ حصته من الأجر مع مراعاة أن تكون هذه المسافة مما يستأجر عليها عادة، وهذا إذا لم يعين للوفاء مكان، فإذا تضمن العقد تعيينه وجب أن يكون الوفاء فيه وإذا كان الأجر مما ليس له حمل ولا مئونة فإن المؤجر يطلبه من المستأجر حيث وجده بعد أن يكون قد استحقه وإذا كان الأجر عينا معينة أشير إليها أو وصفت بما يعينها كأن تستأجر دار للسكنى سنة نظير هذه الدابة وجب تسليمها عند استحقاقها، أما إذا كان دينا فإنه يثبت فى الذمة بالعقد وذلك كالنقود أو المثليات أو المنافع وحينئذ فقد يكون حالا واجب الوفاء عند استحقاقه، وقد يكون مؤجلا إذا شرط فى العقد تأجيله إلى أجل معين وعندئذ يوفى عند حلول أجله ويصح حينئذ تعجيله وذلك بدفعه قبل اجله كما يصح اشتراط تعجيله فى العقد وعندئذ يجب أداؤه قبل الانتفاع والتمكن منه، غير أن ذلك لا يصح إلا إذا كانت الإجارة منجزة أما إذا كانت مضافة فإن شرط التعجيل يكون شرطا فاسدا مفسدا للعقد (117) لأنه يتنافى مع مقتضاه فإن مقتضاه إرجاء آثاره إلى الوقت الذى أضيف إليه، ومن آثاره تملك الأجرة وأداؤها فيكونان مرجأين إلى ذلك الوقت فلا يصح مخالفة هذا المقتضى باشتراط تعجيلها لأنه إلغاء لمقتضى العقد، ولاشتراط تعجيل الأجرة وتأجيلها أثر فى حكم الإجارة يبين فى حكمها، والأجر المسمى هو ما تم الاتفاق عليه فى العقد بين المتعاقدين ويستحق فى العقد الصحيح بانتفاع المستأجر أو بتمكنه من الانتفاع، وأجر المثل هو ما تقوم به المنفعة فى عرف الناس وتعاملهم، ويجب بالانتفاع فعلا فى الإجارة الفاسدة بسبب جهالة التسمية أو جهالة المنفعة كما يجب لوصى مقابل عمله إذا لم يقدر له أجر ولا يعمل مثله إلا بأجر، وللمضارب فى المضاربة الفاسدة بسبب مشاركة رب المال له فى العمل (118) ، ومن القواعد التى ذهب إليها الحنفية لا يجتمع أجر وضمان فلا أجر على الغاصب إذا انتفع بما غصبه ولا أجر على المستأجر إذا انتفع بالعين المستأجرة انتفاعا خلاف ما تم عليه العقد لأنه بمخالفته العقد لم يصر أمينا وكانت يده على العين يد ضمان.مذهب المالكية:يشترط المالكية فى الأجر ما يشترطونه فى الثمن وهو أن يكون مالا متقوما طاهرا منتفعا به مقدورا على تسليمه معلوما ذاتا وأجلا أو حلولا على وضع لا يؤدى إلى النزاع، وعلمه ذاتا يكون إما بوصفه وذلك ببيان جنسه ونوعه وقدره وإما برؤيته والإشارة إليه، وعلمه أجلا يكون ببيان أجله أو حلوله وبناء على ما ذكر لا يصلح النجس أجرا وكذلك المتنجس الذى لا يقبل التطهير ولا مالا ينتفع به انتفاعا مباحا شرعا كآلة اللهو ولا البعير الشارد لعدم القدرة على تسليمه وللاكتفاء فيه بالعلم الذى لا يكون معه نزاع عادة.وأجاز مالك أن يؤجر الخياط على خياطة ما يحتاج إليه المؤاجر هو وأهله من الثياب فى السنة وأن يؤجر الخباز على خبز ما يحتاج إليه المؤاجر من الخبز فيها إذا ما عرف حال المؤاجر وما يحتاج إلى من ذلك مع جهالة المنفعة المعقود عليها وذلك لجريان العرف بذلك ولهذا أجيزت إجارة الظئر بنفقتها مع ما فى النفقة من الجهالة لأنها جهالة لا تؤدى إلى النزاع، وقال أصبغ فى استئجار العامل للعمل فى الكرم على النصف مما يخرج منه لا بأس فيه ومثله الأجير يستأجر لحراسة الزرع وله بعضه لتعارف الناس ذلك ولذا قال سحنون: لو حملت أكثر الإجارات على القياس لبطلت وأصاب الناس حرج (119) ، ولذلك جاز كراء دابة بعلفها أو بطعام صاحبها كما جاز كراء دابة بدراهم معلومة على أن يكون طعام المكترى على صاحبها مدة ركوبه (120) .وإذا كانت الأجرة دينا تشغل به ذمة المستأجر بالعقد كدينار وجب تعجيلها إن شرط فى العقد تعجيلها أو جرى العرف بذلك سواء أكانت المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كحمل متاع إلى جهة معينة واصلاح آلة أم لم تكن دينا كسكنى دار معينة غير أنه إذا كانت المنفعة المعقود عليها دينا وجب تعجيل الأجرة لحق الله تعالى حتى لا يترتب على ذلك ابتداء دين بدين وهو منهى عنه لأنه إن لم تعجل كانت دينا فى مقابلة منفعة هى دين أيضا فى ذمة الأجير ولكون التعجيل فى هذه الحال حقا لله تعالى لا يجوز التنازل عنه ممن يكون منه التنازل وتفسد الإجارة إذا لم تعجل الأجرة، أما إذا لم تكن المنفعة دينا فإن تعجيل الأجرة فى هذه الحال يجب حقا لمستحقها تنفيذا للشرط الصريح أو المعروف عرفا وله حينئذ أن يتنازل عنه ولا يترتب على ذلك فساد الإجارة كمن يستأجر دارا من آخر شهرا ليسكنها بثلاثة دنانير مثلا فلا يجب لصحتها عندئذ تعجيل الأجرة وإذا شرط التعجيل أو كان ذلك مقتضى العرف وجب على المستأجر التعجيل لذلك بخلاف ما إذا استأجر شخصا عاملا ليصلح له آلة بدينار فإن المنفعة فى هذا المثال دين تشغل به ذمة العامل والأجر كذلك دين تشغل به ذمة المستأجر فيجب لكى يتجنب ابتداء الدين بالدين اشتراط تعجيل الأجر أو جريان العرف بذلك ثم تعجيله فعلا مراعاة لحق الله تعالى حتى إذا لم يشرط التعجيل ولم يكن عرف فسدت الإجارة وإن عجل فعلا ذلك لأن الإجارة حين تنعقد فى هذه الحال تنعقد على ابتداء دين بدين إذ لا يقتضى عقد الإجارة بحسب طبيعته إلا تأخير الأجر إلى وقت العمل وذلك ما يصير به الأجر دينا ويلاحظ أن ذلك مشروط بألا تكون المنفعة قد شرع فيها أو لم يتأخر الشروع فيها إلى ثلاثة أيام وإلا كانت الإجارة صحيحة حينئذ لعدم ترتب المحظور وهو ابتداء الدين بالدين اذ تعد المنفعة حينئذ مقبوضة جميعها بناء على ما ذهبوا إليه من أن قبض الأوائل يعد قبضا للأواخر وقيل لابد من التعجيل أيضا فى هذه الحال وذلك على رأى من يرى أن قبض الأوائل لا يعد قبضا للأواخر ولا يكفى فى تعجيل الأجرة عند وجوبه تعجيل بعضها بل لابد من تعجيلها كلها إلا عند الضرورة فعند ذلك يكفى تعجيل البعض ومثلوا لذلك بعقد كراء الحاج مع جمال فى مصر فى رمضان أو أوائل شوال على أن يحمله إلى مكة فإنه يكفى فى هذه الحال تعجيل اليسير من الأجرة لأن تعجيلها كلها يؤدى إلى ضياع الأموال بسبب هرب الجمالين إذا قبضوا الأجر كله فإن لم تكن المنفعة دينا سواء شرع فيها أم لا أو كانت دينا وقد شرع فيها فلا يجب تعجيل الأجر بل يجوز تأخيره، وأما إذا كانت الأجرة عينا معينة كهذه الدابة أو هذا الثوب ونحو ذلك فإنه يجب لصحة الإجارة فى هذه الحال اشتراط تعجيلها فى العقد أو جريان العرف بذلك حتى لا يترتب على العقد بدون ذلك بيع معين يتأخر قبضه وذلك غير جائز إذ أن الأجرة فى هذه الحال هى عين قوبلت بمنفعة وقد جعلت عوضا عنها وبها تملكها المؤجر فتكون كمبيع معين لا يقبل التأخير فى قبضه فإن لم يكن شرط بالتعجيل ولم يكن العرف قد جرى بذلك كانت الإجارة فاسدة ولو عجلت الأجرة فعلا لأن عقد الإجارة بحسب وضعه وطبيعته لا ينعقد موجبا لقبض الأجرة فى الحال وإنما يقتضى تأخير قبضها إلى استيفاء المنفعة التى قوبلت بها ولا يلزم المستأجر فيه من الأجر إلا بقدر ما انتفع إلا ترى أنه إذا حال بين المستأجر وبين انتفاعه فى أثناء مدة الإجارة مانع لم يلزم من الأجر إلا بقدر انتفاعه وذلك بخلاف عقد البيع فإنه يوجب نقد الثمن فى الحال إذا لم يشترط تأجيله لما يترتب عليه من قبض المبيع حتى تتحقق المعادلة بين البدلين فى القبض أما الركوب والسكنى مثلا فى عقد الإجارة فلا يقبضان دفعة واحدة فلم يجب لذلك قبض بدلهما دفعة واحدة فى الحال و بذلك يتضح أن عقد الإجارة بدون اشتراط تعجيل نصا أو عرفا ينعقد على تأخير قبض ما يجب قبضه فى الحال وهو الأجرة المعينة وذلك ما يوجب فساده ولا فرق فى هذه الحال بين أن تكون المنفعة المعقود عليها دينا فى الذمة كنقل متاع أو ليست بدين كسكنى دار وقد نصوا على أنه يغتفر التأخير إلى ثلاثة أيام، وبناء على ما تقدم إذا لم يكن الأجر معينا ولم يكن فى العقد شرط بتعجيله ولم يجر العرف بتعجيله ولم تكن المنفعة التى هى محل العقد دينا ثابتا فى الذمة لم يجب تعجيل الأجر وكان على المستأجر منه ما يعادل ما استوفاه من المنفعة، فكلما تمكن من استيفاء مقدار منها لزمه أجره فيدفعه مياومة أو مشاهرة عند عدم المشاحة فى التعجيل والتأخير وهو الأصل فى الإجارة فى مثل إجارة العقار والرواحل والآدمى للخدمة والأوانى للاستعمال (121) أما فى مثل إجارة الصناع والأجراء فليس لهم الأجر إلا بعد تمام العمل إلا عن تراض بدفعه قبل ذلك أو عن شرط بتعجيل دفعه قبل ابتداء العمل أو شرط بتأجيله إلى ما بعد العمل وذلك هو الأصل فى الإجارة، وفى المدونة: إذا أراد الصانع أو الأجير تعجيل الأجر قبل الفراغ وأمتنع رب الشىء حملوا على المتعارف بين الناس فإن لم يكن لهم سنة لم يقض لهم بشىء إلا بعد الفراغ وأما فى الأكرية فى دار أو راحلة أو فى إجارة بيع السلع ونحوها فبقدر ما مضى وليس لخياط خاط نصف القميص أخذ نصف أجرته إذا لم يأخذه على ذلك بل حتى يتمه، ومقتضى هذا أن ذلك إنما يكون عند المشاحة وإلا فليس على رب الشىء من حرج أن يعجل للأجير أجرته، وذكر الدسوقى أن ذلك فيما إذا بقى العقد إلى إتمام العمل فإن انفسخ قبل إتمامه لم يكن للأجير أو الصانع من الأجر إلا بحساب ما عمل، ثم ذكر الدردير فرقا بين ما يسمى أجيرا وصانعا فذكر أن بائع منفعة يده إن كان لا يحوز ما فيه عمله كالبناء والنجار فهو أجير وان كان يحوز ما يعمل فيه فإن كان لم يدخل فيه شيئا من عنده كالحداد والخياط فصانع وإن كان يدخل فيه شيئا من عنده كالصباغ فبائع صانعولا يستحق المؤجر أن يعجل له شىء من الأجر إلا بتمكن المستأجر كما لا يستحق الأجير شيئا من أجره إلا بإتمام له فمستأجر الدار لا يلزمه أن ينقد إلا بقدر ما سكن ما لم يكن شرط بتعجيل الأجر وكذلك الأجير (122) .وإذا ردد المؤجر بين أجرين فى زمنين فسدت الإجارة وذلك نحو أن يقول للأجير الخائط إن خطت ثوبى هذا اليوم فلك نصف دينار وإن خطته غدا فلك ربع دينار وذلك للجهل بقدر الأجر فإن خاطه لم يكن له إلا اجر مثله بالغا ما بلغ ومحل ذلك إذا وقع العقد ملزما ولو لأحدهما فإن وقع على الخيار لكل منهما جاز العقد إذ لا عبرة بالغرر مع الخيار فإذا تم الاتفاق على أحد الأمرين كان هو المعقود عليه (123) .مذهب الشافعية:يشترط الشافعية فى الأجرة ما يشترط فى ثمن المبيع فيجب أن تكون معلومة جنسا وقدراً وصفة إذا لم تكن معينة فإن كانت معينة كفت رؤيتها والإشارة إليها فلا تصح إجارة دار بعمارتها ولا دابة بعلفها ولا سلخ شاة بجلدها ولا طحن بر ببعض دقيقه كثلثه للجهل بثخانة الجلد وسلامته وبنعومة الدقيق وقدره ولعدم القدرة على تسليم الأجرة فى الحال. والأجرة فى إجارة الذمة كرأس المال فى السلم لأنها فى واقع الأمر سلم فى المنافع، ولذا يجب قبضها فى المجلس ولا يصح الإبراء منها ولا أن يستبدل بها غيرها ولا يحال بها ولا يحال عليها ولا تؤجل.أما فى إجارة العين فهى كالثمن فلا يجب قبضها فى مجلس العقد سواء أكانت دينا أم عينا معينة، وإذا كانت دينا جاز الإبراء منها والاستبدال بها والحوالة بها وعليها وجاز فيها التعجيل والتأجيل بالشرط وإذا أطلقت عن ذكر ذلك وجبت معجلة كثمن المبيع المطلق لأن المؤجر يملكها بالعقد ولكن لا يستحق استيفاءها إلا بالتمكين من العين فإن تنازعا فيمن يبدأ به فالحكم فى ذلك حكم البيع وإذا كانت الأجرة معينة لم يجز تأجيلها لأن الأعيان لا تقبل التأجيل و ملكى فى الحال بنفس العقد كما يملك المستأجر المنفعة به فى إجارة العين ويكون ملك الأجرة ملكا مراعى فكلما مضى جزء من الزمان على السلامة ظهر أن ملك المؤجر قد استقر على ما يقابل ذلك ولا يستقر ملكها كلها إلا باستيفاء المنافع كلها أو تفويتها ومتى قبض المكترى العين المكتراة وامسكها حتى مضت مدة الإجارة استقرت الأجرة عليه وإن لم ينتفع ولو لعذر منعه من الانتفاع كخوف أو مرض وذلك لتلف المنفعة تحت يده حقيقة أو حكما، وكذلك لو كان الأجير حرا وسلم نفسه حتى مضت مدة الإجارة استقر له الأجر على مؤجره وإن لم يعمل (124) ويتعين محل العقد مكانا لتسليم الأجرة إلى المؤجر عينا كانت أم دينا (125) . مذهب الحنابلة:يشترط فى الأجر أن يكون معلوما لأنه عوض فى عقد معاوضة فلزم أن يكون معلوما كالثمن فى البيع إن كان يثبت دينا فى الذمة وكالمبيع إن كان أجرا وأن يكون معلوما بوصفه الكاشف عنه إن كان منفعة وقد روى عن النبى - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من استأجر أجيرا فليعلمه أجره والعلم يكون بالرؤية مع الإشارة أو بالصفة وذلك بذكر الجنس والنوع والقدر وإذا علم بالمشاهدة وكان ذا أجزاء كالصبرة- أى كونه القمح ونحوه- ولم يعلم قدره ففيه وجهان أشبههما الجواز لأنه عوض معلوم فجازت به الإجارة كما جاز به البيع، والثانى لا يجوز لأن العقد قد ينفسخ بعد تلف الصبرة فلا يدرى بكم يرجع فوجب معرفة القدر لذلك والأول أولى، وكل ما جاز ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الإجارة ولذا جاز أن يكون الأجر عينا أو منفعة، وإذا كان منفعة جاز أن يكون من جنس المنفعة المعقود عليها كسكنى دار بسكنى دار أخرى وجاز أن يكون من غير جنسها كسكنى دار بزراعة أرض وجازت الإجارة بطعام موصوف ولم تجز الإجارة على سلخ بهيمة بجلدها لأنه لا يدرى أيخرج سليما أم معيبا ثخينا أم رقيقا فإن سلخت وجب أجر المثل، ولو استأجر راعيا لرعى غنم بثلث لبنها أو صوفها لم يجز نص عليه أحمد لأن الأجر غير معلوم وليس هذا كدفع دابة إلى من يعمل عليها بنصف ربحها لأنه أنما جاز تشبيها بالمضاربة لأنها عين تنمى بالعمل فجاز اشتراط جزء من النماء لمالكها، والأمر فى الغنم ليس كذلك لأن النماء الحاصل فى الغنم لا يقف حصوله على عمله فيها فلم يجز إلحاقه بذلك ولكن إن استأجره على رعيها مدة معلومة بنصفها صح لأن العمل والأجر كلاهما معلوم ويكون النماء بينهما بحكم الملك لأنه ملك الجزء الذى جعل أجرا منها فى الحال فكان له نماؤه، واختلفت الرواية عن احمد فيمن استأجر أجيرا بطعامه وكسوته أو جعل له أجرا وشرط معه طعامه وكسوته فقد روى عنه جواز ذلك وهو مذهب مالك وإسحاق وروى عن أبى بكر وعمر وأبى موسى - رضى الله عنهم- أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم وكسوتهم وروى عنه أيضا أن ذلك إنما يجوز فى الظئر فقط دون غيرها وأختاره القاضى وروى عنه رواية ثالثة هى أن ذلك لا يجوز بحال لا فى بالظئر ولا فى غيرها للجهالة، وفى إغاثة اللهفان (126) : يجوز استئجار الدابة بعلفها والمرضع بنفقتها وهو مذهب مالك ومنعه الشافعى وجوزه أبو حنيفة فى المرضع دون غيرها، ولا بأس فى الاستئجار على حصد الزرع بجزء مشاع منه وتجوز الإجارة إذا كان الأجر معلوما بالعرف والعادة وإن لم يذكر فى العقد، فمن دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه أو قصار ليقصره من غيره عقد بلفظ ولا شرط ولا تعريض بأجر مثل أن يقول له خذ هذا فخطه أو أقصره وأنا أعلم أنك إنما تعمل ذلك بالأجر وكان الخياط أو القصار محترفين لذلك ففعلا فلهما الأجر المعتاد لأن العرف الجارى بذلك يقوم مقام القبول فصار كما لو دخل حماما أو جلس فى سفينة فنقلته إذ شاهد الحال يقتضيه فحل ذلك محل الاتفاق بالعبارة، فأما إذا لم يكونا محترفين لذلك لم يستحقا الأجر إلا بالشرط أو بالتعريض به لأنه لم يجر عرف يقوم مقام العقد فكان العمل تبرعا نص على ذلك أحمد، وإذا قال شخص لخياط: إن خطت هذا الثوب اليوم فلك ربع دينار وإن خطته غدا فلك نصف ذلك لم تصح الإجارة لأن العقد واحد تردد العوض فيه بين أمرين فثبتت فيه الجهالة وتجب الأجرة بنفس العقد فتثبت فى الذمة وإن تأخرت المطالبة بها كالثمن والصداق سواء أكانت فى إجارة عين أم فى إجارة ذمة ويجوز اشتراط تأجيلها أو تعجيلها إذا كانت دينا كما يجوز العقد دون اشتراط تأجيل أو تعجيل (127) .مذهب الظاهرية:قال ابن حزم فى المحلى: وتجوز الإجارة بكل ما يحل ملكه وإن لم يحل بيعه كالكلب والهر والماء والثمرة التى لم يبد صلاحها والسنبل الذى لم ييبس فتستأجر الدار بكلب معين أو كلب موصوف فى الذمة أو بثمرة قد ظهرت ولم يبد صلاحها وبماء موصوف فى الذمة أو معين محرز أو بهر كذلك، وقياس الإجارة على البيع فى ذلك باطل (128) وإجارة المنفعة بالمنفعة جائزة كمن أجر سكنى دار بسكنى دار أخرى أو خدمة عبد بخدمة عبد آخر أو سكنى بخدمة أو بخياطة فكل ذلك جائز إذ لم يأت نص بالنهى عن ذلك وهو قول مالك خلافا لأبى حنيفة إلا أن تختلف المنفعتان وكذلك الدواب ويستحق من الكراء بقدر ما قطع من الطريق لأن العمل الذى هو محل العقد محدود، وقال مالك: لا كراء إلا أن يبلغ الغاية وهذا خطأ لأنه تسخير بلا أجرة وبلا طيب نفس وهذا لا يعضده قرآن ولا سنة ولا قياس وليس له وجه، ولا تجوز الإجارة إلا بمضمون مسمى محدود فى الذمة أو بعين معينة متميزة معروفة الحد والمقدار وقال مالك: يجوز كراء الأجير بطعامه واحتج بخبر أبى هريرة: كنت أجيرا لابنة غزوان بطعام بطنى وعقبة رجلى. قال أبو محمد: وهذا لا دليل فيه فقد يكون هذا تكارما من غير عقد وإلا فمقدار الأجر ها هنا مجهول لاختلاف الناس فى الأكل اختلافا متفاوتا.مذهب الزيدية:ويشترط فى الأجرة العلم بها ويكون العلم بها بالإشارة إليها أو ببيان جنسها ونوعها وقدرها وكل ما يعلم به الثمن فى البيع ويصح أن تكون عينا معينة وأن تكون دينا فى الذمة ويصح أن تكون منفعة مثل أن يستأجر دارا سنة بزراعة قطعة أرض معينة سنة، فإن أختلفت المنفعتان فذلك جائز باتفاق أئمة الزيدية وأن كانت من جنس واحد كسكنى دار بسكنى دار أخرى فالمذهب جواز ذلك وهو قول القاسم ويحيى، وجاء فى الكافى عن أكثر الأصحاب: أن ذلك لا يجوز وما يصلح أن يكون ثمنا فى البيع يصلح أن يكون أجرة فى الإجارة وما لا يصلح ثمنا لا يصلح أجرة وقال الصادق والناصر: لا تصح إجارة الأراضى بالطعام وتملك الأجرة فى الإجارة الصحيحة بالعقد وجاء فى شرح الإبانة أنها لا تملك بالعقد بل لا بد من القبض وسيأتى تفصيل ذلك، ويصح الاستئجار على حمل طعام ببعض المحمول كنصفه أو ثلثه وعلى رعى الغنم بثلثها نص على ذلك الهادى، وروى عن على فى المنتخب وقال زيد بن على والناصر: لا يصح لأنها إجارة على حمل ملك نفسه وملك غيره، أما لو استأجره على حمل نصف هذا الطعام بنصف فلا خلاف فى صحة ذلك، ولو استأجر من ينسج له غزلا نصف المنسوج بعد العمل لم يصح، ذكره الهادى وعلى (129) .الشيعة الإمامية:الأجرة لازمة فى عقد الإجارة وركن فيه ويشترط أن تكون معلومة بالوزن أو الكيل فيما يدخلانه بعد معرفة جنسها ونوعها أو المشاهدة مع الإشارة وفى الإكتفاء بالمشاهدة عن بيان مقدارها بالكيل أو بالوزن فيما يدخلانه أشكال وجزم الشيخ بجواز الإكتفاء بها وما جاز أن يكون ثمنا فى البيع جاز عوضا فى الإجارة فجاز أن تكون الإجارة عينا أو منفعة اختلفت جنسها مع المنفعة المعقود عليها أو اتفق كسكنى دار بسكنى دار أخرى وكاستخدام بسكنى وجاز فيها الإطلاق بشرط وصفها وصفا يرفع الجهالة، وأن تكون معينة موصوفة معلومة المقدار، وجازت بطعام موصوف، واستئجار دار بعمارتها جائز مع التعيين وإلا فلا، واستئجار سلخ شاة بجلدها لا يجوز، وقال الشيخ: يجوز، واستئجار على رعى الغنم مدة معينة بنصفها أو بشاة معلومة منها جائز، والنماء بين العاقدين من حين العقد على النسبة، وفسدت لو استأجر بلبنها أو نسلها كما يفسد استئجار الأجير بطعامه وكسوته سواء أكان ظئرا أم غيرها، ولو عين الطعام والكسوة بما يرفع الجهالة جاز بشرط تعيين وقت الدفع، واستئجار الدابة بعلفها جائز إن عين وإلا لا، ولو استأجره لحصد الزرع بجزء معلوم منه كالسدس جاز وكذلك إذا استأجر الطحان بالنحالة أو بقفيز منها فإن ذلك جائز، وإذا استأجر الخياط لخياطة ثوب بدرهم إن خاطه اليوم وبنصفه درهم إن خاطه الغد فللشيخ فى صحة هذه الإجارة قولان أحدهما: الجواز، وله المسمى، وثانيهما: الجواز فى اليوم الأول والفساد فى اليوم الثانى فله فيه أجر المثل لا يزاد على درهم ولا ينقض عن نصف درهم، ولو قيل بالبطلان بهما وثبوت أجر المثل كان وجيها (130) .مذهب الاباضية:يشترط الاباضية لصحة الإجارة العلم بالأجرة كما يشترطون العلم بالمنفعة المعقود عليها لأنهما عوضان فى عقد معاوضة يعتمد على التراضى ويجوز أن يكون الأجر عملا على عمل من جنسه أومن غير جنسه كإجارة على حرث أرض بحرث ارض أخرى فى زمن آخر وإجارة علي حرث أرض بحفر بثر، ومنع أصحاب الديوان أن يكون الأجر منفعة وقالوا لا يجوز الكراء ألا بكيل معلوم مما يكال أو يوزن أو يعد أو يسمح كالأرض أو بما يشاهد وإن جهل كيله أو وزنه أو عدده أو مساحته مع العلم بنوعه وإلا لم يجز، وكل ما يجوز البيع به يجوز به الإجارة ويجوز فى الأجر أن ينفد وقت العقد وأن يؤخر نقده عنه، وإذا كان على عمل كان نقده بعد الفراغ منه إلا إذا كان منجما فعلى نجومه كأن يقول المؤجر: كل يوم بكذا أو كل شهر أو كل متعدد من ذلك فإذا تمت لمدة نقدت أجرتها، ولا تجوز الإجارة بالمجهول غير الحاضر كالثياب والأوانى (131) ، ومن الاباضية من أجاز بيع المنافع ومن استؤجر بعمل معين على أنه إن عمله اليوم فأجره دينار وان عمله غداً فأجره نصف دينار سواء اقتصر على ذلك أم زاد فقال وإن عملته بعد غد فلك ربع دينار أو قال له المؤجر أن عملته اليوم فلك هذه الدابة، وإن عملته غدا فلك هذه الدابة مسيرا إلى أخرى أو قال له المؤجر: أن ركبت هذه الدابة إلى بلدة كذا فالأجر نصف دينار وان ركبتها إلى بلدة كذا وهى أعف من الأولى فالأجر دينار ففى جواز ذلك وعدم جوازه قولان كما هو حكم ذلك فى البيع بخير فيه بين سلعتين بثمنين والمختار المنع كما فى البيع.تأجيل الأجر وتعجيلهإذا كان عقد الإجارة خاليا مما يدل على وجوب تعجيل الأجر أو تأجيله ولم يكن عرف يوجب تأجيلا أو تعجيلا فإن استحقاق المؤجر للأجرة لا يثبت ألا عند استيفاء المستأجر المنفعة المعقود عليها عند الحنفية على الوضع الذى سنبينه ولكن إذا عجلها المستأجر فى هذه الحال فدفعها إلى المؤجر فإنه يتملكها فى جميع الأحوال دون انتظار لاستيفائه المنفعة ولم يكن له حينئذ أن يستردها وذلك محل اتفاق بين جميع المذاهب، وإذا شرط فى عقد الإجارة تعجيل الأجرة صح هذا الشرط ولزم ووجب الوفاء به إذا كان العقد منجزا وعندئذ يكون للمؤجر أن يمتنع من تسليم العين المستأجرة إلى أن تؤدى إليه الأجرة المشترط تعجيلها سواء أكانت دينا أم عينا معينة فإن لم تؤد إليه كان له حق طلب فسخ الإجارة بسبب ذلك ويتملكها مستأجر حينئذ بالشرط فتكون ملكا له منذ إنشاء العقد، ولا يعد هذا الشرط منافيا لمقتضى العقد بالنظر إلى أنه عقد معاوضة يقتضى المساواة بين البدلين فى ثبوت الملك فى كل منهما فى وقت واحد لأن ذلك إنما يكون عند خلوه من شرط التعجيل، اما عند إشتراطه فمقتضاه معاوضة بشرط التعجيل اعتبارا بشرطهما لقوله صلى الله عليه وسلم: المسلمون عند شروطهم ويكون اشتراط التعجيل إسقاطا لحقه فى المساواة بين البدلين كاشتراط تأجيل الثمن فى البيع يعتبر إسقاطا لحقه فى قبض الثمن حالا ويكون للمؤجر حينئذ أن يحتبس ما وقع عليه العقد حتى يستوفى الأجر وهذا ما ذكره الكرخى فى جامعه اعتبارا بحق البائع فى حبس المبيع إلى أن يستوفى الثمن لأن المنافع فى الإجارة كالمبيع فى البيع، والأجر فى الإجارة كالثمن فى البيع، ولا يقال: لا فائدة فى هذا الحبس لأن الإجارة إذا وقعت على مدة وحبس المؤجر العين بطلت الإجارة فيها أو فى مدة حبسها إذ أن حبسها وسيلة إلى أدائها، فإذا أصر المستأجر على" عدم الأداء كان للمؤجر الفسخ ويلاحظ أن هذا لا يجرى فى الإجارة على المسافة فيما إذا أجر دابة مسافة معلومة لأنه لا يترتب على حبس الدابة انتهاء مدة تبطل بفواتها الإجارة وإنما يترتب عليه اتخاذه حاملا على أداء الأجرة على وفق الشرط وإلا كان للمؤجر حق الفسخ وكذلك يكون للأجير إذا لم تسلم إليه الأجرة فى هذه الحال أن يمتنع عن العمل المعقود عليه حتى يستوفى أجرته طبقا للشرط ويكون له حق الفسخ إذا لم تؤد إليه أما فى الإجارة المضافة فإن اشتراط تعجيل الأجر فيها غير صحيح ولا يترتب عليه أثر لأنه فى هذه الحال يتنافى مع ما ضرح به فى العقد بالنظر إلى إضافته إذ معنى إضافته أرجاء آثاره ومن آثاره قبض الأجرة واستحقاقها فيكونان مرجأين بإضافته إلى وقت الإضافة واشتراط التعجيل مخالفة لذلك المعنى وإلغاء له ولأن العقد المضاف إلى وقت لا يكون موجودا بالنظر إلى آثاره قبل حلول ذلك الوقت ولا يجوز أن يتغير معناه هذا بالشرط فيعد موجودا موجبا لتعجيل الأجرة فى حين أنه غير موجود فلا يصح الشرط لذلك والشروط الفاسدة تفسد عقد الإجارة وعند عدم الإضافة لا يجب تعجيل الأجر لاقتضاء العقد المساواة بين العوضين وهو فى هذه الحال ليس بمضاف صريحا فيبطل هذا عند التصريح بخلافه وذلك باشتراط التعجيل وإذا شرط تأجيل الأجرة صح ذلك الشرط سواء أكانت الإجارة منجزة أم مضافة غير أنه يلاحظ ألا يكون مع اشتراط تأجيلها حال إضافتها ما يستوجب تعجيلها إلى وقت قبل الوقت الذى أضيفت إليه لما نقدم بيانه ويجوز فى هذه الحال أن يكون تأجيلها إلى ما بعد انقضاء مدة الإجارة إذ أن ذلك يتسق مع مقتضى العقد فيما ذهب إليه الإمام لأن الأجرة لا تجب عنده إلا فى آخر المدة فلا حرج أن تؤجل إلى ذلك الوقت أو بعده وكذلك الوضع على القول بأنها إنما تجب شيئا فشيئا لأنها فى وضعها كالثمن فى البيع يجوز فيه التأجيل إلى الوقت الذى يتم الاتفاق عليه ومقتضى قولهم أن الأجرة فى الإجارة إذا كانت عينا كانت كالمبيع فى البيع أنها لا تقبل التأجيل فى هذه الحال إلى ما بعد استحقاقها وإذا عجلت الأجرة فى هذه الحال صح ذلك لأن التأخير فى أدائها إنما ثبت حقا للمستأجر بإشتراطه فى ملك أبطاله بالتعجيل كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله ولأن العقد سبب لاستحقاق الأجرة فإذا ما استحقت بالتعجيل فقد استحقت بعد انعقاد سبب الاستحقاق وتعجيل الحكم قبل الوجوب وبعد وجود سبب الاستحقاق جائز وإذا لم يكن شرط وكان عرف وجب إتباع العرف فإذا اقتضى تأجيلا أو تعجيلا كان الأمر كما يقتضى (132) : وقد سبق بيان مذهب المالكية عند كلامنا على الأحكام المتعلقة بالإجارة إذا ما كانت الأجرة دينا أو عينا.مذهب الشافعية:ذهب الشافعية إلى وجوب قبض الأجرة فى مجلس العقد فى إجارة الذمة وهى إجارة موصوف من دابة ونحوها لحمل أو ركوب ونحو ذلك أو عامل لإلزامه فى ذمته بعمل من الأعمال كخياطة وبناء لأن الأجرة فى هذه الحال كرأس مال فى سلم إذ أن الإجارة فى مثل ذلك تعد سلما فى المنافع فيجب قبضها فى المجلس و لا يصح الإبراء منها ولا أن يستبدل بها ولا يحال بها ولا عليها ولا يجوز تأجيلها سواء تأخر العمل فيها عن العقد أم لا وأما فى إجارة العين كما فى إجارة معين من عقار أو حيوان ونحوها فهى فى الحكم كثمن فى البيع فلا يجب قبضها فى المجلس معينة كانت أو دينا ويجوز أن تشغل بها الذمة كما يجوز حينئذ الإبراء منها والاستبدال عنها والحوالة بها وعليها واشتراط تعجيلها واشتراط تأجيلها إن كانت دينا إذ أنها فى حكم الثمن فإن كانت معينة لم يجز تأجيلها الآن الأعيان لا تقبل التأجيل (133) .مذهب الحنابلة:ذهب الحنابلة إلى أن المؤجر يملك الأجرة كاملة فى وقت العقد إلا أن يكون شرط بتأجيلها، جاء فى المغنى فى كلامه على أحكام الإجارة: الحكم السادس: إذا شرط تأجيل الأجر فهو إلى أجله وان شرط منجما يوما يومان أو نحو ذلك فهو على ما تم الاتفاق عليه لأن إجارة العين كبيعها وبيعها يصح بثمن حال أو مؤجل فكذلك إجارتها (134) .مذهب الزيدية:ويرى الزيدية جواز اشتراط تعجيل الأجرة فى الإجارة واشتراط تأجيلها (135) ، وإذا لم يشترط فيها تأجيل ولا تعجيل وجبت بإستيفاء المنفعة.مذهب الظاهرية:جاء فى المحلى لابن حزم: ولا يجوز اشتراط تعجيل الأجرة ولا تعجيل شئ منها وإلا اشتراط تأخيرها إلى أجل و لا تأخير شئ منها كذلك ولا يجوز أيضا اشتراط تأخير الشئ المستأجر ولا تأخير العمل المستأجر له طرفة عين فما فوق ذلك لأنه شرط ليس فى كتاب الله فهو باطل ومن هذأ استئجار دار مكتراة أو عبد مستأجر أو دابة مستأجرة أو عمل مستأجر أو غير ذلك كذلك قبل تمام الإجارة التى هو مشغول فيها لأن فى هذا العقد اشتراط تأخير قبض الشئ المستأجر أو العمل المستأجر له وقد أجاز بعض الناس إجارة ما ذكرنا قبل انقضاء مدته باليومين ومنع عند الأكثر وهذا تحكم فاسد ودعوى باطلة بالا برهان وليس الا حراما فيحرم جملة أو إلا حلالا فيحل جملة ، وقالوا: هو فى المدة الطويلة غرر، فقلنا: وهو أيضا فى الساعة غرر، ولا فرق اذ لا يدرى أحد ما سيحدث بعد طرفة عين إلا الله تعالى وأيضا فيكلفون إلى تحديد المدة التى لا غرر فيها والمدة التى فيها غرر وآن يأتوا بالبرهان علي ذلك وإلا فهم قائلون فى الدين ما لا علم لهم به فإن تأخر كل ذلك بلا شرط فلا بأس به (136) . مذهب الشيعة الإمامية:يملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد مع خلوه من شرط التعجيل أو التأجيل كما يملكها كذلك بالعقد مع اشتراط التعجيل سواء أكان محل العقد منفعة فى الذمة أو منفعة عين معينة ولا يشترط فى ذلك استيفاء المنفعة ولا مضى وقضها، وإذا كانت الإجارة على عمل ملك المؤجر الأجر بالعقد أيضا وفى استحقاق قبضه قبل العمل نظر، وإذا اشترط تأجيل الأجر صح الشرط أن يكون الأجل مضبوطا ولو شرطه منجما يوما بيوم أو شهرا بشهر مثلا جاز ولو خالفه فى توفيت النجوم صح أيضا بشرط الضبط (137) .مذهب الإباضية:ذهب الإباضية إلى جواز تأجيل الأجر بشرط أن يكون الأجل معلوما كما ذهبوا إلى جواز الإجارة على أن يكون العمل والأجر إلى أجل معلوما أو على أن يكون العمل إلى أجل معلوم وأن يكون الأجر غير مؤجل بل ينقد فكل ذلك جائز على ما أتفق عليه العاقدان (138) وجاء فى شرح النيل أيضا أن ما قيل من أن عدم قبض الأجر فى مجلس العقد يؤدى إلى الشبه ببيع الدين بالدين، وأن ذلك يوجب بطلان العقد حينئذ نظر ضعيف للإجماع علي جواز الإجارة بلا قبض ولم نر أحدا منعها أو أبطلها إذا لم يحدث فى المجلس قبض وفى الأثر من عمل بالإجارة إلى أجل جاز ولو عمل ذهبا أو فضة بوزن من الذهب أو الفضة لأنه عمل لا يدخله الربا (139) .الإجارة - صفتها - حكمها:الإجارة قد تكون صحيحه، وقد تكون غير صحيحه- فالصحيحة هى ما توافرت فيها جميع شروط انعقادها وصحتها وكذلك شروط نفاذها على ما ذهب إليه الشافعية ومن رأى رأيهم وغير الصحيحة خلافها، ومرد ذلك إلى اختلاف اصطلاح الفقهاء فيما يعد صحيحا من العقود وما يعد غير صحيح منها فالحنفية ومن يرى رأيهم يرون أن العقد الصحيح هو ما كان سببا صالحا لترتب آثاره الشرعية عليه، وذلك عندما يتحقق معناه وتسلم أركانه ومحله ولم يعرض له من الأوصاف ما يجعله منهيا عنه شرعا، وغير الصحيح ما كان على خلاف ذلك فأصابه الخلل بنقص بعض أركانه أو لعدم وجود محله أو لانتفاء معناه أو لعدم سلامته مما اقتضى كراهة الشارع له فنهى عنه، غير أن الحنفية يقسمون غير الصحيح قسمين: فاسد وباطل فإن كان عدم صحته خلل فى أركانه أو محله أو لإنتفاء معناه كان هو الباطل وان كان لصفة فيه كرهها الشارع فنهى عنه فهو الفاسد ويقولون أنه ما شرع بأصله لا بوصفه وغير الحنفية لا يفرقون فى الحكم بين الحالين، وعلى هذا الأساس ذهب الحنفية إلى أن الإجارة قد تكون صحيحة وقد تكون فاسدة وقد تكون باطلة ولكل نوع من هذه الأنواع حكمه وذهب غيرهم إلى أنها أما صحيحة وأما غير صحيحة ولكل من هذين النوعين حكمه " راجع مصطلح عقد "الإجارة الصحيحة: صفتها:جمهور الفقهاء على أنها عقد لازم ما عدا بعض الاباضية وشريح وغيرهم ممن سيأتى ذكرهم فقد كان شريح يرى أنه يفيد إباحة لا ملكا والإباحة لا توصف باللزوم ولذا كان يرى جواز فسخها بلا عذر من أحد طرفيها أما من يرى لزومه من الفقهاء فيرى أنه لا يجوز لأحد عاقديه أن يستبد بفسخه و إنما يفسخ باتفاقهما وهذا ما يسمى بالإقالة ، ويكون لازما إذا ما خلا من الخيارات التى تجيز فسخه كخيار الشرط والرؤية والعيب انظر مصطلح " خيار " وفيما يلى بيان المذاهب فى ذلكمذهب الحنفية:يرى الحنفية أن عقد الإجارة عقد لازم فإذا أقترن القبول فيه بالإيجاب تم العقد ولزم ولم يجز لأحد العاقدين أن ينفرد بفسخه متى كان خاليا من خيار الشرط أو خيار الرؤية أو خيار العيب أو غيرها من الخيارات وما يستوجب فسخه من الأعذار التى سيأتى بياتها غير أنه إذا كان مضافا كأن يؤجره داره التي فى جهة كذا ابتداء من السنة التى تلى سنة العقد فقد أختلف الحنفية فى لزومها فى مجىء وقت أضافتها، ذهب بعضهم إلى أنها تكون لازمة فلا يملك المؤجر أن يتصرف فى العين المستأجرة بمجرد تمام العقد بإخراجه عن ملكه وذهب آخرون إلى عدم لزومها فأجاز أن يتحرف فى العين المؤجرة بما يخرجها عن ملكه والقولان مصححان كما جاء فى الدر المختار ونقل أبن عابدين عن الخانية " لو كانت الإجارة مضافة إلى الغير ثم باع من غيره قال فى المنتقى فيه روايتان والفتوى على أنه يجوز البيع وتبطل الإجارة المضافة وهو اختيار الحلوانى ثم قال: والظاهر عدم لزومها من الجانبين لا من جانب المؤجر فقط فلكل فسخها كما هو مقتضى إطلاقهم (140) .مذهب المالكية:ويرى المالكية أنها عقد لازم كالبيع متى كان العاقد لها رشيدا مكلفا سواء أكانت منجزة أم مضافة (141) فقد جاء فى الشرح الصغير وشرط لزومها التكليف والرشد والطوع (142) . مذهب الشافعية:ويرى الشافعية أنها عقد لازم كذلك فلا يستقل أحد العاقدين بفسخها. مذهب الحنابلة:يرى الحنابلة- أنها عقد لازم أيضا. فقد جاء فى المغنى والإجارة عقد لازم من الطرفين ليس لواحد منهما فسخا لأنها عقد معاوضة كالبيع سواء أكان له عذر أم لا (143) - ولذا يلزم مؤجر الغين بتسليمها إلى مستأجرها ويلزم الأجير بالعمل الذى استؤجر عليه فإذا هرب الأجير أو شردت الدابة أو هرب بها المؤجر لم تنفسخ الإجارة وان يثبت للمستأجر خيار الفسخ فإن فسخ فلا كلام وإن لم يفسخ وعادت العين فى أثناء المدة كان له أن ينتفع بها ليستوفى ما بقى له وإذا كانت الإجارة على عمل فى الذمة استؤجر من مال الأجير من يقوما به فإن تعذر كان للمستأجر الفسخ (144) .مذهب الظاهرية:ويرى ابن حزم من أهل الظاهر- أنها عقد لازم كذلك فقد جاء فى المحلى: وقد روى عن شريح والشعبى وصح عنهما أن كل واحد من طرفيها ينقض الإجارة إذا شاء قبل تمام المدة وان كره الأخر وكانا يقضيان بذلك ولا نقول بهذا لأنه عقد عقداه فى مال يملكه المؤاجر فهو مأمور بإنفاذه وكذلك معاقده ما داما حيين ومادام ذلك الشىء فى ملك من أجره (145) .مذهب الزيدية:ويرى الزيدية: أنها ضد لازم يجبر لممتنع عنه على المضى فيه والوفاء لصاحبه ما يستحقه ولا ينفسخ بموت أحدهما (146) . وجاء فى شرح الأزهار: أن الأصم وابن علية والنهروانى والقاسانى يرون أنها عقد غير لازم (147) .مذهب الإمامية:يرى الشيعة الإمامية: أنها عقد لازم أيضا فقد جاء فى" تحرير الأحكام" (148) : وهى عقد لازم من الطرفين ولا يبطل إلا بالتقايل أو أحد الأسباب الموجبة للفسخ كوجود عيب فى الأجر المعين أو فى العين المستأجرة أو إفلاس المستأجر له ولا تنفسخ بالأعذار.مذهب الإباضية:جاء فى شرح النيل: هل عقد الإجارة لازم كالبيع والرهن سواء قبضت الأجرة أم لم تقبض شرع فى العمل أم لم يشرع فيجبر لذلك الأجير على العمل والمستأجر على نقد الأجرة.هذا هو الظاهر بالنظر إلى القياس على سائر العقود وللأمر بالوفاء بالعهود، وقيل هو جائز- أى غير لازم - ولكل من العاقدين الرجوع فيه ولو بعد قبض الثمن والدخول فى العمل ما لم يتمه وهو ظاهر قول أبى زكريا فى كتاب الأحكام وقيل إذا قبضت الأجرة لزم العقد ولو لم يدخل فى العمل ويجبر حينئذ على العمل وقيل إذا دخل فى العمل لزم العقد ولو لم ينقد الأجرة وقيل إذا دخل فى العمل ونقد الأجرة لزم.وفى الديوان: فتحصل فى عقد الإجارة انه لازم مطلقا أو جائز مطلقا وهو المعمول به فى بلادنا أو لازم بالشروع فى العمل أو بالشروع فى العمل مع قبض الأجر أو لازم بالقبض ولو بلا شروع أقوال ثم قال والصحيح عندى القول باللزوم مطلقا (149) .حكمها:مذهب الحنفية:الإجارة إما صحيحه وإما فاسدة وإما باطلة.حكم الصحيحة:إذا ما استوفت الإجارة شروط نفاذها فنفذت ترتب عليها آثارها الآتية، وقبل ذكر هذه الآثار نلخص ما ذكره الحنفية فى حكم الإجارة المطلقة فقد قالوا أن حكمها لا يثبت بنفس العقد لأن العقد فى حق الحكم ينعقد على حسب حدوث المنافع فكان العقد فى حقه مضافا إلى حين حدوث المنفعة فيثبت حكمه عند ذلك ، ولأن المنفعة لا تحدث فى وقت واحد بل تحدث متجددة بتجدد الزمن كان ثبوت الحكم أيضا علي هذا الوضع وكان عقد الإجارة بمثابة عقود متجددة بتجدد المنافع والزمن ومن ثم لم يكن لمستأجر العين إذا ما أخر مالكها تسليمها إليه فلم يسلمها إلا بعد مضى بعض المدة أن يمتنع عن تسلمها فى باقى المدة للانتفاع بها إلا إذا ترتب على ذلك ضرر بأن كان له غرض صحيح فى انتفاعه بالعين فى الجزء المنقضى من المدة (150) .أما الآثار التى وعدنا بذكرها فهى:- أولا- تسليم البدلين- المنفعة والأجر- أما تسليم المنفعة التى هى محل العقد فإنه يتم تسليم العين التى وقع عليها العقد أو التى تطلب منها المنفعة فى إجارة الأعيان كما فى إجارة الدور والدواب والآلات والثياب وتقوم التخلية بين العين وبين المستأجر مقام تسليمها إليه حيث لا يكون مانع من أن يتسلمها تسلما يؤدى إلى الانتفاع بها كما يتم أيضا بتسليم العين محل العمل المستأجر عليه منفذا فيها العمل فى إجارة ا الأجراء المشتركين وبتسليم الأجير الخاص نفسه فى إجارة الأجراء الوحديين- أى الخاصين- ويجب أن يتم ذلك أثر العقد إذا ما كانت الإجارة منجزة ولم يكن فيها خيار شرعى فإن - كانت مضافة وجب ذلك الأثر عند مجىء الوقت الذى أضيفت إليه وان كان فيها خيار شرعى وجب عند إنتهاء الخيار ويكون تسليم محل العقد وهو المنفعة ابتداء على الوجه الذى شرحناه متى لم يكن هناك شرط بتعجيل الأجرة أما إذا شرط تعجيل الأجرة فلا يحق ذلك التسليم إلا بدفاع الأجرة فعلا (151) .وأما تسليم الأجرة فإن كان هناك شرط بتعجيلها أو بتأجيلها لزم فلا تسلم إلا فى موعدها على حسب الشر فإذا شرط تعجيلها وجب البدء بتسليمها إلى المؤجر وكان له أن يمتنع من تسليم العين المطلوبة منفعتها كما يكون للأجير أن يمتنع من العمل حتى تؤدى الأجرة إليهما تنفيذا للشرط لأنهما لما شرطا تعجيل الأجرة لزم اعتبار شرطهما لحديث: المسلمون عند شروطهم، وتملك المؤجر أو الأجير البدل كما قدمنا وجاز تصرفه فيه بالهبة والإبراء والشراء وبكل تصرف يملكه البائع فى الثمن إذا شرط تأجيلها صح الشرط ووجب على المؤجر أن يسلم إلى المستأجر ما وقع العقد عليه دون أن يكون له حق فى طلب الأجرة إلا حين يحل وقت دفعها كمما يجب على الأجير العمل كذلك دون طلب للأجرة ويلاحظ أن شرط التعجيل فى الإجارة المضافة شرط فاسد على ما بيناه سابقا لمخالفته لمقتضى العقد وأنه لذلك يكون مفسدا للعاقد، أما إذا لم يكن فى العقد شرط يقضى ذلك فكان العقد مطلقا فإن الأجرة يجب تسليمها حينئذ عند استحقاقها للمؤجر أو للأجير وهى لا تستحق إلا بتملكها وذلك ما سيأتى بيانه فيما يلى. وعندئذ يجب البدء بتسليم ما وقع عليه العقد فيجب على المؤاجر تسليما العين المستأجرة ويجب على الأجير تسليم نفسه أو الوفاء بالعمل المطلوب منه وهذا إذا كانت الإجارة منجزة أما إذا كانت مضافة فلا يتأتى فيها اشتراط التعجيل للأجرة لما مر وإنما يصح فيها التأجيل إلى ما بعد إنتهاء الإجارة أو الإطلاق وفى هذين الحالين يكون حكم تسليمها- هو نفس الحكم فى الإجارة المنجزة عند التأجيل أو الإطلاق. ثانيا: ملك المنفعة والأجرة، أما ملك المنفعة فلا يجب بالعقد وحده لأن المنافع معدومة والمعدوم لا يملك و إنما يتحقق بالعقد عند استيفائها لأن ذلك هو وقت وجودها فكلما استوفى المستأجر قدرا من المنافع تملكه ولهذا كان حكم عقد الإجارة بالنسبة للتملك مرجأ إلى وقت الاستيفاء سواء فى المنجزة والمضافة- أما ملك الأجرة فإنما يثبت عند تملك المنفعة أو عند تعجيلها أو عند اشتراط تعجيلها فالأجرة عند الحنفية لا تملك بالعقد إلا بأحد معان ثلاثة، أحدها: شرط تعجيلها فى العقد ثانيها: تعجيلها من غير اشتراط ثالثها: استيفاء ما يقابلها وهو المعقود عليه. فأما تملكها باستيفاء ما يقابلها من المعقود عليه فلأن عقد الإجارة عقد معاوضة ومقتضى المعاوضة المطلقة عدم ثبوت الملك فى أحد العوضين دون الآخر فإذا لم يثبت فى أحدهما لم يثبت فى الأخر إذ لو ثبت فيه لم تكن المعاوضة حقيقية إذ لا يقابله حينئذ عوض والمساواة فى عقود المعاوضات. مطلوبة للعاقدين ولا مساواة إلا بثبوت الملك فى العوضين فى وقت واحد ولما كانت المنفعة معدومة عند إنشاء العقد ولم يثبت الملك فيها عند إنشائه لذلك لم يثبت أيضا فى الأجرة فى الحال كدين فى ذمة المستأجر إن كان الأجر غير عين كما يثبت فيها فى الحال إن كانت عينا تحقيقا للمساواة التى هى مقتضى المعاوضة- وقد كان أبو حنيفة يقول أولا إن الأجرة لا تجب إلا بعد مضى مدة الإجارة إن كان هناك مدة أو بعد استيفاء المنفعة إن لم تكن مدة وهو قول زفر ثم رجع فقال إنها تجب يوما فيوما عند وجود مدة، أو حالا فحالا عند الاستئجار على قطع المسافات وهكذا، وذكر الكرخى أنه تسلم أجرة كل مرحلة إذا انتهى إليها فى قطع المسافات وهو قول الصاحبين. ووجه قول الإمام الأول أن منافع المدة أو المسافة من حيث إنها معقود عليها شىء واحد فما لم يستوفها كلها لا يجب شىء من بدلها كمن يستأجر خياطا ليخيط له ثوبا فخاط بعضه فلا يستحق الأجر حتى يخيطه كله ووجه قوله الثانى وهو المشهور إن ملك البدل وهو المنفعة إنما يحدث على حسب حدوثها شيئا فشيئا فكذلك ما يقابله وهو الأجر ومقتضى هذا أن تسليم الأجر يجب ساعة فساعة إلا أن ذلك متعذر فاستحسن فقال يوما فيوما ومرحلة فمرحلة؛ لأنه أيسر وعن أبى يوسف فيمن استأجر بعيرا إلى مكة أنه عليه من الأجر ثلث الطريق أو نصفه إذا بلغ ذلك استحسانا ووجهه أن السير إلى ثلث الطريق أو نصفه منفعة مقصودة فى الجملة فإذا وجد ذلك القدر لزمه تسليم بدله وعلى هذا يخرج ما إذا أبرأ المؤاجر المستأجر من الأجر أو وهبه له فإنه لا يجوز فى قول أبى يوسف عينا كان الأجر أو دينا وقال محمد إن كان دينا جاز ووجه قول أبى يوسف أن الأجر لم يملكه المؤاجر بمطلق العقد الخالى من شرط التعجيل ولا إبراء عما ليس بمملوك للمبرئ وكذلك لا تصح الهبة إذ هبة غير المملوك للواهب غير صحيحة ووجه قول محمد: أن الإبراء لا يصح إلا بقول من المبرأ فإذا قبل المستأجر فقد قصدا صحة الإبراء ولا صحة له إلا بثبوت الملك فيثبت له الملك بمقتضى التصرف تصحيحا له وأيضا الإبراء إسقاط وإسقاط الحق بعد وجود سبب الوجوب جائز كالعفو عن القصاص بعد الجرح المؤدى إلى الموت وسبب الوجوب هنا موجود وهو العقد ولو أبرأه عن بعض الأجرة جاز فى قولهما أما على أصل محمد فإنه يجوز إبراء الكل فأولى أن يجوز الإبراء من البعض وأما على أصل أبى يوسف فلأن ذلك حط من الأجرة فيلحق بأصل العقد وحط الكل لا يمكن إلحاقه بأصل العقد ولا سبيل إلى تصحيحه للحال لعدم الملك وإذا كانت الأجرة عينا من الأعيان ووهبها المؤجر للمستأجر قبل استيفاء المنافع لم يكن ذلك نقضا لعقد الإجارة عند أبى يوسف وذلك لعدم صحة الهبة لعدم الملك فالتحقت بالعدم وقال محمد إن قبل المستأجر الهبة بطلت الإجارة وإن ردها لم تبطل ذلك لأن الأجرة إذا كانت عينا كانت فى حكم المبيع وما يقابلها فى حكم الثمن والمشترى إذا وهب المبيع قبل القبض من البائع فقبله يبطل البيع كذا هنا أما إذا رد المستأجر الهبة لم تبطل الإجارة لعدم تمام الهبة فإذا ردت التحقت بالعدم هذا إذا وقع العقد خاليا عن شرط تعجيل الأجرة فأما إذا شرط فيه تعجيلها فإنها تملك بالشرط ووجب التعجيل وذلك لأن ثبوت الملك فى العوضين فى زمن واحد واجب لتحقق معنى المعاوضة المطلقة وتحقيق المساواة التى هى مطلوب العاقدين فإذا شرط التعجيل لم تكن المعاوضة المطلقة هى المطلوبة بل المطلوب معاوضة معتبرة بشرط التعجيل فيجب اعتبار شرطها لقوله- صلى الله عليه وسلم- المسلمون عند شروطهم. فثبت الملك فى العوض قبل ثبوته فيما يقابله وللمؤجر حينئذ حبس ما وقع عليه العقد حتى يستوفى الأجرة ذكره الكرخى فى جامعه لأن المنافع فى باب الإجارة كالمبيع فى باب البيع والأجرة فى الإجارة كالثمن فى البيع وللبائع حبس المبيع إلى أن يستوفى الثمن فكذلك للمستأجر حبس المنفعة إلى أن يستوفى الأجرة المعجلة فإن قيل: لا فائدة فى هذا الحبس لأن الإجارة إذا وقعت على مدة فحبست فيها المنفعة بطلت الإجارة فى تلك المدة ولا شىء فيها من الأجر فلم يكن الحبس مفيدا فالجواب أن الحبس يفيد من ناحية أنه مصاحب بطلب الأجرة فإما أن يعجل وإما فسخ العقد على أن هذا لا يلزم عندما تكون الإجارة على المسافة إذ لا يبطل العقد هنا بالحبس وإذا شرط فى عقد الإجارة أن لا تسلم الأجرة إلا بعد انقضاء مدة الإجارة أو بعد الاستيفاء فهو جائز لأنه شرط صحيح موافق لمقتضى العقد أما إذا عجل الأجرة من غير شرط فلأنه لما عجل فقد غير مقتضى مطلق العقد وله هذه الولاية لأن تأخيرها ثبت حقا له فيملك إبطاله بتعجيلها كما لو كان عليه دين مؤجل فعجله وبالإضافة إلى هذا فإن تعجيل الحكم قبل الوجوب وبعد وجود سببه جائز كتعجيل الكفارة بعد الجرح المؤدى إلى الموت. وعلى الجملة فعقد الإجارة إن كان مطلقا عن شرط التعجيل والتأجيل وجب على المؤجر تسليم العين ابتداء وعلى الأجير الخاص تسليم نفسه وعلى الأجير المشترك الوفاء بالعمل لأن الأجرة لا تجب بالعقد المطلق أما إن تضمنت شرط بتعجيل الأجرة أو تأجيلها فإنه يلزم ذلك وعند اشتراط التعجيل يكون للمؤجر أن يمتنع عن تسليم العين المستأجرة حتى يستوفى الأجرة وللأجير الخاص أن يمتنع عن تسليم نفسه وللأجير المشترك أن يمتنع عن إيفاء العمل حتى تؤدى الأجرة وعند شرط التأجيل لا يجب تسليم الأجرة إلا عند انقضاء الأجل (152) . وإذا حدث بعد ابتداء الإجارة ما يحول بين المستأجر وبين انتفاعه بمقتضى عقد الإجارة بسبب ليس من قبله كغصب العين أو مرض الأجير- أو انقطاع ماء رى الأرض فإن الأجرة تسقط مدة عدم الانتفاع فضلا عن أن ذلك يعد عيبا يوجب خيار الفسخ لمن أصابه الضرر وهذا أصل عام عند الحنفية ومحل اتفاق بينهم وبين غيرهم من الفقهاء (153) .مذهب المالكية:يرى المالكية أن عقد الإجارة إنما يفيد معاوضة بين المنافع وبدلها وان المنافع لا تحدث مرة واحدة بل تحدث جزءا فجزءا بحسب ما يقبض منها وما يحدث بحدوث الزمن وعلى ذلك فلا تتحقق المعاوضة بين المنافع وبدلها إلا على هذا الأساس ولذا لا يملك الأجر إلا على حسب ما يقبض من المنافع إلا أن يكون هناك ما يوجب تقديم قبض عن شرط أو غيره.وعلى ذلك فمذهب المالكية يقارب مذهب الحنفية فيما يترتب على عقد الإجارة من الملك فى البدلين وفى الشرح الكبير للدردير أن الأصل فى ثمن المبيع هو الحلول والأصل فى الأجرة التأجيل إلا فى مسائل قاله ابن القاسم وقد ذكرنا فيما مضى أن الأجر قد يكون معينا وقد يكون- غير معين وفى كلا الحالين قد يكون فى مقابلة منافع معينة أو مضمونة فى الذمة وفى كل إما أن يحدث من المستأجر أو الأجير شروع فيها أم لا وفى كل اما أن يشترط فى العقد تعجيل الأجر أو لا يشترط وإذا لم يشترط فقد يكون العرف جاريا بتعجيله أو لا يكون فيه عرف فهذه أحوال بينا فيها جميعها الحكم بالنظر إلى صحة العقد وفساده بناء على تعجيل الأجرة وعدم تعجيلها وذلك فيما سبق وذكرنا أنه إذا لم يكن الأجر معينا ولم يشترط تعجيله ولم يجر بذلك عرف ولم تكن المنفعة التى تقابله مضمونة لم يجب فى هذه الحال تعجيله وأذن فيجب مياومة فى مثل كراء العقار والرواحل والأوانى والأدوات والعمال للخدمة فكلما استوفيت منفعة يوم أو جزء من الزمن معين أو تمكن من استيفائها لزم ما يقابلها من الأجر.أما فى الصانع والأجير على عمل فلا يستحقان الأجرة ولا يملكانها إلا بالتمام فقد جاء فى المدونة إذا أراد الصناع أو الأجراء تعجيل أجورهم قبل الفراغ من العمل وامتنع المؤجر حملوا على المتعارف بين الناس فى ذلك فإن لم يكن للناس سنة ولا عرف لم يقض لهم بشىء إلا بعد الفراغ من العمل أما فى غير ذلك فيقضى بقدر ما مضى وقد تقدم تفصيل ذلك وبيانه ونتيجة ذلك أن عقد الإجارة عند المالكية عندما يكون صحيحا، يفيد ملك الأجرة فى الحال وذلك فى الأحوال التى يجب لصحة العقد فيها تعجيل الأجرة سواء أكان ذلك نتيجة شرط أو عرف وكذلك فيما تعجل فيه الأجرة فعلا ولا يترتب عليه فى غير هذه الأحوال عندما يكون صحيحا إلا أجرة ما بقى من عمل أو زمن وذلك فى غير الصناع والأجراء أما فى عقودهم فإن الأجرة لا تملك ولا تستحق إلا بتمام العمل ما لم يكن شرط أو عرف بالتعجيل فيفيد العقد الملك عند ذلك فيما شرط أو تعورف تعجيله وعلى أساس ملك الأجرة تملك المنفعة (154) .مذهب الشافعية:يرى الشافعية أن عقد الإجارة يفيد ملك المنفعة المعقود عليها والأجر فى الحال بمجرد انعقاده وبه يملك المؤجر الأجر فى الحال سواء أكان الأجر دينا أم عينا وسواء كان الدين مؤجلاً أم غير مؤجل غير أن المؤجر لا يستحق استيفاء الأجر إلا بتمكين المستأجر من الانتفاع أو بانتفاعه فعلا ويتحقق التمكين بتسليم العين المستأجرة إلى المستأجر فإذا تسلمها وظلت تحت يده إلى انتهاء مدة الإجارة إن كان لها مدة أو بقيت معه المدة التى تمكنه من الانتفاع بها الانتفاع المعقود عليه استقرت الأجرة دينا فى ذمته وإن لم ينتفع فعلا وكذلك الوضع فى استئجار الأجير تثبت الأجرة دينا فى ذمة المؤجر بمجرد العقد ولا يستحق الأجير قبضها إلا بمضى المدة إن كان خاصا أو ما يعمل إن كان مشتركا وهذا إذا لم تكن الأجرة عينا فإن كانت عينا تملكها المستأجر أو الأجير فى الحال أيضا ويكون ملك الأجرة ملكا مراعى، بمعنى أنه كلما مضى جزء من الزمن على وجه السلامة بأن بدلها من الأجر قد استقر باستيفاء ما يقابلها. وكما تملك الأجرة بالعقد وتستقر فى ذمة المستأجر بتمكنه من الانتفاع وان لم ينتفع فعلا تملك المنفعة أيضا به فى إجارة العين وإذا نص فى العقد على تعجيل الأجرة أو تأجيلها لزم ذلك وإذا لم ينص على ذلك ولم يكن عرف كانت معجلة كالتى فى البيع- ويلاحظ أن الأجرة إذا كانت عينا لم تقبل التأجيل وإذا كانت الأجرة دينا بدأ المؤجر بتسليم العين إلى المستأجر (155) كما فى البيع. (انظر مصطلح: بيع) ووجه ما ذهب إليه الشافعية أن عقد الإجارة إنما هو عقد معاوضة. كعقد البيع المنفعة فيه كالمبيع فى البيع والأجر فيه كالثمن فإذا ما انعقد، انعقد على المعاوضة بين البدلين فأفاد الملك فيهما كما فى البيع.مذهب الحنابلة:جاء فى "المغنى لابن قدامة" أن الإجارة إذا تمت وكانت على مدة فإن المستأجر يملك المنافع المعقود عليها إلى تلك المدة ويكون حدوثها على ملكه وبهذا قال الشافعى وقال أبو حنيفة: تحدث المنافع على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بمجرد العقد واستدل لمذهب الحنابلة بأن الملك عبارة عن حكم يترتب عليه تصرف مخصوص وقد كانت هذه المنفعة المستقلة ملكا لمالك العين يتصرف فيها كتصرفه فى العين فلما أجرها صار المستأجر مالكا للتصرف فيها كما كان يملكه المؤجر فثبت أنها كانت ملكا لمالك العين ثم انتقلت إلى المستأجر- وكذلك يملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد إذا أطلق ولم يشترط المستأجر أجلاً كما يملك البائع الثمن بالبيع وقال مالك وأبو حنيفة: لا يملكها بالعقد ولا يستحق المطالبة بها إلا يوما فيوما أو إذا اشترط تعجيلها وجه قولنا إن الأجر عوض أطلق ذكره فى عقد معاوضة فيستحق بمطلق العقد كالثمن والصداق وأما إذا كانت الإجارة على عمل فإن الأجر يملك بالعقد أيضا ولكن لا يستحق تسليمه إلا عند تسليم العمل. قال ابن أبى موسى: من استؤجر لعمل معلوم استحق الأجر عند إيفاء العمل وإن استؤجر فى كل يوم بأجر معلوم فله أجر كل يوم عند تمامه وقال أبو الخطاب الأجر يملك بالعقد ويستحق بالتسليم ويستقر بمضى المدة وإنما توقف استحقاق تسليم الأجر على العمل لأنه عوض فلا يستحق إلا مع تسليم المعوض كالثمن فى المبيع وهذا بخلاف الإجارة على الأعيان لأن تسليمها جرى مجرى تسليم منافعها ومتى كان العقد على منفعة فى الذمة لم يحصل تسليم المنفعة ولا ما يقوم مقامها فتوقف استحقاق تسليم الأجر على تسليم العمل (156) .مذهب الظاهرية:قال ابن حزم فى "المحلى": إن الإجارة عقد لازم، الوفاء به واجب (157) وهو عقد يقتضى مقابلة المنفعة بالأجر فكل ما عمل الأجير شيئا مما استؤجر عليه من العمل استحق من الأجر بقدر ما عمل فله طلب ذلك وأخذه وله تأخيره بغير شرط حتى يتم عمله أو يتم منه جملة لأن الأجر إنما هو على العمل فلكل جزء من العمل جزء من الأجر وكذلك كل ما استغل المستأجر الشىء الذى استأجره فعليه من الأجرة بقدر ذلك أيضا (158) .مذهب الزيدية:ذهب الزيدية إلى أن الأجر يملك بالعقد ولكنه يستقر بمضى المدة أو ما فى حكمها من تسليم العمل ومعنى استقراره، أنه لا ينقضى ويصير حقا تصح المطالبة به بأحد أمور ثلاثة: أحدها: تعجيله قبل الوفاء بالعمل فإذا عجل صار حقا للمؤجر مستقراً لا يجوز استرداده ما لم يفسخ العقد من أصله- ثانيها: اشتراط تعجيله فإذا اشترط ذلك فى العقد لزم وكان للمؤجر أن يطالب بأدائه. ثالثها: تسليم العمل فى الإجارة على الأعمال أو التمكين من الاستيفاء فإذا مكن المستأجر من أن يستوفى المنفعة من دون مانع من الانتفاع استحق المؤجر الأجرة وإذا استوفى المستأجر المنفعة فعلا استحق المؤجر الأجرة بالأولى (159) وكما تملك الأجرة بالعقد تملك به المنفعة أيضا عند الزيدية ويجبر الحاكم كلا من العاقدين على الوفاء بما تعاقد عليه لأنه قد لزمه بالعقد.مذهب الإمامية:الإجارة عقد لازم من الطرفين لا يبطل إلا بالتقايل أو بأحد الأسباب المستوجبة للفسخ ويملك المستأجر المنفعة المعقود عليها بالعقد ويزول ملك المؤجر عنها ويلزمه الأجر بالتمكن من الانتفاع ولو لم ينتفع. وإذا تمت الإجارة بأركانها ملك المستأجر المنافع المعقود عليها إلى المدة ويكون حدوثها على ملكه لا على ملك المؤجر ويملك المؤجر الأجرة بمجرد العقد مع الإطلاق أو اشتراط التعجيل ولا يشترط فى ذلك استيفاء المنفعة ولا مضى وقتها سواء كانت معينة كالثوب أو غير معينة وإذا كانت الإجارة على عمل ملك الأجير الأجر بالعقد أيضا وهل يستحق تسلمه قبل أن يسلم العمل؟ فيه نظر فإن قلنا بذلك وكان العمل فى ملك الصانع لم يبرأ من العمل ولا يستحق الأجر حتى يسلم العين محل العمل وان كان فى ملك المستأجر استحق الأجر بنفس العمل ولو استوجر كل يوم بأجر معلوم استحق أجر كل يوم فيه وإذا استوفى المستأجر المنفعة استقر الأجر وكذلك إذا سلمت العين إلى المستأجر ومضت المدة من غير مانع استقر الأجر وإن لم ينتفع وكذلك إذا استؤجر للعمل ومضت مدة يمكن استيفاؤه فيها مثل أن يستأجر دابة ليركبها إلى موضع معين ومضت مدة يمكن ركوبها فيها وكذلك لو بذل المؤجر العين فامتنع المستأجر من أخذها مع إمكانه ومضت مدة الاستيفاء، استقرت الأجرة ففى كل ذلك يستقر الأجر (160) .مذهب الإباضية:جاء فى "شرح النيل" أن عقد الإجارة يفيد مقابلة الأجرة جميعها بالمنفعة المعقود عليها جميعها لا مقابلة جزء من الأجرة بجزء من المنفعة ومن ثم لا يملك المؤجر الأجرة إلا بتمام استيفاء المنفعة وعلى الأجير الإتيان بالعمل أول الوقت وإذن فلا يجوز أن يتصرف المؤجر فى الأجرة إلا بعد تمام استيفاء المنفعة ولا الأجير فى أجرته إلا بعد تمام العمل ولا يجوز أن يتصرف كل منهما فى جزء منها مقابل استيفاء جزء من المنفعة فلعل المستأجر لا يصل إلى تمام الاستيفاء فكيف يجوز التصرف فى أجرة ما لم يستوف ذلك مقتضى العقد!. ومن الإباضية من جوز للمؤجر التصرف فى كل الأجرة قبل العمل وعندئذ يجب على المستأجر الاستيفاء وذلك قول من قال: أن عقد الإجارة لازم وان الأجرة تملك بالعقد كما يملك الثمن بالبيع واستيفاء المنفعة لازم للمستأجر بالعقد ويجبر على آداء الأجرة بالعقد كما يجبر الأجير على العمل به واختار الشيخ جواز تصرف المؤجر فيما يقابل ما تم استيفاؤه من المنفعة على أساس إن الأجرة مقابل المنفعة وأنه كلما حصل جزء من الاستيفاء حصل جزء من الأجرة يجبر المستأجر على أدائه (161) ويجوز له التصرف فى الأجرة كلها سواء دخل فى العمل أم لم يدخل إن أخذها بضمان العمل كأن يقول إن العمل فى ذمتى ألتزم به ولا أعدل عنه. ومن هذا يتبين رأى الإباضية فيما يفيده عقد الإجارة من حكم.الإجارة: الخيارات فيها:بينا أن عقد الإجارة من عقود المعاوضات كالبيع ومن ثم كان قابلا لما يقبله البيع من الخيارات فيقبل خيار الشرط وخيار الرؤية وخيار العيب وخيار التعيين وخيار فوات الوصف على ما بين فى الخيارات (ارجع إلى مصطلح خيار) غير أننا نذكر هنا ما تقتضيه طبيعة عقد الإجارة من الأحكام.خيار الشرط: يجوز لأى من العاقدين منفردا ولهما جميعا اشتراط الخيار فى إمضاء العقد وفسخه وتفصيل القول فى ذلك يرجع فيه إلى مصطلح " خيار الشرط" واشتراطه يمنع انعقاد العقد فى حق حكمه مادام الخيار قائما لحاجة من اشترطه لنفسه إلى دفع الغبن عن نفسه وعلى هذا يكون لمن له حق الخيار أن يفسخ العقد فى مدته أو أن يمضى فيه وذلك بأن يصدر منه ما يدل على ذلك من قول أو فعل أو تصرف فإذا مضت المدة دون أن يصدر منه ما يدل على فسخ أو إمضاء لزم العقد وقد علمت ما ذهب إليه الحنفية من أن عقد الإجارة لا يفيد ملكا فى الأجرة ولا فى المنفعة بمجرد صدوره على الوجه الذى شرحناه وعليه فليس يترتب على العقد فى مدة الخيار إلا عدم لزومه بالنظر إلى من شرطه لنفسه فلا يكون لأى منهما ملك بمقتضاه وإذا كان مشروطا للأجير فإن خياره يسقط بشروعه فى العمل كما يسقط كذلك بالنظر إلى المستأجر الذى شرط لنفسه الخيار بشروعه فى الانتفاع وإذا كان مشروطا للمؤجر سقط خياره بتمكين المستأجر أو الأجير من الانتفاع أو من العمل وليس لاشتراط تعجيل الأجرة أثر عند اشتراط خيار الشرط لعدم انعقاد العقد حينئذ فى حق الحكم إلا أن يسقط الخيار فيظهر أثره وتبدأ مدة العقد من وقت سقوط الخيار. ذلك ما ذهب إليه الحنفية وفى تفصيل ذلك وبيانه فى المذاهب يرجع إلى مصطلح خيار الشرط. غير أن مما يختص بعقد الإجارة من أحكام خيار الشرط ما ذكره الزيدية. فى شرح الأزهار وحاشيته ما حاصله (162) أن عقد الإجارة إذا تضمن اشتراط الخيار فقد تجعل مدته من مدة الإجارة وقد تجعل قبل ابتداء مدة الإجارة وقد لا ينص على شىء من ذلك فإذا جعلت مدته قبل مدة الإجارة كأن يستأجر شخص دارا شهر كذا وله الخيار ثلاثا من آخر الشهر السابق عليه، فعلى رأى من يرى صحة إضافة الإجارة صح العقد والشرط. وعلى رأى من يرى عدم صحة الإجارة المضافة لم يصح العقد. وإذا جعلت مدته من مدة الإجارة بأن جعلت مدة الخيار ثلاثة الأيام الأولى من مدة العقد وكان شرط الخيار للمؤجر فصدر من المؤجر فيها ما يدل على فسخه العقد انفسخ كأن يسكن المؤجر الدار فى المدة وذلك لإعراضه عن العقد بذلك. وإن كان شرط الخيار فيها للمستأجر صح العقد والشرط وكان له الخيار فى تلك المدة ويسقط خياره بسكناه فيها على قول لدلالة ذلك على إمضائه العقد وقيل: لا يسقط خياره بذلك لأن الخيار قد جعل له ليتروى ولا بد له من مدة يتروى فيها قبل إمضائه العقد والتزامه به ولم يجعل له هذا الحق إلا فى مدة العقد التى جعل له فيها حق الانتفاع بمقتضاه وعلى ذلك يكون إقدامه على السكنى أمرا متفقا عليه نتيجة اشتراط الخيار فلا يعد دليلا على الرضا فإذا أمضى العقد مع ذلك كان عليه أجر المدة كلها وإن فسخ لم يلزمه إلا أجر مدة انتفاعه إن انتفع.وإن أطلق اعتبرت الثلاث من مدة الإجارة لابتدائها عقب العقد إن سكن فيها المستأجر وإن لم يسكن لم يبدأ العقد إلا بعدها. قيل: وفى هذا نظر إذ يلزم من ذلك فساد الإجارة لجهالة المدة إذ عند إنشاء العقد لا يعلم هل ابتدأت مدته آثره أم بعد أيام الخيار، ويحتمل أن يقال: أنه عند الإطلاق تكون مدة الخيار من مدة العقد كما يحتمل أن يقال: إن العقد لا يستقر حتى تمر مدة الخيار فتبدأ المدة من آخر مدة الخيار. خيار الرؤيةيرى الحنفية أنه يمنع لزوم العقد بعد تمامه ولا يحول دون نفاذه وترتب أثره عليه ولا يحتاج الفسخ بسببه إلى قضاء أو رضا ويترتب عليه أثره بقول صاحبه: فسخت، ويثبت فى عقد الإجارة للمستأجر إذا استأجر من الأعيان ما لم ير كما يثبت كذلك للأجير المشترك فى كل عمل يختلف باختلاف المحل إذا لم ير المحل قبل العقد (163) فيكون له بعد تمام العقد أن يفسخه بما يفيد ذلك من قول أو فعل. ذلك ما ذهب إليه الحنفية والشيعة الجعفرية وفى بيان أحكامه على التفصيل وثبوته فى عقد الإجارة اختلاف فى المذاهب بيانها فى مصطلح خيار الرؤية.خيار العيبيثبت للمستأجر خيار الفسخ بسبب العيب باتفاق المذاهب سواء أكان العيب قديما قبل إنشاء عقد الإجارة أم حدث بعده قبل ابتداء الانتفاع أم بعد ابتدائه إذ إنه فى هذه الأحوال جميعها يفوت به غرض المستأجر وبفوات غرضه يزول ما يجب فى المعاوضة من توافر التراضى المبنى على التعادل بين البدلين فى زعم الطرفين ورأيهماولما لوحظ فى عقد الإجارة من تجدد المبادلة واستمرارها طيلة مدته وما يتبع ذلك من استمرار التعادل والتكافؤ بين البدلين كان انعدامها بالعيب الحادث سببا فى ثبوت الخيار بخلاف البيع لانتهاء المبادلة فيه بانتهاء الإيجاب والقبول. والمراد بالعيب: ما يوجب نقص أجر مثل العين المستأجرة أو ما يفوت به غرض المستأجر والغالب عدمه فى العادة (164) مما يضر بالانتفاع. والعيب فى عقد الإجارة نوعان: نوع يترتب عليه انعدام الانتفاع كلية. ونوع يترتب عليه نقصه. وما يترتب عليه انعدام الانتفاع سواءاً كان قبل ابتدائه وقبل التمكن منه أم حدث بعد ابتداء العقد وفى أثناء الانتفاع ينفسخ به العقد دون حاجة إلى قيام المستأجر بفسخه كما تفيدها بعض الروايات عند الحنفية فقد جاء فى إجارة الأصل لمحمد بن الحسن إذا سقطت الدار كلها كان لمستأجرها أن يخرج منها سواء أكان صاحب الدار شاهدا أم غائبا. فإن هذا الحكم دليل الانفساخ حيث أجاز للمستأجر الخروج من الدار مع غيبة المؤجر ولو لم تنفسخ توقف جواز خروجه والفسخ على حضوره ووجه ذلك الحكم أن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت بالسقوط إذ المطلوب منها الانتفاع بالسكنى وقد بطل ذلك وبذلك انعدم المعقود عليه فيبطل بانعدامه العقد. وجاء فى روايات أخرى ما يدل على أن العقد لا ينفسخ ولكن يثبت للمستأجر حق الخيار فى الفسخ فقد ذكر فى كتاب "الصلح من الأصل": إذا صالح على سكنى دار فانهدمت لم ينفسخ الصلح وروى هشام عن محمد فيمن استأجر بيتا فقبضه ثم انهدم فبناه المؤجر فقال المستأجر بعد بنائه: لا حاجة لى فيه، أنه قال: ليس للمستأجر ذلك، وكذلك لو أراد المستأجر أخذه وأبى عليه المؤجر لم يكن للمؤجر ذلك إذ أن هذا يدل على أن الإجارة لم تنفسخ. ووجهه أن الدار بعد انهيارها لم تنعدم منفعتها به إذ بقى لها الانتفاع بسكناها بواسطة خيمة تضرب فيها فلم يفت بانهدامها المنفعة المعقود عليها رأسا فلم ينفسخ العقد على أنه إن فات نهائيا فقد فات على وجه يتصور عوده ولو بإعادة البناء وهذا يكفى لبقاء العقد. والأصل فى ذلك أن العقد المنعقد بيقين يبنى ما دام لم يفقد فائدته نهائيا بيقين إذ اليقين لا يزول بالشك. وقال القدورى: الصحيح أن العقد ينفسخ فى مثل هذه الحال لأن المنفعة المطلوبة من الدار قد بطلت وضرب الخيمة فى الدار ليس بالمنفعة المطلوبة منه ولا من الدار عادة فلا يعتبر بقاؤها لبقاء العقد. وقال محمد فيمن استأجر رحى ماء سنة فانقطع الماء بعد ستة أشهر وأمسك الرحى حتى مضت المدة فعليه أجر ستة أشهر مدة وجود الماء ولا شىء عليه لما مضى بعد ذلك لأن منفعة الرحى قد مضت فيه فانفسخ العقد. وفى الأشباه أن الأجرة للأرض كالخراج على المعتمد فإذا استأجر الأرض للزراعة فأهلك الزرع آفة وجب من الأجرة ما قابل المدة قبل الإهلاك وسقط ما بعد ذلك وهذا ما اعتمده صاحب الولواجية لكن جزم فى الخانية برواية عدم سقوط شىء من الأجرة حيث قال: أصاب الزرع آفة فهلك أو غرق ولم ينبت لزم الأجر كله لأنه قد زرع فعلا ولو غرقت قبل أن يزرع فلا أجر عليه. وذلك لانفساخ الإجارة بذلك (165) . وأما ما يترتب عليه نقص الانتفاع من العيوب فإن العقد به يصير غير لازم فيكون للمستأجر حق الفسخ بخيار العيب فلو استأجر دابة يركبها أو داراً يسكنها فعرجت الدابة أو انهدم بعض بناء الدار فالمستأجر بالخيار إن شاء مضى على الإجارة وإن شاء فسخ إذ الإجارة بيع المنافع وهى تحدث شيئا فشيئا فكان كل جزء من أجزاء المنافع معقودا عليه فإذا حدث العيب كان هذا عيبا قد حدث بعد العقد وقبل القبض فأوجب الخيار لذلك وإذا أمضى المستأجر العقد فلم يفسخ كان عليه كمال الأجرة لأنه رضى بالمعقود عليه مع العيب فيلزمه البدل جميعه وإذا زال العيب قبل أن يفسخ العقد بأن شفيت الدابة أو بني المؤجر ما سقط من البناء بطل خيار المستأجر لأن الموجب للخيار قد زال والعقد قائم فيزول الخيار. وإذا كان العيب مما لا يترتب عليه إخلال ولا ضرر بالانتفاع لم يكن للمستأجر بسببه خيار إذ أن ذلك لم يمس المعقود عليه وهو المنفعة بنقص ولا يثبت الخيار إلا عند نقصها وليس للمستأجر أن يفسخ عند ثبوت الخيار له إلا بحضرة المؤجر لأن فسخ العقد لا يجوز إلا بحضرة عاقديه أو من يقوم مقامهما فإن لم يتمكن من ذلك فى حضرته رفع أمره إلى القضاء (166) .مذهب المالكية:تنفسخ الإجارة بتلف العين المستأجرة ومثله فى الحكم زوال الانتفاع المعقود عليه منها وذلك لانعدام محل العقد فإن نقص الانتفاع بها لعيب طرأ سواء أكان ذلك قبل ابتداء الانتفاع أم فى أثنائه كان للمستأجر خيار الفسخ بالعيب (167) ومن العيوب أن تكون الدابة عضوضا أو لا تبصر ومثل ذلك كل ما ينقص الانتفاع عن القدر المعتاد. وفقه المسألة أن الضرر إذا كان يسيرا لم يكن له اعتبار كسقوط شرفات منزل السكنى إذ لا تنقص به السكنى وإذا زاد عن ذلك بحيث يمس السكنى كقلع البلاط وسقوط البياض لزم العقد وحط من الأجر بقدر ذلك وإذا ضر ضررا غير معتاد خير المستأجر بين الإمضاء والفسخ.مذهب الشافعية:الأصح عند الشافعية أن الإجارة تنفسخ بزوال المنفعة المعقود عليها نهائيا كما فى انهدام الدار المستأجرة ولو بفعل المكترى غير أنه يلزم بالعوض وسواء فى الحكم أن يحدث ذلك قبل تسلم العين المستأجرة أم بعده وإذا حدث بعد التسلم ومضى مدة يجب لمثلها أجرة انفسخت فيما يأتى بعدها من الزمن ووجب على المستأجر أجرة ما انتفع أما إذا ترتب على العيب نقص الانتفاع لا زواله لم تنفسخ الإجارة وإنما يكون للمستأجر خيار الفسخ وهو على التراخى إن لم يبادر المؤجر بالإصلاح فإن قام به قبل الفسخ سقط الخيار ومن العيوب الموجبة للخيار غصب العين المستأجرة و إنما يكون الخيار على التراخى إذا لم يترتب عليه تفريق الصفقة وإلا وجب أن يكون على الفور ولا يثبت خيار العيب فى إجارة الذمة إذ يجب فيها الإتيان بالبدل فلا يترتب على العيب نقص الانتفاع. (168) مذهب الحنابلة:جاء فى "المغنى": من استأجر عينا مدة فحيل بينه وبين الانتفاع بها فذلك علي ثلاث صور: احداها أن تتلف العين فإن كان ذلك قبل قبضها انفسخت الإجارة بغير خلاف نعلمه لتلف المعقود عليه قبل تسليمه وان كان عقب قبضها انفسخت أيضا فيما بقى من مدتها ويجب الأجر فيما مضى إن كان لمثله أجر ويسقط أجر ما بقى من المدة، ثانيا: أن يحدث للعين ما يمنع نفعها فإن لم يبق لها نفع أصلا فالحكم كما تقدم فى الصورة الأولى وإن بقى لها نفع خلاف ما استؤجرت لأجله كدار انهدمت فإن من الممكن الانتفاع بعرصتها فى وضع أحطاب أو نصب خيمة فالحكم انفساخ العقد كما تقدم أيضا لأن المنفعة التى وقع العقد عليها قد انعدمت فأنفسخت لذلك الإجارة لزوال محلها، وخالف القاضى فى الأرض المستأجرة ينقطع ماؤها وأثبت للمستأجر خيار الفسخ وهو منصوص الشافعى؛ لأن المنفعة لم تبطل جملة إذ يمكن الانتفاع بعرصتها فأشبه ذلك ما لو نقص نفعها.وإذا كان النفع الباقى فى الأعيان مما لا يباح استيفاؤه بالعقد كدابة استأجرها لركوب فصارت لا تصلح إلا للحمل أو بالعكس انفسخ العقد وجها واحدا لأن المنفعة الباقية لا يملك استبقاؤها مع سلامتها فلا يملك تعيبها وأما إذا أمكن الان|
|