(1):ويجب على الأب نفقة الولد، لما روى أبو هريرة - رضى الله عنه - أن رجلاً جاء إلى النبى -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله ، عندى دينار، فقال: أنفقه على نفسك. قال: عندى آخر، فقال: أنفقه على ولدك. قال: عندى آخر، فقال: أنفقه على أهلك. قال: عندى آخر فقال: أنفقه على خادمك. قال: عندى آخر، قال: أنت أعلم به ".ويجب نفقة ولد الولد وان سفل لأن اسم الولد يقع عليه. وإن كان له أب وأم موسران كانت النفقة على الأب لقوله تعالى: " فان أرضعن لكم فأتوهن أجورهن " (2) فجعل أجرة الرضاع على الأب. وروت عائشة - رضى الله عنها- أن هنداً أم معاوية جاءت إلى النبى - صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، أن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطينى ما يكفينى وولدى إلا ما أخذت منه سرا وهو لا يعلم، فهل علىَّ فى ذلك شىء؟ قال النبى - صلى الله عليه وسلم-: " خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف"، ولأن الأب ساوى الأم فى الولادة وانفرد بالتعصب فقدم.وإن كان (3) له أب، فقيرا مجنوناً أو فقيراً زمناً، واحتاج إلى الإعفاف وجب على الولد إعفافه على المنصوص، وخرج بعضهم قولا آخر أنه لا يجب، لأنه قريب يستحق النفقة فلا يستحق الاعفاف كالابن.والمذهب الأول، لأنه معنى يحتاج الأب إليه ويلحقه الضرر بفقده، فوجب كالنفقة وغن كان صحيحا قويا، وقلنا إنه تجب نفقة ففى إعفافه وجهان:أحدهما: لا يجب، لأنه لا تجب نفقته فلا يجب إعفافه. والثانى، وهو قول أبى أسحاق: أنه يجب، لأن نفقته إن لم تجب على القريب أنفق عليه من بيت المال، والإعفاف لا يجب فى بيت المال فوجب على القريب. وأن طلبت أجرة المثل وللأب من يرضعه بغير عوض أو بدون أجرة المثل ففيه قولان:أحدهما: أن الأم أحق بأجرة المثل فكانت أحق به.والثانى: أن الأب أحق، لأن الرضاع فى حق الصغير كالنفقة فى حق الكبير. ولو وجد الكبير من يتبرع بنفقته لم يستحق على الأب النفقة، فكذلك إذا وجد من يتبرع بإرضاعه لم تستحق الأم أجرة الرضاع. وإن ادعت المرأة أن الأب لا يجد غيرها فالقول قول الأب لأنها تدعى استحقاق أجرة المثل و الأصل عدمه (4).مذهب الأحناف (5):ويرى الأحناف أن نفقة الأولاد الصغار على الأب لا يشاركه فيها أحد، كما لا يشاركه فى نفقة الزوجة، لقوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " (6) والمولود له هو الأب. وإن كان المولود صغيرا فليس على أمه أن ترضعه لما بينا أن الكفاية على الأب وأجرة الرضاع كالنفقة ولأنها عساها لا تقدر عليه لعذر بها، فلا معنى للجبر عليه، وقيل فى تأويل قوله تعالى: " لا تضار والدة بولدها " (7). بإلزامها الإرضاع مع كراهتها، وهذا الذى ذكرنا بيان الحكم، وذلك إذا كان يوجد من ترضعه أما إذا كان لا توجد من ترضعه تجبر الأم على الإرضاع صيانة للصبى عن الضياع.قال: ويستأجر الأب من ترضعه عندها "، أما استئجار الأب فلأن الأجر عليه. وقوله: "عندها" معناه: إذا أرادت ذلك. لأن الحجر لها. وإن استأجرها وهى زوجته أو معتدته لترضع ولدها لم يجز، لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة. قال تعالى " والوالدات يرضعن أولادهن"(8) إلا أنها عذرت لاحتمال عجزها، فإذا أقدمت عليه بالأجر ظهرت قدرتها فكان الفعل واجبا عليها، فلا يجوز أخذ الأجرة، وهذا فى المعتدة عن طلاق رجعى رواية واحدة، لأن النكاح قائم، وكذا فى المبتوتة فى رواية، وفى رواية أخرى جاز استئجارها لأن النكاح قد زال، ووجه الأولى أنه باق فى حق بعض الأحكام، ولو استأجرها وهى منكوحته أو معتدته لإرضاع ابن له من غيرها جاز، لأنه غير مستحق عليها، وإذا انقضت عدتها فاستأجرها يعنى لإرضاع ولدها جاز، لأن النكاح قد زال بالكلية، وصارت كالأجنبية. فإن قال الأب: لا أستأجرها وجاء بغيرها، فرضيت الأم بمثل أجرة الأجنبية، أو رضيت بغير أجر كانت هى أحق لأنها أشفق، فكان نظرا للصبى فى الدفع إليها. وإن التمست زيادة لم يجبر الزوج عليها دفعا للعذر عنه، وإليه الإشارة بقوله تعالى: " لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده " (9) أى بإلزامه لها أكثر من أجرة الأجنبية على الزوج.ونفقة الصغير واجبة على أبيه وإن خالفه فى دينه، كما تجب نفقة الزوجة على الزوج وإن خالفته فى دينه. أما الولد فلا طلاق ما تلونا، ولأنه جزؤه، فيكون فى معنى نفسه، وأما الزوجة فلأن السبب هو العقد الصحيح فإنه بإزاء الاحتباس الثابت به، وقد صح العقد بين المسلم والكافرة وترتب عليه الاحتباس فوجبت النفقة. وفى جميع ما ذكرنا إنما تجب النفقة على الأب إذا لم يكن للصغير مال. أما إذا كان، فالأصل أن نفقة الإنسان فى مال نفسه، صغيراً كان أو كبيراً (10).ثم قال: وتجب نفقة الابنة البالغة والابن الزمن على أبويه أثلاثا: على الأب الثلثان، وعلى الأم الثلث. لأن الميراث لهما على هذا المقدار، وهذه رواية الخصاف والحسن - رحمهما الله-. وفى ظاهر الرواية كل النفقة على الأب لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن " (11) وصار كالولد الصغير، ووجه الفرق على الرواية الأولى انه اجتمعت للأب فى الصغير ولاية ومؤنة، حتى وجبت عليه صدقة فطره فاختص بنفقته، ولا كذلك الكبير، لانعدام الولاية فيه فتشاركه الأم وفى غير الوالد يعتبر قدر الميراث حتى تكون نفقة الصغير على الجد والأم أثلاثا. وإذا كان للابن الغائب مال قضى فيه بنفقة أبويه، وإذا باع أبوه متاعه فى نفقته جاز عند أبى حنيفة- رحمه الله - (12) ، وهذا استحسان، وإذا باع العقار لم يجز. وفى قولهما: لا يجوز فى ذلك كله وهو القياس، لأنه لا ولاية له لانقطاعها بالبلوغ. ولهذا لا يملك فى حال حضرته، ولا يملك البيع فى دين له سوى النفقة، وكذا لا تملك الأم فى النفقة- ولأبى حنيفة رحمه الله- أن للأب ولاية الحفظ فى مال الغائب، ألا ترى أن للوصى ذلك، فالأب أولى لوفور شفقته وبيع المنقول من باب الحفظ، ولا كذلك العقار، لأنها محصنة بنفسها، وبخلاف غير الأب من الأقارب، لأنه لا ولاية لهم أصلا فى التصرف حال الصغر، ولا فى الحفظ بعد الكبر. وإذا جاز بيع الأب والثمن من جنس حقه وهو النفقة فله الاستيفاء منه، كما لو باع العقار والمنقول على الصغير جاز لكمال الولاية، ثم له أن يأخذ منه بنفقته لأنه من جنس حقه. وإن كان للابن الغائب مال فى يد أبويه وأنفقا منه لم يضمنا، لأنهما استوفيا حقهما، لأن نفقتهما واجبة قبل القضاء على ما مر، وقد أخذا جنس الحق. وإن كان له مال فى يد أجنبى، وأنفق عليهما بغير إذن القاضى، ضمن لأنه تصرف فى مال الغير بغير ولاية لأنه نائب فى الحفظ لا غير، بخلاف ما إذا أمره القاضى لأن أمره ملزم لعموم ولايته، وإذا ضمن لا يرجع على القابض، لأنه ملكه بالضمان، فظهر أنه كان متبرعا به. مذهب المالكية (13):وشروط وجوب نفقة الحمل على أبيه حريته وحرية أبيه ولحوقه به. وتجب على الحر الموسر نفقة والديه الحرين المعسرين ولو كافرين والولد مسلم، ولا تجب على الولد المعسر التكسب لينفق على والديه ولو قدر على التكسب وأجبر الوالدان على التكسب إذا قدرا عليه على الراجح. وتجب نفقة خادمهما بخلاف خادم الولد فلا تلزم الأب، وتجب نفقة خادم زوجة الأب المتأهلة للخدمة. ويجب على الولد إعفاف الأب بزوجة، ولا تتعدد نفقة زوجات الأب بتعددهن، ووزعت على الأولاد الموسرين بقدر اليسار حيث تفاوتوا ، وقيل: على الرءوس فالذكر كالأنثى، وقيل: على الميراث. وتجب نفقة الولد الحر على أبيه فقط حتى يبلغ الذكر قادرا على الكسب، أو يدخل الزوج بالأنثى ولو لم يكن بالغا، أو يدعى الزوج للدخول. وعادت النفقة على الأب لابنته إن عادت له من الزوج صغيرة أو بكرا ولو بالغا أو زمنة وقد دخل بها زمنة، فإن دخل بها صحيحه ثم طرأت عليها الزمانة وعادت إلى أبيها زمنة لم تجب عليه، وكذا إن صحت بعد الدخول ثم عادت زمنة لم تعد النفقة على الأب، وتسقط النفقة عن الولد والوالد بمضى الزمن إلا بقضاء.مذهب الحنابلة (14):تجب على الولد نفقة والديه وان علوا لقوله تعالى: " وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " (15). ومن الإحسان الإنفاق عليهما، ولقوله تعالى: " وصاحبهما فى الدنيا معروفا " (16). ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " رواه أبو داود والترمذى وحسنه.قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة فى مال الولد، ويجب عليه أيضا نفقة ولده وإن سفل، لقوله تعالى: " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف "، ولأن الإنسان يجب عليه أن ينفق على نفسه وزوجته، فكذا على فرعه وأصله.ثم قال فى "الاختيارات": وعلى الولد الموسر أن ينفق على أبيه المعسر وزوجة أبيه وإخوته الصغار، وان كان للفقير ولو حملا وارث غير أب فنفقته عليهم على قدر ميراثهم منه لأن الله رتب النفقة على الإرث، فيجب أن يرتب المقدار عليه. ويلزم المنفق خدمة قريب بنفسه أو غيره لحاجة إلى الخدمة.ثم قال (17): فإن كان له أبوان قدم الأب على الأم، لفضله وانفراده بالولاية واستحقاق الأخذ من ماله، فإن كان معهما ابن قدم عليهما لوجوب نفقته بالنص. قال القاضى فيما إذا اجتمع الأبوان والابن إن كان الابن صغيرا أو مجنونا فهو أحق وأن كان الابن كبيرا والأب زمنا فالأب أحق لأن حرمته آكد. ويلزمه نفقة و إعفاف من وجبت له نفقة من أب وإن علا ومن ابن وإن سفل وغيرهم كأخ، إذا أحتاج إلى النكاح لزوجة تعفه أو يدفع إليه مالا يتزوج به. ثم قال (18): وتجب نفقة مرضعة الصغير، أى مرضعته ذكرا كان أو أنثى، فى ماله إن كان له مال، فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته من أب أو غيره، لأن نفقة مرضعة الصغير كنفقة الكبير، ويختص وجوبها بالأب وحده أن كان، لقوله تعالى " وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ولا يلزمه نفقة المرضعة لما فوق الحولين، وإن طلبت الأم أجرة مثلها ووجد الأب من يتبرع له برضاعه فهى أحق، سواء كانت زوجة أو مطلقة لقوله تعالى: " والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين "(19). فان طلبت أكثر من أجرة مثلها ولو بيسير لم تكن أحق به مع من يتبرع، أو يرضع بأجرة المثل لقوله تعالى: " وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى " (20).ولو كانت مع زوج آخر وطلبت رضاعه، بأجرة مثلها ووجد من يتبرع برضاعه فأمه أحق به إذا رضى الزوج الثانى بذلك للآية، وقد رضى الزوج بإسقاط حقه فأشبهت غير المتزوجة. وإذا أرضعت المرأة وهى فى عصمة والده فاحتاجت إلى زيادة نفقة لزمه ذلك، إذ كفايتها واجبة لحق الزوجية، ولرضاع الولد.مذهب الظاهرية(21):يجبر كل أحد على النفقة على من لا مال له ولا عمل له بيده مما يقوم منه على نفسه من أبويه وأجداده وجداته وان علوا، وعلى البنين والبنات وبنيهم وأن سفلوا.مذهب الزيدية(22):تجب نفقة الولد الحر ذكرا كان أو أنثى غير العاقل لصغر أو جنون سواء كان طارئا أم أصليا، ولو كان ذا ولد موسر. وكذا تجب نفقته وكسوته وسكناه وكل ما يحتاج إليه على أبيه لمكان ولايته عليه. ولو كان الوالد كافرا غير حربى والولد مسلما فتسلم النفقة إلى الحاكم ، لأنه لا ولاية له على ابنه، أو كان الوالد معسرا لكن له كسب يعود عليه من صناعة أو وقف أو غيرهما فإنه يلزمه نفقة ولده غير العاقل ولو كان الولد غنيا. ثم إذا توفى الأب أو كان معسرا ولا كسب له وجبت نفقة الولد فى ماله له ولأبيه، وأما الولد البالغ العاقل المسلم المعسر ولو أمكنه التكسب فنفقته ولو عاقلا على أبويه الموسرين حسب الإرث، على الأم ثلث، وعلى الأب الثلثان، إلا أن يكون هذا الولد العاقل المعسر ذا ولد موسر فعليه نفقة والده وما يحتاج إليه إذا كان لا يقدر على التكسب، ولا شىء على جده لوالده، ولا يلزم الولد للأب أن يعف بزوجة أو أمة إذا اضطر إلى النكاح إلا أن يتضرر فيكون من باب الدواء. ولا تلزمه نفقة زوجة أبيه وعبده، ولا يلزم الأب أن يعفه الولد، وهذا أولى وأحرى. ولا يلزم الابن التكسب لنفقة أبويه إذا كانا معسرين يمكنهما التكسب إلا للعاجز منهما عن التكسب فيجبر الولد على التكسب له، كما يجبر الأب على التكسب على ابنه الصغير لا الكبير ولو كان عاجزا عن التكسب. فإن كان الأب وابنه قادرين على التكسب فلا يجبر أيهما على التكسب للآخر، وإذا اكتسب أحدهما وفضل له عن قوته أدخل الآخر معه فيما فضل له.ثم قال: وللأب المعسر العاجز عن التكسب - لا للأم إلا بأمر الحاكم- أن يأخذ من مال ولده الصغير والمجنون والغائب الأعيان التى يحتاج إليها كالطعام والثياب والدراهم والدنانير ويستنفق منها ما يحتاج لنفسه بالمعروف، ولا يحتاج إلى إذن الحاكم، لأنها نفس ما وجب، وأما إذا كان الولد عاقلا حاضرا فلا، إلا أن يتمرد فبأذن الحاكم لأنه يمكن إجباره بحضوره بخلاف الغائب.مذهب الإمامية (23):وأما القرابة فالنفقة على الأبوين والأولاد لازمة. و فيمن علا من الآباء والأمهات تردد أشبهه اللزوم المراجع :(1) المهذب ج 2 ص 177.(2) سورة الطلاق:6.(3) المهذب ج 2 ص 179.(4) المهذب ج 2 ص 180.(5) الهداية ج2 ص 38.(6) سورة البقرة:233.(7) الآية السابقة.(8) سورة البقرة:233.(9) سورة البقرة:233.(10) المهذب ج 2 ص 190.(11) سورة البقرة:233.(12) الشرح ج2 ص40.(13) الشرح الصغير ج1 ص 477-480.(14) كشاف القناع ج3 ص 313.(15) سورة الإسراء:23.(16) سورة لقمان:15.(17) كشاف القناع ج3 ص 316.(18) كشاف القناع ج3 ص 318.(19) سورة البقرة:233.(20) سورة الطلاق:6.(21) المحلى ج 10 ص 100.(22) التاج المذهب ج 2 ص 288.(23) المختصر النافع ص 195.|
|