التعريف فى اللغة
استجر مادتها "جرر"
والجر الجذب جره يجره جرا. و استجر الفصيل عن الرضاع أخذته قرحة فى فيه أو سائر
جسده فكف عنه لذلك وأجررته الدين اذا أخرته له، وفلان يجارى فلانا أى يطاوله، وجره
ماطله أو حاباه واستجر الشىء جره- المال أخذه شيئا فشيئا، وفى المادة معان أخرى
كثيرة (1) .
تعريف الاستجرار عند الفقهاء
مذهب الحنفية:
عرف صاحب الدر المختار (2)
الحنفى الاستجرار بأنه ما يستجره الانسان من البياع إذا حاسبه على أثمانها بعد
استهلاكها، ثم ذكر حكم الاستجرار فقال إن ذلك جائز استحسانا، وعلق ابن عابدين فى
حاشيته على هذا التعريف فنقل عن البحر أن من شرائط المعقود عليه أن يكون موجودا
فلم ينعقد بيع المعدوم، ومما تسامحوا فيه
وأخرجوه عن هذه القاعدة: ما فى القنية: الأشياء التى تؤخذ من البياع على وجه الخرج
كما هو العادة من غير بيع كالعدس والملح والزيت ونحوها ثم اشتراها بعدما انعدمت صح
فيجوز بيع المعدوم هنا، وقال بعض الفضلاء ليس هذا بيع معدوم إنما هو من باب ضمان
المتلفات بإذن مالكهـا عرفا تسهيلا للأمر ودفعا للحرج كما هو العادة، ولم يرتض بعض
فقهاء الحنفية كالحموى وغيره هذا المعنى، وقال ابن عابدين إن المسألة استحسان
ويمكن تخريجها على قرض الأعيان ويكون ضمانها بالثمن استحسانا وكذلك حل الانتفاع فى
الأشياء القيمية لان قرضها فاسد لا يحل الانتفاع به وان ملكت بالقبض ثم قال ابن
عابدين وفى النهر خرجت المسألة على كون المأخوذ من العدس ونحوه بيعا بالتعاطى وأنه
لا يحتاج فى مثله إلى بيان الثمن لأنه معلوم قال ابن عابدين إن ما فى النهر مبنى
على أن الثمن معلوم لكنه على هذا لا يكون من بيع المعدوم بل كلما أخذ شيئا انعقد
بيعا بثمنه المعلوم، قال فى الولواجية: دفع دراهم إلى خباز فقال اشتريت منك مائة
من خبز وجعل يأخذ كل يوم خمسة أمناء فالبيع فاسد وما أكل فهو مكروه لأنه اشترى
خبزا غير مشار إليه فكان البيع مجهولا، ولو أعطاه الدراهم وجعل يأخذ منه كل يوم
خمسة أمناء ولم يقل فى الابتداء اشتريت منك يجوز وهذا حلال وان كان نيته وقت الدفع
الشراء لأنه بمجرد النية لا ينعقد البيع وإنما ينعقد البيع الآن بالتعاطى ، والآن
المبيع معلوم فينعقد البيع صحيحا، ورتب ابن عابدين على ذلك صحة البيع فيما إذا
تأخر دفع الثمن فقال: ووجه ما مر أن ثمن الخبز معلوم فإذا انعقد بيعا بالتعاطى وقت
الأخذ مع دفع الثمن قبله فكذا إذا تأخر دفع الثمن بالأولى وهذا ظاهر فيما إذا كان
ثمنه معلوما وقت الأخذ مثل الخبز واللحم أما إذا كان ثمنه مجهولا فانه وقت الأخذ
لا ينعقد بيعا بالتعاطى لجهالة الثمن فإذا تصرف فيه الآخذ وقد دفعه البياع برضاه
بالدفع وبالتصرف فيه على وجه التعويض عنه لم ينعقد بيعا وان كان على نية البيع
لان البيع لا ينعقد بالنية فيكون شبيه القرض المضمون بمثله أو بقيمته فإذا توافق
على شىء بدل المثل أو القيمة برئت ذمة الآخذ لكى يبقى الإشكال فى جواز التصرف فيه
إذا كان قيميا فان قرض القيمى لا يصح فيكون تصحيحه هنا استحسانا كقرض الخبز
والخميرة ثم قال ابن عابدين ويمكن تخريجه على الهبة بشرط العوض أو على المقبوض على
سوم الشراء، وفى الأشباه ورد: لو أخذ من الأرز والعدس وما أشبهه وقد كان دفع إليه
دينارا مثلا لينفق عليه ثم اختصما بعد ذلك فى قيمته هل تعتبر قيمته يوم الأخذ أو
يوم الخصومة قال فى التتمة تعتبر يوم الأخذ، قيل له: لو لم يكن دفع إليه شيئا بل
كان يأخذ منه على أن يدفع إليه ثمن ما يجتمع عنده، قال: يعتبر وقت الأخذ لأنه سوم
حين ذكر الثمن، وفى كل ما ورد عن استحرار تفصيل كثير المذاهب يرجع فيه إلى مصطلح
(بيع) ومصطلح (قرض) ومصطلح (قيمة).
مذهب المالكية:
قال مالك: ولا بأس أن يضع الرجل
عند الرجل درهما ثم يأخذ منه بربع أو بثلث أو بكسر معلوم سلعة معلومة بذلك الكسر
وإذا لم يكن فى ذلك سعر معلوم وقال الرجل آخذ منك بسعر كل يوم فهذا لا يحل لأنه
غرر يقل مرة ويكثر مرة ولم يفترقا على بيع معلوم قال الشارح وهذا كما قال: إن
الرجل يجوز له أن يضع عند الرجل درهما ويأخذ منه ببعضه ما شاء ويترك عنده الباقى
وذلك يكون على ثلاثة أوجه
أحدها أن
يضعه عنده مهملا وذلك جائز.
الثاني- أن يقول له أخذ به منك
كذا وكذا من التمر أو كذا وكذا من اللبن أو غير ذلك يقدر معه فيه سلعة ما ويقدر
ثمنها قدرا ما ويترك ذلك حالا يأخذه متى شاء أو يؤقت له وقتا ما فهذا جائز.
والثالث- أن يترك عنده فى سلعة
معينة أو غير معينة على أن يأخذ منها فى كل يوم بسعره عقدا على ذلك ببيعها فان ذلك
غير جائز لان ما عقد عليه من الثمن مجهول وذلك من الغرر الذى يمنع صحة البيع (3) ،
وجاء فى حاشية الدسوقى والشرح الكبير، ان الاظهر مراعاة أحوال الناس والزمان
والمكان كما يفيده قوله إلا بعرف (4).
مذهب الشافعية:
قال الشافعية فى المجموع إذا
كان يأخذ من البياع شيئا ولم يعطه شيئا ولم يتلفظا ببيع بل نويا أخذه بثمنه
المعتاد ويحاسبه بعد مدة ويعطيه كما يفعل كثير من الناس فانه باطل بلا خلاف لأنه
ليس ببيع لفظى ولا معاطاة ولا يعد بيعا فهو باطل فليعلم وليحذر منه ولا يغتر بكثرة
من يفعله فان كثيرا من الناس يأخذ الحوائج من البياع مرة بعد مرة عن غير مبايعة
ولا معاطاة ثم بعد مدة يحاسبه ويعطيه العوض وهذا باطل بلا خلاف، وفى نهاية المحتاج
قال: أما الاستجرار من يباع فباطل إتفاقا أى حيث لم يقدر الثمن كل مرة وفى المغنى
قال الاذرعى وهذا ما أفتى به البغوى وذكر ابن الصلاح فى فتاويه نحوه ثم قال صاحب
مغنى المحتاج لكن الغزالى فى الاحياء سامح فى الاستجرار فقال: وأخذ الحاجات من
البياع يقع على ضربين أحدهما أن يقول أعطنى بكذا لحما أو خبزا مثلا وهذا هو الغالب
فيدفع اليه مطلوبة فيقبضه ويرضى به ثم بعد مدة يحاسبه ويؤدى ما اجتمع عليه فهذا
مجزوم بصحته عند من يجوز المعاطاة فيما أراه. والثانى أن يلتمس مطلوبه من غير
تعرض لثمن كأعطنى رطل خبز أو لحم خلا فهذا محتمل، وفى نهاية المحتاج أن الغزالى
سامح فى الاستجرار بناء على جواز المعاطاة، قال صاحب مغنى المحتاج هذا ما رأى
الغزالى اباحته ومنعها النووى، وما قيل من أن هذا لا يعد معاطاة ولا بيعا فيه نظر
بل يعده الناس بيعا والغالب أن يكون قدر ثمن الحاجة معلوما لهما عند الاخذ والعطاء
وان لم يتعرضا له لفظا (5).
مذهب الحنابلة:
قال أبو داود فى مسائله، باب فى
الشراء ولا يسمى الثمن سمعت أحمد سئل عن الرجل يبعث إلى البقال فيأخذ منه الشىء
بعد الشىء ثم يحاسبه بعد ذلك قال: أرجو أن لا يكون بذلك بأس، قال أبو داود: وقيل
لاحمد: يكون البيع ساعتئذ ؟ قال: لا. قال الشيخ تقى الدين وظاهر هذا أنهما اتفقا
على الثمن بعد قبض المبيع والتصرف فيه وأن البيع لم يكن وقت القبض وإنما كان وقت
التحاسب وأن معناه صحة البيع بالسعر ثم قال: وأصرح من ذلك ما ذكر فى مسألة
المعاطاة عن مثنى بن جامع عن أحمد،فى
الرجل يبعث إلى معامل له ليبعث إليه بثوب فيمر به فيسأله عن ثمن الثوب فيخبره
فيقول له اكتبه- والرجل يأخذ التمر فلا يقطع ثمنه ثم يمر بصاحب التمر فيقول له
اكتب ثمنه فأجازه إذا ثمنه بسعر يوم أخذه وهذا صريح فى جواز الشراء بثمن المثل وقت
القبض لا وقت المحاسبة سواء ذكر ذلك فى العقد أو أطلق لفظ الأخذ زمن البيع. وعلى
هذا لو اختلفا والعين قائمة ردت وان فاتت فالقيمة، وقال الخلال تحت عنوان ذكر
البيع بغير ثمن مسمى ثم ذكر حرب سألت الإمام أحمد قلت الرجل يقول لرجل ابعث لى
جريبا من بر واحسبه على بسعر ما تبيع قال: لا يجوز هذا حتى يبين له السعر ، وعن
اسحاق بن منصور: قلت للإمام أحمد الرجل يأخذ من الرجل سلعة فيقول: أخذتها منك على
ما تبيع الباقى قال لا يجوز وعن حنبل قال عمى: أنا أكرهه لأنه بيع مجهول والسعر
يختلف يزيد وينقص وروى حنبل عن آبى عبيدة أنه كره ذلك (6)، وجاء فى أعلام
الموقعين: اختلف الفقهاء فى جواز البيع بما ينقطع به السعر من غير تقدير الثمن وقت
العقد: وصورتها البيع ممن يعامله من خباز أو لحام أو سمان أو غيرهم: يأخذ منه كل
يوم شيئا معلوما ثم يحاسبه عند رأس
الشهر أو السنة على الجميع ويعطيه ثمنه فمنعه الأكثرون وجعلوا القبض به غير ناقل
للملك وهو قبض فاسد يجرى مجرى المقبوض بالغصب لأنه مقبوض بعقد فاسد هذا وكلهم إلا
من شدد على نفسه يفعل ذلك ولا يجد منه بدا وهو يفتى ببطلانه وأنه باق على ملك
البائع ولا يمكنه التخلص من ذلك إلا بمساومته له عند كل حاجة يأخذها قل ثمنها أو
كثر: وان كان ممن شرط الايجاب والقبول لفظا فلابد مع المساومة أن يقرن بها الايجاب
والقبول لفظا " القول الثانى " وهو الصواب المقطوع به وهو عمل الناس ق
كل عصر ومصر جواز البيع بما ينقطع به السعر وهو منصوص الامام أحمد اختاره شيخنا
وسمعته يقول هو أطيب لقلب المشترى من المساومة يقول لى أسوة بالناس آخذ بما يأخذ
به غيرى، قال والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه بل هم واقعون فيه وليس فى كتاب
الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس
صحيح ما يحرمه (7)، وقد أجمعت الأمة على صحة النكاح بمهر المثل وأكثرهم يجوزون عقد
الإجارة بأجرة المثل كالنكاح والغسال والخباز والملاح وقيم الحمام والمكارى،
والبيع بثمن المثل كبيع ماء الحمام فغاية البيع بالسعر أن يكون بيعه بثمن المثل
فيجوز كما تجوز المعاوضة بثمن المثل فى هذه الصورة وغيرها فهذا فهو القياس الصحيح
ولاتقوم مصالح الناس إلا به فان قالوا "فالحيلة" فى الجواز أن يأخذ ذلك
قرضاً فى ذمته فيجب عليه للدافع مثله ثم يعاوضه عليه بثمن معلوم .فانه بيع للدين
من الغريم وهو جائز . ولكن قد يرتفع السعر فيطالبه بالمثل فيتضرر الأخذ . وقد
ينخفض فيعطيه المثل فيتضرر الأول فالطريق الشرعية التى لم يحرمها الله تعالى
ورسوله صلى الله عليه وسلم أولى بهما.
-----------------------------------------------------------
(1) لسان العرب للامام العلامة
ابن منظور جـ16 ص126 مادة "جرر"
طبع دار صادر ودار بيروت للطباعة والنشر ببيروت الطبعة الثانية سنة 1375هـ .
وترتيب القاموس المحيط على طريقة المصباح المنير وأساس البلاغة للزاوى جـ1 ص 401،
ص 402 مادة " جر " الطبعة الاولى طبع مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة
1959م.
(2) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الابصار لابن عابدين
حـ4 ص 16، 17 طبع المطبعة العثمانية بمصر دار سعادات سنة 1324هـ ، البحر الرائق
شرح كنز الدقائق للامام الشيخ زين الشهير بابن نجيم حـ5 ص 279 طبع المطبعة العلمية
بمصر الطبعة الأولى سنة 1310هـ.
(3) كتاب المنتقى شرح موطأ
مالك للقاضى أبى الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجى الاندلسى حـ5 ص 15 الطبعة
الاولى طبع مطبعة السعاده بمصر سنة 1332هـ.
(4) حاشية الدسوقى على الشرح الكبير لشمس الدين محمد عرفة الدسوقى
و الشرح الكبير للدردير حـ3 ص 191 طبع مطبعة دار أحياء الكتب العربية لعيسى البابى
الحلبى وشركاه.
(5) مغنى المحتاج الى معرفة الفاظ المنهاج للخطيب الشربينى وبهامشه
متن المحتاج للنووى حـ2 ص 3، ص4، طبع المطبعة الميمنية بمصر سنة 1308 هـ ، ونهاية
المحتاج الى شرح المنهاج لابن شهاب الدين الرملى وحاشية الشبراملس عليه حـ 3 ص364
طبع مطبعة البابى الحلبى وأولاده بمصر سنة 1357هـ ، والمجموع شرح المهذب لابى
زكريا النووى مع فتح العزيز شرح الوجيز للرافعى حـ 9 ص 162 طبع مطبعة التضامن
الاخوى.
(6) النكت والفوائد السنية على
مشكل المحرر لشمس الدين بن مفلح المقدسى المطبوع بهامش المحرر فى الفقه للامام مجد
الدين أبى البركات حـ1 ص 298، ص 299 طبع مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة 1369 هـ.
(7) اعلام الموقعين لشيخ الامام شمس الدين أبى عبد الله محمد بن أبى بكر
المعروف بابن القيم الجوزى حـ4 ص 3، ص4 طبع مطبعه اداره الطباعة المنيرية بمصر.