الإسلام والمجتمع العالمى
الأستاذ عبدالكبيرالعلوى
المدغرى
وزير الأوقاف والشئون الإسلامية
بالمملكة المغربية
عندما نفكر في المجتمع
العالمي يبهرنا هذا التحول البطيء الذي يطرأ
عليه
في شكل موجات متراخية مترامية تغمره وتغير مظهره وتركيبته خلال فترات من الزمن تمتد مئات
السنين.
فقد
مرت الإنسانية بالمجتمع البدائي حيث لم تكن فكرة الملكية الخاصة موجودة وكانت
الخيرات الطبيعية ملكا للجميع أو ليست ملكا لأحد معين ولم يكن الإنسان يصنع شيئا
وإنما كان يعالج بعض الأدوات التي من صنع الطبيعة ليستعملها في بعض أغراضه دون أن
يحتفظ بها.
وقد رأينا في القرآن كيف أن
الإنسان لم يكن يعرف حتى كيف يدفن أخاه الإنسان بعد الموت حتى علمه الله ذلك
بواسطة غراب، وذلك في قصة ابني آدم قال تعالى ( فطوعت له
نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله
غرابا يبحث في الأرض ليربه كيف يوارى سوءة أخيه قال يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل
هذا الغراب فأوارى سوءة أخي فأصبح من الناد مين) (1).
ثم
عرفت الإنسانية موجة المجتمع الزراعي حين بدأ الإنسان ينتج غذاءه ويستخرجه من الأرض
وأصبح الغذاء مصدرا للثروة وأصبح بعض الأقوياء مالكين للأرض وبدأت تظهر التجمعات
السكنية التي تستدعيها حاجة خدمة الأرض وأحدثت هذه الموجة تغيرات جذرية في
العلاقات البشرية حيث بدأت تتبلور الأسرة بكيانها، والقبيلة بمنطقة نفوذها
والإقطاع بأمرائه وعبيده وكان لأصحاب الأرض دور في توجيه المجتمع اقتصاديا وثقافيا وسياسيا ونشأت
حروب من أجل استجلاب العبيد لخدمة الأرض وكانت الكنيسة وهى من أصحاب الأراضي تقيم
تحالفا مع ملوك أوربا حفاظا على استقرار الأوضاع التي كانت لصالحها ثم أخذت موجة
المجتمع الزراعي تنحسر تحت ضجيج الثورة الصناعية وزحف البروليتريا
فأخذت تظهر طبقة جديدة من أثرياء المصانع الذين دفعوا بالمجتمع إلى التحرك على
وتيرة الآلة إنتاجا واستهلاكا وأغروا العمال الزراعيين بالالتحاق بالمعامل وزجوا
بدولهم في معمعة الصراع على امتلاك مصادر المواد الأولية والهيمنة على الأسواق الخارجية
فنشأت حروب استعمارية وأخرى أيديولوجية وحدثت حركة عميقة في المجتمع البشرى بفعل
التحول الخطير الذي أحدثته الموجة الصناعية الطارئة.
ها
نحن نرى المجتمع العالمي مقبلا على موجة جديدة هي موجة الانترنيت والمولتميديا، والتي يتوقع الدارسون أن تكون آثارها قوية لا
تقل أهمية وحجما وشمولية عن آثار الموجة الصناعية التي سبقتها.
والجدير
بالملاحظة هو أن وتيرة تعاقب هذه الموجات الحضارية تتجه نحو السرعة، فالموجة
الزراعية هيمنت على العالم آلاف السنين أي منذ 8000 سنة قبل ميلاد المسيح إلى 1650 أو1750 بعد الميلاد
بينما لم تدم الموجة الصناعية إلا مئات السنين على مدى فترة تمتد من هذا التاريخ
إلى1955و 1965وهى العشرية التي ظهر فيها تعميم الكمبيوتر والأسطول الجوى التجاري
وحبوب منع الحمل وغيرها من المستجدات التي كان لها تأثير واسع على مختلف وجوه
الحياة.
وخلال
هذه العشرية بالضبط بدأت الموجة الثالثة تتقوى في الولايات المتحدة الأمريكية ثم
بلغت في تواريخ مختلفة بعض الشيء معظم الأمم المصنعة الأخرى كبريطانيا وفرنسا
والسويد وألمانيا والاتحاد السوفيتي سابقا واليابان.
وإننا
إذ نسجل الزيادة في وتيرة السرعة التي تتعاقب بها هذه الموجات
نقف
في نفس الوقت مبهورين أمام حجم التغييرات الجذرية التي
تحدثها في المجتمعات.
وإن
العالم الذي يخضع اليوم لتأثير الموجة الثالثة ينتظر أن تترك فيه الصناعات الثقيلة
محلها للصناعات القائمة على الوحدات الصناعية الصغيرة، وتقسيم الأسواق الكبيرة إلى
أسواق صغيرة والاستغناء عن المخازن الكبرى في الموانئ والمطارات والاستغناء عن
الأعداد الكبيرة من الأيدي العاملة وتعويضها بالعمالة المتخصصة إذ سيبرز اقتصاد
جديد يعتمد على القدرات العالية والإبداع والمهارات والعلوم التحويلية والاتصال
الفوري وبنية أساسية إلكترونية.
وينتظر
أن تؤدى هذه الموجة إلى ظهور نظام عائلي جديد يهدم البناء الحالي للأسرة كما سيظهر
أسلوب جديد للعمل وأسلوب جديد للحياة بل من المتوقع أن تتغير النظرة إلى كثير من
القيم والمبادئ الخلقية والإنسانية بما يمكن أن نعتبره نشأة أخرى لضمير جديد لدى
الإنسان يقيم فيه الخير والشر بأسلوب جديد.
إن
هذه التحويلات التى يتوقعها الدارسون تسبقها في هذه
السنوات الأخيرة من هذا القرن مجموعة من الأحداث بمثابة إرهاصات ومقدمات تدل على
جدية الموقف فبعد انهيار سور برلين وتفكك منظومة الاتحاد السوفياتى
وتخلى روسيا عن حلفائها فى أوربا الشرقية برزت هيمنة
العالم الحر وتوجهاته بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وأصبحت الأمم المتحدة
والمنظمات التابعة لها أداة فعالة لفرض هذه التوجهات.
وهيمنت
أيديولوجية
حقوق الإنسان ونشطت الجهود لفرض الديمقراطية حتى على الدول الفقيرة القائمة على
النظام القبلى فى إفريقيا
وارتفعت الأصوات بتبجيل الليبرالية وانتشر شعور عام لدى الشعوب والأمم بوحدة
القضايا والأهداف والتقارب والتضامن من أجل ترسيخ الحرية فى
جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية.
وظهرت
اتفاقية الجات ترسيخا لحرية التجارة وتوطيدا للعزم على تحطيم الحواجز الجمركية
والعوائق التشريعية التى تعرقل حرية التبادل التجارى بين دول العالم.
وجاء
مؤتمر القاهرة ثم مؤتمر بكين حول السكان والتنمية فى
محاولة لتكييف نظام الأسرة وقوانين التركيبة الاجتماعية مع هذا التوجه الليبرالى.
ثم
أصبحنا نرى التجمعات مثل الاتحاد الأوربى ودول حوض
البحر الأبيض المتوسط تستعد لتطويع اقتصادها وسائر أنظمتها إلى هذا التوجه العام.
وإن
من ملامح هذا التوجه العام ذوبان القومية الوطنية فى
أشكال من الشراكة والتكتلات وسقوط ما يسمى بالحواجز القائمة على التمييز العرقى أو الدينى أو المنافية
للمساواة والاعتراف للرجل والمرأة والأبناء بحرية كاملة فى
اختيار الوضع الذى يريحهم ليتمكنوا من التوفيق بين
قدراتهم الذاتية وما يفرضه عصر الليبرالية الإعلامية الجديدة فى
الإنسان المنتج.
وباختصار
فإن ملامح هذا التوجه العام سوف تتلخص فى النهاية فى نوع من التوافق على التنازل الطوعى
عن هذا الاعتزاز بالهوية الثقافية أو مقومات الشخصية القومية أو الالتزام العملى بالدين كلما كان ذلك يتعارض مع الحرية والديمقراطية
وحقوق الإنسان والليبرالية.
وهنا
لابد أن نتساءل إلى أى حد يمكن للمسلم أن يتنازل عن شىء من عقيدته أو شريعته ليتلاءم مع هذا التوجه الجديد؟!.
وبالنسبة
للمسلمين الذين يعيشون فى أوروبا أو أمريكا كيف يكون
وضعهم؟.
وبمعنى
آخر
ماذا سيبقى من الإسلام بعد هذه الموجة الآتية والتى لن
تترك شيئا إلا صبغته بلونها وطبعته بطابعها وغيرته التغيير الضرورى
الذى يجعله يتلاءم معها.
لقد
وقع لحد الآن تعليق أحكام كثيرة من شريعتنا بفعل تطور الزمن والتحول الذى شهدته المجتمعات الإسلامية
منذ ظهور الموجة الثانية التى سميناها بالموجة
الصناعية.
لقد
علقنا الحدود ولم نعد نقيمها إلا فى قطرين من أقطار
العالم الإسلامى. وعلقنا جميع الأحكام المتعلقة بالرق
وأصبحت دساتير وقوانين الدول الإسلامية تنص صراحة على
مبادئ الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان كما هو معترف بها
فى التصريح العالمى لحقوق
الإنسان والمعاهدات والمواثيق الدولية المرتبطة بهذا الموضوع.
ونحن
اليوم فى جميع البلدان الإسلامية نواجه ضغوطا قوية
لتعليق كثير من أحكام الأسرة مثل منع غير المسلم من الزواج بالمسلمة ومثل
شرط الولى فى الزواج ومثل
قوامة الرجل على المرأة فى بيت الزوجية ومثل ولاية
الآباء على الأبناء وسلطتهم عليهم بدعوة الالتزام بالمعاهدات الدولية التى تنص على محو أى تمييز بين البشر بسبب الدين أو الجنس والاعتراف بالحرية
الكاملة للمرأة والأبناء على السواء.
فهل
يمكننا، أن نستنتج من ذلك أن أحكام شريعتنا كانت متلائمة مع مرحلة المجتمع الزراعى ولم تعد كذلك فى عهد
المجتمع الصناعى؟!.
وإلى
أى حد يمكن تعليق أحكام شريعة أخرى لا تتلاءم مع الموجة
الجديدة الآتية؟!.
وماذا
سيبقى من الإسلام إذا نحن سرنا فى هذا الاتجاه؟!.
هناك
تيار قوى الآن داخل المجتمع الإسلامى يعرف بتيار الصحوة
الإسلامية ويضم جمعيات وجماعات إسلامية يتزعمها مفكرون وعلماء ودعاة مخلصون وبين
أيديهم ومن خلفهم وعلى أيمانهم وشمائلهم جماهير من الشباب المسلم يحملون شعار
الإسلام من جديد.
إن
هذه الحركات الإسلامية تعبير عن يقظة الشعور الدينى فى الأمة نتيجة لاستفزازه بواسطة هذه الهجمة التى يمارسها النظام العالمى
الجديد حين يدعو إلى المقومات الجديدة للمجتمع العالمى..
إنها تعبير عن الرفض.
وهى أيضا تعبير عن تمسك الشعوب الإسلامية بدينها.
وهى
فوق ذلك تعبير عن شعور الأمة بالخطر.
وليس
هذا تبريرا للتطرف أو تزكية للعنف والإرهاب
فنحن نرفض التطرف
وندين العنف ونندد بالإرهاب كيفما كانت أسبابه ومبرراته ونتمسك بالدين وسطية كريمة
مصداقا لقوله تعالى:
( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا
شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (2).
ونتمسك
بالدين سلوكا حكيما ودفعا بالحسنى:
(ادع إلى سبيل ربك بالمحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (3).
( ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه
عداوة كأنه ولى حميم) (4).
ونتمسك بالدين حنيفة سمحة كما قال مولانا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ( أحب الدين إلى الله الحنفية السمحة ).
ونتمسك
بالدين استجابة لله من أجل الحياة:
( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا
دعاكم لما يحييكم) (5).
ونتمسك
بالدين طاعة لله وللرسول وإلى أولى الأمر:
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم.) (6).
ونحن
ندعو إخواننا من شباب الصحوة الإسلامية ومن الدعاة إلى
الله
ومن
العلماء والمفكرين إلى الثبات وإمعان النظر والفكر فى
هذه الأمور التى تواجهنا أو تهددنا وبذل الجهد لفهم هذه
التركيبة الجديدة للمجتمع العالمى ليكون موقفنا وموقعنا
على علم وبينة دون أحكام مسبقة ودون أن يفقدنا الحماس الزائد صوابنا أو تهدر
الأوهام والشكوك جهودنا أو يشتت الخوف والفرق صفوفنا فنصبح حربا على أهلنا وذوينا
ووقود الفتنة فى عقر دارنا.
ونرجع
إلي الحديث عن الإسلام والمجتمع العالمى لنسجل:
أولا:
إن المبادئ والقواعد والأسس التى يقوم عليها المجتمع العالمى لا يلزم أن تكون بالضرورة موافقة للفضيلة والحق
والعدل والخير والمثل العليا سواء التى جاءت بها الديانات السماوية أو التى
تواطأ عليها البشر.
وإنما
هى مبادئ وقواعد وأسس ومثل نفعية مصلحية لا علاقة لها بمبادىء الفضيلة أو الحق والعدل والخير وغيرها من المبادئ المثالية. والإنسان فى هذا المجتمع هو إنسان اقتصادى
مستهلك ومنتج لا للسلع فقط وإنما للخدمات أيضا ولا يهمه
عرضه أو شرفه فأحرى أن يهمه دينه أو هويته.
والقوة
العظمى هى القوة الاقتصادية والموالاة تكون بحسب
المصالح الاقتصادية والذى له الغلبة هو الذى يفرض نظامه.
فلو
فرضنا مثلا أن المعسكر الشيوعى استطاع بعد الحرب
الباردة أن ينتصر على المعسكر الليبرالى لكانت الدعوة
الآن إلى مجتمع عالمى قائم على الشيوعية ولو أن
المسلمين استطاعوا غدا أن يوظفوا خبراتهم ويتحكموا فى
نزواتهم وإمكاناتهم ويفرضوا وجودهم كقوة اقتصادية عظمى لأصبحت الولايات المتحدة
الأمريكية تصنع التشاور وتصدره بدل الكوكا كولا.
هل
أستطيع أن أبين أن الغرب لا يعطى للأشياء قيمتها الموضوعية وإنما يعطيها القيمة التى تفرضها القوة الغالبة؟!
أعطى
هنا مثالين اثنين للتدليل على هذا المعنى.
المثال
الأول: كان لتعريف حقوق الإنسان فى القانون الدولى المعاصر منذ البداية توجه عالمى.
ومن هنا جاءت تسمية التصريح العالمى لحقوق الإنسان. وهذا يرتكز على أن الكائن البشرى حيثما كان هو هو وأنه يتعين أن تكون له نفس الحقوق حيثما كان.
فكان
الغرب هو أول من خرق هذا المفهوم العالمى. ذلك أن أوربا
الغربية أحدثت اتفاقية إنقاذ حقوق الإنسان والحريات الأساسية الموقعة سنة 1961 والتى دخلت حيز التطبيق سنة1965.
وقد
أشارت الاتفاقية الأوربية فى ديباجتها إلى أنه يقع على
عاتق حكومات الدول الأوربية التى لها نفس التوجه وتمتلك
تراثا مشتركا من المثل والتقاليد السياسية احترام الحرية والقانون.
ولكنها
إذا كانت قد أكدت فى الفصل الأول أن أطراف العقد
المذكورين أعلاه يعترفون لكل شخص داخل تحت نظامهم القضائى
بالحقوق والحريات المحددة فى العنوان رقم1 . من هذه
الاتفاقية. فإنها فى الفصل 63 تتراجع عن ذلك بالنسبة
لمستعمراتها ولا تمدد تطبيقها ليشمل تلك المستعمرات وقد جاء فى الفصل 63: كل دولة يمكنها فى
وقت المصادقة أو فى أى وقت
لاحق أن تصرح بواسطة مذكرة موجهة إلى الكاتب العام للمؤتمر الأوروبى
بأن هذه الاتفاقية تطبق على جميع البلدان أو على واحد من البلدات التى تتكفل لها بالعلاقات الدولية.
الفقرة
3: وفى البلدان المذكورة فإن الإجراءات المنصوص عليها فى
هذه الاتفاقية ستطبق مع مراعاة ما تفرضه الظروف المحلية.
وبعبارة
أخرى فإن هذه الدول يمكنها تصنيف بعض البشر فى درجة
ثانية وتحرمهم من حماية حقوقهم رغم وجودهم تحت سلطتها السياسية وهكذا فإن هذه
الاتفاقية تشكل خرقا صريحا للتصريح العالمى لحقوق
الإنسان.
المثال
الثانى: سكوت الغرب عن المذابح التى
تمارسها إسرائيل ضد الشعب الفلسطينى وقيامه بقضه وقضيضه
لحماية بترول الكويت.
المثال
الثالث: هو أن دولة إسرائيل دولة دينية متطرفة وحزب الليكود حزب متطرف والحكومة
الإسرائيلية الحالية حكومة المتطرفين الدينيين اليهود ومع ذلك لم يتدخل الغرب
لإلغاء الانتخابات فى إسرائيل أو لمنع تنامى هذا التيار المتطرف.. الغرب له رأى آخر فى الدين جملة وفى موقع الدين فى
نظام المجتمع العالمى.
ونحن
نخطئ
أيضا حينما نركز جهودنا داخل مجتمعاتنا على هذه الأحكام الفقهية ونقيم الدنيا
ونقعدها حول موضوع هل يحل للمرأة أن تصافح الرجل أم لا.
والحالة
أننا لم نشرع لمجتمعنا بما فيه الكفاية معنى الدين وحقيقة الإيمان وحقيقة الإسلام
كهداية ربانية ببعدها الكونى وحجمها الكلى وشموليتها التى تجمع الإنسان والأرض والسماء فى
شرف العبودية وعزة التسخير. أريد أن أقنعكم بأن التفكير فى
الإسلام والمجتمع العالمى لا ينبغى
أن نمارسه بعقلية وأدوات الفقهاء وعلى مستوى الحلال والحرام والمندوب والمكروه
والمباح وإنما ينبغى أن نمارسه بعقلية وأدوات علماء
الأصول لنقدم للناس أطروحتنا الدينية فى أصولها التى تكشف عن أفعال الله فى آياته
وفى خلقه فى موقفها من المادة فى
موقفها من الإنسان فى موازنتها بين الحرية والعبودية فى توفيقها بين عمارة الأرض والاستعداد للآخرة فى بيان مقاصد الشريعة ومكارمها ليسهل فهم الأحكام وكيف تندرج
تحت هذه المقاصد وتأخذ موقعها ومكانها فى التركيب
العام. إن مناقشة الأحكام الفقهية لابد أن يسبقه تمهيد
بمناقشة الكليات والأصول.
إننا
أمام تصور عام للمجتمع العالمى.
فيجب أن نقدم لأمتنا وللعالم تصورا عاما للإسلام
ليسهل على الجميع فهم تمسكنا بأحكام الشريعة.
إن
القرآن المكى بدأ ببيان الأصول والكليات لتقوم أمام
أعين الناس شواهد شامخة تشرح المعنى الكلى للدين الذى
أراد الله أن يكون بديلا للبناء الذى أقامته الجاهلية.
فلما
استقر هذا المعنى فى النفوس بدأ بيان الأحكام التفصيلية
فى العبادات والمعاملات فكان الناس إذا اعتنقوا الإسلام
لم يجدوا فى أنفسهم حرجا من الخضوع لتلك الأحكام
وقبولها علما منهم بأن الذى يقبل الكل لابد أن يقبل ما
يندرج فيه.
إننا
ندعو الناس إلى الله عز وجل.
فلابد من معرفة المدعو إليه
وهو الله. ومعرفة الله تتم بمعرفة أفعاله فى خلقه
ومعرفة آياته ومنها معرفة الإنسان فى حقيقته ومعرفة
الكون وهذا لا يتم إلا باحترام العلم والتوسع فيه والأخذ بأسباب الحديثة والعمل
على تشغيل قدرات الإنسان الحسنة والعقلية والنفسية ومجاهدة النفس وتحقيق صفائها
توسلا إلى معرفة الله بالقلب والوجدان أيضا.
ثم
لابد من معرفة الصراط المستقيم الذى تجب ملازمته فى السلوك إلى الله وهنا لابد من معرفة مفهوم المال مثلا وأنه
مال الله وأن الإنسان مستخلف فيه فقط وأننا مأمورون بأداء حق الله فيه ومأمورون
بأن لا نفسد فى الأرض بعد إصلاحها ومأمورون بالسلم وأن
لا نقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ومأمورون
بالعدل، ومأمورون بالأمانة، ومأمورون باحترام كرامة الإنسان وحقوقه دون تمييز بين
الناس لا باللون ولا بالجنس ولا بالدين وأن المرأة شقيقة الرجل فى الأحكام لها نفس الحقوق وعليها نفس الواجبات.
الإسلام
جاء فعلا بنموذج للمجتمع العالمى الخالد وأنه خالد لأنه
يجسد المثل الأعلى للمجتمع البشرى. وهو مثل أعلى لأنه لا يقوم على الأهواء
المتغيرة والشهوات المقلبة ولأن الله تعالى لم يترك وضع نظامه لبشر وإنما تولاه هو
بنفسه ورسمه فى رسالاته السماوية المتعاقبة وأكمله فى شريعة الإسلام وجعلها مهيمنة على جميع نواحى
الحياة ومحققة لعمارة الأرض وخلافه الإنسان فيها.
وهنا
نقف من جديد أمام موجة المجتمع العالمى بجبروتها ونتأمل
فى الوضع، وفى ما قلناه على الغرب ونفعيته وتقلبه مع
المصالح المادية وما آلت إليه أمورنا من تعليق كثير من أحكام ديننا ونتساءل ماذا
يريد منا دعاة المجتمع العالمى الجديد وماذا ينتظرون
أكثر من ذلك؟.
تشير
معظم الدراسات الغربية إلى وصفة وحيدة من شأنها تمكين المسلمين من التعايش مع
المجتمع العالمى الجديد وتتمثل فى
التغيير وقد ذكرت فى المحاضرة التى
افتتحت بها الموسم الدراسى
لمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط فى
السنة الماضية أن هناك معادلة تحير عقول الخبراء الغربيين وتتلخص فى ثلاث أطروحات ونتيجة.
الأطروحة الأولى: الإسلام رافض للتغيير والتحديث والتطوير.
الأطروحة
الثانية: أزمة العالم الإسلامى
تؤدى إلى زيادة الالتزام بالدين. الأطروحة الثالثة: بدون تغيير وتحديث
وتطوير لا يتأتى التساكن مع قيم الحضارة الغربية.
النتيجة: لابد من الاصطدام.
فهل
نحن رافضون التغيير حقا؟!.
إننا فقط لا نملك حق التغيير.
إن الدين دين الله ولا يملك أحد أن يغير فيه
شيئا.
إن
فى وسعنا ومن واجبنا أن نجتهد فى
تحقيق مفهوم صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان داخل دائرة الاجتهاد المسموح به شرعا لمسايرة التطور وللتفتح على مقتضيات العصر، ولكن ليس فى وسعنا أن نغير ما لا يقبل التغيير ليس لأننا لا نريد ولكن
لأننا لا نملك الحق فى ذلك.
وعلى
المجتمع العالمى أن يدرك ذلك وأن يقبلنا كما نحن ويوافق
على التعايش مع الإسلام كما هو إذا أراد أن يتجنب الاصطدام.
ولقد
شرحنا أن الإسلام يدعو إلى العلم ويدعو إلى السلم ويدعو إلى العدل ويحترم حقوق
الإنسان ويحترم الديمقراطية وحرية الأفراد والشعوب ويحترم الاقتصاد الحر القائم
على المبادرة الخاصة وليس فيه ما يعرقل لا التقدم التكنولوجى
ولا الازدهار الاقتصادى ولا ما يسمح بتلويث البيئة ولا يمس
كرامة المرأة وحقوقها ولا ما يسمح بالتسابق سرا أو جهرا لامتلاك أسلحة الدمار
الشامل ولا ما يسمح بالتميز العنصرى أو بالإرهاب.
وفى
اعتقادنا أن الإسلام قابل للتعايش مع المجتمع العالمى
وليس هناك أى مبرر للخوف من الاصطدام لأن الإسلام يحمل فى ثناياه قابلية خاصة للتعايش ولا يخاف من نقيضه وقد تعايش فى مكة مع الترك والمشركين وتعايش فى
المدينة مع اليهود والمنافقين وتعايش مع الفرس والروم ولم يجد المسلمون أنفسهم
مضطرين إلى تغيير شىء من دينهم ولم يحدث الاصطدام إلا فى الحالات التى انتقل فيها
المخالفون إلى العدوان.
ورغم
أننا نؤمن بضرورة إيجاد صيغة للتوفيق بين عامل الزمن الذى
يسرع بنا وبين حتمية التغيير المفروض علينا وبين ضرورة الثبات على ديننا فإننا
نعتقد أن إمكانيات التغيير محدودة ومجاله ضيق وأن كل جرأة على تغيير أحكام الدين
أو تعليقها لن تكون لها فائدة أبدا لا بالنسبة إلينا ولا بالنسبة للمجتمع العالمى لأن هذا الدين دين الله وهو كفيل بحفظه.
( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى
الأرض ) (7).
" صدق الله العظيم"
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته..،،،
المراجع
(1)
المائدة:30- 31.
(2)
البقرة :
143.
(3)النحل:125.
(4) فصلت: 34.
(5) الأنفال: 24.
(6)
النساء: 59.
(7) الرعد:17.