الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
مستقبل الطا قة بين ا ا

مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب

(نظرة مستقبلية)

الأستاذ الدكتور مفيد شهاب

وزير التعليم العالى ووزير البحث العلمى

الحديث عن مستقبل العلاقة بين الإسلام والغرب لا يمكن فصله تماما عن (الماضى) الذى مازالت ذكرياته عالقة فى الأذهان، ولا عن (الحاضر) الذى تتكون بالضرورة من أحداثه المتلاحقة ملامح المستقبل. ومع ذلك فإن مجال هذا البحث سوف يقتصر على استشراف المستقبل، دون أن ينبش كثيرا فى التاريخ، أو يستقصى الحاضر بكل جوانبه.  

لا أريد أن أقف طويلا أمام ذلك التوتر التقليدى، والذى كان يبلغ أحيانا حد العداء السافر بين العالم الإسلامى والغرب، نتيجة لمجموعة من الأحداث التاريخية الكبرى مثل (استيلاء المسلمين على عاصمة الدولة البيزنطية- طرد المسلمين من أسبانيا- الحملات الصليبية- الاستعمار الغربى لبلاد المسلمين طوال القرن التاسع عشر، ومحاولات التخلص منه خلال القرن العشرين). ومما لا شك فيه أن كلا الطرفين لم يستطع- حتى الآن- أن يمحو من ذهن الآخر تاريخ هذا العداء ولا آثاره.

أما الحاضر فسوف اكتفى منه بواقعتين اثنتين: الأولى جاءت فى أعقاب تفكك الاتحاد السوفيتى فى نهاية السبعينات، وشيوع فكرة خاطئة فى الغرب، مؤداها أن الإسلام هو العدو التالى الذى ينبغى مواجهته. والثانية تفاقم ظاهرة التطرف الدينى، والتى ارتبطت أحيانا ببعض أحداث إرهابية،استغلها الإعلام الغربى ليزيد من إشعال الفتيل فى الفكرة السابقة، وتفجيرها.

وعلى الرغم من خطأ الفكرتين أساسا، وعدم استنادهما على حقائق ثابتة، فقد ارتبطت إحداهما بالأخرى، وأصبحتا معا تكونان المرجعية الثقافية، وبالتالى السياسية، التى أخذ الغرب يتعامل بها مع دول العالم الإسلامى وشعوبه.

لكن حاضر العالم الإسلامى به من الثوابت الإيجابية ما يفوق تلك السلبيات العارضة. ولا تنحصر تلك الثوابت فى المكان والموقع فحسب، وإنما تمتد إلى مواطن الثروة، وإمكانيات الاستثمار، إلى جانب تلك الطفرة الواضحة فى معدلات التنمية البشرية، بصورة تجعل من مجموعة الدول الإسلامية كيانا ضخما يمكنه أن يصحح مسيرة العلاقة مع الغرب على نحو يفهمها، وبالأسلوب الذى يجرى التعامل به. ولن يأتى ذلك إلا باستيعاب التكنولوجيا الحديثة، ومسايرة ثورة الاتصالات والمعلومات، والتركيز فى نفس الوقت على جلاء المفهوم الصحيح للإسلام، باعتباره دين سلام ومحبة وإخاء، جاء لهداية البشرية كلها، وإنه يقدم النموذج المتوازن بين الروح والمادة، ويصحح العلاقة المضطربة بين الفرد والمجتمع.

إن تصور علاقة جيدة بين الإسلام والغرب لا يمكن أن تقوم بدون جلاء المفهوم الحقيقى للإسلام. وهو عمل كبير لا تقتصر مسئوليته على جانب دون الآخر. ففى الغرب، شاعت عن الإسلام صورة غير حقيقية، كما أنها غير متكاملة. ولم تستطع حركة الاستشراق- التى يصل عمرها الآن إلى أكثر من قرنين- أن تقوم بدور فعال فى بيان حقيقة الإسلام كدين سماوى، يزود الإنسان بالطمأنينة، ويحسن علاقته بربه، وبالناس، وبالطبيعة. وعلى العكس من ذلك ساعد بعض المستشرقين على رسم صورة مشوهة عن الإسلام حينما راحوا يفتشون عن مصادره فى الديانات السابقة، ويرجعون

سر نجاحه إلى ذكاء محمد وعبقريته، أو يؤكدون على أن سبب انتشاره يعود إلى رغبة أبنائه فى التوسع والسيطرة نتيجة ما كانوا يعانونه فى بيئتهم من قحط وحرمان.

والنقطة التى ظلت غائبة عن حركة الاستشراق هى أن الإسلام دين حضارة، يدعو إلى تحرير العقل، ويدفع إلى مواصلة العمل والإبداع، ويحث على تعمير وإقامة مجتمع يسوده التكافل والسلام.

ومن جانب المسلمين، لم تبذل جهود كافية للدفاع عن الإسلام بلغة الغرب، وانحصر الرد على مقولات المستشرقين فى دائرة اللغات التى يتحدث بها المسلمون أنفسهم. وتلك حقيقة زادت من مساحة الابتعاد بين الطرفين، وقضت- لوقت طويل- على إمكانية قيام حوار حقيقى يتبادل فيها الجانبان وجهات النظر. وفى مثل هذا الجو، زادت من حدة الانفعالات العدائية ضد الغرب باعتباره معسكرا لا يأتى منه للمسلمين إلا كل شر، ولم يتوقف الغرب عن رصد هذه الانفعالات العدائية وتكبيرها، معلنا أن العالم الإسلامى يناصب الغرب العداء، وينتظر اللحظة المناسبة للهجوم عليه، والانتقام منه.

وفى ظل هذه الظروف، ما أسهل أن ينتهز المغرضون فى كلا الجانبين الفرصة لتحويل الأحداث المتناثرة إلى ظواهر عامة، وفهم الكلمات والتعليقات على أنها خطط واستراتيجيات. وبهذا أصبحت صورة المسلم فى الغرب تساوى الإنسان المتصلب فى رأيه، المتعصب لفكره، العدوانى فى سلوكه، الذى يحبس فى بيته أربع زوجات، ولا يسمح لبناته بالتعليم أو العمل. وإذا كانت هذه الصورة عن المسلم هى التى شاعت طوال القرن التاسع عشر فإنها ما لبثت أن تغيرت كثيرا خلال القرن العشرين، نتيجة المزيد من الاحتكاك والرغبة فى المعرفة، والتخلص من أحكام التعصب والأهواء.

ولابد من الإشارة إلى محاولة اصطناع صدام بين القوانين الوضعية والشرائع السماوية، وهى المحاولة التى يستغلها البعض لتحقيق أغراض خاصة به وإيهام الجماهير بأنه المرجع الوحيد للدين. وإذا بحثنا هذه النقطة جيدا لوجدنا أن هذا الصدام مفتعل لأن الشريعة الإسلامية- بصفة خاصة- تفسح للعقل البشرى مجالا واسعا، يمكنه من تنظيم الحياة السياسية والاقتصادية، بما يحقق المصالح، ويدرأ المفاسد فى إطار المبادئ الإسلامية. العامة، التى وردت فى القرآن الكريم، والسنة النبوية مع الإفادة من تجارب السلف عبر العصور. وهكذا فإن الأحكام والتشريعات الوضعية ينبغى أن توضع فى مكانها الصحيح من الشريعة الإسلامية، بحيث تكون متكاملة معها، وليست متصادمة أو خارجة كما يحلو للبعض أن يصوروها.

لقد دعا الإسلام- كما لم يحدث فى أى دين آخر- إلى إطلاق طاقات العقل الإنسانى، وجعل للاجتهاد البشرى مكانه المعتبر فى مساحات واسعة مما لم يرد فيه نص محدد. والإسلام بهذا يؤكد على أنه دين صالح لكل زمان ومكان. فمما لا شك فيه أننا مقبلون على عصر يمتلئ بالتحديات الكبرى التى تتطلب إعمال هذا العقل بأقصى طاقته  ونحن كمسلمين مطالبون بأن نقبل التحدى، وأن نتعامل مع الأحداث الطارئة بعقل مفتوح، ومرونة كافية. وليس من المتصور على الإطلاق أن يكون الدين عائقا لحركة العقل، ولا مقيدا لانطلاقة المسلمين نحو التقدم والنهضة. ومما يدعو إلى الاطمئنان والتفاؤل معا أن الإسلام دين يحض على كل ما يدفع الإنسان إلى الحياة الحرة الكريمة، ويقيم المجتمعات على أسس العدالة والمساواة فى الحقوق والواجبات، وهو لا يمنع النهضة أو يعوق التقدم بل إنه يعتبر نبعا متجددا لهما، وحسبنا أن نستعرض آيات القرآن الكريم التى ترفع من قيمة العقل، ومن قيمة العمل ومن قيمة التعاون من أجل الخير، والتواصى بالحق، وتحقيق العدالة، والتشاور، إلى جانب قيمة الحفاظ على الإنسان وحقوقه المشروعة فى حياة كريمة، يأمن فيها على نفسه، وعرضه، وماله.

وهكذا فإن الإسلام بهذه المبادئ والتعاليم لا يتصادم مع القيم العليا للحضارة الغربية فى شىء. ولعل كثيرا من أوجه الالتقاء تتضح إذا  ما تجاوزنا مستوى المصطلحات اللغوية إلى الجوهر الحقيقى للمعانى. فليست الديمقراطية فى أعلى أشكالها وأسمى تطبيقاتها إلا الشورى الإسلامية.

 وليست حقوق الإنسان التى توصلت إليها المنظمات الدولية بعد عناء شديد سوى مجموعة الحقوق التى أعلنها الإسلام منذ أربعة عشر قرنا، بل إن القانون الدولى فى مجموعه لا يكاد يخرج عما نادى به الإسلام، وطبقه المسلمون الأوائل فى تعاملهم مع الدول الأخرى. وأستطيع أن أقرر هنا- بكل اطمئنان- أن الإسلام لا يحتوى فقط على مبادئ القانون الدولى،  بل إنه يزيد عليها ويتفوق فى الكثير من النقاط.

ومن الملاحظ أن وضع الإسلام فى الغرب قد أصبح أفضل كثيرا عن ذى قبل. ويتبين ذلك من ردود الأفعال الإيجابية التى يقابل بها علماء المسلمين الذين يخاطبون الغرب بلغة العقل والمنطق، وأسلوب الحجة والبرهان، دون ترفع أو مغالاة، وبلا تشنج أو انفعال... ومن هنا تعددت المؤتمرات والملتقيات التى تضم علماء الإسلام والمسيحية واليهودية لكى يقدم كل منهم ما لديه، ويأخذ فرصته الكاملة فى التوضيح والبيان. ولا شك أن هذه الفرص تعد نوافذ مفتوحة، يمكن للمسلمين من خلالها أن يصححوا الصورة

الخاطئة التى أخذت عنهم عبر قرون طويلة  من العداء والتعصب، وأن يعلنوا للعالم كله أن دينهم هو دين الحضارة والتسامح والتعايش السلمى بين جميع الأمم والشعوب. وصدق الله العظيم حيث يقول فى كتابه الكريم: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (1).

لكننا لا يمكن أن نقر بأن علاقة الإسلام بالغرب سوف تتحسن بمجرد الشرح والبيان، وإنما لابد إلى جانب ذلك أن يبذل المسلمون- فيما بينهم- جهودا متواصلة من أجل أن يكونوا مسلمين حقيقيين. فلا يدعون إلى التسامح وهم متفرقون، ولا يرفعون شعار التآخى وهم متخاصمون.. إن المسلم بسلوكه يعد أكبر دعاية للإسلام، ومن الواضح أن هذا السلوك لا يعنى الانعزال عن حركة الحياة، أو الانفصال عن ركب العالم، أو التقوقع فى صومعة الزهد، ولكنه عمل ومعاملة، وضرب فى الأرض من أجل البناء والتعمير. وما أروع قول الرسول صلى الله عليه وسلم ( إذا قامت القيامة وفى يد أحدكم فسيلة فليغرسها ).

لقد ظن الغرب لفترة طويلة أن الإسلام هو سبب تخلف المسلمين. وما أبعد هذا الظن عن الحقيقة- فإنهم ما تخلفوا إلا بسبب ابتعادهم عن تعاليم الإسلام ونتيجة لفهمهم القاصر والجامد أحيانا لتوجيهاته، بالإضافة طبعا لما تعرضوا له من محاولات السيطرة والاستلاب.

وفى الجانب المقابل، ينبغى على الغرب أن يبذل من جانبه جهدا حقيقيا من أجل التعايش مع الإسلام. وأن يتخلى عن نظرة العداء والاستعلاء، وأن يتقبل وجهات النظر المخالفة، والثقافات الأخرى بروح أكثر تفتحا وسماحة. وعليه أن يدرك أن الحضارة الغربية تعانى من أمراض متعددة، وأن شفاءها من هذه الأمراض يمكن أن يوجد لدى الأمم الأخرى. وهنا يمكن التوقف قليلا عند روح الاستهلاك التى أصبحت هدف الحضارة الغربية، وحجر الزاوية التى تدور حولها. فإلى أى مدى أوصلت روح الاستهلاك الغرب؟ لقد جعلته يلهث وراء إشباع حاجاته المادية وحدها، وقد بلغ فى ذلك أقصى مداه، ولم يجد سعادته المنشودة فيما حققه، بل إن التقدم المادى قد بدأ ينقلب عليه أمراضا بدنيه ونفسية. ونتج عن التكنولوجيا المتقدمة بعض الآثار السلبية التى مازال يعانى منها (مثل التلوث بأنواعه المتعددة) وهكذا وجد الغرب نفسه فى نهاية طريق ضيق، يسعى بكل الوسائل للخروج منه إلى فضاء أرحب من السكينة والطمأنينة والاستقرار.. وهنا تقع على المسلمين مسئولية كبرى فى تنبيه الغرب إلى مخاطر التقدم المادى وحده، ولفت الأنظار إلى ضرورة المزاوجة بين التقدم الروحى والمادى فى تركيبة فريدة، يعد الإسلام نفسه أفضل تعبير عنها.

لكن مثل هذا العمل لا ينبغى أن يتم بصورة تبدو منها محاولة الإصرار على نشر الأفكار، أو الرغبة فى مجرد الإقناع، وإنما من الأفضل أن تتم عن طريق الحوار الهادئ، الذى يكتفى بعرض وجهة النظر دون سعى إلى الغلبة، آو الرغبة فى الانتصار. وهنا ينبغى أن يستفيد المسلمون من المنهج الذى وضعه القرآن الكريم لتبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة والمجادلة بالتى هى أحسن ( إن عليك إلا البلاغ) (2) وترك الهداية لله تعالى، يمنحها لمن يشاء  (إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء) (3).

إن الطريق إلى إقامة علاقة طيبة بين الإسلام والغرب لم يعد مسدودا كما كان فى الماضى، بل العكس، أصبحت فيه منافذ كثيرة ووجدت على الساحة وسائل متعددة يأتى فى مقدمتها الإعلام الذى جعل من العالم قرية يقف أهلها على ما يحدث فى أى ركن فيها فور وقوعه. ولا شك أن الإعلام يستطيع أن يعرض الصورة الحقيقية لكل طرف لدى الطرف الآخر، كما يمكنه أن يقيم جسورا من التواصل بل وتقريب وجهات النظر المتباعدة..

كذلك فإن التعليم له دور فعال فى تأكيد الحقائق لدى الأجيال الجديدة التى ينبغى أن تنشأ على الموضوعية وحسن الإصغاء، واحترام وجهات النظر المختلفة، وأخيرا فإن الدبلوماسية الهادئة يمكنها أن تقوم بدور هام فى إحداث التقارب المنشود بين الدول، والتعايش السلمى بين الشعوب.

المراجع

(1) سورة الحجرات: 13.

(2) الشورى: 48.

(3) القصص: 56.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع