التوصيات
مقدمة
يمر
العالم اليوم بمرحلة حاسمة في تاريخه تحدد مستقبله لعدة أجيال بعد
الإنجازات العلمية الضخمة، وثورتي المعلومات والاتصالات، إذ تشابكت المصالح
وتداخلت، وتلاشت المسافات، وزالت الحواجز الجغرافية، بل والحضارية، مما يدعو إلى
حوار جاد وبناء بين الحضارات المختلفة حتى لا تتعصب بعض الشعوب لحضارتها، وتتخذ
منها معيارا وحيدا للحكم على الحضارة بصفة عامة مما يؤدى إلى تهميش دور بعض
الحضارات، وإعلاء شأن بعضها الآخر، ويزكى دعاوى الصراع
بين الحضارات بدلا من التعايش السلمي فيما بينها.
وقد تبلور
هذا الاتجاه فى قيام تكتلات سياسية واقتصادية بين بعض
الشعوب المتجاورة التي تعيش في ظل حضارة ذات أصول مشتركة، وإحياء النزعات العنصرية
والتعصب العرقي بين الشعوب المختلفة.
وبدلا من
أن تسود قيم الحق، والعدل، والمساواة في إطار تحكمه شرعية دولية عادلة، تعددت
مقاييس العدل، ومالت مع الهوى تبعا لتغير المصالح، ونال الإسلام والمسلمين عن جهل
أو تجاهل للقيم الإسلامية الصحيحة الكثير من التطاول والتهم الباطلة على ألسنة بعض
القيادات الفكرية، والسياسية، وأكثر وسائل الإعلام الغربية.
في هذا
المناخ ينعقد المؤتمر العام التاسع للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية تحت عنوان:
" الإسلام والغرب: الماضى - الحاضر- المستقبل
" متجاوزا في مفهومه الإطار الجغرافى مؤملا عن
طريق الحوار المشترك الوصول إلى استجلاء المفاهيم الحقيقية للقيم الإسلامية،
والقيم الإيجابية في الحضارة الغربية، ومد جسور التلاقي بينهما بما يؤدى إلى إسعاد
البشرية وتقدمها. وهذه المفاهيم تقوم على أسس ثابتة في
الحضارة الإسلامية حددها القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة تتمثل في الأخوة
الإنسانية، والخضوع لله وحده، وتواصل الحضارات لإسعاد الإنسان.
فقد خلق الله الناس متعددى الأجناس، والألوان، واللغات علي الرغم من تناسلهم من
أب واحد لحكمة بالغة، كما جعل لكل أمة منهم شرعة ومنهاجا، وإن كانت كل الرسالات
الإلهية مصدرها واحد، وتتكامل فيما بينها وخاتمها. الإسلام
.
والحضارة
الإسلامية أخذت مما سبقها من حضارات، وبعد أن استوعبتها وتمثلتها أبدعت حضارة
أصيلة مدها الإسلام بطاقة روحية، وأخلاقية، وتنظيم منهجي فكرى لم يسبق له مثيل
فجمعت فى كيان واحد بين العلم والإيمان، بين العقل
والدين. وكانت هذه الحضارة هى الزاد الذى تزودت به أوروبا فى عصر النهضة حيث تم وضع أساس الحضارة الغربية المعاصرة.
وللأسف الشديد ضعف إسهام المسلمين فى الإنجازات المادية
للحضارة الغربية منذ ذلك الوقت حتى اليقظة الإسلامية الأخيرة التى
لم تؤت ثمارها بعد. حيث أصيب العالم الإسلامى بالجمود
والتخلف، وأخذ ينقل عن الغرب بدلا من أن يطور حضارته ويحدثها، فانتهز فريق من
المفكرين فى الغرب الجمود الذي أصاب الحضارة الإسلامية
لتشويه صورة المسلمين، والقيم الحضارية الإسلامية رافعين لواء سمو الحضارة الغربية
على الحضارة الإسلامية، والحط من قدرها، وقدر المسلمين، ونشر التعصب العرقى والدينى، واعتمدوا في ذلك
على تفسير مغلوط لتراثهم الحضارى، وسوء تطبيق المفاهيم
الإسلامية الحقة من جانب بعض المجتمعات الإسلامية.
الأمر الذى أدى إلى تضييق مجالات التعاون بين الحضارتين
بعد أن كانت أرحب و أوسع.
وعلى
الرغم مما أصاب الحضارة الإسلامية من جمود فى بعض
جوانبها،إلا أن الجانب الأكبر منها مازال. ينبض بالحياة
وقادرا على النمو والإسهام بشكل إيجابي في الحضارة المعاصرة خاصة في جانبها
المعنوي.
من أجل ذلك دعت وزارة الأوقاف المصرية إلى عقد المؤتمر
العام التاسع للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية حول:
( الإسلام والغرب: الماضى-
الحاضر- المستقبل )
فى مدينة القاهرة بجمهورية مصر العربية في الفترة من:
8- 11 ربيع الأول
1418 هـ
12- 16 من يوليو 1997 هـ
تحت رعاية السيد الرئيس محمد حسني
مبارك رئيس جمهورية مصر العربية والرئاسة الشرفية لفضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر
الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوى .
وقد رأس المؤتمر السيد وزير الأوقاف
رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية الأستاذ الدكتور محمود حمدى
زقزوق.
كما شارك فى
هذا المؤتمر ممثلون عن الدول والمنظمات، والهيئات التالية:
1-
أثيوبيا 2- الأردن 3- أريتريا4- أذربيجان
5-
أسبانيا 6- استرا ليا 7- اسكتلنده 8- ألبا
نيا
9- ألمانيا. ا- الإمارات العربية المتحدة 11- أندونيسيا
2 ا-
أوكرانيا 12- إيطاليا 4 ا- باكستان 15- البحرين
16- البرازيل 7 ا- بريطانيا 18- بلجيكا 19- بلغاريا
20- بنجلاديش 21- البوسنة والهرسك 22- بنين
23- تركمنستان 24- تركيا 25- تشاد 26- تنزانيا
27-
تونس 28- الجزائر29- جيبوتي 30- داغستان
31- الدنمارك 32- روسيا 33- زيمبابوي
34-
المملكة العربية السعودية 35- سيريلانكا 36- سلطنة عمان
37- ا لسنغال 38- السودان 39- سوريا 0 4- ا لسويد
41-
سويسرا 42- سنغا فورة 43- ا لصين 44- ا لعراق
45-
ا لفا تيكان 46- فرنسا 47- فلسطين 48- قطر
49-
كازاخستان 50- الكاميرون 51- كندا 52- كوسونا
53-
كولومبيا 54- الكونغو 55- الكويت 56- كينيا 57- لبنان
58- ليبريا 59- ليبيا 60- مالديف
61-
مصر 62- ا لمغرب 63- مقدونيا 64- النرويج
65-
النمسا 66- الهند 67- هولندا 68-اليابان
69-
اليمن 70- اليونان 71- جامعة الدول العربية
72-
منظمة المؤتمر الإسلامي
73-
رابطة العالم الإسلامي
74-
المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)
75-
المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة.
وقد افتتح المؤتمر بكلمة من السيد
الرئيس/ محمد حسني مبارك- رئيس جمهورية
مصر العربية- ألقاها نيابة عن سيادته الأستاذ الدكتور/ محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
وقد تحدث في الجلسة الافتتاحية فضيلة
الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور/ محمد سيد طنطاوى شيخ
الأزهر، وقداسة البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، كما تحدث باسم الوفود المشاركة معالي الأستاذ
الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركى وزير
الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة
والإرشاد بالمملكة العربية السعودية.
وتابع المؤتمر جلساته العامة،
وجلساته الفرعية، حيث تليت ونوقشت البحوث المقدمة إليه وعددها (62) بحثا باللغات
العربية، والإنجليزية، والفرنسية والتي دارت حول المحاور الرئيسية الآتية:
1-
العامل التاريخي وعلاقة الإسلام بالغرب.
2-
موقف الإسلام من غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية،
وموقف المجتمعات الغربية من المسلمين.
3-
أفاق المستقبل ودعم الحوار بين المسلمين والغرب.
وقد شكل المؤتمر لجنة لصياغة توصياته
برئاسة الأستاذ الدكتور/ صوفي أبو طالب، وعضوية ممثلين عن الوفود المشاركة لوضع
مشروع التوصيات من واقع كلمة السيد رئيس الجمهورية، والبحوث التى
طرحت ، وما أسفرت عنه المناقشات.
وقد انتهت اللجنة إلى مشروع
التوصيات التالية:
(1) يهيب المؤتمر بالعالم الإسلامي،
والعالم الغربي أن لا يتوقفا عند السلبيات التي نجمت عن الحروب بينهما في الماضي،
وإبان عهد الاستعمار، وأن يهتما بإبراز ما أنتجه التواصل التاريخي بين الحضارتين
لخير الإنسانية والبشرية.
ولذلك يناشد المؤتمر مراكز البحوث
العلمية في العالم الإسلامي، والعالم الغربي الاهتمام بالجوانب الإيجابية التي
تدعم نقاط التعاون بينهما.
(2)
إن تكريم الإنسان والاعتراف بحقوقه في المجتمع من القيم
الأساسية التي نادت بها كل الرسالات الإلهية، وكرستها
كل الحضارات وأحاطتها بالضمانات المناسبة، ويأتي على رأس هذه الحقوق عدم الإكراه
في الدين،
وحرية ممارسة الشعائر الدينية،
ومبدأ المساواة بين الناس دون ما تفرقة في شكل من الأشكال. وهذان المبدآن كان
للحضارة الإسلامية فضل السبق فيهما.
لذلك يناشد المؤتمر كل وسائل الإعلام
في الغرب عدم التشكيك في أصالة هذه المبادئ فى الإسلام.
(3)
من الأمور المسلمة في الإسلام أن الجهاد على رأس فروض الكفاية، وكثيرا ما يساء فهم
هذا المبدأ. وحقيقة الأمر أن الجهاد شرع ردا لعدوان، أو
دفعا لظلم، أو إحقاقا لحق دون عدوان، وهذا المعنى قريب من معنى الحرب المشروعة أو
الدفاع الشرعي الذي أقرته المواثيق الدولية المعاصرة. ولذلك فليس هناك مجال للتخوف
من جانب الغرب من مبدأ الجهاد في الإسلام.
(4) إن تتابع الرسالات الإلهية
والحضارات هو سنة الله في خلقه. لذلك يؤكد المؤتمر على ضرورة ترسيخ الاحترام
المتبادل بينها، وما تنادى به من إيمان بالله ورسله،
وما تدعو إليه من أخلاق فاضلة، وأخوة إنسانية، والعمل على استظهار القيم المشتركة
بين الحضارات المختلفة مما يحقق خير الإنسانية وسعادتها، وعدم جواز إعلاء شأن بعض
الحضارات على حساب غيرها. وتحقيقا لما تقدم يناشد المؤتمر كل الهيئات الدينية،
وجميع المؤسسات العلمية، والثقافية، والسياسية في سائر أنحاء العالم بذل أقصى
الجهود لاستمرار الحوار ودعمه بين ممثلي هذه الهيئات والمؤسسات للوقوف على
المفاهيم والمبادئ التي تسود الحضارات المختلفة في العالم، والاستفادة من النافع
منها.
(5)
يناشد المؤتمر وسائل الإعلام كافة الابتعاد عن نشر ما يثير الكراهية، والحقد،
وبثها بين الشعوب، كما يناشد سائر الدول أن تنقى الكتب التي تدرس في المعاهد
التعليمية مما يسئ إلى الرسالات الإلهية والرسل، أو يحط من قدر بعض الشعوب.
(6)
يؤكد المؤتمر على حق كل شعب في الحفاظ على هويته الحضارية، وخصوصياتها في إطار من
التعاون مع الحضارات الأخرى.
(7) يدعو المؤتمر الدول الإسلامية، وجميع الهيئات، والمنظمات التي
تتولى شئون الدعوة الإسلامية بها إلي التنسيق فيما
بينها، وتكثيف الجهود لإظهار حقيقة المبادئ الإسلامية كما جاءت في الكتاب والسنة.
(8) يهيب المؤتمر بالدول الإسلامية، وكل الهيئات، والمنظمات
التي تتولى شئون الإعلام فيها- خاصة القنوات الفضائية الإسلامية والعربية- أن تفسح
مجالا كافيا لإظهار المفاهيم الحقيقية للإسلام باللغات الغربية، كما يناشد الدول
والمؤسسات الإعلامية الغربية أن تفسح مجالا لبيان حقيقة ا لإسلام، والتعريف
بحضارته.
(9)
يستنكر المؤتمر الأحداث الأخيرة التي وقعت في فلسطين من تعريض المقدسات الدينية
للخطر، وإهانة للدين، ومحاولات تخريب المسجد الأقصى
بحفر الأنفاق تحت جدرانه، وحرق بعض أجزائه، وتمزيق المصاحف، ووضع ملصقات تتضمن إهانة لرسول الله محمد- صلى الله عليه وسلم- وللسيدة مريم-
عليها السلام- ويدين بشدة جماعات التعصب، والتطرف، والاستيطان التي انطلقت من مناخ
مشحون بالحقد، والتطرف، والتعصب الديني، ويناشد دول العالم اتخاذ موقف حاسم في
مواجهة هذه الأفعال، والتصرفات.
كما يناشد المؤتمر دول العالم،
وهيئاته تأييد الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في استرداد أرضه المغتصبة، ومطالبة
إسرائيل بالالتزام بتنفيذ ما سبق أن وقعت عليه حكوماتها من تعهدات في أوسلو،
ومدريد. ولا ينسى المؤتمر أن يعلن عن استيائه العميق لمساندة بعض دول الغرب لأطماع
إسرائيل في إعلانها القدس عاصمة أبدية موحدة لإسرائيل متجاهلين أن القدس هي مدينة
عربية إسلامية، وأنها العاصمة للدولة الفلسطينية مالكة الأرض، وصاحبة الحق في هذا
المكان ذي القداسة عند المسلمين باعتباره أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين.
إن قضية القدس ليست قضية سياسية،
ولكنها قضية معتقدات، ومقدسات لا يجوز المساس بها أو العدوان عليها.
(10)
إن الإرهاب بجميع صوره وأشكاله ظاهرة شاذة تنكرها سائر الأديان، وتمارسها قلة
متطرفة في المجتمعات الإنسانية لأسباب متعددة.
والمؤتمر إذ يدين هذه الظاهرة يناشد
العالم التصدى لها، والقضاء على أسبابها، ويدعوا وسائل
الإعلام بالكف عن إلصاق هذه التهمة بالإسلام والمسلمين. كما
يدعو إلى عدم جواز الخلط بين حق الدفاع المشروع ضد العدوان، وضد الاحتلال، وبين
الأعمال الإجرامية التي ترتكب بدافع التعصب الديني أو العنصري تسترا وراء الأديان.
(11) إن التسليم بمبدأ حرية العقيدة
في المواثيق الدولية يصبح عديم الجدوى إذا ضيق الخناق على
قسيمتها حرية إقامة الشعائر الدينية، وممارسة ما يأمر به
الإسلام من أحكام قطعية، وهذا الحق الأخير يقبل التنظيم بما لا يخل بالنظام العام،
وحرية ممارسة الشعائر الدينية الأخرى، دون أن يقضى على أصل الحق.
وانطلاقا من هذا المبدأ يناشد
المؤتمر الدول، والهيئات، والمنظمات الإسلامية أن تسعى لدى الدول الغربية لإفساح
المجال أمام المسلمين الذين يقيمون بها لإقامة شعارهم
الدينية، وما يتصل بها في الحياة اليومية من صلاة،
وصوم، ومآكل، ومشرب... وغيرها, والسماح لهم بتطبيق أحكام
الشريعة الإسلامية في الأمور المتصلة بالنفس في الأحوال الشخصية من زواج، وطلاق،
وغيره. مثلما يعامل غير المسلمين في كثير من البلاد ا
لإسلامية.
ويسجل المؤتمر بالتقدير ما قامت
به كثير من الدول الغربية في السنوات الأخيرة من السماح
ببناء المساجد، والمراكز الثقافية الإسلامية، وتدريس الدين الإسلامي في المعاهد
الخاصة، وبعض المدارس الحكومية، ويناشد بقية الدول أن تحذو حذو زميلاتها من الدول
الغربية.
والله ولي التوفيق....