كلمة معالى
الدكتور
عبد الله بن عبد المحسن التركى
وزير الشئون الإسلامية والأوقاف
و الدعوة والإرشاد
بالمملكة ا لعربية السعودية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد
لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله
وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين... أما بعد ،
فتحية لمصر العربية الإسلامية بقيادة فخامة الرئيس
محمد حسنى مبارك على دعوتها لاجتماع هذا الحشد من العلماء والمثقفين، وعلى ما
تبذله في سبيل العلم والمعرفة، والتواصل مع المجتمعات والحضارات الإنسانية.
وتحية للأزهر وعلمائه وفى مقدمتهم
شيخه فضيلة الشيخ الدكتور/
محمد
سيد طنطاوى، على ما يبذله فى
سبيل الإسلام وعلومه وحضارته.
وتحية
لوزارة الأوقاف فى جمهورية مصر العربية، وللمجلس الأعلى
للشئون الإسلامية، والمسئولين فيهما، وعلى رأسهم معالى
الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق
وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية على الجهود الكبيرة، وإتاحة
الفرصة للباحثين والعلماء ليلتقوا على أرض مصر الغالية.
أيها
الأخوة
إنه
ليسعد كل مشارك أن يسهم فى هذا الملتقى المهم، والذى يكتسب موضوعه أهمية كبرى للعالم الإسلامى
وللغرب. فهذا اللقاء الذى يبحث فى
موضوع الإسلام والغرب، هو فى حد ذاته بادرة خير، وتعبير
عن الرغبة فى التواصل لما فيه خير البشرية جمعاء،
ويزداد الأمل فى وصول الملتقى إلى غايته بمشاركة هذه
النخبة المتميزة والرفيعة من الشخصيات الدينية والثقافية فى
مختلف مناطق العالم، وهى نخبة لا شك في قدرها الثقافى والاجتماعى وفى قدرتها على التأثير في مسيرة التواصل الإنسانى بين المسلمبن والغرب.
* إن موضوع الملتقى: "الإسلام والغرب" يتسع
لمباحث كثيرة ومهمة، وتندرج تحته مفردات كثيرة تحتاج كلها إلى النظر والدراسة التى ينبغى أن تتحلى بروح العدل
والإنصاف، وأن تتميز بالمنهج العلمى السليم.
* إن الدراسة المنصفة والمحايدة في موضوع الإسلام
والغرب، هى وحدها التي تبرز صورة الإسلام الحقيقية أمام
الغرب، وهى وحدها التي تدفع المسلمين إلى مزيد من التواصل مع الغرب، والتعرف على
جوانب عدة من حضارته مما لا تتعارض مع ثوابت الإسلام الدينية، أو قيمه الخلقية،
وهذه الجوانب بالذات هى أهم الجسور التى
تصل ما بين المسلمين والغرب فى العصر الحديث.
* ليس مطلوبا من العالم الإسلامى
أو من الغرب، أن ينسى وقائع التاريخ فى علاقة المسلمين
بالغرب، ولكن المطلوب أن تكون عبرة هذا التاريخ ماثلة أمامنا.
* إن أول اتصال للمسلمين بالغرب- وهذه حقيقة قد
ينساها الكثيرون- حدث فى العهد النبوى،
فقد أرسل النبى صلى الله عليه وسلم رسائل أمن وسلام،
ودعوة الإسلام إلى ملوك الشرق والغرب فى العالم القديم-
إلى مملكة فارس، وإمبراطورية الروم وغيرهما- فالإسلام يخاطب البشر جميعا، ويدعوهم إلى
الإيمان، ويرجو لهم السعادة فى الدنيا والآخرة.
* إن الإسلام هو الرسالة الخاتمة للرسالات السابقة،
يدعو إلى الإيمان بالله وحده لا شريك له وبملائكته وبرسله وبكتبه المنزلة وباليوم
الآخر، ويدعو إلى القيم الخلقية النبيلة التى دعت إليها
الأديان.
يقول
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( إنما بعثت لأتمم
مكارم الأخلاق ).
* إن شريعة الإسلام تؤكد الاهتمام بالعدل، وتحفظ
مصالح الناس بأحكامها ومبادئها العامة. إن جوهر الأديان
واحد، وهو دعوة الناس إلى أن يعبدوا الله وحده، وقد ختمت بالإسلام، فدعوته دائمة
خالدة للبشر جميعا، تحررهم من عبادة غير الله، وتجعل عبادتهم وخضوعهم لله وحده.
* وفى ظل هذا الدين الخاتم يمكن أن يلتقى البشر جميعا على عبادة الله وحده واتباع
القيم الخلقية النبيلة في التعامل فيما بينهم، بما يحقق العدل ويحفظ مصالح الناس.
* ومن ثوابت الإسلام فى
الاتصال بالبشر، الاعتراف بوحدة البشر فى أصلهم، فالناس
جميعا من نفس واحدة:
( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى
خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث
منهما رجالا كثيرا ونساء) (1) .
والناس
خلقوا للتعارف والتواصل فيما بينهم، دون استعلاء أو
سيطرة بسبب العرق أو اللون، يقول الله تعالى:
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم
شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (2).
وفى
الحديث الشريف: ( كلكم لآدم وأدم من تراب لا فضل لعربى.
على أعجمى ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى ).
فالإسلام
ينبذ التفرقة بين بنى الإنسان على أساس من التعصب العرقى واللونى.
* ومن ثوابت الإسلام أن اتصال المسلمين بغيرهم يكون فى دائرة الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتى
هى أحسن:
( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (3).
* إن الإسلام يدعو أهل الكتاب إلى كلمة سواء لا يمكن لأى مؤمن أن يعرض عنها، وهى عبادة الله وحده دون سواه:
( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا
وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ
بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (4).
ويدعو
الإسلام أتباعه إلى تثبيت الاتصال وتقويته بينهم وبين أهل الكتاب على قاعدة دينية
راسخة، وهى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله جميعا:
( وقولوا آمنا بالذى أنزل
إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) (5).
لقد
كان الاتصال بين المسلمين والغرب جديرا بأن يصل فى ظل
الثوابت الإسلامية- التى أشرنا إلى بعضها- إلى تنمية
روح التواصل، وزيادة معرفة كل طرف بالآخر، ولكن فى
العصر الوسيط وبسبب التعصب الدينى والرغبة فى الكسب باسم الدين، كانت الحروب الصليبية، التى وقعت فى فترة سابقة على بدء
نهضة الغرب الحديثة، وقد يكون لاتصال الغرب بالعالم الإسلامى
فى فترة ما بعد انتهاء هذه الحروب الظالمة جوانب
إيجابية فقد زاد الاهتمام لدى الغرب بمعرفة الإسلام والمسلمين، وبدا تأثير الحضارة
الإسلامية واضحا في الغرب.
* لقد بدأت حركة الاستشراق-
أيا كانت بواعثها ودوافعها- فزادت من الاتصال الثقافى
بين المسلمين والغرب، وكان يميزها- على الرغم من التحفظ عليها وعلى القائمين بها- أنها تتخذ المنهج العلمى فى البحث والدراسة، وأن القائمين بالاستشراق
كانوا من رجال الدين والعلماء- وكان الرد والإيضاح من جانب علماء المسلمين على ما
يطرحه المستشرقون من رؤى وأفكار عن الإسلام بحسب منهج علمى
سليم.
* إن ذلك للأسف قد تغير فى
الزمن المعاصر، وأثر على علاقة المسلمين بالغرب تأثيرا سلبيا.
* إن معرفة جماهير الغرب بالإسلام تتم اليوم من خلال
وسائل إعلام تملك إمكانيات ضخمة للنشر والتأثير على فكر مئات الملايين في الغرب ،
والفارق كبير بين المنهج العلمى فى
دراسة الإسلام، ومعرفة المسلمين، وبين الوسيلة الإعلامية التي يقصد بها التأثير، ورسم صورة معينة عن الإسلام تبث بأوسع الطرق
وأسرعها انتشارا، بينما لا تخضع هذه الصورة الإعلامية لأى
منهج علمى، ومن العسير على الشخص العادى
فى الغرب بالذات أن يكتشف بعدها الكبير عن الحقيقة أو
الهدف الحقيقى من وراء نشرها، ومن الصعب أن يواجه
العالم الإسلامى- حتى مع تقدمه الإعلامى-
هذه الصورة السلبية والتى تسهم إلى حد كبير فى إضعاف الاتصال السليم بين المسلمين والغرب.
* إن مسئولية الاتصال والتواصل السليم بين العالم الإسلامى والغرب مسئولية مشتركة، ولسنا فى
مجال تحديد التقصير أو الخطأ من أحد الأطراف، ولكن واقع العلاقة الآن يفرض علينا
أن ندعو إلى بناء هذه العلاقة على أساس سليم، ووفق منهج علمى
يليق بتاريخ هذه العلاقة، وبالكثير من جوانبها المهمة، وبأثرها في تحقيق السلام
والخير للبشر جميعا، فهى علاقة بين مئات الملايين من
البشر، وهى تعبر عن الصلة بين حضارة عريقة أثرت أشد التأثير في حياة العالم القديم
والحديث- وهى حضارة الإسلام- وبين حضارة تأثرت بها
وأخذت عنها في بدايتها- وهى الحضارة الغربية- والتى
نشعر- نحن المسلمين- أن من الضرورى لها أن تعرف الإسلام
فى ثوابته العقدية والخلقية والتشريعية على الوجه
الصحيح.
أيها الأخوة
* إننا فى المملكة العربية
السعودية نرحب دائما بالحوار الجاد، والاتصال، والتواصل مع الغرب والشرق على
السواء، لأن ثوابت الإسلام وقواعد الشريعة وأصولها التى
تأخذ بها المملكة فى جميع
المجالات تفرض علينا أن نرحب بالبحث عن الحقيقة من خلال الدراسة والحوار، وتدعو
إلى الاتصال بكل البشر لكى يتحقق من خلال معرفة الإسلام
والاهتداء به ما ترجوه البشرية من أمن، وسلام فى ظل التعارف، والتواصل بين الأمم والشعوب.
إن
المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولى عهده الأمين تسعى
بكل قدراتها لما فية مصلحة البشرية جمعاء، من التعارف
والتعاون، والتواصل المبنى على العدل، والحق، والإنصاف، وعبادة الله وحده كما جاء فى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأخيرا:
أود أن أوجه الشكر إلى جميع المشاركين بالبحث والدراسة والتعقيب فى هذا الملتقى الكبير.
سائلا
الله أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وأن يهديهم إلى التى
هى أقوم.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته...
المراجع
(1) سورة النساء: 1.
(2)
سورة الحجرات: 13.
(3) سورة النحل: 125 .
(4)
سورة آل عمران: 64.
(5) سورة العنكبوت: 46.