تعقيب للأستاذ الدكتورعبدالصبور مرزوق
نائب رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
كلمات عظام لأمير
عظيم
الأمير تشارلز
يدافع عن الإسلام
حين
يكون إعلان مثل هذه الحقائق على يد واحد من عظماء عصرنا الأمير تشالرزأمير ويلز وولى عهد المملكة المتحدة.. يكون لهذا
الإعلان مذاقه الخاص، ويكون له وقعه العظيم على قلوب وعقول من ينشدون
الحقيقة ومن يتلمسون لها النصير في عالم ازدوجت فيه المعايير وتراجعت القيم.
أقول
هذا وأنا أطالع هذه الكلمة المنصفة والعميقة لولى عهد بريطانيا الأمير تشارلز
والتي ألقاها في مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية.
ودعا فيها إلى تشجيع الفهم والاقتراب الموضوعي
والمنصف من عالم الإسلام والمسلمين.
الاقتراب
لإزالة سوء الفهم
وبوعى عميق أكد الأمير لمستمعيه
وإلى العالم الغربي من ورائهم أن الاقتراب المنصف من الإسلام بات الآن ضرورة لها
أهميتها اليوم أكثر من أي وقت مضى وذلك حين قال:
* إن العلاقة بين العالمين الإسلامي والغربي تتسم الآن بالأهمية أكثر من أى وقت لأن درجة سوء الفهم بين هذين العالمين لا تزال قائمة
بل إن سوء الفهم أخذ في الازدراء.
وفى
تعليله لأسباب سوء الفهم هذا بالنسبة للغرب نفى الأمير أن يكون ذلك حصيلة الجهل- على حد تعبيره -لأن
في العالم مليار مسلم يعيش منهم ملايين في بلاد الكومنولث البريطاني، ويعيش منهم في الغرب أكثر من عشرة ملايين
ومنهم مليون في بريطانيا وهنا أشارإلى ازدهار أوضاع الجالية الإسلامية في بريطانيا التي تضم قربة 500 خمسمائة مسجد،
ويهتم الشعب البريطاني بالثقافة الإسلامية ولا ينسى المهرجان الإسلامى
الذي افتتحته جلالة الملكة عام1976م.
ثم
يضيف سموه قائلا: ومع هذا يستمرالخوف والشك..
لماذا
الشك والخوف؟
وفى
بداية تناوله لأسباب الخوف والشك يذكر الأمير بأحداث العنف العسكري
الرهيب الذي أنزلته قوات التحالف الدولية بالعراق أرضا وشعباََ
وحضارة ومقدسات خصوصا في منطقة كر بلاء ومنطقة الأهواز في جنوب العراق والتي تتعرض حتى
الآن للتجفيف وتغيير الهوية.
الأسف الحزين مما
جري ويجرى
ومن
مأساة شعب العراق يعلن أسفه وحزنه على ما يجرى في بقية أنحاء العالم: فى يوغوسلافيا السابقة-
البوسنة والهرسك وما جرى عليهما من ويلات، ثم أنجولا والصومال والسودان
وكثير من الجمهوريات السوفياتية السابقة.
ثم
يخص شعب البوسنة بقوله:-
* إن المعاناة المروعة لمسلمى البوسنة
والطوائف الأخرى في تلك الحرب الوحشية تسمهم في إبقاء الشك والمخاوف، ناهيك عن الأعمال المثيرة التي
يمارسها القادة المتعصبون والمجردون من الضمير وما تؤدى إليه أعمالهم من سوء
النتائج والخوف وانعدام الثقة..
ما
يربط بيننا أكثرمما
نعرفه
* يقول الأمير: إن الذي يربط بين عالمينا يعنى الإسلام
والغرب أقوى بكثير مما يقسمهما، والمسيحيون واليهود جميعهم أهل كتاب والإسلام
والمسيحية يشتركان في النظرة التوحيدية، والإيمان باله واحد وبأن الحياة فانية،
وبالمسئولية عن أفعالنا والإيمان بالآخرة.
هكذا
يتحدث الأمير..
ولست
أرى فارقا بينه فيما قال وبين أى داعية أو مفكر مسلم في
حوار
مع
آخرين. من مسيحيين أو يهود. وتلك هي اللغةالمشتركة التي تصنع التفاهم وتقود إلى التعاون البناء بين الأطراف التي تبدو مصطرعة بسبب ما يخيم على الحقائق من ضباب.
فإذا
اتضحت الحقائق أصبح مجال التفاهم والتعاون أيسر، وفرضت الحقيقة نفسها على كل أطراف الحوار.
( فلا تقل
لهما أف )
وكم
كان جميلا من الأمير وهو يتحدث عن بعض القيم المشتركة
بين الإسلام والغرب حيث قال:
إننا
نشترك في كثير من القيم: احترام المعرفة والعمل والرأفة
بالفقراء والمحرومين وأهمية الحياة العائلية واحترام الوالدين. ثم يقول ما نصه قد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى مشيرا إلى الوالدين (
فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما) (1).
فبمثل
هذا التناول العطوف للأمور تتبخر البغضاء،
وتكون القلوب والعقول مهيأة للأنصاف، وتقبل الحق والاستماع
بموضوعية إلى الرأى الآخر.
وهذا
ما نأمل أن يصبح اتجاها جديدا يلتزمه العالم كله بشرقه
وغربه بمن فيه من
أتباع الرسالات السماوية وغير السماوية، ويستطيعون
بالالتزام به
أن يرسوا في الأرض قواعد جديدة للتعامل فيما
بينهم وفق رؤية تنصف الجميع وتبحث عن الخير للجميع.
من حرب الصليب إلى
سقوط قرطبة
ومما هو جدير بكل التقدير والملاحظة ما ظهر به
الأمير من وفرة الوعى العميق بأحداث الماضى الذي جرت فيه الحروب الصليبية ووقفته الواعية أمام بعض
الأحداث المروعة التي حفرت أثارها في الوجدان الإسلامى.. وقد اختار منها موقعة استرداد القدس وما جرى فيها على
. المسلمين من مذابح
وفظائع عام1092م ثم عام 492 1
عام سقوط قرطبة وطرد المسلمين من الأندلس ..
وبإحساس
الأديب المقتدر الذى يملك السيطرة على
الكلمة ويحسن حشدالكلمات بالمعاني المثيرة بالمشاعر والإيحاءات نراه يقارن بين اختلاف وقع الأحداث
على الناس بمقدار ما يكون فيها من أفراح وأحزان. لكنها
مفارقات تلتقطها تواريخ البصيرة النافذة، والحس المرهف فنراه يقول:
* وبالنسبة إلينا في الغرب فإن عام 1492 بعد عام البحوث الإنسانية- عام كولومبوس،
واكتشاف الأمريكتينن.
أما
بالنسبة للمسلمين فإنه عام مأساوى حيث سقطت قرطبة في أيدى فرديناند وإيزابيلا، وانتهت بذلك ثمانية
قرون من الحضارة الإسلامية فى أوروبا.
نظرة الغرب
إلى الإسلام
وحين تقترب
كلمات الأمير من القضية الحساسة وهى علاقة الإسلام بالغرب
نرى الرجل بكل شجاعته وصراحته وانصافه
يقرر أنهم في الغرب -و بنص عباراته- غالبا ما يعتبرون الإسلام تهديدا- أي كفاتح عسكري. في العصور
الوسطي، وكمصدر لعدم التسامح وللتطرف والإرهاب في العصر
الحديث.
ومضي بعدها
يوضح ويحلل بالوعى العميق أثار سقوط القسطنطينية
على
يد السلطان محمد الفاتح عام 1453 إلى تسرب الحقوق بنفوس
حكام أوروبا بتأثير الكثير من الوحشيةالتي قام بها بعض العثمائيين.
وفى الوقت نفسه
وبأنصاف وموضوعية يقرر أن الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 وما تلاها من غزوات
كان بداية لتعديل الموقف بما معناه أن السيطرة والمبادرة أصبحت في أيدي الغربيين. لكن
هذا الانتصار الغربي وهذا التحول في موازين الواقع لم يغيرأبدا من نظرة الأوروبيين إلى الإسلام وعلى حد تعبيره..
صحيح أن أيام الفتوحات
الإسلامية انتهت لكن موقفنا - يعني الغربيين- من الإسلام لا يزال يعانى حتى الآن لأن أسلوب فهمنا للإسلام اختطفه
التطرف والسطحيات.
التطرف
ليس سمة إسلامية
عالج
الأمير تشارلز هذه القضية كما يعالجها كل منصف، وبل كما يعالجها المسلمون المخلصون
الذين يحسنون قراءة الوقائع والنفاد إلى ما وراءها. فنراه يبدأ بهدم الأساس الذي يقيم عليه الغربيون
أحكامهم على الإسلام فى هذا الموضوع مقررا أن وجود انحراف
ما في مجتمع ما لا يعنى ولا يجوز أن يعني أن المجتمع كله منحرف وضرب مثلا من بريطانيا
فقال:
إن
القول بأن التطرف فى الإسلام هو القاعدة إنما هو خطأ جسيم مثل
الحكم على نوعية الحياة فى بريطانيا من خلال
وجود جرائم قتل أو اغتصاب أو اعتداء على الأطفال وإدمان المخدرات ،
ثم أضاف:- صحيح أن التطرف موجود
لكن عندما يستخدم أساسا للحكم على
أي مجتمع فإنه يؤدى إلى " التحريف والإجحاف".
ثم
يرتقى في إنصافه للمسلمين والإسلام إلى مناقشة ما يراه.
الغربيون
من
أنه قسوة ووحشية في تطبيق الأحكام الشرعية مثل قطع يد السارق ويطالب أصحاب هذا الرأي بأن يحسنوا دراسة الشريعة
وبالذات ضمانات نزاهة الأحكام
وعدم
إخضاعها لأي عوامل شخصية أو سياسية ليكونوا على يقين في
النهاية من أن العدل
هو الحكم.
ويرتقى
أكثر فى إنصافه للإسلام فيطالب المتحاملين على الإسلام
بأن يفرقوا بين الإسلام وعادات بعض الدول الإسلامية، كما يطالبهم بعدم الحكم على
وضع المرأة في الإسلام من خلال عادات بعض المتشددين مقررا
أن الإسلام- يعنى تطبيقه- ليس متماثلا في كل البلاد الإسلامية ففي بعض بلاد
الإسلام حصلت المرأة على كثير من الحقوق السياسية وضرب مثلا بالسيدتين بينازير بوتو والبيجوم
خالدة ضياء اللتين أصبحتا في مجتمعهما رئيستين للوزارة.
ثم أضاف: إن التطرف ليس
حكرا على الإسلام بل ينسحب على ديانات أخرى بما فيها المسيحية، والغالبية العظمى
من المسلمين يتسمون بالاعتدال.
الخلط بين " التمدين" وبين التبعية
وتعرض
الأمير لواحدة من القضايا الشائكة والتي يكثر حولها الجدل في المجتمعات الإسلامية وهو ما ينبغى أن يكون عليه موقف المسلمين إزاء معطيات الحضارة والتطور العلمي والثقافي
والاجتماعي الغربي. أهو التقليد والتبعية أم المرادالتمدن
بالطريقة التى لا تمحى معها أصالة مجتمعات المسلمين؟.
ا
لأمير يقول:
* إن علينا في الغرب أن نتفهم نظرة العالم الإسلامي إلينا وأن نقدر مدى التخوف الحقيقي في
العالم الإسلامي من ماديتنا الغربية وثقافتنا الشعبية
باعتبارهما تحديا فتاكا لثقافتهم الإسلامية، ونسق خياتهم
الإسلامي. ثم أضاف:
* إن الزخارف المادية لمجتمعنا الغربي التي يصدرها
إلى العالم الإسلامي مثل التليفزيون ووجبات الطعام السريعة وغيرها مع أنها في
ذاتها تستهدف" العصرية" لكننا نسقط في فخ الغطرسة الحقيقية إذا خلطنا بين
العصرية في البلدان الأخرى وبين تحويلهم إلى أشباه.
لنا لأن شكل المادية لدينا يجرح مشاعر كثيرين من المسلمين
الأتقياء.
فضل
الإسلام على ثقافتنا وحضارتنا
وبإنصاف
جميل يعلن الأمير تشارلز اعترافه بفضل الإسلام وآثاره على الثقافة
وعلى الحضارة الأوروبية ويقول:
* إن العالم الإسلامي في العصور الوسطى- من آسيا الصغرى إلى شواطئ الأطلنطي-
كان عالما ازدهر فيه البحاثة المتخصصون ورجال العلم الذين كان لهم أثرهم في
ثقافتنا وحضارتنا لكن لأننا في الغرب نميل إلى التعامل مع الإسلام باعتباره
عدوا فإننا نجنح إلى تجاهله ومحو أهميته بالنسبة إلى تاريخنا- ولهذا قللنا من
أهميته 800 ثمانمائة عام من ازدهار الثقافة الإسلامية في أسبانيا، التي كان لها
أثرها الكبير في تاريخنا وحضارتنا.
فلقد أسهمت أسبانيا في ظل
الحكم الإسلامي بالحفاظ على العلوم والمعارف الكلاسيكية خلال عصور الظلام، وأسهمت
بهذا في وضع اللبنات الأولى للنهضة الأوروبية، وكانت أكثر من مجرد مخزن للكتب.
أسبانيا
في عهد المسلمين لم تقم فقط بجمع المحتوى الفكري للحضارتين اليونانيةوالرومانية، بل فسرت
تلك الحضارة وتوسعت فيها، وقدمت من جانبها إسهاما مهما
في كثير من مجالات البحث الإنساني.
ويكون
لكلمات الأمير مذاقها العذب حين يتعمق في رؤيته للعوامل الدينية التي جعلت
المسلمين على هذا النحو من الاهتمام بالعلم ويرد هذا إلى أثر العامل الديني في ذلك
فيذكر القول المأثور:
·
إن
مداد العلماء أقدس من دماء الشهداء*
ويذكر
هنا تفاصيل مدعمة بالأرقام عما كانت عليه أحوال المكتبات في قرطبة وما كانت تزخر به من مئات الألوف من الكتب ويذكر مقارنة لها دلالتها يقول
فيها:
* إن مكتبة حاكم قرطبة كانت تضم 400 ألف أربعمائة ألف مجلد- أي ما
يزيد على عدد الكتب في جميع المكتبات في بقية أنحاء أوروبا. ويعلل هذا التفوق العلمى الرائع بأن المسلمين اكتسبوا من الصين مهارة صنع الورق
قبل أكثر من أربعمائة عام على حصول أوروبا على تلك المهارة.
الإسلام جزء من ماضينا
وحاضرنا
يقول
الأمير تشارلز: إن كثيرا من المزايا التي تفخر بها
أوروبا العصرية جاءت أصلا من أسبانيا أثناء الحكم الإسلامي. فالديبلوماسية،
وحرية التجارة، والحدود المفتوحة وأساليب البحث الأكاديمى،
وعلم الانتربولوجيا، والموضة والطب البديل والمستشفيات
جاءت كلها من تلك المدنية العظيمة (أسبانيا تحت الحكم الإسلامي).
ثم
يتحدث عن الأثر العظيم الذي تركه الإسلام في الحضارة الأوروبية بحيث أصبحت
المعطيات الحضارية والثقافية للإسلام جزء من التكوين الثقافي لأوروبا
فى ذلك الزمن بداية من
أسبانيا ثم فى البلقان حيث كان أثر الإسلام قويا في
الحضارة الإنسانية بكاملها.
إن
الإسلام ا جزء من ماضينا وحاضرنا في جميع مجالات البحث الإنساني
وقد
أسهم فى إنشاء أوروبا العصرية.
و
أما بعد:
فما
ذكرته من كلمات الأمير تشارلز المنصفة للإسلام والمعبرة بصدق وواقعية عن وجدان الإنسانية التي
تنشد الحق وتبحث عن العدل.
ويقينا
فإن ملايين المسلمين فى مختلف أنحاء العالم يتلقون بكل
التقدير والامتنان هذه الكلمات المنصفة التي طالما افتقدوها في عالم اليوم.
لكن
كلمات الأمير التي ألقيت
كمحاضرة يجب
أن يصغى إليها الغرب كله، وأن تكون إيذانا ببداية وضع جديد للعلاقة بين الإسلام والغرب تتعانق فيه الجهود المخلصة
لحل مشكلات العالم وتصحيح ما فيه من أوضاع ظالما.
شكرا
لسمو الأمير تشارلز..
وندعو
الله أن يبقيه ناطقا بالحق ظهيرا ونصيرا لكل
ما
يسعد الإنسانية.
المراجع
(1) الإسراء :23 .