الإسلام والغرب
"عظمة الدين الإسلامى
و دوره فى عالم المستقبل "
الأمير تشارلز
أمير ويلز- ولى عهد بريطانيا
نص
الخطاب الذى ألقاه ولى العهد البريطانى حول (الإسلام و
الغرب)
فى مسرح شيلدونيان (أكسفورد) فى مناسبة زيارته لمركز اكسفورد للدراسات الإسلامية
في 27 أكتوبر سنة 1993 م
حضرات السيدات والسادة
عندما
بدأت أنظر فى
موضوع هذه المحاضرة، أشار على البعض أن استمد التشجيع من المثل العربى
القائل " إن الحكمة ليست حكرا على أحد".
إننى أقر أننى
لا أتمتع بالكثير من مؤهلات الباحث المختص لتبرير وجودى
هنا فى
هذا المسرح، حيث حاضر كثيرون ممن يفوقوننى علما واطلاعا، وتقدموا عموما
بمجمل المعرفة البشرية. ولعلى كنت سأشعر بأننى أكثر استعدادا لو كنت سليل
جامعتكم الموقرة هذه ، وليس نتاج " كلية كمبردج الفنية" مع أننى
أمل فى
أن تتذكروا أنه تم استحداث كرسى أستاذ للدراسات العربية
فى
جامعة كمبردج فى القرن السابع عشر قبل أربع سنوات من استحداث أول منصب
مماثل فى
جامعة اكسفورد. إننى على نقيض الكثيرين
منكم، لست خبيرا فى موضوع الإسلام ولكنى سعيد بتولى منصب نائب راعى مركز
أكسفورد للدراسات الإسلامية، وذلك لأسباب أمل أن تتضح فيما بعد.
إن
هذا المركز يتمتع بالمقدرة على أن يصبح وسيلة مهمة ومشوقة لتشجيع فهم العالم الإسلامى فى بريطانيا وتحسين هذا
الفهم على أن يحتل مكانه، حسبما أمل، إلى جانب مراكز الدراسات الإسلامية الأخرى فى
أكسفورد مثل " معهد الدراسات الشرقية " و " مركز الشرق الأوسط
"، معهدا يحق للجامعة والباحثين على نطاق أوسع أن يفخروا به.
وفى ضوء كل التحفظات التى تساورنى بازاء
الخوض فى
مجال معقد ومثير للجدل، لعلكم تتساءلون لماذا حضرت إلى هذا المبنى الرائع الذى
صممه المهندس المعمارى كريستوفر رن كى أحدثكم عن موضوع (الإسلام
والغرب).
السبب
وراء ذلك أيتها السيدات والسادة، هو أننى أومن من صميم قلبى
بأن
العلاقات بين هذين العالمين تتسم الآن بالأهمية أكثر من أى
وقت مضى، لأن درجة سوء الفهم بين العالمين (الإسلامي والغربي) لاتزال
عالية على نحو خطير، ولأن الحاجة إلى تعايش الجانبين وعملهما معا فى
عالمنا المستقل على نحو متزايد، هى الآن أيضا أعظم من أى وقت مضى.
وأنا
أدرك فى
الوقت نفسه حقول الألغام التى تعترض سبيل المسافر غير الخبير،
ولكنى مصمم على استطلاع هذه الطرق الصعبة. ولا شك أن
بعضا مما سأقوله سيثير الخلاف والانتقاد وسوء الفهم وربما أسوأ من ذلك. ولكن وربما
يجدر بنا أن نتذكر، على أى
حال، مثلا عربيا آخر فحواه " ما تنبس به الشفتان
تلتقطه الأذنان، وما يجود به القلب يصل إلى صميم
القلب".
الحقيقة
المحزنة أنه على رغم التقدم فى مجال التكنولوجيا ووسائل الاتصال
فى
النصف الثانى من القرن العشرين، وعلى رغم سفر الناس على
نطاق واسع واختلاط الأجناس وإماطة اللثام- أو هكذا نعتقد- عن الكثير من ألغاز هذا
العالم، فإن سوء الفهم بين الإسلام والغرب لا يزال مستمرا، بل ربما أخذ يزداد.
إن
سوء الفهم هذا، بالنسبة إلى الغرب، لا يمكن أن يكون حصيلة الجهل، هناك مليار مسلم فى
شتى أرجاء العالم، ويعيش الملايين منهم فى بلدان الكومنولث ، وهناك عشرة
ملايين مسلم أو أكثر فى الغرب بينهم نحو مليون فى بريطانيا. إن جاليتنا
الإسلامية تنمو وتزدهر منذ عقود فهناك نحو 500 مسجد فى بريطانيا، والاهتمام الشعبى
بالثقافة الإسلامية يتنامى بسرعة. ولابد أن الكثيرين
منكم يتذكرون المهرجان الإسلامى الرائع الذى افتتحته جلالة الملكة
عام 1976م واعتقد أن بعضكم شارك فيه، إن الإسلام يحيط بنا من كل جانب، ومع ذلك
يستمر الشك والخوف، ولا ريب فى أن فرص السلام فى
عالم التسعينات بعد انتهاء الحرب الباردة أصبحت الآن أعظم مما كانت فى أى وقت مضى خلال هذا القرن، ففى الشرق الأوسط أشاعت
أحداث الأسابيع الأخيرة المشجعة واللافتة للنظر أملا جديدا فى إنهاء المسألة التى
أدت إلى انقسام العالم وكانت على نحو مثير مصدرا للعنف والكراهية. ولكن الأخطار لم
تندثر، ففى العالم الإسلامى
نشاهد التدمير والتخريب المنتظمين لنسق الحياة الفريد لعرب الأهوار
في جنوب العراق. هذا النسق الذى يسود منذ آلاف السنين. إننى
أقر بأنني على مدى عام بكامله كنت انتظر الفرصة المناسبة للتعبير عن يأسى
واستنكاري للفظائع المروعة التي ترتكب فى جنوب العراق،
إنني أرى أن المفارقة الكبرى والمأسوية فيما لحق بالسكان الشيعة في العراق خصوصا
في مدينة كربلاء التاريخية وأماكنها المقدسة- هي انه بعدما حرص الحلفاء الغربيون
كل الحرص على تجنب قصف الأماكن المقدسة المعنية (أتذكر أنني رجوت الجنرال شوارتزكوف عندما التقيت به فى الرياض في كانون الأول عام 1990، أن يبذل قصارى جهده
لحماية مثل هذه الأماكن المقدسة خلال أى قتال) تسبب
صدام حسين نفسه ونظام حكمه المروع فى إلحاق الدمار فى بعض من أقدس الأماكن الإسلامية، وعلينا الآن أن نشهد تجفيف
الأهوار المتعمد والتدمير شبه الكامل لبيئة فريدة مع
سكان اعتمدوا بأكملهم على هذه البيئة منذ انبلاج فجر الحضارة البشرية ، لقد أبلغ
المجتمع الدولى أن تجفيف الأهوار
تم لأغراض زراعية. كم من الأكاذيب الفاحشة علينا أن نسمع قبل أن يتخذ إجراء فى
هذا الشأن؟ إن الأوان لم يفت حتى فى اللحظة الأخيرة لمنع وقوع الطامة
الكبرى. إننى
أرجو أن تشكل هذه المسألة، على الأقل، قضية يجمع فيها الإسلام والغرب قواهما من
أجل البشرية.
لقد أكدت على هذا المثل
بعينه لأنه من الممكن تناسيه. إننا نجد العنف والكراهية أشد وأعمق جذورا فى
أماكن أخرى من العالم، فنحن نرى كل يوم المعاناة المروعة للشعوب فى
أرجاء العالم: فى يوغوسلافيا السابقة والصومال وأنغولا
والسودان، وكثير من الجمهوريات السوفياتية السابقة.
إن
المعاناة المروعة لمسلمى البوسنة والطوائف الأخرى فى
تلك الحرب الوحشية، تساهم فى إبقاء المخاوف والأفكار، ناهيك بالنشاطات المثيرة التى
يمارسها القادة المتعصبون والمجردون من الضمير ولكن من المحزن أيضا أن الصراع
يندلع نتيجة عدم القدرة على الفهم، والعواطف الجياشة التى تؤدى، نتيجة سوء
الفهم، إلى الخوف وانعدام الثقة.
قيم مشتركة
علينا أن لا ننجرف إلى حقبة جديدة من الخطر والانقسام لمجرد أن
الحكومات والشعوب والمجتمعات والأديان لا تستطيع أن تتعايش في عالم متقلص.
ومن
الغريب من وجوه عدة أن يستمر سوء الفهم بين الإسلام والغرب. فالذى يربط بين عالمينا
أقوى بكثير مما يقسمهما والمسيحيون واليهود جميعهم " أهل الكتاب"
والإسلام والمسيحية يشتركان في النظرة التوحيدية: الإيمان بإله واحد وبأن الحياة
الدنيا فانية وبالمسئولية عن أفعالنا والإيمان بالآخرة: اننا
نشترك في كثير من القيم: احترام المعرفة والعدل والرأفة بالفقراء والمحرومين
وأهمية الحياة العائلية واحترام الوالدين، فقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى
مشيرا إلى الوالدين )فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما((1).
وتاريخ عالمينا مترابط على
نحو وثيق ولكن هناك أصلا للمشكلة،فمعظم ذلك التاريخ تميز بالصراع وكثيرا ما اتسمت
فترة الأربعة عشر قرنا أيضا بالعداء المتبادل. وقد أدى ذلك إلى نشوء تقليد دائم من
الخوف والشك، لأن عالمينا غالبا ما ينظران إلى ذلك الماضى
من منظورين متعارضين. فبالنسبة إلى تلاميذ المدارس الغربية، تعتبر الحروب الصلبية التي استمرت مائتى عام،
سلسلة من الأعمال البطولية المجيدة، حاول خلالها الملوك والفرسان والأمراء
والأطفال الأوروبيون تخليص القدس من أيدى المسلمين
الأشرار، أما المسلمون فيعتبرون الحروب الصليبية حقبة من الوحشية الشديدة وأعمال
السلب والنهب المروعة التي قام بها المرتزقة الغربيون
الكفار، وكذلك الفظائع المرعبة التي ربما كان أفضل ما يمثلها المذابح التي ارتكبها
الصليبيون عندما استردوا عام 1099 القدس التى تعد ثالث
المدن المقدسة لدى المسلمين، وبالنسبة إلينا في الغرب يعد 1492 عام البحوث
الإنسانية والآفاق الجديدة عام كولومبوس واكتشاف
الأمريكتين، أما بالنسبة إلى المسلمين فإن عام 1492 هو عام مأساوى
حيث سقطت قرطبة فى أيدى فرديناند وإزابيلا وانتهت بذلك
ثمانية قرون من الحضارة الإسلامية فى أوروبا. المسألة فى اعتقادى ليست فى تحديد أى
من الصورتين أكثر صحة من الأخرى أو أيهما تتنكر للحقيقة، المسألة هى سوء التفاهم الذى ينشأ عندما نفشل فى
تقدير رؤية الآخرين للعالم وتاريخه وأدوارنا فيه.
ونتيجة
نظرتنا إلى تاريخنا فى الغرب فإن الإسلام غالبا ما يعتبر تهديدا، أى كفاتح عسكرى فى
العصور الوسطى، وكمصدر لعدم التسامح والتطرف والإرهاب فى
العصر الحديث، وفى إمكان المرء أن يفهم كيف أدى فتح القسطنطينية التى سقطت في يد السلطان محمد عام1453 والهزائم المتلاحقة
للأتراك خارج فيينا عامى1529و1683 إلى تسرب الخوف إلى
نفوس الحكام الأوروبيين وتاريخ البلقان فى ظل الحكم العثمانى يوفر أمثلة على الوحشية التى ضربت جذورا عميقة فى مشاعر الغربيين، ولكن التهديد لم يكن فى اتجاه واحد فحسب،
فبعد غزو نابليون بونابرت لمصر عام 1798 وما تلاه من غزوات وفتوحات فى
القرن التاسع عشر، تغيرت الصورة. وأصبحت الدول الغربية تحتل كل العالم العربى تقريبا وبدا أن انتصار أوروبا على المسلمين اكتمل بعد
سقوط الإمبراطورية العثمانية.
صحيح
أن أيام الفتوحات انتهت. لكن موقفنا من الإسلام لا يزال
يعانى حتى الآن لأن أسلوب فهمنا له اختطفه التطرف والسطحيات.
التطرف
ليس سمة إسلامية
الكثيرون
في الغرب ينظرون إلى الإسلام بمنظار الحرب الأهلية المأسوية فى لبنان وأعمال القتل
والتفجير التى تقوم بها
جماعات متطرفة فى الشرق الأوسط، وبمنظار ما أشير إليه عموما بعبارة "
الأصولية الإسلامية" لقد عانى حكمنا على الإسلام والتحريف الجسيم نتيجة
اعتبار أن التطرف هو القاعدة، إن هذا، أيتها السيدات والسادة، خطأ جسيم فهو مثل
الحكم على نوعية الحياة في بريطانيا من خلال وجود جرائم القتل والاغتصاب والاعتداء
على الأطفال وإدمان المخدرات. صحيح أن التطرف موجود ولابد من معالجته، ولكنه عندما
يستخدم أساسا للحكم على أى مجتمع فإنه يؤدى إلى التحريف
والإجحاف.
فمثلا
كثيرا ما يجادل الناس فى هذه البلاد بأن قوانين الشريعة فى العالم الإسلامى قاسية ووحشية ومجحفة. ويروق لصحفنا فى
المقام الأول أن تروج هذه الأفكار الاعتباطية الطائشة، والحقيقة بالطبع مختلفة
وأكثر تعقيدا على الدوام. وفهمى الشخصى هو أن النواحى المتطرفة مثل بتر الأيدى
نادرا ما تمارس. ولابد أن المبدأ الموجه وروح الشريعة
الإسلامية المستمدين من القرآن الكريم ينصان على
الإنصاف والرحمة.
إن
علينا أن ندرس التطبيق الفعلى للشريعة قبل أن نصدر أحكامنا.
وعلينا
أن نميز بين أنظمة العدالة التى تدار باستقامة وأنظمة العدالة
كما نراها فى
قيد التطبيق والتى تكون قد حرفت لأغراض سياسية وتحولت شيئا لم يعد إسلاميا.
علينا أيضا أن نتذكر النقاش الحاد فى العالم الإسلامى
نفسه حول مدة شمولية الشرعية وأبديتها والدرجة التى
يتغير فيها ويتطور تطبيق القانون باستمرار.
وعلينا
أيضا ان نميز بين الإسلام وعادات بعض الدول الإسلامية.
وثمة موقف اعتباطى غربى واضح
أخر هو الحكم على وضع المرأة فى المجتمع الإسلامى
من خلال الحالات المتطرفة، مع أن الإسلام ليس متماثلا فى كل البلدان، والصورة
ليست بسيطة. أرجو أن تتذكروا إن دولا إسلامية مثل تركيا ومصر وسوريا منحت نساءها
حق التصويت فى
الفترة نفسها التى منحت فيها أوروبا نساءها الحق نفسه بل وقبل فترة طويلة من
اتخاذ سويسرا الخطوة نفسها.
وفى
هذه البلاد تتمتع النساء منذ وقت طويل بالمساواة في مجال الأجور والفرصة للقيام
بدور عملى
كامل فى
مجتمعاتهن. كما أن القرآن الكريم نص قبل ألف ومائتى عام
على حقوق المرأة المسلمة فى التملك والإرث وبعض الحماية في حال الطلاق وممارسة
التجارة، وإن تكن هذه الحقوق لا توضع موضع التطبيق فى جميع الأماكن. وفى
بريطانيا على الأقل كان بعض هذه الحقوق قريبا حتى جيل جدتى.
لقد أصبحت بنا زير بوتو، والبيغوم
خالدة ضياء رئيستين للوزراء فى مجتمعيهما التقليديين عندما شهدت
بريطانيا أول رئيسة وزراء منتخبة فى تاريخها. إن هذا على ما أعتقد
ليس سمة من سمات مجتمع من العصور الوسطى، والنساء لا يصبحن آليا مواطنات من الدرجة
الثانية لأنهن يعشن فى بلدان إسلامية ونحن لا نستطيع أن نحكم على وضع المرأة فى
الإسلام فى شكل صحيح إذا أخذنا أكثر الدول الإسلامية
محافظة كمثل على الدول الإسلامية. فارتداء النساء للحجاب مثلا ليس عاما فى
كل أرجاء العالم الإسلامى والواقع أننى دهشت حين علمت أن عادة ارتداء
النساء للحجاب ترجع إلى حد كبير إلى التقاليد البيزنطية والساسانية
ولا علاقة لها بالرسول محمد، وهناك بعض النساء المسلمات اللواتى لم يرتدين الحجاب
أبدا فى
حين أن أخريات أقلعن عن ارتدائه في حين أن بعض النساء- خصوصا جيل الشابات- اخترن فى
الفترة الأخيرة أن يرتدين الحجاب أو منديل الرأس كتعبير شخصى..
عن هويتهن الإسلامية. ولكن لا يجوز لنا أن نخلط بين
اللباس المحتشم الذى نص عليه القرآن الكريم للرجال والنساء على حد سواء
والمظاهر الخارجية للعادات العلمانية أو المركز الاجتماعى
التى
ترجع هى
أصلها إلى أماكن أخرى.
علينا فى
الغرب أيضا أن نفهم نظرة العالم الإسلامى إلينا. فالمرء لا يجنى مكسبا، بل
يتسبب فى
كثير من الأذى إذا رفض تفهم مدى التخوف الحقيقى لكثير
من الناس فى
العالم الإسلامى من ماديتنا الغربية " وثقافتنا الشعبية باعتبارهما
تحديا فتاكا لثقافتهم الإسلامية ونسق حياتهم الإسلامى،
وقد يظن بعضنا أن الزخارف المادية لمجتمعنا الغربى التى نصدرها إلى العالم الإسلامى
مثل التليفزيون ووجبات الطعام السريعة، والأجهزة الإلكترونية التى نستعملها فى
حياتنا اليومية. إنما تنطوى على تأثير جيد فى
ذاتها وتستهدف العصرية، ولكننا نسقط فى فخ الغطرسة المقيتة إذا نحن
خلطنا بين " العصرية " فى البلدان الأخرى وتحويلها أشباها
لنا.
وحقيقة
الأمر هي أن شكل المادية لدينا يمكن أن يجرح مشاعر المسلمين الأتقياء، ولا أعنى
بذلك فقط المتطرفين بينهم، علينا أن نتفهم رد الفعل هذا بمقدار ما على العالم الإسلامى أن يتفهم موقف الغرب من بعض النواحى
الصارمة فى الحياة الإسلامية. وعلينا
أن نحذر تلك التسمية المثيرة للعواطف " الأصولية " ونميز كما يفعل
المسلمون أنفسهم بين دعاة الصحوة الدينية الذين يختارون ممارسة دينهم بأعلى درجات
التقوى والمتعصبين. أو المتطرفين الذين يستخدمون هذه التقوى لأغراض سياسية وبين
الأسباب الدينية والاجتماعية والسياسية لما يمكن أن نسميه على نحو أدق الصحوة
الإسلامية، شعور قوى بخيبة الأمل من جراء الإدراك أن التكنولوجيا الغربية والأشياء
المادية ليست كافية وأن مغزى أعمق للحياة يكمن فى مكان
أخر في جوهر العقيدة الإسلامية.
وعلينا
فى الوقت نفسه ألا ننساق وراء الاعتقاد أن التطرف هو
سمة المسلم وجوهره... فالتطرف ليس حكرا على الإسلام، بل ينسحب
على ديانات أخرى بما فيها الديانة المسيحية. والغالبية العظمى من المسلمين يتسمون
بالاعتدال من الناحية السياسية، وأن يكونوا شخصيا أتقياء ودينهم هو "دين
الاعتدال" والنبى محمد نفسه كان يمقت التطرف دائما
ويخشاه. ولعل الخوف من الصحوة الإسلامية الذي ميز الثمانينات أخذ يتحول الآن في
الغرب إلى تفهم للقوى الروحية الحقيقية الكامنة وراء هذا المد. ولكن إذا كان لنا
أن نفهم هذه الحركة المهمة علينا أن نتعلم التمييز في شكل واضح بين ما تؤمن به الغالبية العظمى من المسلمين، وأعمال العنف المروعة التي
تقوم بها أقلية صغيرة بينهم والتى
يتعين على الناس المتحضرين في كل مكان أن يدينوها. وإذا كان هناك مقدار كبير من
سوء الفهم في الغرب لطبيعة الإسلام، فان هناك أيضا مقدارا مساويا من الجهل بالفضل
الذي تدين به ثقافتنا وحضارتنا للعالم الإسلامى، وأعتقد أن هذا الفشل ينبع من النظرة الجامدة إلى
التاريخ التى ورثناها. فالعالم الإسلامى
فى العصور الوسطى من آسيا الصغرى إلى شواطئ الأطلسى كان عالما ازدهر فيه البحاثة المختصون ورجال العلم،
ولكن بالنظر إلى إننا نميل إلى اعتبار الإسلام عدوا للغرب ونظام عقيدة وثقافة
ومجتمعا غريبا، فقد جنحنا إلى تجاهله ومحو أهميته بالنسبة إلى تاريخنا. فقد قللنا مثلا من أهمية 800 عام من المجتمع والثقافة
الإسلامية في أسبانيا بين القرنين الثامن والخامس عشر.
الإسلام تمكن أن يعلمنا
طريقا للتفاهم والعيش
لقد
تم الاعتراف منذ عهد طويل بمساهمة أسبانيا في ظل الحكم الإسلامى
في المحافظة على العلوم
والمعارف الكلاسيكية خلال عصور الظلام، وفى وضع اللبنات الأولى للنهضة الأوروبية.
ولكن أسبانيا في عهد المسلمين كانت أكثر من مجرد مخزن حيث احتفظت بالمعارف والعلوم
الإغريقية التى استفاد منها فيما بعد العالم الغربى العصرى الذي أخذ فى الظهور. فأسبانيا فى عهد
المسلمين لم تقم فقط بجمع المحتوى الفكرى للحضارة
اليونانية والرومانية وحفظه، بل فسرت تلك الحضارة وتوسعت فيها وقدمت مساهمة مهمة
من جانبها فى كثير من مجالات البحث الإنسانى،
فى العلوم والفلك والرياضيات والجبر (الكلمة نفسها
عربيا) والقانون والتاريخ والطب وعلم العقاقير والبصريات والزراعة والهندسة
المعمارية وعلم الدين والموسيقى. وقد ساهم ابن رشد وابن زهر على غرار نظيريهما ابن
سينا والرازى فى الشرق فى دراسة الطب وممارسته فى طرق
استفادت منها أوروبا لقرون عدة بعد ذلك.
لقد
شجع الإسلام البحث والتنقيب وحافظ عليهما. وثمة قول
مأثور جاء
فيه
" أن حبر العالم أقدس من دم شهيد" لقد كانت قرطبة فى
القرن العاشر أكثر المدن تحضرا فى أوروبا. فنحن نعرف عن
وجود مكتبات عمومية فى أسبانيا، فى
الوقت الذي كان الملك الفرد يرتكب أخطاء جسيمة فى فنون
الطبخ فى هذه البلاد. ويقال إن مكتبة حاكم قرطبة كانت
تضم 400 ألف مجلد أي ما يزيد على عدد الكتب فى جميع
المكتبات فى بقية أوروبا معا. وقد كان ذلك ممكنا لأن
العالم الإسلامى اكتسب من الصين مهارة صنع الورق قبل
أكثر من أربعمائة عام من حصول أوروبا غير المسلمة على تلك المهارة. كما أن كثيرا من المزايا التي تفخر بها
أوروبا العصرية جاءت أصلا من أسبانيا أثناء الحكم الإسلامي. فالديبلوماسية
وحرية التجارة والحدود المفتوحة وأساليب البحث الأكاديمي وعلم الانتربولوجيا
وآداب السلوك والموضة والطب البديل والمستشفيات جاءت كلها من تلك المدينة العظيمة.
وقد كان الإسلام فى العصور الوسطى دينا يتسم بمقدار
ملفت للنظر من التسامح بالنسبة إلى تلك الحقبة. فقد منح اليهود والمسيحيين الحق فى ممارسة معتقداتهم الموروثة، وكان بذلك قدوة لم تحتذ بها للأسف دول كثيرة في الغرب. والمدهش أيتها السيدات
والسادة، هو مدى تشكيل الإسلام جزءا من أوروبا لفترة زمنية طويلة أولا فى أسبانيا ثم فى البلقان ومدى
مساهمته فى الحضارة بكاملها. إن الإسلام جزء من ماضينا
وحاضرنا فى جميع مجالات البحث الإنسانى.
وقد ساهم فى إنشاء أوروبا العصرية إنه جزء من تراثنا
وليس شيئا منفصلا عنه.
وعلاوة
على ذلك فإن الإسلام يمكن أن يعلمنا طريقة للتفاهم والعيش فى
العالم، الأمر الذي فقدته الديانة المسيحية مما أدنى إلى إفقارها. ويكمن. فى جوهر الإسلام محافظته على نظرة متكاملة إلى الكون،
فالإسلام- وعلى غرار الديانتين البوذية والهندوسية- يرفض الفصل بين الإنسان
والطبيعة، والدين والعلم، والعقل والمادة، وحافظ على نظرة غيبية وموحدة للبشر
والعالم من حولهم ولاتزال فى
جوهر الديانة المسيحية نظرة متكاملة لقداسة العالم وشعور واضح بالوصاية والمسئولية
عن محيطنا الطبيعى، يقول الشاعر ومؤلف التراتيل المبدع
من القرن السابع عشر جورج هر برت:
" عندما ينظر إنسان
إلى الزجاج،
قد
تبقى عينه مسمرة عليه،
أو
يمكن أن يخترقه بنظرة إن أراد،
وعندها
يبصر السماء ".
ولكن
الغرب فقد هذه الرؤية المتكاملة للعالم تدريجيا مع ظهور كبورنيكوس
وديكارت ومجيء الثورة العلمية. ولم تعد الفلسفة الشاملة للطبيعة جزءا من معتقداتنا اليومية. ولا يسعنى
إلا أن أشهر، أننا لو تمكنا الآن من اكتشاف هذه النظرة السابقة والشاملة للعالم من
حولنا من جديد لسبر معناه الأعمق وفهمه لأمكننا البدء فى
الابتعاد عن الميل المتزايد فى الغرب نحو العيش على سطح
محيطنا حيث ننكب على دراسة عالمنا بغية استغلاله والهيمنة عليه، محولين التناغم
والجمال إلى اختلال فى التوازن وفوضى. ومن المؤسف كما
أعتقد أن العالم الخارجى الذي أنشأناه
خلال بضع مئات السنين الماضية، قد أصبح من وجوه عدة يعكس شعورنا الداخلى المقسم والمشوش. لقد أصبحت الحضارة مولعة بالكسب واستغلاله على نحو متزايد بما يتنافى مع
مسئولياتنا البيئية.
إن
هذا الشعور الهام بالوحدانية والوصاية على الطابع القدسى
والروحى للعالم من حولنا شئ
مهم يمكن أن نتعلمه من جديد من الإسلام. إننى على ثقة
بأن البعض سيسارع إلى اتهامى- كما يفعل عادة- إني أعيش فى الماضى وإنني ارفض التأقلم مع
الواقع والحياة العصرية. أيتها السيدات والسادة 00 ان
الأمر على عكس ذلك فما أدعو إليه هو فهم أوسع وأعمق ومتأن اكثر
لعالمنا. إنني أدعو إلى إيجاد بعد غيبى إضافة إلى البعد
المادى لحياتنا بغية استعادة التوازن الذي تخلينا عنه والذى اعتقد أن غياب سيثبت أنه مدمر فى
الأمد الطويل. وإذا كانت أساليب التفكير الموجودة فى
الإسلام والديانات الأخرى يمكن أن تساعدنا فى هذا
السبيل فإن هناك أشياء يمكن أن نتعلمها من نظام العقيدة هذا والتي أرى إننا
نتجاهلها في شكل يلحق بنا الخطر.
أيتها
السيدات والسادة.. إننا نعيش
الآن في عالم واحد يتميز بالاتصالات الفورية عبر التليفزيون على نطاق لم يحلم به أجدادنا. والاقتصاد العالمي يعمل في شكل كيان متكامل. ان مشكلات المجتمع ونوعية الحياة والبيئة عالمية فى أسبابها وأثارها ولم يعد فى وسع
أي منا أن يحلها وحده. والعالمان الإسلامي والغربي
يشتركان في مشكلات تهمنا جميعا. كيف نتكيف مع التغير فى
مجتمعاتنا وكيف نساعد الشباب الذين يشعرون بأنهم غرباء عن ذويهم أو قيم مجتمعهم
وكيف نتعامل مع مشكلة مرض الإيدز والمخدرات وتفكك العائلة؟ من
الطبيعي أن هذه المشكلات تتفاوت في- طبيعتها وشدتها بين مجتمع وأخر. فمشكلات
الأحياء الشعبية فى مدننا ليست مطابقة لمثيلاتها فى القاهرة أو دمشق ولكن التشابه كبير في التجربة الإنسانية،
ومن الأمثلة على ذلك تجارة المخدرات العالمية، وثمة اّخر
هو الضرر الذي يلحقه في شكل جماعي ببيئتنا. ان علينا أن
نعمل معا لحل هذه المشكلات التي تهدد مجتمعاتنا وحياتنا، فمجرد تعرفنا على بعضنا
البعض يمكن أن يؤدى إلى تحقيق العجائب، إننى أتذكر
بوضوح- مثلا- عندما اصطحبت مجموعة من المسلمين وغير المسلمين قبل بضعة أعوام
للاطلاع على مركز مارليبون الصحي في لندن الذي أتولى
رعايته لقد كان الحماس والتصميم اللذان أسفرت عنهما تلك التجربة المشتركة مشجعة
للغاية.
أيتها
السيدات والسادة.. إن علينا أن
نتعلم تفهم بعضنا البعض، وعلينا أن نعلم أبناءنا من الجيل الجديد الذين قد تختلف
مواقفهم ونظرتهم الثقافية عنا كي يتمكنوا من الفهم أيضا. علينا
أن نظهر الثقة والاحترام المتبادل والتسامح إذا كان لنا أن نعثر على القاسم
المشترك بيننا، ونعمل معا لإيجاد الحلول. إن أسلوب
المبادرة الاجتماعية الذي تتبعه الجمعية التي أتولى رعايتها ومشروع المتطوعين
الناجح للغاية الذي نظمته لبضعة أعوام يظهر أن مدى ما يمكن إنجاز. من خلال الجهد
المشترك الذي يتجاوز الطبقات والثقافات والأديان.
لم
يعد في وسع العالمين الإسلامى والغربى
أن يسمحا للانقسام أن يمنعهما من بذل جهد مشترك لحل مشاكلهما المشتركة. ولا يسعنا
أن نبعث من جديد مجابهات الماضى من إقليمية وسياسية،
علينا أن نطلع بعضنا البعض على تجاربنا ونشرح مواقفنا لبعضنا البعض ونتفاهم
ونتسامح ونبنى على أساس المبادئ الإيجابية التي تشترك فيها ثقافتنا. ولابد أن تكون
هذه المشاركة في اتجاهين ويحتاج كل منا أن يفهم أهمية المصالحة والتدبير، وان نفتح
عقولنا وقلوبنا لبعضنا البعض إنني على قناعة تامة بأن العالمين الإسلامى والغربى يمكن أن يتعلما
الكثير من بعضهما البعض فكما أن مهندس النفط في الخليج يمكن أن يكون أوروبيا، فإن
جراح زراعة القلب في بريطانيا يمكن أن يكون مصريا. وإذا كانت هذه الحاجة إلى
التسامح والتبادل تصح على المستوى الدولى، فإنها تنطبق
وبقوة خاصة ، داخل بريطانيا نفسها. فبريطانيا مجتمع متعدد الأجناس والثقافات.
وكنت
ذكرت في البداية حجم الجالية الإسلامية التي تعيش في شتى أرجاء بريطانيا سواء فى البلدان الكبيرة مثل براد فورد أو في القرى الصغيرة
الواقعة فى مناطق نائية مثل ستورناواى
فى غرب اسكتلندا. هؤلاء الناس أيتها السيدات والسادة هم
ذخر لبريطانيا فهم يساهمون فى كل مناحي اقتصادنا فى الصناعة والخدمات العامة والمهن والقطاع الخاص. إننا نجد بينهم المدرسين والأطباء والمهندسين والعلماء. انهم يساهمون فى مصالحنا
الاقتصادية كدولة، ويغنون الثروة الثقافية. فى بلادنا. ولكن التسامح والفهم يجب أن يكونا فى اتجاهين طبعا. فبالنسبة إلى غير المسلمين بيننا، قد يعنى
ذلك احترام ممارسة الشعائر اليومية فى العقيدة
الإسلامية والحرص على تجنب القيام بأى أفعال يحتمل أن
تسبب إساءة عميقة. أما بالنسبة إلى المسلمين فى
مجتمعنا، فهناك حاجة إلى احترام تاريخ بلادنا وثقافتها ونسق الحياة
المستمد منها، وموازنة حريتهم فى المحافظة على شخصيتهم
مع تقدير أهمية الاندماج فى مجتمعنا. وحيثما شهدنا فشلا
فى التفاهم والتسامح، فإن هناك حاجة على عتبة ديارنا،
إلى توفيق كبر بين مواطنينا. إننى أمل آن نتعلم جميعنا إظهار ذلك
بينما يتنامى التفاهم بين هاتين الطائفتين من السكان.
إنني لا أملك إلا أن أعبر عن الإعجاب والتقدير لأولئك الرجال والنساء الذين ينتمون
إلى طوائف عدة والذين يعملون من دون كلل فى لندن وجنوب
ويلز والمدلاندز وأماكن أخرىالتشجيع
العلاقات الجيدة بين السكان. ومركز الدراسات الإسلامية والعلاقات المسيحية
الإسلامية فى برمنجهام هو مثال مرموق وناجح فى شكل خاص فى هذا المجال. وأعتقد
أن علينا أن نشعر بالامتنان للتفانى والقدوة الحسنة التى يوفرها أولئك الذين كرسوا أنفسهم لقضية تشجيع التفاهم.
أيتها
السيدات والسادة..إذا كانت أنظاركم وقعت خلال النصف ساعة
الماضية على التصوير البديع للحقيقة وهى تهبط على الفنون والعلوم فى السقف الذي صممه سير روبرت ستريتر
فوقكم، فإننى واثق بأنكم لابد أن تكونوا قد لاحظتم
الجهل وقد طرد بعنف من الحلبة إلى هناك أمام صندوق الأرغن، إننى
أشعر ببعض العطف على الجهل وآمل أن أتمكن من مغادرة هذا المسرح فى وضع أفضل من ذلك بعض الشيء ولكن قبل أن أنصرف لا يسعنى إلا أن أؤكد بقوة على القضايا التي حاولت التطرق إليها
على نحو غير كامل إن هذين العالمين الإسلامى والغرب قد
وصلا الآن إلى ما يشبه مفترق الطرق فى علاقاتهم ولا
يجوز أن ندعهما يفترقان، وأنا لا أوافق على مقولة أنهما يتجهان نحو صدام فى عهد جديد من الخصومة والعداء، بل إنني على اقتناع تام بأن
لدى عالمينا الكثير لكى يقدماه إلى بعضهما البعض، وهناك
الكثير مما يتعين أن نقوم به معا. إننى
سعيد لأن الحوار قد بدأ فى بريطانيا وأماكن أخرى، ولكن
سيظل علينا أن نعمل بجد واجتهاد كى يفهم بعضنا بعضا
ونزيل أى سموم بيننا ونقضى على شبح الشك والخوف. وكلما
قطعت شوطا أطول على هذا الدرب، تحسنت نوعية العالم الذى
سنقيمه لأبنائنا وأجيالنا المستقبلية.
المراجع
(1)
1لإسراء 23.