تاريخ وفلسفة الأديان
فى المدارس والجامعات
ا لأستاذ/ على رضا
مدير المركز الإسلامى
كولومبيا
الحوار بين الإسلام والغرب
إصلاحات أكاديمية وتربوية
متبادلة
(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)
(1).
مقدمة: خوليان أرتورو
ذباتا فليثيانو (على رضا).
الموضوع:- أحداث مقرر
إلزامى عن" تاريخ وفلسفة الأديان
" فى المدارس والجامعات.
إن حياتى كرجل ولد فى ظل تقاليد الغرب. ثم اتخذ الإسلام كدين وحضارة علمتنى أن طرق انتشار الدين الإسلامى
لا يمكن أن تكون واحدة فى كل الثقافات، فالإرث العلمانى الذى ساد نصف كرتنا
الأرضية منذ عصر النهضة قلب كثيرا من القيم، وما القلق الوجودى
الرهيب إلا دليل على ذلك والانقسام العميق بين ما هو دينى
وما هو دنيوى بين العلم والدين، بين الأخلاق العامة
والأخلاق الخاصة، بين الروحانية والنشاط الاجتماعى، بين
التاريخ الدينى والتاريخ الدنيوى،
الفن الدينى والفن الحضارى.
كل هذا أدى إلى إنسان متوحد مع مجتمع غارق في الأهواء، يطالب كل يوم بالمزيد من
الحقوق، ولا يقوم حتى بالقليل من الواجبات حيث أن الموضة هى الحقوق الإنسانية لا
الحقوق الإلهية. ففي عالم قد تحول بسرعة إلى مسرح لالتقاء الثقافات والحضارات، ليس
من الممكن الآن أن نتغاضى عن أنه توجد حضارات ناضجة قد اكتسبت حيزا في التاريخ
الحاضر والمستقبلى لكوكبنا. تلك الحضارات لديها مقترحات جادة ومبادئ يمكن أن
توحدنا أكثر من أن تفرقنا، ومثال ذلك البوذية، والهندوسية، والطوائية، والكنفوشية، واليهودية
والمسيحية.
كل هذه الديانات تقدم عناصر حقيقية للقوة الأخلاقية والروحية
والسياسية التي من الضروري أن توجه لتساهم فى تطور البشرية، وبهذه الطريقة
نبنى بيننا جميعا نموذجا لإنسان ومجتمعا أكثر عالمية، وتسامحا، وإخاء، وإنسانية
وروحانية.
ولكي نبدأ في رسم الطريق للحوار الحضارى بين الإسلام والغرب
فإنه من المطلوب حتما أن نعلم جميعا ما الذى يحملنا على إدخال إصلاحات
أكاديمية وتربوية في داخل نظمنا التعليمية، في
كولومبيا المركز الثقافى الإسلامى يحث منذ ثلاثة أعوام
على إحداث مقرر إلزامى لتاريخ الأديان فى التعليم المتوسط والعالي، أي على
مستوى المدارس الثانوية والجامعات، موضوع هذه المادة هو أن نرسخ فى
ذهن الدارس المعرفة بالمظاهر الكبرى للروحانية العالمية التي كانت ومازالت تحدد
اتجاهات العالم المعاصر، نحن جميعا ملزمون أن نشارك في تطوير ما أسميناه التقاء
الحضارات.
ولكى ننشئ هذا المقرر فمن الضرورى
إعداد كتاب يشارك فى تحضيره الزعماء الرئيسيون الدينيون والحضاريون لكل بلد، والذى
فيه كل فصل سيكتب بواسطة ممثل الدين والحضارة المذكورة وذلك حتى تتوافر فى
الكتاب الموضوعية وعدم التحيز.
وهكذا سنزود المعلم والطالب بمادة جديدة مصادرها المباشرة
غالبا ما ستكون الكتب المقدسة أو الكتب المكتوبة بواسطة علماء كبار، إلا أننا لن
نسمح بأن تكون النصوص الرئيسية التي سيدرسها الكثير من المعلمين فى
حصص أو محاضرات الدين والتاريخ أن تكون مما يحرك روح الكراهية والثأر وتشويه الحقيقة، حيث ستكون
أكثر خطرا في التحريض على عدم التسامح والعداء للحضارات الأكثر روحانية فى
التاريخ.
إن الاعتداء الظالم الذى كان ضحية له الشعوب النبيلة من
البوسنة والهرسك والشيشان فى قلب الحضارة الأوروبية المتشامخة لم يصب الإسلام وحده ولكن أيضا المسيحية العائدة
لروح الإنجيل الذى أوحى به الله
لنبيه
عيسى عليه السلام. إن العالم الإسلامي يجب أن يجعل من هذا المقرر "تاريخ
وفلسفة الأديان" عنصرا حيويا لأفكاره الأكاديمية وذلك عن طريق التعاقد مع
العلماء الكبار للديانات الأخرى وذلك بواسطة الجامعات
والمدارس الإسلامية لتعطى بذلك البداية الحقيقية للاندماج الحضاري محققين بذلك
أحسن تطبيق للآية الكريمة: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن، إن ربك هو أعلم
بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (2). إن هذه الآية تعد أفضل
آلية عملية للرقى بالحوار الداخلى بين العالم الإسلامى من ناحية والإسلام
والغرب من ناحية أخرى.
ومن جهة أخرى فإن المدرسة والجامعة هما البيئة الطبيعية لتشكيل طبقة الزعماء المستقبلية
لكل أمة، نحن المسلمين في كولومبيا وخاصة فى المركز الثقافى الإسلامى نطرح هذا الاقتراح في
الحوارات الجامعية ومناقشات حقوق الإنسان وفى أجهزة الإعلام و أمام وزارة التربية
والتعليم وأمام البرلمان.
أخوانى الأعزاء، أود أن أقول لكم
إن الموضوع يستحق الاهتمام والبحث من كافة الطوائف من الهندوسية، والبوذية،
الأرثوذكس وبعض جماعات البررتستانت وحتى المعاهد
الكاثوليكية ذات الصيت والقوة السياسية واللاهوتية مثل جامعة خابريانا
التي تنتمي لجماعة" رفقة المسيح اليسوعيون" والتي فيها احتفلنا في شهر
إبريل الماضى
ولمدة أسبوع بلقاء بين الأديان التوحيدية المتعارفة
اليهودية، والمسيحية، والإسلام، هذا وقد لقى اقتراحنا بإنشاء هذه المادة اهتماما
غير عادى.
من المهم أن نوضح أن أمريكا اللاتينية هي المعقل الأكثر أهمية والذى
بقى للمسيحية فهي الأكثر محافظة لدورها، ومع ذلك فقد وضعنا
على مائدة الحوار ذلك الموقف الرهيب وغير المتسامح
للقارة الأوروبية، ولذلك قررنا أننا لن نسمح بأية وسيلة أن يجد هذا الموقف الرهيب موطئ قدم في أرض المحررين
أمثال سيمون بوليفار وخوسيه دى سان مارتيه،
وقد أكدنا على أننا لن نسمح لعقول غير مسئولة للانضمام معنا
لتغذى روح عدم التسامح والاضطهاد الدينى
.
إن مادة " تاريخ
وفلسفة الأديان " ليس لديها فقط موضوع للتعريف بالأديان الكبرى لكن أيضا
محاولة إنقاذ العالم عن طريق عالمية الدين من تلك العلمانية والمادية السائدة في
المجتمع والتى
هى
لديه كعقيدة عليا من مظاهرها عقيدة "توحيد السوق"
من المفترض أنه سيظهر معارضون يدعون أن طبيعة هذه المادة تصعب من صيانة الحقيقة
الدينية الصحيحة والمتعارف عليها مثل الأبنية اللاهوتية العقائدية الخاصة بالدين
وتلك الطرق الروحانية النافعة للوصول إلى الله.
إن الغرب سيواجه ظاهرة مظلمة وهو ما يسمى بالعصر الجديد والذى فى حقيقته يجب أن يسمى
الفوضى الجديدة، إن العالم بسبب السأم الوجودى الذى يستشعره قد وقع فريسة
سهلة في أيدى
بعض الثرثارين الذين يستخدمون روحانية زائفة وجدوا مصادرها في التعاليم الصوفية
العالمية الكبرى فى الهندوسية، والبوذية والتكهن اليهودى والتاوتينج
الصينى
والصوفية فى
الإسلام، وقد أخذ هؤلاء الثرثارون بعض المظاهر المنعزلة لكى يصنعوا أمزجة فظيعة
من الغش والخداع والسحر وهذا هو ما أعطى جذورا للمذاهب والمدارس الشيطانية التى
لديها احتكاكات خطيرة مع سلطات كثير من الدول.
إن هذه المجامع الروحية التي توحد بين الشعوب تحاول أن تظهر
لأتباعها أنها مدارس باطنية لديها أصل فى الكتب الكبرى المنزلة من عند
الله، إن هؤلاء الأنبياء المزيفون المعاصرون يدعون نفى ما هو موجود فى
التوراة والإنجيل والقرآن تحت دعوى دين جديد مسمى" عصر المائية" والذى
فى
عمقه ما هو إلا بحر مظلم تغرق فيه العقول الساذجة تحت وهم
المعجزة السهلة. فقد وجد البعض فى هذا مادة غنية من خلالها يمكن
السيطرة على اللاوعى والإرادة للآخرين لتصنع ازدهارا أكبر للمبيعات وإدخال أكثر
سهولة للقوة ، فوفقا لهذه التعاليم الزائفة كل
إنسان يمكن أن يصل أن يكون آلها، فى
خطوط عامة نحن إزاء تحويل الروحانية إلى سلعة حيث أنه ليس العلم المجرد من كل
وظيفة أخلاقية هو وحده الذى لديه كقاعدة أساسية لإخضاع الطبيعة ولكن أيضا على كل القوى
الملهمة للبلادة الروحية، السحر، الخداع، الدجل، التكهن، كل هذا مجموع فى
خدعة اللاوعى .
إن عصرنا هو عصر الطواغيت حيث أنه يحمل من العناصر ما هو أخطر
من عصر الجهالة قبل الإسلام إذ أنه يشارك هذه الفترة في إنكار الدين، وهكذا فقد
تقابلت مع أحد الأشخاص الذين يقولون على سبيل المثال" أنا لا أعتقد فى أى دين، أنا فقط أعتقد فى
التناسخ، أو فقط أعتقد فى التنجيم، فى القوة السحرية
للأهرامات، فى
المعادن فى الأرقام، فى الكوتشينة، فى قراءه الكف إلى آخره. وقد
تساءلت أخيرا ما هو الفرق الذى يوجد بين عربى وثنى قبل الإسلام الذى
كان يستخدم عظام الثعالب لكي يبعد الأرواح الشريرة والتأثيرات
السيئة ورجل من عصرنا هذا والذى يشعر بالفخر بأنه يعيش في عصر
الرحلات الفضائية، لكنه فى نفس الوقت لكى يبعد الأرواح الشريرة التى
تعذبه أو تؤلمه يستخدم أحجارا من الكوارتز أو
هكذا يعادل مستوياته من الطاقة.
هذا المظهر الجديد من الجهالة الجديدة يمكن أن يسمى أيضا جهالة
بنيوية حيث يتملك العالم الغربى هوة لا يسبر غورها، إن شدة
العلمانية والمادية السائدة فى المجتمع الغربى أدت إلى ظهور لغة جديدة وهى ما
يسمى" سوق الروحانية " وهو الصيغة الأكثر دقة للشيطانية المعاصرة
هذه الآلية الشيطانية الجديدة التى لديها كعقيدة إيمانية المخدرات
والجنس ونهاية التاريخ والسوق الروحانية إزاء كل هذا فقط يمكن أن نضع في مواجهتها
" عمومية الدين " وأكرر أنه لكى نصل إلى هذا الحد يجب أن تكون
هناك قواعد للحوار بين الإسلام والغرب. من وجهة نظرى أن هذه القواعد يجب
أن تتضمن القليل من الإصلاحات الأكاديمية والتربوية
لتعليمنا التقليدى وإعادة النظر فى الحقائق المطلقة لدينا ولا ننسى
ذلك الحديث الجميل عن نبينا صلى الله عليه وسلم " اطلبوا العلم ولو فى
الصين " أو ذلك الحديث الذى يقول فيه" علموا
العلم ولا تنظروا لمن يأخذه "
إن مادة تاريخ وفلسفة الأديان التى
أعدها المركز الثقافى الإسلامى فى كولومبيا كاقتراح ما هى
إلا آله ذات قيمة عظيمة تساعد على تجنب تشويه الدين
بواسطة المشعوذين والكهنة والمجوس أو عن طريق الذين تغذوا من
تلك الصحف الصفراء أو فى مجتمعات الاستهلاك.
إن مادة دراسة بهذه الطبيعة ستقربنا أكثر، ومن المتوقع أنها
ستساعد الدارس من كل جانب على أن يفهم تلك العوامل التي تجمعنا، وكذا تلك التي
تفرقنا، وتلك التي تحرك الحروب بين الأديان، حيث سيجد أنها هى العدو الحقيقى
للإنسانية وللقوانين الإلهية.
فى كولومبيا نقترح أن الكتاب
أو الكتب الرسمية المحررة بواسطة السلطات الدينية المختلفة والتى سوف تكون النصوص
المرشدة، نقترح أن تمول هذه الكتب بواسطة الحكومة الكولومبية، والتى ستشكل لجنة من
الخبراء من مختلف الأديان والحضارات إلى
جانب مجموعة من المتخصصين من وزارة
التعليم وهيئة حق المواطن بالإضافة إلى نائب عن رئاسة الجمهورية كعضو مساعد فى
طريق الاتحاد.
من الضرورى أن نعلن أن القرن التاسع عشر قد
قدم محاولة هامة لدعم نظام دراسة الأديان المقارنة بين الدارسين الأوروبيين، وهذا
بفضل ما أتى إلينا من عصر التنوير والعقلانية. ولكن هذه الدراسة تقتصر فقط على
دراسة الديانات السابقة للمسيحية كمرحلة إعداد لمجىء الرسالة الإنجيلية
ولهذا لم يدرج الإسلام داخل هذا التخطيط. إلا أن ظهوره
بعد ذلك بسبعة قرون يعنى أنه يجب أن نعترف بقوته وصلاحيته كأخر الأديان الموحى بها. ومع ذلك فقد عرفت أوروبا عن البوذية أكثر مما عرفت عن
الإسلام الذى
يجب أن يكون على العكس أكثر قربا وذلك بواسطة الإرث الأسبانى الإسلامى لثمانية قرون تدين
لها نهضتها الحضارية بدين كبير.
إن نظمنا التعليمية المعاصرة قد ربت الإنسان على عدم الاهتمام
بالدين حيث ألغت الروحانية وسممت المجتمع وعلى سبيل
المثال فى
مدارسنا وجامعاتنا يتم تدريس مادتى تاريخ العالم وتاريخ الدين كل
على حدة، إن الدارس فى أيامنا هذه لا يرى الأنبياء كشخصيات تاريخية، ولكن كخرافات
وأساطير فهم يحدثونه عن موسى عليه السلام وعن المعجزات التى أتى بها مثل عبوره البحر الأحمر، وتحول العصا إلى حية، إلخ. ولكن أبدا لا يضعونه كصانع لثورة داخل الإمبراطورية
المصرية الأكثر قوة وهيمنة في عصرها، عندما كان
يحكمها مرنبتاح، كما أنهم لم يضعوا إبراهيم عليه السلام
كمتحديا للإمبراطورية الظالمة أو ردى قلديا التي كان يحكمها النمرود، ولا المسيح عليه السلام الذى
حارب الإمبراطورية الرومانية فى عهد تيبريو.
إن المعجزة الأكثر عظمة من كل معجزات
الأنبياء هي كفاحهم ضد الظلم، ضد الطواغيت، أما المعجزات
الأخرى فقد كانت إضافات وجزء من المشروع الإلهى للتربية البشرية.
هذا هو السبب الأساسي الذى عاق الإنسان فى النصف الآخر من الكرة
الأرضية فى
أن يفرق بين حكايات والت ديزنى مثل الملك الأسد وعلاء الدين
وسندريلا.. إلخ، وبين قصة موسى عليه
السلام وعبوره البحر الأحمر، والمسيح وإحياؤه للموتى وإبراؤه للأعمى.
إن الدارس ليس لديه اليقين من الوجود التاريخى لهؤلاء الرجال العظام
مثل هذا اليقين الذى لديه عن وجود نابليون، يوليوس قيصر، الإسكندر
الأكبر، بوليفار.
إن الثورة الأولى التى يجب أن نقوم بها
فى
مجتمعاتنا هى
من النوع الأكاديمى،
إذ يجب أن نقضى على ذلك الروتين الذى يفرق بين التاريخ الدينى
أو التاريخ العالمى للبشرية.
إن دراسة الأديان المقارنة فى هذا القرن قد تصدى
لها بدرجة كبيرة العالم الإيرانى سيد حسين ناصر الذى
قدم الكثير لإثراء الحوار بين الإسلام والغرب من وجهة النظر الباطنية للإسلام،
وهذا يعنى الصوفية يؤكد ناصر في كتابه المشهور " الصوفية النشطة " في
الفصل الذي يحمل عنوان "الإسلام واللقاء بين الأديان" يقول إن دراسة
الأديان بدأت في الغرب من جانب عندما- اختفى تقريبا المظهر الميتافزيقى
للديانة المسيحية- ومن جانب آخر تغلب الفلسفات الدنيوية العلمانية التى
تعارضت منذ البداية مع الفكرة نفسها وهى ما وراء المادة أو العلم المقدس أو العلم
الخفي في كل دين. إن هذا لم يدع إذا أهمية لعمل نظام من أجل
مقارنة الأديان ورؤية كل دين من وجهة النظر المختلفة وذلك حتى نكتشف جانبا آخر من
هذا الواقع المحيط. إن أي شئ يقوله الدين صحيح حيث أنه
يلقى الضوء على الطبيعة الحقيقية لهذا الدين ويساعد في شرح المقارنة بين الأديان
في المساحة الروحية التى يكون موضوعا فيها. لو إن المساحة الروحية هى
هدف من الأهداف الحاضرة فى دراسة مشكلة اللقاء بين الأديان من وجهة النظر الإسلامية،
فإن ذلك يمكن أن يكون مثمرا جدا، إذ أنه فى هذه الحالة سيكون من الممكن
التركيز على التداخلات الميتافزيقية اللاهوتية والتى
لديها حضور خاص فى الإسلام عنه فى الديانات والأعراف الدينية
الأخرى، ويؤكد ناصر أيضا، إذا استثنينا العصر الحديث بكل وسائله السريعة للاتصال، يمكن
أن نقول بكل تأكيد إن الإسلام قد كان أكثر اتصالا مع الديانات الأخرى أكثر من أى
دين آخر فى
العالم، فقد التقى مع المسيحية واليهودية فى منشئهما وأثناء الغزو الأول
فى
اتجاه الشمال، كما التقى مع الديانات الفارسية مثل الزرادتشية
والمانوية فى الإمبراطورية الساسانية، لقد امتص الإسلام ببطء مجتمعات صغيرة عاش فيها
بقايا هلينسية قديمة وخاصة ذلك المجتمع من الصهائبة والذى يعرف باسم حاران والذى
كان ميراثا للمظهر الباطنى للديانة اليونانية.
ولقد التقى الإسلام مع البوذية فى الشمال الشرقى
من فارس، وفى أفغانستان فى آسيا الوسطى كما التقى مع الهندوسية فى
السند ومؤخرا فى الكثير من أجزاء جنوب القارة الهندية، ولقد كان لديه اتصال
حى
مع الديانة المنغولية ومع الأساطير الشعبية، وخاصة عبر القبائل التركية التى
كانت تمارس أساطير المغول قبل تحولها إلى الإسلام، هذا وقد كان
مسلمو شينج يانج على اتصال
مباشر مع الديانة الصينية، على الرغم من أن التاريخ الغربى كان أكثر تأثيرا فى
الأزمات إلا أنه من المهم أن نتناول من جديد الحوارات الشهيرة بين الإمام على رضى الله عنه والممثلين للديانات الأخرى أوتلك
المدرسة للإمام جعفر الصادق والتى تحاورت مع تلامذة الديانات الأخرى فى
النصف الأخير من هذا القرن نستطيع أن نلاحظ خاصة ظاهرة تحول بعض العلماء الغربيين
إلى الإسلام أمثال دينيه جفون، تيتوس بارك هارد، افر يتجوف شوون، وخاصة هذا الأخير الذى تحدث فى
أعماله عن الأديان العالمية الكبرى.
إن من بين الإصلاحات الأكاديمية لتحسين الحوار بين الإسلام
والغرب تكون فىإعطائه
تأكيدا أكبر على الميتافزيقية منه على اللاهوتية. ومع
ذلك لا أريد أن أقول إن الفقه ليس لديه قيمة إذ أنه بالفعل نصف الإسلام، ولكن كاستراتيجية للمزج الحضارى فإن الصوفية هى
أكثر تلبية لتهدئة العطش والفضول الذى لدى الغرب عن الموضوعات الباطنية.
أقترح أن ندمر الشر بنفس سلاحه، فالمجموعات
الروحية المسماة "العصر الجديد" يجب أن نضع في مواجهتها الصوفية موجزين
معها مادة تاريخ وفلسفة الأديان في العالم الإسلامى والغربى، إن إنشاء هذه المادة
لن يكون صعبا حيث أننا جميعا قد قطعنا شوطا طويلا، وأود أن أضيف أننا إذا ما كنا
قلقين بشأن التقاء حضارتنا مع حضارات أخرى تقع خارج كوكبنا، مما يدفعنا إلى السفر
إلى عوالم بعيدة فإنه من الأفضل أن نبدأ جميعا عملا أكاديميا تربويا وحضاريا وذلك
بمساعدة كل الحكومات حتى نتعارف أفضل. إنني مقتنع تماما أن المشروع المثالى
للعالم ليس في دخوله فى اتصال مباشر مع سكان العوالم الأخرى دون أن تدرك البشرية
بغالبيتها أن الأكثر أهمية من كل الأسفار هو السفر تجاه
النفس والسفر إلى الله.
مقترحات أخرى
للحوار بين الإسلام والغرب
إن الغرب قد استنفد كل الأشكال الفنية الناتجة عن علمانيته
ومذهبه العقلانى
الراديكالى.
إن مدارس الفن بقيت دون مضمون جمالى حقيقى، فبعد المدرسة
الانطباعية والمدرسة التعبيرية، لم يعد الغرب يستطيع أن ينتج شيئا ذا قيمة فنية
عالية، ويوجد إنهاك كبير فى الفن هو نتاج مجتمع قد أنهك أيضا، فالحقيقة إن انتهاء
الإمكانيات البشرية قد أنهى الإمكانيات الجمالية، وعندما أتحدث عن الفن، فذلك لكى
أشير إلى ما هو جميل، فقد قال النبى محمد صلى الله عليه
وسلم إن "الله جميل يحب الجمال"
إن الإسلام يجب أن يعود ليغمر الفن فى الغرب، إن الحكومات
الإسلامية يجب أن تتحول أكثر لنشر فنها المستوحى من الذين الإسلامى، ليس من القلة بمكان
أن نذكر أن المادة التى تتكلم عن هذا النظام فى السفارات التابعة
لدول العالم الإسلامى فى الغرب فقيرة جدا، فهى تخلو من البرامج، الأفيشات، الصور، الأفلام أما
المنتج السينمائى فهو غير مستقر فى خطوطه العامة.
يقول العالم الاجتماعى الشهير على شارباتى
في كتابه "الفن" (إن العلم هو صراع الإنسان من أجل معرفة ما هو موجود،
أما الفن والصناعة فيمكن تعريفهما كوسائل للكفاح العقلى من أجل الاستفادة
بقدر الإمكان بما هو موجود، إن الفن يتألف من كفاح الكائنات البشرية من أجل الحصول
على منافع من المحتمل وجودها، ولكنها لا توجد.
وبالتالى فإن الكائن البشرى الذى
يرى نفسه وحيدا يريد أن يبدأ عن طريق الفن علاقة تربطه مع هذه الأرض ومع السماء.
وهكذا فإن واحدة من الأشياء التى
يجلبها الفن هى
أنه يساعد على تقليل أو خفض الشعور بالوحدة للكائن البشرى، ذلك الذي جلبه الإنسان
لنفسه.
عندما انهار العالم اليونانى اللاتينى، ساد الغرب بشاعة
وقبحا، وكان الإسلام بالتحديد هو من أزال هذه البشاعة وأعاد إحضار الجمال إلى
أوروبا، لكنه لم يكن جمالا مجردا، إنه جمال لا يفصل بين الله والمجتمع، إن الفصل
بين الفن المقدس "الدينى" والفن الدنيوى قد أدى إلى ردود
أفعال ما زالت مدمرة حتى الآن، فقد ساعد على ازدياد الضيق للإنسان المعاصر. منذ عامين فى
السوق الدولى للكتاب فى بوجوتا،
والذى
نشارك. فيه سنويا، تقابلت مع مدير فرع أسبانيا، ومتحدثا عن الإرث الإسلامى فى أسبانيا قال لى: " هل تعرف حضرتك أن
الأسبان لا زالوا حتى الآن يعيشون على الإسلام" وقد سألته بسبب الدهشة وللتأكيد (وقد أجابنى)" إن المصدر
الأكبر للدخل فى أسبانيا يعتمد على مفهوم الصناعة
السياحية وما يريد أن يراه الناس فى أسبانيا ليس فن البروك بل قصر
الحمراء ومسجد قرطبة الجامع والخيرالده " دوارة الرياح" بأشبيلية.
إن ما أدهشنى أكثر هو أنه إذا قمتم حضراتكم بزيارة سفارة أسبانيا فى كولومبيا، ستجدون أن
المادة التى
تتحدث عن أسبانيا الإسلامية لا توزع، فهم فى كولومبيا يوزعون مادة عن عهدهم الإمبراطورى
الكاثوليكى ، على الرغم من هذا فلا
يزال السائح يصل إلى شبه الجزيرة الأيبرية باحثا عن
جمال ثمانية قرون تركتها الحضارة القرآنية.
إن الفن هو روح الشعوب أو هذا هو ما بقى
على قيد الحياة على الرغم من هذا النهر من
الدماء والذى
يعنى حركة الاسترداد الأسبانية.
موضوع آخر يجب على العالم الإسلامى أن يعيد تخطيطه فى
علاقته الثقافية مع الغرب ألا وهو أنه يجب أن يعطى أهمية متساوية للمساجد.
وللمراكز الثقافية، لأنه ومنذ الوهلة الأولى فإن هذه الأخيرة نفسيا تعطى فكرة
للزائر أن كل العالم يستطيع أن يشارك، وحقيقة هكذا تصلح لعمل مدخل حضارى
وروحانى
للظاهرة الإسلامية.
عندما يتوقف إنسان أمام مسجد فى الغرب فهو يعرف أنه
مكان خاص من أجل العبادة، إنه نفس ما يستشعره
عندما يتوقف أمام كنيسة كاثوليكية أو بروتستانتية أو معبد يهودى.
إن المساجد فى المجتمعات غير الإسلامية هى
أسلوب لاحق للتطور الحضارى والروحى لحضارتنا وليس لبدايتها، وإن
المركز الثقافى
الإسلامى
فى
كولومبيا، قد نال الكثير من النجاح، إذ أننا نقوم بالتبادل مع أكبر الجامعات فى
بلدنا، ووسائل الإعلام، والمعاهد الحكومية.
إن النجاح الأكبر للمركز الثقافى
الإسلامى
فى
كولومبيا كان فى إظهاره للرأى العام أن الإسلام ليس حضارة
مغلقة، من الصعب ممارستها بل على العكس فهو حضارة للحوار.
نجاح كبير آخر يسجل لمعهدنا
ألا وهو مساهمته بدرجة كبيرة في الحوار بين الأديان وخاصة الحوار بين الأديان
التوحيدية اليهودية والمسيحية والإسلام والموروثة عن سنة إبراهيم عليه السلام.
نحن نشارك أيضا فى الاتحاد والأخوة داخل مدارس
الفكر الإسلامى،
ونحن المؤسسون لاتحاد الأديان والحضارات فى كولومبيا الذى يشارك فيه هندوس
ومسيحيون وبوذيون ومسلمون.. إلخ.
ودون أن ندع مكانا للشك فإن المراكز الثقافية هى
معبر غير عادى من أجل الحوار الحضارى بين الإسلام والغرب
وأصوله الصريحة تحمل معها تطورا أكثر تكاملا، وهكذا سنتجنب أن تكون المساجد
كإشارات لحضارة غريبة تجهلها الحضارات الأخرى.
إن كل المقترحات المطروحة فى هذا التقرير لديها
معيار أساسى
هو الإصلاحات الأكاديمية والتربوية التى من الضرورى أن تتقدم إذا ما
أردنا أن نوسع دائرة الحوار بين الإسلام والغرب.
ولكى ننهى أريد أن اقترح على
المؤتمر التاسع للعالم الإسلامى أن يقوم فى العام القادم فى
شهر أكتوبر بعقد مؤتمر إسلامى عالمى كبير موضوعه التربية فى
الإسلام وتحديات القرن الحادى والعشرين وذلك لكى
يكون استمرارية لهذا الموضوع غير العادى الذى أتى بنا للبلد النبيل
مصر التى
عاش على أرضها موسى وهارون وآسيا ويوسف عليهم السلام جميعا.
والسلام عليكم ورحمة
الله
الخاتمة
إن الاقتراح الأساسى الذى أطرحه على المؤتمر الإسلامى
العالمى
التاسع هو إنشاء مادة لتاريخ وفلسفة الأديان والتى يجب أن تدرس فى مدارس وجامعات العالم
الإسلامى
والغربى
كسلاح أكاديمى
وتربوى
غير عادى والذى
سيقوى المعرفة المتبادلة بين الأديان والحضارات الكبرى، وبهذه الطريقة سيعم
التسامح والحرية والإخاء، مما سيضعف هؤلاء الذين يسعون
لتحويل القرن الحادى والعشرين إلى مسرح للحرب بين
الأديان والحضارات.
يجب أن أنبه حكومات العالم الإسلامية للضرورة الملحة لتشجيع
التعريف بالفن الإسلامى وجعله أكثر وجودا فى النشرات الموجهة للشعوب الغربية،
وتحقيق أن الفن والجمال هما وجهان لعملة واحدة.
من الضرورى أن تدعم الحكومات
والمؤسسات الدولية إنشاء المراكز الثقافية كما تدعم إنشاء المساجد لأن هذا هو
أسلوب لاحق للتطور الإسلامى وليس بداية له.
خولان أرتو رو ذاباتا "على رضا"
إمام ومدير
المركز الثقافى الإسلامى
بوجوتا- كولومبيا أمريكا الجنوبية
المراجع
ا- خبرات المركز الثقافى الإسلامى فى الثلاث سنوات الأخيرة
فى
كولومبيا مع الجامعات والمعاهد الحكومية والاهتمام المباشر بالجمهور.
2- مساهمات
المركز الثقافى
الإسلامى
فى
العديد من اللقاءات والحوارات بين الأديان مثل اللقاء من أجل السلام، مجتمع الفرنسيسكان 24 أكتوبر سنة 1996، سانتافى
دى بوجوتا، المؤتمر الأيبيرى الأمريكى للسلام ومعالجة الأزمات، جامعة خابريانا من 14 إلى 18 إبريل 1997. سانتافى
دى بوجوتا، لقاء لجنة حقوق
الإنسان كمهمة لمختلف التعبيرات الدينية، 19 إبريل 1997. 3- سيد حسين ناصر الصوفية
النشطة طبعة جردار. برشلونة1985 صفحات 162، 163.
4- على شارباتى، الفن فى انتظار المنقذ، طباعة دار الهدى،
طهران 1989 صفحات 25 ,26
5- مجلة رسالة حزقالين، المجلد الأول رقم 1 بوينس
أيرس 1995 صفحات من 90 إلى 106.
(1) سورة النحل الآية 125.
(2) سورة النحل أية: 125.