الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
نحو مستقبل مشترك

نحو مستقبل مشترك

بينالمسلمين والمسيحيين

د.عادل تيودور خورى

أستاذ بكلية اللاهوت الكاثوليكية بجامعة مونستر

مدير معهد علوم الأديان المقارنة بألمانيا

مقدمة

إن عالمنا يتخبط فى تقلبات عارمة ويسعى نحو مستقبل غامض ويزج فى حركة لا مناص منها فى وحدة لم تتضح بعد جميع معالمها. ولم يعد السؤال عن إسهام الأديان في توجيه هذه الدورة المصيرية من خصائص متهوسين قابعين فى وحدتهم ولا من مشاغل فرق غابت عنها أحوال العالم وسحرتهم أحلامهم الخاصة فى معزل عن الأحداث الحاسمة المكيفة للتاريخ وعن أرباب الثقافة والعمران وما لهم من تأثير فى الحياة.

لا، إن الأديان لا تدب أو لا تدب من بعد على هامش المجتمع. فإذا اعتبرنا عدد المؤمنين الملتزمين وعدد المنتمين إلى تراث الأديان الذين يعترفون بدينهم ولو لم يكيفوا حياتهم على مقتضى معتقدهم وإذا اعتبرنا اتساع انتشارها وتزايد اهتمام أتباعها بفعاليتها السياسية، نلاحظ أن الأديان قد عادت فأضحت عاملا لا يمكن التغافل عنه في حياة الشعوب في العالم. إن الأديان، التى تنبأ بعضهم من زمن قصير عن موتها، أدهشت نابشى قبورها بصحوة قوامها اشتداد بحث عن الله وعن السبل المؤدية إلى العمل بمشيئته، ومظاهر نهضة اجتماعية وسياسية.

     إن نهضة الأديان هذه تقوم على مقدرتها على تقديم مجموعة من القيم والمعانى التى تضفى على الحياة مغزاها وغايتها. إن الأديان تعبر عن الأسئلة الصحيحة التي لها أهميتها في حياة الإنسان وتحاول أيضا أن تقدم للناس الأجوبة الصحيحة على هذه الأسئلة المركزية. فهى بمجموعة حقائقها الخلاصية وبما تعرضه من تصورات عن الله ومحاولة لكشف حقيقة الكون والحياة والإنسان تمهد إلى توجه يساعد على التوفيق بين مهام الحاضر وعلى دمج وقائع الماضى في خبرة الحاضر وعلى تصميم ناجح للمستقبل وفيما تعود الأديان إلى مرجع إلهي ما ورائي، يمكنها. أن تقوم كناقد ومصحح في وجه شتى أنواع الاستبداد الدنيوي: استبداد الإيديولوجيات التي تسعى فى تحديد أبعاد الحاضر على حساب البحث وراء الحقيقة وعلى حساب الحرية؛ واستبداد التخيلات التي تسعى فى تحقيق أحلام مستقبلية على حساب الحاضر وحياة أبنائه؛ واستبداد التسلط والعنف التى تفرض مطالبها وكأنها تسترق قدرة الله العلى .

وإن الأديان تقدم قبل كل شىء جوابا عن السؤال عن الواجب والتصرف الأخلاقى وعن الخلاص، كمصالحة الإنسان مع نفسه وسائر البشر، وكمصالحة مع الخليقة ومصالحة مع الله.

أخيرا تقوم الأديان فى شعوب وجماعات عديدة بدور حاسم فى صياغة ذاتيتها الثقافية. فى عالم نشب فيه سباق حاد بين العقائد والنظريات المختلفة، تسعى الشعوب فى صيانة ذاتيتها الخاصة. إنها تقاوم الابتعاد عن تاريخها وتراثها والالتحاق بنظريات ومناهج غربية تفرض عليها إكراها من جانب المجتمعات  الصناعية المتفوقة اقتصاديا. وإذا بالدين والثقافة التى نشأت على أسسه واصطبغت بصبغته يبسطان للشعوب قواعد ذاتيتها الثقافية. ومع الاهتمام بصيانة الذاتية ترى الشعوب نفسها متوجهة إلى التعايش مع التقاليد والثقافات الأخرى، لكي يمكن أن يقوم من وراء حدود الذاتية الخاصة نظام قيم أساسية موحد يساعد على تشييد عالم واحد ويساند قيام ثقافة عالمية (1) ثقافة لا تعمل على تسوية جميع العناصر فى العالم بل تتجلى فى مظهر متعدد الألوان.

فى وضع العالم هذا، الذي تجابهه الأديان، ليس لنا جميعا، نحن مؤمنو الأديان المختلفة فى العالم، سوى سبيل واحد إلى المستقبل، سبيل التفاهم والحوار الأخوى (2) والتعاون للتغلب على عداوات الماضى والإعداد لتحقيق جماعة الأديان المسكونية.

أولا: تخطى الماضى وأعبائه

إن المسيحيين والمسلمين مدفوعون فى هذه المسيرة، لا يمكنهم الوقوف على الحياد فى وقفة المتفرج. إنهم بعددهم الذي يبلغ ثلاثة مليارات تقريبا ينعمون بمقدرات ضخمة. وعليهم في وعيهم لواجبهم تجاه أنفسهم وتجاه العالم كله أن يضطلعوا بمسئوليتهم المشتركة تجاه حاضر البشرية ومستقبلها. ولكن هل نكون جديرين بالقيام بهذا الواجب قياما صحيحا؟

إنه سيكون طريقا طويلا وعرا، هذا الطريق الذى سيؤدى إلى التغلب على تاريخنا الحافل بالعداوة والتهجم، وعلى حاضرنا الذى يعكر صفاءه عدم الثقة والمنافسة، وإلى البلوغ إلى مستقبل يضحى فيه المسيحيون والمسلمون شركاء وأصدقاء ويسهمون معا فى بناء الأسرة البشرية الواحدة.

إن العلاقات بين المسيحيين والمسلمين فى تاريخهم المشترك الطويل كانت متسمة بالمجابهة والصدام. فكلما حاول المسلمون إثبات حضورهم والجهر بمطالبهم أفاقت فى صدور المسيحيين والذين يرتبط تاريخهم وثقافتهم بالتراث المسيحي، مشاعر غامضة تبعث على التساؤل الحائر والغضب والتهجم. وبالعكس كلما حاول المسيحيون إعادة النظر فى موقفهم من الإسلام، تخوف المسلمون من اندلاع  ملة صليبية جديدة أو محاولة لفرض الاستعمار الغربى، ذلك الاستعمار الذى لم ينته إلا منذ زمن قريب.

وهكذا فإن المسيحيين والمسلمين، منذ نشأة الإسلام والفترة الأولى من انتشاره حتى يومنا هذا، قريبون بعضهم من بعض وفى الوقت نفسه بعيدون بعضهم عن بعض. إنهم متشابهون ومختلفون، رفاق سفر ومنافسون. وهم يعاملون بعضهم بعضا تارة كأصدقاء وطورا كأعداء. وهذه العلاقة المليئة بالتناقض لها، عدا أسبابها سياسية، أسباب ثقافية وجذور دينية.

لقد كان المسلمون والمسيحيون فى تاريخهم الطويل خصوما ورفاق سفر. وهم اليوم على اختلاف مطالب دينهم وفرائضه فى تبليغ الحق وإرشاد السلوك لا يزالون متنافسين. ولكن هل يتمكنون من أن يبقوا رفاق سفر؟ هل يستطيع المسيحيون والمسلمون أن يعوا مسئوليتهم المشتركة بعضهم تجاه البعض وتجاه العالم كله، فلا يكتفون بأن يكونوا رفاق سفر يسيرون بعضهم إلى جانب بعض، بل يصبحوا شركاء يعملون بعضهم مع بعض؟

ويجب الانتباه هنا إلى أنه بعد قرون طويلة من الخصومة والتنافس المر يصعب على المسيحيين والمسلمين أن يجدوا سبيلا إلى شكل أهدأ وأصوب للحوار الديني وإلى صيغة أكثر إيجابية للتعاون بينهم إنا نستطيع أن نلاحظ عند المسيحيين والمسلمين مواقف مختلفة بالنسبة إلى اللقاء فيما بينهم.

إن عدم الثقة لا يزال يسود عند الكثيرين من المسيحيين، لأنهم، كما هو الوضع فى أوروبا، يلاقون المسلمين فى صورة الأجانب والغرباء، مما يثير عندهم فى بادئ الأمر موقفا متحفظا. ومنهم من ينبه إلى وضع المسيحيين فى بعض بلدان العالم الإسلامى، حيث يتألمون من تعصب بعض المتزمتين من المسلمين وكبتهم. ولذلك يتساءل أمثال هؤلاء المسيحيين، هل المسلمون فى الواقع يستطيعون أن يضحوا أبدا شركاء للمسيحيين؟

وكذلك فإن هناك عند المسلمين نوعا من التحفظ مقابل المسيحيين يقود لدى جماعات كثيرة منهم إلى رفض علاقات وثيقة كعلاقة الشراكة مع المسيحيين. بل هناك موقف متطرف يعتبر الحوار. والعلاقات الطيبة مع المسيحيين أمرا غير مباح، بل محفوفا بالخطر. ويشدد على ما جاء فى القرآن الكريم من مقاتلة المسيحيين  حتى يخضعوا لحكم الإسلام. أما الآيات الرضية التى جاء فيها مدح للمسيحيين ووعد بالأجر عند الله، فإنها فى نظر هؤلاء المسلمين المتطرفين قد نسخت نهائيا. ولكن هناك في مسلمين يرون أن الحوار مع المسيحيين مباح. وينبهون فى ذلك إلى ما جاء فى القرآن (125:16)، الذى دعاهو نفسه إلى الحوار مع المسيحيين (64:3) وأثبت شرعية التعددية الدينية بين أديان التراث الكتابى الثلاثة (2 :  148؛  5: 48) إلى ذلك فإن القرآن يعد بالخلاص جميع الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات (راجع 2: 25؛ 20 :75-76؛ 29: 58 ؛ 31: 98 وغيرها). وقد سمى المسيحيون في آيات عديدة بالمؤمنين (مثلا 22: 17) وضموا إلى جانب المسلمين إلى عداد الذين ينالون أجرهم إن هم امنوا وعملوا الصالحات: "إن الذين امنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون " (2: 62؛ 5: 69).

فهناك إذن مقابل الأكثرية عند المسلمين التي ترى أن الحوار مع الأديان الأخرى من النوافل، إذ أن الإسلام هو الصيغة النهائية والمثلى للدين يوفر للناس كل ما يحتاجون إليه ليجدوا سبيلهم أمام. الله هناك أقلية، ولا سيما بين المثقفين، تساند الحوار والتعاون مع المسيحيين لون تحفظات مبدئية وتعتبر أن قوة الإسلام اليوم تجعله قادرا على السعى وراء تعاون وثيق مع المسيحيين لكى يؤدى المسلمون والمسيحيون معا شهادة مشتركة لإيمانهم بالله ويساهموا معا في حل مشكلات العصر.

ونورد هنا أحد التصريحات العديدة التي صدرت عن منظمات إسلامية، وهو تصريح أصدره مؤتمر العالم الإسلامي في آب سنة 1975 (وقد عقبه بعد ذلك بأمثال له): " إن علاقات من الشراكة بين المسيحية والإسلام، هذين الدينين العالميين الكبيرين، هي أمر طبيعي قد شاءه الله. ولذلك فإن التعاون الوثيق بين المسيحيين والمسلمين هو مفروض بحدة لصالح السلام العالمي وضمان مستقبل البشرية "(3).

أما عند المسيحيين فعدد مؤيدى الحوار والتعاون مع المسلمين يزداد بسرعة أكثر. وهم يشيرون في ذلك إلى تصريحات المجمع الفاتيكانى الثانى وموقف الباباوات في روما (وهذه عديدة وواضحة جدا)، وبالنسبة إلى المسيحيين البروتستانت، يشيرون إلى مواقف مماثلة للكنائس والجماعات البروتستانية. ونورد هنا نصين فقط.

إن المجمع الفاتيكانى الثانى، هو أعلى مرجع فى نطاق الكنيسة الكاثوليكية، وصرح بما يلى: " بيد أن تدبير الخلاص يشمل أيضا أولئك الذين يؤمنون بالخالق، وأولهم المسلمون الذين يعلنون أنهم على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرحمن الرحيم، الذي يدين الناس به فى اليوم الآخر" (4)" وتنظر الكنيسة أيضا بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، إنهم يسعون بكل نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله وإن خفيت مقاصده... ثم إنهم ينتظرون يوم الدين الذى يجازى الله فيه جميع الناس بعد ما يبعثون أحياء. من أجل هذا يقدرون الحياة الأبدية، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم، خصوصا. ولئن كان قد وقع، في غضون الزمن كثير من المنازعات والعداوات بين المسيحيين والمسلمين، فإن المجمع يحرضهم جميعا على نسيان الماضى ، والعمل باجتهاد صادق في سبيل التفاهم فيما بينهم، وأن يحموا ويعززوا كلهم معا، من أجل جميع الناس، العدالة الاجتماعية، والقيم الروحية والسلام والحرية "(5).

ولقد كتب البابا بولس السادس سنة 1972 بمناسبة عيد الفطر إلى الأمة الإسلامية " ولماذا لا نقوم بتوسيع هذا اللقاء (بين المسيحيين والمسلمين)؟ فإن الغرض منه أن نقدم أمام  وعى الناس بطريقة أشد شهادتنا للعدل والاحترام والمحبة وبما أننا مشتركون فى الإيمان بالله الواحد، فعلينا أن ندعوه لكي يقربنا بعضنا إلى بعض كل يوم أكثر، حتى نستطيع، كل على طريقته، أن نعمل معا في سبيل حقيقة أسمى، وفى سبيل العدل والسلام في العالم. "(6).

لقد اتضح أن القائلين بوجوب إقامة الحوار والتعاون بين المسلمين والمسيحيين يسعون في تصفية الأجواء في صفوفهم وتخطى الماضي والتشاور في أساليب التعاون بين الأمتين ومجالات العمل المشترك بينهم. وإن المؤتمر الثاني المسيحي الإسلامي الدولي الذي عقد في فيينا من 14 إلى 16 أيار/ مايو 1997 قد اتخذ قرارا بهذا الصدد عن اقتراح قدمه الزميل الأستاذ الدكتور على مراد، أستاذ الإسلاميات في جامعة السربون في باريس. وينص القرار على ما يلي:

" إننا نؤيد عقد معاهدة صداقة بين المسيحيين والمسلمين على أساس الأهداف التالية:

بالنظر إلى عبء تاريخنا المشترك، نعلن رغبتنا وجهدنا في وضع حد نهائي لاتهاماتنا المتبادلة وفى التغلب على أخطائنا ومظالمنا بالغفران والتصالح المتبادلين.

إننا لا نتنكر لهذا التاريخ بل نقابله جاهدين في استنباط عبره وتخطى نقائصه. إننا نريد أن نبحث معا عن الطرق المؤدية إلى تسوية الخلافات بالوسائل السليمة وإلى تنحية أسبابها والحد من مظاهر التوتر المختلفة.

أما بالنسبة إلى الحاضر والمستقبل، فإننا نريد أن نعمل معا على أن نسهم إسهاما مشتركا في بناء حاضر أكثر إنسانية ونعد للأجيال المقبلة عالما يستطيع فيه المسلمون والمسيحيون أن يقيموا علاقة شراكة ويشدوا أواصر الصداقة فيما بينهم.

إن معاهدة الصداقة هذه نعيها كانفتاح عريض على الكل وكدعوة موجهة

إلى الجميع."

إن مثل هذا القرار لمن دواعى الأمل بالنظر إلى مستقبل العلاقات بين المسلمين والمسيحيين.

ثانيا: مبادئ أساسية لبناء مستقبل مشترك

ولكي نستطيع تخطى الماضي وأعبائه ومظالمه المتبادلة (7)، فنشترك معا فى بناء مستقبل واحد لنا جميعا وللعالم كله، علينا أن نتنبه إلى عبر الماضي ونقائصه ونعتمد مبادئ أساسية نورد هنا البعض منها.

1- غاية عملنا المشترك

إن تمكنا مسيحيين ومسلمين، من توجيه سلوكنا وفق القيم المشتركة

بين المسيحية والاسلام، استطعنا أن نشيد نظاما اجتماعيا إنسانيا، يرتكز على احترام كرامة الإنسان وتكون ثماره ما يأتى:

ا. إقامة عدالة أخوية.

2. تنفيذ الحقوق والواجبات تنفيذا رحيما.

3. منح الأولوية لحقوق الضعفاء، وتوجيه الاختيار فى العمل لصالح الفقراء و المحرومين.

           4- الاستعداد للمصالحة.

           5- عرض المصالحة عرضا إيجابيا على أعضاء الجماعة الدينية الأخرى، أن يعرض المسيحيون على المسلمين المصالحة الشاملة.

6- إبدال العمل فى سبيل التسلط والحكم على الآخرين بالسعى فى الاهتمام بالسلام وصيانته وتوطيده.

2- بعض المبادىء

فى محاولتنا تخفيف كمية اختبارات الظلم والاجحاف بالحقوق فى العلاقات بين المسيحيين والمسلمين يجدر بنا أن نعمل وفقا للمبادىءالتالية:

1- إن دينا غير ديننا ليس من اللأزم أن يكون ضلالا وفسادا بمجرد أنه يختلف عن ديننا.

2- ليس من دين يؤلف كلا بسيطا. بل كل دين يحتوى على عناصر عديدة مختلفة. قد يمكن اعتبار بعضها خاطئة، دون أن ينتج من ذلك أن الدين كله يجب أن يعتبر خطأ وضلالا.

3- المغايرة هى مغايرة، لا ينبع منها من باب الضرورة تناقض بين الدين المغاير ومعتقد ديننا الخاص وشرائعه. فقد يتبين أن عناصر مغايرة لما عندنا إذا أدخلناها فى إطار أكبر وأوسع، تتفق وعقيدتنا الإيمانية.

      4- إن من يتبع أفكارا غير أفكارنا ليس هو طبعا وتلقائيا ضالا وسفيها، مريض الفكر، قليل العقل أو سيىء الإرادة. بل علينا أن نحاول تتبع مراحل طريقه إلى اعتناق الحقيقة ليتهيأ لنا فهمهما، فنتمكن هكذا من أن نقدر دين الاخرين حق قدره.

       5- من المهم أن يسعى المسيحيون والمسلمون معا فى إحلال نظام اجتماعى تسوده عدالة أخوية، أى عدالة لا تحترم فقط الحق الصارم، بل تعامل الناس بالرحمة والمحبة.

إن العدالة الأخوية ترتكز على مساواة جميع الناس كخلق الله. وجميع الناس فى حاجة ذاتية إلى المشاركة فى العلم والعمل فى المعرفة والرأفة، إذ أن جميع الناس يؤلفون أسرة كبيرة واحدة، يجمعهم تضامن شامل وأخوة شاملة. وهذا التضامن وهذه الأخوة ليسا فقط من المندوبات. بل هما من الواجبات إذ أنهما يعبران عن مسئولية الجميع عن الجميع ويجب لذلك أن تنشأركيزة النظام الاجتماعى والسياسى ومبدأعدالة أخوية تشمل العالم كله.

   ثالثا: مستقبل المسلمين فى المجتمع الأوروبى والغربى

إن هناك خارجا عن دول العالم الإسلامى مجالا آخر يصلح أن يكون محطا لإمكان الحوار والتعاون بين المسيحيين والمسلمين، ألا وهو موقف الأقليات الإسلامية فى المجتمع الأوروبى والغربى عموماً.

أود أن أعرض هنا بعض القضايا التى تحتاج حاجة ماسة إلى توضيح وتحديد الموقف.

إن المجتمع الأوروبى لا يصح أن يدعى اليوم بالمجتمع المسيحى، ولو كان تاريخه متشابكا مع تاريخ المسيحية، ولو كانت ثقافته والكثير من قيمه ومقاييسه متشربة من روح المسيحية. إن المجتمع الأوروبى والغربى هو اليوم مجتمع مستقل عن الدين، أى دين، وينظم شئونه وفقا لقوانين يتفق عليها لا تملى عليه من أية سلطة غير سلطة الشعب وممثليه الشرعيين الذين يعينهم الشعب عموما عن طريق الانتخاب فيقومون برعاية مصالح الدولة والشعب وفقا لقواعد الديمقراطية المتعارفة. من هنا تنبع أسئلة تتعلق يالتعايش بين المسلمين وسائر المواطنين، أوجهها أولا إلى المجتمع الأوروبى ثم إلى المواطنين المسلمين.

ا- أسئلة موجهة إلى المجتمع الأوروبى

إن هناك أولا قضية مبدئية تتعلق بإرادة البلدان الأوروبية استقبال المسلمين القادمين من أقطار مختلفة وتسهيل إقامتهم فى ربوع أوروبا والعمل على صهرهم فى المجتمع الأوروبى صهرا لا يلاشى ذاتيتهم ولا يجعل منهم من بعد أجانب قابعين فى زواياهم يتنكرون للمجتمع المضيف وأنظمته وثقافته وأساليب حياته. وينجم عن هذا الوضع السؤال عن الوسائل الناجعة للوصول إلى هذه الغاية. فإن المجتمع الأوروبى والمسلمين الذى قدموا إلى أوروبا لم يعوا فى الوقت المناسب خطورة هذه القضية ولم يستعدوا الاستعداد الملائم للعمل على إيجاد حل موافق يتنبه إلى جمع أبعاد القضية.

      وهناك أسئلة أخرى جذرية يجب التعرض لها بإمعان، ويمكن التعبيرعنها بالكلمات التالية:

- كم يستطيع مجتمع ما، والمعنى هنا هو المجتمع الأوروبى والغربى، أن يتحمل ويستسيغ من الاختلاف والخلأف فى إطار نظامه وبمقتضى وعيه لأسس ذاته الخاصة؟

-                         ما مبلغ التوافق (وينبغى أن يتم الاتفاق على ذلك) اللازم لكى نبلغ إلى مجاورة سلمية ايجابية للأنظمة المختلفة؟

-                         ما مبلغ التوافق الممكن نظريا والممكن البلوغ إليه عمليا لننتقل من مجازاة الأنظمة ومجاورتها إلى مرحلة التعاون فيما بينها؟.

2- أسئة موجهة إلى المسلمين فى المجتمع الأوروبى والغربى

- إن السؤال الأول، وهناك حاجة ملحة للأجابة عنه إجابة صريحة، هو هل يحق للمسلم وهل يمكنه، دون أن يفقد ذاتيته الإسلأمية، أن يعيش فى بلد ليمقراطى قانونه ليس الشريعة الإسلامية، ولكنه يضمن لجميع المواطنين صيانة حياتهم ومالهم وحرية دينهم عقيدة وعبادات، كما هو الحال فى بلدان أورو با والغرب؟

-             والسؤال الثانى هو هل يرغب المسلمون فى الاندماج بالمجتمع الأوروبى والغربى، علماً بأن هذا المجتمع يحترم دينهم كما ورد فى المقطع السابق؟

هل هم مستعدون أن يشجعوا أولادهم على سلوك هذا الطريق لكى لا يبقوا غرباء فى الأوطان التى نزحوا إليها قابعين فى زاويتهم دون الاشتراك مع مواطنيهم فى ميادين الثقافة والحضارة؟ وهل هم مستعدون وهل عندهم الكفاءة اللازمة كى يشتركوا فى تصميم نماذج هذا التعايش الإيجابى مع غير المسلمين؟

- وأما السؤال الثالث فيتعلق بموقف المسلمين. نشأ كلام كثير عن قيام "إسلام أوروبى" ولكن القضية فى ذلك أنه لا يكفى مجرد وجود هسلمين فى أوروبا حتى يقوم " إسلام أوروبى" السؤال هو أن على المسلمين اتخاذ موقف واضح من أمور أساسية تتعلق بأنظمة المجتمع الأوروبى ومفاهيمه وهى الديمقراطية، والحرية الدينية للجميع، وحقوق الإنسان، ونظام الأسرة بما فيه مكانة المرأة فى الأسرة والمجتمع، وقوانين الحدود والعقوبات. وهناك أيضا ضرورة أخذ موقف واضح من نظام الدولة العلمانى، ولا تعنى العلمنة معاداة الدين فى أكثر بلدان أوروبا، بل توزيع الوظائف فى نطاق المجتمع دون تعرض الدين للتسلط على الدولة.

كل هذا يقتضى أن يكون لدى المسلمين علماء يقودونهم سبل الرشاد غلماء متضلعون من علوم الإسلام عقيدة وشريعة، يتنبهون إلى أوضاع الجماعات الإسلامية فى البلدان المختلفة.

 

 
خــاتمــة

إننا مسيحيون ومسلمون نظرا إلى وعينا لمسئوليتنا المشتركة فى سبيل إقامة نظام اجتماعى عادل، يقع على عاتقنا واجب تضامن بعضنا مع بعض وجمع قوانا وتشغيل إمكاناتنا لإيجاد حلول موافقة لمشاكل عالمنا المشترك.

ليس من صالح المسيحيين والمسلمين وليس من صالح البشرية جمعاء، بل إنه من الإجحاف فى حق الناس بالنسبة إلى حاضرهم ومستقبلهم، أن يصر المسيحيون والمسلمون، كل من جهته، على سوء التفاهم والرفض، وعلى المهاجمة والتنحية، وعلى رفض التضامن الشامل الذى هو دين فى عنقهم بعضهم تجاه البعض الآخر.

وبالعكس إن هناك فائدة عظمى لهم وللبشرية جمعاء إن استطاعوا أن يقيموا بينهم المزيد من التفاهم والمزيد من الثقة المتبادلة، والمزيد من التضامن، والمزيد من التعاون.

لا يجوز للمسيحيين والمسلمين أن يظلوا خصوما وأن يعمل الواحد منهم ضد الآخر. عليهم أن يضحوا شركاء يعمل الواحد منهم مع الآخر. أجل، وهناك أكثر من ذلك. عليهم أن يمسوا أصدقاء يعمل الواحد منهم فى سبيل الآخر ويعملون معاً فى سبيل البشرية جمعاء؛ أصدقاء تربطهم المودة التى ذكرها القران الكريم فى سورة المائدة: (ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى) (8).

المراجع

سلسلة " المسيحية والإسلام فى الحوار والتعاون " يصدره مركز الأبحاث فى الحوار المسيحى الإسلامى (حريصا، لبنان):

1- عادل تيودور خورى ومشير باسيل عون، العدل فى المسيحية والإسلام، جونية، لبنان، 996 1، ص 192.

2- بولس الخورى، الإسلام والغرب- الإسلام والعلمانية، جونية لبنان، 1996 ص 159.

3- أندراوس بشته وعادل تيودور خورى، سلام للبشر. المسيحية والإسلام ينظران إلى السلام فى أسسه ومشاكله وأبعاده المقبلة، إعداد مشير باسيل عون، جونية، لبنان، 1997، ص 392.

4- مشير باسيل عون بين المسيحية والإسلام. بحث فى المفاهيم الأساسية، قدم له عادل تيودور خورى، جونية، لبنان، 1997، ص 125.

5- أندراوس بشته وعادل تيودور خورى، الإصغاء إلى كلام الله فى المسيحية والإسلام، إعداد مشير باسيل عون، جونية، لبنان 1997، ص 268.

6- عادل تيودور خورى، الإسلام فى عقيدته ونظامه، تعريب علم الياس علم، جونية، لبنان، 1997، ص 268.

7- مشير باسيل عون، مقالات لاهوتية فى سبيل الحوار، قدم لها كيرلس سليم بسترس وعقب عليها عادل تيودور خورى، جونية، لبنان،1997 ، ص 221.

8- عادل تيودور خورى ومشير باسيل عون، الرحمة الإلهية فى المسيحية والإسلام، جونية، لبنان (قيد الإعداد).

عادل تيودور خورى

من مواليد جنوب لبنان (1930). درس الفلسفة واللاهوت فى معهد القديس بولس (حريصا) ورسم كاهنا سنة 1953. نال من جامعة ليون الفرنسية إجازة بالفلسفة (1959) وإجازة بالعلوم الشرقية (1959)، ودكتوراه دولة (1966) عين مدرسا فى كلية اللاهوت الكاثوليكية بجامعة مونستر الألمانية (1966) ثم أستاذاً فى الكلية عينها، ومديراً لمعهد علوم الأديان المقارنة (1970). وهو عضو فى معهد لاهوت الأديان فى مودلينغ قرب فيينا بالنمسا، وعضو فى الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون. له مؤلفات فى علم الأديان المقارن ولاسيما فى الإسلاميات وفى الحوار والتعاون بين المسيحية والإسلام، وأهمها: اللاهوتيون البيزنطيون والإسلام (3 مجلدات) السماحة فى الإسلام، الإسلام فى عقيدته ونظامه ومطالبه، الأقليات الإسلامية فى الخارج، هكذا تكلم النبى: مقتطفات من الحديث، ماذا يجرى فى العالم الإسلامى؟ الإسلام يقترب منا. وله ترجمة جديدة للقرآن الكريم الى الألمانية وتفسير كبير للقرآن صدرت منه حتى الآن ثمانية أجزاء.

    (1) الوثيقة الراعوية للمجمع الفاتيكانى الثانى عن الكنيسة فى عالم اليوم             

GAUDIUMET SPSE)                     )، رقم 6

   (2 ) قرار المجمع الفاتيكانى الثانى فى نشاط الكنيسة الرسولى (ADGENTES)، رقم 12

   (3) وردت فى مقالة لمحمد سالم عبد الله صدرت فى:

CHRISTEN UND MOSLEMS IN DEUTSCHLAND ESSEN 1977,68.

   (4) الوثيقة العقائدية فى الكنيسة (LUMES GENTIUM  )، رقم 16.

   (5) التصريح (NOSTRA AETATE ) رقم 3.

   (6) سرد النص فى: m . Fitzgerald, Moslems And christen –partner?, graz     125-126   1976

(7)           راجع مقالتN العدل بين المسيحيين والمسلمين.، عادل تيودور خورى. ومشير باسيل عون: العدل فى المسيحية والإسلام، (المسيحية والإسلام فى الحوار والتعاون ا)، جونيه، لبنان، 1996، ص 156- 162 .

(8)                     سورة المائدة الآية: 82.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع