أفاق المستقبل
ودعم الحوار بين المسلمين والغرب
نحو كلمة سواء بين الإسلام والغرب
الدكتور السيد محمد الشاهد
أستاذ بجامعة الأزهر
إشكالية الحوار الدينى والحضارى من وجهة نظر إسلامية:
بدا واضحا أمام الغالبية العظمى من المهتمين بإنهاء
الصراع المحتدم حاليا بين الديانات والحضارات المختلفة، والذي تعددت صوره، ودرجات
حدته من التراشق بالاتهامات إلى التراشق بالأسلحة المدمرة
دون تحقيق النصر النهائى لأى طرف، أن الطريق الوحيد المتبقى هو التحاور بهدف
إيجاد حد أدنى من الأسس المشتركة للتعايش السلمى ونبذ العنف. أقول حدا
أدنى لأن أطراف الصراع الحضارى لم تستطع إلى الآن
الوصول إلى قاعدة ثابتة مشتركة تنطلق منها إلى تحقيق المزيد من نقاط الاتفاق
وتضييق الهوة الأيديولوجية والعقدية بينها.
لقد عقدت العديد من المؤتمرات والندوات
الدولية والإقليمية وألفت الأبحاث والمقالات على اختلاف أحجامها ودرجة موضوعيتها،
غلب على بعضها الطابع السياسى والحضارى
العام، وعلى بعضها الآخر الطابع الدينى المتخصص أو الخطابى .
وقد ترواحت
الآراء، بين إفراط فى التفاؤل أو التشاؤم حول مدى جدية
واحتمالات نجاح هذا الاتجاه فى التقريب بين وجهات النظر
والمنطلقات الدينية والحضارية المختلفة والتي وصلت فى
بعض الجوانب إلى حد التعارض الصريح، حيث تعاظم أثر التراكمات التاريخية السلبية فى تعميق الهوة الثقافية بين طرفي الحوار الإسلامى الغربى. ولا عجب من ذلك فى عصر أصبح فيه العنف والعنف المضاد أمرا عاديا، لا يخلو منه
مجتمع، ينفجر فجأة ويخرج عن السيطرة بسرعة وبشاعة مذهلة، كما تضاءل الفارق بين
النصر والهزيمة إلى حد يكاد لا يستحق الذكر، كأن العنف ينفجر ويتفاقم عبثا وبلا
مبرر يمكن فهمه. لقد أصبح العنف لا يبرر إلا بالعنف، أو
بأن الإنسان المعاصر قد أصبح كالأنعام أو هو أضل سبيلا.
وإن
الرغبة القوية
الحالية فى الحوار هي بهذا المفهوم نتيجة يأس الإنسان
المعاصر من الوصول إلى أهدافه المشروعة أو غير المشروعة عن طريق
العنف، ولم تكن فى نظرى،
نتيجة لميل أو تطور طبيعى حميد فى عقلية الإنسان المعاصر.
إلا أن هذه الرغبة القوية فى الحوار تستحق منا، مهما
كانت أسبابها كل تأييد ودعم ومشاركة إيجابية علها تؤتى أكلها بعد حين.
هناك فى
الغرب محاولات جادة تهدف إلى تثبيت إرادة الحوار وتحقيقه، والسير به قدما نحو التقريب بين المنطلقات الدينية والحضارية خاصة
الغربية والإسلامية، يساندها ويدفعها موقف الإسلام الإيجابى
الثابت والمؤكد بلا لبس على ضرورة بل وفرضية الحوار مع الآخرين، ومع أهل الكتاب من
نصارى ويهود على وجه الخصوص، بالتى هى أحسن، لقوله تعالى: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن" (1)، وكذلك قوله تعالى:
"ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن" (2) . انطلاقا من هذا
الموقف الإسلامى الداعى
والمؤيد للحوار الدينى والحضارى
على مختلف مستوياته قام المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ممثلا فى
" لجنة الفكر الإسلامى والقضايا المعاصرة "
بتنظيم سلسلة
من المؤتمرات السنوية العامة للحوار الحضارى منها هذا
المؤتمر الذى شرف بحضوركم هذا العام. وإيمانا بضرورة
وأهمية الحوار الدينى أنشأ المجلس قبل عدة أعوام لجنة خاصة بـ
" الحوار الدينى" والتى بدأت عملها بجد منذ
تأسيسها.
من الأعمال الجادة فى الغرب
التي سعت حثيثا إلى إيجاد قاعدة مشتركة للحوار بين المسيحية والديانات الأخرى
وبصفة خاصة الإسلام، أذكر على سبيل المثال
كتاب "المسيحية والديانات العالمية الأخرى " للتولوجى السويسرى الشهير " هانس كونج "(hans kung) والمستشرق الألماني المعروف "
فان اس (3) " (van ess)
وآخرين. وكذلك كتاب " مشروع وثيقة
أخلاق عالمية (project welthos) للمؤلف الأول هانس كونج. وقد تبنى
هذا المشروع " برلمان الديانات العالمية " ومقره مدينة شيكاغو بالولايات
المتحدة الأمريكية فى مؤتمره الذى
عقد بتاريخ4/9/1993 ضمن إعلانه الذى صدر بذات التاريخ تحت عنوان:
(The Declaration of the Parliament of the world's
Religions A Global Ethic)(4
وقد نشرلى تعقيب على هذا
المشروع باللغة الألمانية فى الكتاب السنوى الذى يصدر فى ألمانيا تحت عنوان" حوار الديانات"
(religionen im
gesprach ,4 ,1996 ) (5)
وتكاد لا تخلو. أية مدينة كبيرة من مدن أوروبا من مؤسسة
علمية أو ثقافية ترعى وتنظم ندوات للحوار الدينى أو
تنشر أبحاثا تخدم هذا الهدف (6).
أهم معوقات
الحوار:
يمكن إجمال أهم معوقات الحوار الدينى
و الحضارى فى ثلاث نقاط:
1- معوقات تاريخية سياسية نتجت عن
صراعات وحروب بين طرفى الحوار: الإسلام والغرب، لم تنته
حتى عهد قريب، مثل الحروب الصليبية وحرب ما سمى بالتطهير العرقى
فى جمهورية البوسنة والهرسك
وكذلك موقف الغرب غير المنصف من القضية الفلسطينية، لقد
أصبح المسلمون بذلك لا يواجهون عقدة التغلب على الماضي فقط، بل أيضا معضلة التغلب
على الحاضر الماثل أمام العيان، والذي لا يبشر- إذا ما استمر- بمستقبل يبعث على
التفاؤل.
2-
معوقات تأويليه عند بعض المسلمين والغربيين المسيحيين،
تتمثل فى عدم اعتراف أحد أطراف الحوار بسماوية الدين
الآخر.
فبينما يعترف الإسلام بسماوية
مصدر كل من اليهودية والمسيحية، بل ويجعل الإيمان بصدق رسالتي موسى وعيسى عليهما
السلام ركنا هاما من أركان العقيدة الإسلامية، لا نجد ما يقابل ذلك من اليهود
والمسيحيين، إذا ما استثنينا من ذلك الإشارة غير المباشرة التي تضمنها قرار المجمع
الكنسى
الثانى (vatikanum2) الصادر عام 3/1964.
3- معوقات فردية تتعلق بمدى أحقية
الشخص المشارك فى الحوار فى
الحديث باسم دينه واعتبار نفسه ممثلا للقاعدة العريضة لهذا الدين أو ذاك، والتشكيك
فى هذه الأحقية يأتى من الداخل كما يأتى
من الخارج.
أعتقد أن كلتا النقطتين الأولى والثانية واضحتان ولا
تحتاجان إلي تفصيل قد يخرج هذا البحث عن إطاره المحدد له فى
هذا الموضع. أما النقطة الثالثة فتستحق، فى نظرى
التوقف عندها بعض الوقت، لأنها تمثل عائقا خفيا لا يظهر فى
كثير من الأحيان، بينما هي سبب أساسى فى
تأخر ظهور نتائج إيجابية للندوات والمؤتمرات والأبحاث التي جندت لخدمة وإثمار
الحوار الدينى
والحضارى.
وتتمثل هذه الصعوبة فى أن كثيرا ممن يؤيدون ويشاركون
بفاعلية في أنشطة الحوار الديني يواجهون غالبا هجوما على الجبهتين الداخلية
والخارجية. ففى الداخل يتهمهم غير المؤيدين للحوار، ممن
لا يرون فيه سوى مضيعة للوقت بلا جدوى بالتفريط وتقديم التنازلات الكثيرة للطرف الآخر
طلبا للشهرة والمجد الشخصى على حساب الدين، وأنهم لا
يمثلون القاعدة العريضة للمسلمين من وجهة نظرهم.
أما فى الخارج فيتهمهم الطرف
الآخر للحوار بالتزمت، والرجعية، وعدم المرونة لمجرد أنهم ليسوا على استعداد
للتفريط فى هويتهم الإسلامية، أو التنازل عن أى
مبدأ من المبادئ الأساسية لعقيدتهم. فهم بذلك مفرطون فى
التحرر فى نظر بعض إخوانهم من جانب، ومفرطون فى المحافظة أو التزمت فى نظر بعض
محاوريهم من جانب آخر. بل إنني أكاد أدعى أن الغرب يريد التحاور فقط مع أشخاص
تتوافر فيهم شروط يحددها هو، وينيب عمن يريد ذلك أنه حينئذ سيتحاور مع نفسه
(مونولوج)، وليس مع الغير(ديالوج)، وهو المطلوب.
كيف يحدث هذا الوضع المؤسف رغم أن الإسلام يتضمن مبادئ تصل
فى درجة تسامحها مع الآخرين إلى حد يجد عنده بعض
المسلمين صعوبة شديدة فى الاعتراف والعمل به، حسبما يقول أحد الباحثين المسلمين المهتمين بموضوع الحوارالدينى (7). مثال ذلك أن ما ورد فى
القران الكريم ليس فقط بشأن اليهود والنصارى بل والصابئة (عبدة
الكواكب) أيضا (8). ومما يزيد هذا الأمر صعوبة أن التسامح الإسلامى تجاه غير المسلمين
إبان عصور القوة الإسلامية لم يقابل بالمثل من غير المسلمين إبان ضعف شأن المسلمين
فى الماضى والحاضر.
وقبل الانتقال إلى الحديث عما يمكن أن يقرب بين وجهات نظر طرفى الحوار أود طرح بعض الأسئلة التى
تتضمن ذكر أهم المعوقات وتشير فى ذات الوقت، بطريق غير
مباشر، إلى كيفية التغلب عليها انتصاراً لقضية الحوار الدينى
والحضارى:
1- هل حضارة العصر الحديث حضارة إنسانية بالفعل وبالتالى
تستحق منا نحن المسلمين السعى أليها بكل الوسائل المتاحة،
والتضحية من أجلها ببعض مبادئنا؟
2- هل يخلو الإسلام حقا من كل مقومات التقدم بالدرجة التى تجعله نقيضا لها؟
3- كيف نفسر عدم تغير التصور الخاطئ عن الإسلام فى الغرب على الرغم من وجود كم هائل من المؤتمرات والأبحاث
المتخصصة، إضافة إلى الاحتكاك المباشر اليومى مع المسلمين فى
الغرب؟
4- هل يبرر وجود عقدة ذنب فى
الغرب تجاه جماعة دينية معينة التأييد المطلق لهذه الجماعة بغير حق ضد جماعة دينية
أخرى وان كانت الأخيرة على الحق؟
5- لماذا يسقط الغرب نتائج تجاربه السلبية مع
الكنيسة فى العصور الوسطى على الإسلام دون اعتبار لأى فارق بينهما؟ النماذج السلبية الموجودة حاليا فى بعض البلاد الإسلامية لا تبرر ذلك.
6-هل من العدل إرجاع كل مظاهر العنف الموجودة فى بعض البلاد الإسلامية إلى أسباب داخلية فقط دون أدنى تأثير
أو توجية من الخارج؟
7- لماذا يتهم الإسلام مباشرة بالعنف كلما اتهم
متطرف مسلم فى عمل إرهابي، حتى قبل أن يثبت عليه
الاتهام، بينما لا نجد من يتهم اليهودية أو المسيحية بالعنف قط، رغم الأعمال
الهمجية الإنسانية التى ارتكبها، ولا يزال يرتكبها إلى
اليوم يهود ومسيحيون وهندوس وبوذيون ضد المسلمين؟
8- لماذا يصر الغرب والمغتربون في بلادنا على
اعتبار المبدأ الإسلامي بربط الدين بالدولة تخلفا، وبالتالى كل من ينادى بفصلهما
تقدميا؟.
9- هل يسعى الغرب حقا إلى تحقيق الديمقراطية
وحقوق الإنسان فى كل دول العالم على السواء؟
10-هل تستطيع الأنظمة الديكتاتورية الموجودة فى بعض الدول الإسلامية أن تظل فى
الحكم دون دعم من الغرب؟
هذه هى بعض الأسئلة التي يمكننا من
خلالها أن نضع أيدينا على بعض أسباب الإحساس بعدم الثقة لدى كثير من المفكرين
الإسلاميين تجاه الغرب، وتجاه كل من ينتسب إلى أيديولوجية من الشرقيين.
إضافة إلى ذلك فقد تدفع هذه الأسئلة كل منا إلى مزيد من
النقد الذاتي البناء الذى أعده السبيل الوحيد للوصول إلى تحاور موضوعى، يمكن أن يثمر تعاونا
إيجابيا يعود على الجميع بالخير والسلام.
منطلقات إسلامية تدعم الحوار مع الغرب:
فى المقابل للنقاط التى أوجزت
فيها معوقات الحوار توجد منطلقات إسلامية كثيرة وإيجابية إلى أبعد الحدود يمكنها-
إذا أحسنا توظيفها- أن تمهد الطريق لحوار ديني حضاري بناء بين العالم الإسلامي
والغرب بمفهومه الواسع الذي يشمل كل الدول غير الإسلامية، ويتطلب ذلك منا أولا أن نجعل من تراكمات الماضي المؤسف،
ومن وقائع الحاضر المؤلم دافعا قويا يدعم الإيمان بضرورة الالتقاء على كلمة سواء،
والثقة بأن العنف لم ولن يحسم الصراع لصالح أحد الأطراف، فضلا عن أن يقرب بين نقاط
الخلافات العقدية والمنطلقات الثقافية، فيصبح الحوار الدينى الحضارى على رأس قائمة
أولوياتنا.
تتمثل أهم دعائم إنجاح الحوار الحضارى فى القناعة المبنية على
الواقع في وجود نقاط التقاء مشتركة بين الإسلام والمسيحية، والعزم الصادق على
استثمارها إلى أقصى حد ممكن بهدف الوصول إلى فهم صحيح، واحترام متبادل وتعاون بناء
مخلص بين جميع أطراف الحوار.
يضاف إلى ذلك ما يمكن استخلاصه من خلال البحث في المعوقات التى
أوجزتها في ثلاث نقاط وأعدت صياغتها في عشرة أسئلة، سبق ذكرها قبل قليل وفضلا عن
المبدأ الإسلامى المتضمن بعض آيات الذكر الحكيم والذي يأمرنا فيها ربنا عز
وجل بأن ندعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة وألا نجادل غيرنا إلا بالتى هى أحسن. والمقصود بالدعوة فى معنى النص القرآنى يرادف المعنى المقصود بالحوار الدينى
الذى نسعى جميعا إلى تدعيمه من خلال هذا المؤتمر.
أوجز فى النقاط التالية أهم
المنطلقات الإسلامية المدعمة ، فى نظرى
، للحوار الدينى الحضارى:
1- يؤمن
المسلم بصدق نبوة الأنبياء الذين تلقوا الوحى الإلهى ، مثل إبراهيم وموسى وعيسى، ثم خاتمهم محمد (عليهم الصلاة
والسلام)، وكذلك بصدق أصول رسالاتهم السماوية (9).
2- يلبى الإسلام جميع جوانب الحياة الإنسانية، المادية والعقلية
والروحية بدرجات متوازنة كما قدم للإنسان منهجا حياتيا متكاملا يقوم على الربط
التام بين الإيمان والقول والعمل، ولا يعترف بما يهمل فيه أحد هذه الأركان (10).
3-- يعد الإسلام كل عمل نافع في الدنيا لا ينتج عنه أي ضرر لفاعله
أو لغيره من البشر جزءا من عبادة الله. ولا يسأل إنسان إلا عما يفعل، وإذا ما أخطأ
دون قصد، أو بقصد، ثم تاب عن ذلك توبة نصوحا، فرحمة الله وسعت كل شئ (11).
4- يقدم الإسلام للإنسان نظاما اجتماعيا متكاملا، يضم في
تناسق تام المصلحة العامة والمصلحة الخاصة،الدينية والدنيوية، ويرفض رفضا
باتا الفصل بين الدنيا والدين، وبالتالى فلا يقبل المنهج الغربي العصرانى (العلمانى). ويستمد الإسلام هذا المنهج في
عصر النبوة، حيث كان رسولنا الكريم نبيا وحاكما لأول دولة إسلامية أسسها في
المدينة المنورة ، وكتب لها دستورها الذي تضمن تنظيما دقيقا لكل ما احتاجته من
مؤسسات وقوانين عرفت في كتب
السيرة بصحيفة المدينة (12).
5-الإسلام يجعل طلب العلم
فريضة على كل قادر، ولم يحاربه كما يدعى البعض، ويكفى أن أول خمس آيات أنزلت منه
تأمر بالقراءة وطلب العلم، قال تعال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من
علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم) (13). ويذهب الإسلام إلى أبعد من ذلك في تكريم العلماء فيقول رسولنا
الكريم: "العلماء ورثة الأنبياء " (14). فلا وجه إذا لمقارنة
الإسلام بالكنيسة فى هذا الصدد كما يفعل دعاة العصرنة
(العلمنة) من الغربيين أو المستغربين الشرقيين.
6- تتفق
الحقائق العلمية الثابتة التي توصل إليها العلم في العصر الحديث مع تفسير النصوص
القرآنية الواردة فى تلك المجالات قبل أربعة عشر قرنا، ويفسر لنا سبب التقدم العلمى
الهائل الذى
تميزت به الحضارة الإسلامية في عصر قوتها الأولى.
7- أثبت
الإسلام قدرته على التعامل مع كل المستجدات والمتغيرات الاجتماعية التي تطرأ على
الحياة بفعل تغير الزمان والمكان بواسطة منهجه الفقهى المرن والمتعدد
الوسائل (الأدلة الشرعية)، حيث يحتل العقل السليم الموضع اللائق به وبصفته مناط التكليف فى الإسلام، ويأتى
فى
المرتبة التالية بعد القرآن
والسنة لكونه أساس الاجتهاد والطريق الرئيسى للإجماع والقياس وسائر الأدلة
الأخرى مثل " المصالح المرسلة وسد الذرائع، ومعرفة مقاصد الشريعة .
وغير ذلك مما يعرفه دارسو أصول الفقه الإسلامى .
8- الحرية السياسية المتمثلة فى حرية التعبير عن الرأى
والمشاركة في الحكم مكفولة فى الإسلام، ومنصوص عليها فى
القرآن الكريم، ومطبقة فى السنة النبوية، وسنة الخلفاء الراشدين (15) وقد أرسى الإسلام بذلك القواعد الأولى لنظام " ديمقراطى"
تتعدد في المؤسسات والاختصاصات، يأتى على قمتها مجلس الشورى
أو مجلس " أهل الحل والعقد " حسب التعبير الإسلامى.
9- كان
الإسلام ولا يزال منفتحا على الثقافات الأخرى، وكان على المسلمين التعامل والتفاعل
باستمرار مع عناصر ثقافية غربية وجدها فى البلاد التي
فتحها، وأخذوا منها ما رأوا فيه فائدة، وتركوا غير ذلك دون خوف على هويتهم
الإسلامية، وعملا بقول رسولنا الكريم " الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق
الناس بها" (16).
10- يوجد
فى
الإسلام جهاز مناعة ذاتية يبدأ العمل عندما يتخطى التأثير الخارجى حدود الإيجابية
وينقلب إلى تغريب ثقافى يهدد استقلال الهوية الإسلامية، ولا يتوقف جهاز المناعة
الذاتية عن العمل حتى يعيد التأثير الغريب إلى ما دون حد الخطر، ولقد عرف النبي
هذا الخطر قبل حدوثه فأخبرنا بأن " الله يبعث فى هذه الأمة على رأس كل
مائة عام من يجدد لها دينها " (17).
تضمنت هذه النقاط العشر أهم العناصر الإيجابية في التصور الإسلامى
والتى
تصلح لأن تكون منطلقات قوية لتفاعل وتلاقح إيجابيين بين
الإسلام والغرب فى العصر الحاضر مثلما كان فى عصر قوة الحضارة
الإسلامية التي امتدت إلى ما يقرب من ثمانية قرون.
لى بعض الملحوظات على موقف الغرب أدت ولا تزال تؤدى- فى نظرى - إلى تأخر حدوث الوفاق والثقة والتعاون الجاد المثمر بين
الإسلام والغرب، أذكرها هنا بصراحة ووضوح أملا ألا يساء فهمها، أو تعد من قبيل
التحيز لطرف على حساب الحقيقة، أوجز هذه الملحوظات فيما يلى:
1- يبدو
أن كثيرا من الباحثين والسياسيين والإعلاميين فى الغرب لم يعوا بعد أن
كثيرا من الباحثين المسلمين أصبحوا يتقنون قراءة ما بين السطور وما تتضمنه بعض
العبارات من مغالطات مغلفة بغلاف يظهرها فى مظهر
الحقائق الثابتة، وأن هؤلاء المسلمين قادرون على الرد المنهجى، والدليل على ذلك استمرار كثير منهم في تكرار ذات
المغالطات الموروثة عن العصور الوسطى، والتي ثبت خطؤها عند كثير من الباحثين
الجادين، أيضا في الغرب (18). لا بد من مراجعة جادة لهذا الموقف غير المنصف الذى
لا يشجع على الحوار.
2- لعل الغرب لم يدرك بعد أن مرحلة الانبهار اللامحدود التي سادت لفترة طويلة بين المسلمين قد انتهت إلى
الأبد، وحل محلها الرغبة الملحة فى المساواة التامة،
والاحترام المتبادل بين الطرفين.
3- للمسلمين وجهة نظر خاصة فى تقييم التقدم العلمي الحديث حسب المفهوم الغربي، فيرى
المسلمون أن التقدم العلمي الحديث قد اندفع فى الاتجاه
المادي مهملا الجانب الروحى فى الإنسان، كما أن الغرب قد
اقتطع لنفسه النصيب الأعظم من ثمار هذا التقدم، ولم يترك لغيره سوى الفتات الذى
يجعلهم دائما مرتبطين اضطرارا بالغرب.
4- إن
الربط المتعسف بين التقدم العلمي وعصرنه (علمنة) الحياة العامة يكشف عن محورية
فكرية غربية ego-centrismus)) يريد
الغرب فرضها على الغير دون اعتبار لاختلاف المنطلقات والتصورات الدينية والثقافية
للغير، إن البحث الموضوعى فى التاريخ الإسلامي يثبت
بالقطع التلازم بين القوة السياسية وقوة تغلغل العقيدة وهيمنتها على الحياة العامة
فى العالم الإسلامى.
وفى المقابل فقد بدأ تصدع
أركان الدولة الإسلامية مع بداية انحراف نظام الحكم عن هذا المنهج وخضوعه
للأهواء والرؤى الشخصية والاندفاع فى فصل الأمور العامة
فى مجال السياسة والاقتصاد والتشريع عن الدين، وقصره على الأمور الفردية الخاصة.
5- مما
يؤسف له حقا أن نجد الغرب يحتفى بكل من يتجنى ويتطاول على
الإسلام بغير الحق، ويضفى عليه ما لا
يستحق من ألقاب التكريم، فهو مفكر حر شجاع، وثائر على مظاهر التخلف المرتبط
بالدين، وتنهال عليه الجوائز التقديرية من أكبر
المؤسسات الأدبية، ويفسح له مجال التدريس فى الجامعات
الأوربية رغم ارتفاع نسبة البطالة بين الأكاديميين من الأوروبيين وما يستتبع ذلك
من وسائل الحماية باهظة التكاليف إلخ. لقد أصبح التطاول علي الإسلام أسرع وأقصر الطرق إلى
الشهرة وكسب العيش فى الغرب، رغم أن هؤلاء الذين أصبحوا
فجأة من كبار المفكرين الأحرار والمناضلين المغاوير، كانوا قبيل هذا التطاول ضمن
المغمورين من متوسطى الكفاءة العلمية.
6- لقد
أثبتت التطورات السياسية فى العقود الأخيرة أن حماس
الغرب لتطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان له حدود جغرافية وثقافية، فعلى سبيل
المثال، عندما شرعت حكومة طالبان الجديدة فى أفغانستان فى تطبيق تعليمات متشددة على السيدات قامت منظمات حقوق
الإنسان والمنظمات النسائية بالمظاهرات المنددة لتلك الإجراءات، والتى طالبت فيها الحكومة الأفغانية بالرجوع عن تلك القرارات
(الظالمة).
بينما كان رد فعل هذه المنظمات في غاية التواضع عندما كانت
الاعتداءات الصربية والكرواتية الهمجية تحصد الآلاف من النساء والأطفال والرجال
العزل من المسلمين فى البوسنة والهرسك على بعد بضعة أميال، وعلى مسمع ومرأى من
العالم الغربى
المتحضر- نصير حقوق الإنسان- وعلى مدى سنوات طويلة ستبقى في ذاكرة الأجيال القادمة من
المسلمين.
7- إن تخوف الغرب من نظام حكم إسلامى قد يجد مبررا له فى
النماذج السلبية الموجودة فى بعض الدول الإسلامية، إلا أن النظرة الموضوعية لنظام الحكم الإسلامى الصحيح سوف تقوض كل
أساس لهذا التخوف ويكفى لذلك أن تعاد قراءة التاريخ الإسلامى
من جديد بموضوعية وتجرد صادق، خاصة تاريخ الحكم أثناء الخلافة الراشدة.
8-إن
أكثر ما يقلق المسلمين في الآونة الأخيرة هو تركيز الإعلام الغربى بكل وسائله على إظهار
الإسلام فى صورة العدو الجديد الذى يهدد الحضارة الغربية
الحديثة، اتباعا لمخطط عدائى صريح موجه ضد
المسلمين، ترعاه جهات مخضرمة فى العداء للإسلام، وعلى رأسها
مؤسسات صهيونية ذات نفوذ مالى وسياسى وإعلامى فى الغرب.
والإسلام برىء من هذا الاتهام الباطل ذى
الأهداف المعروفة لكل مطلع فى هذا المجال.
نقاط تلاق بين الإسلام والغرب:
رغم ما ذكر من نقاط اختلاف، ونقاط نقد، وتحفظات من جانب
المسلمين على موقف الغرب من الإسلام في الماضي والحاضر، إلا أننى أجد نقاط التقاء أساسية وعديدة،
لا تساعد فقط على إنجاح الحوار بين الإسلام والغرب بل يمكن أن تكون إكمالا وتحديا
بناء للحضارة الغربية الحديثة، أوجز هذه النقاط فيما يلي:
1- أولا وقبل
كل شئ لم يكن الإسلام يوما ما عدوا للحضارة الغربية،
القديمة أو الحديثة، فضلا عن قناعة المسلمين بوجود وضرورة وجود علاقات ثنائية
متبادلة فى
شتى المجالات، خاصة الثقافية والحضارية بين الإسلام و الغرب.
2-
كل من الإسلام والحضارة الغربية يشجع البحث العلمى، ويؤمن بضرورة تطوير
حياة الإنسان إلى الأفضل، إلا أن الإسلام يفرض ضوابط خلقية واجتماعية للبحث العلمى
من شأنها أن تبقى على العلم خادما للإنسان كى لا ينقلب عليه فيدمره، إلى جانب ضرورة
الحفاظ على التوازن الطبيعى بين الإنسان والبيئة بكل عناصرها الطبيعية.
3- كل من
الإسلام والغرب يحترم ويحمى الملكية الفردية، ويسعى إلى تحقيق أفضل استثمار
للطاقات والموارد الطبيعية ويشترط الإسلام ألا يأتي ذلك على حساب فئة من البشر أو
عنصر من عناصر الطبيعة، لذلك حرم الربا وأحل البيع، كما حرم الإسراف في استنزاف
الموارد الطبيعية.
4- كل من الإسلام والغرب يؤيد ويحمى التعددية في الحكم، وحرية
التعبير عن الرأى، الإسلام لا يعتبر المساس بالشعور الدينى أو الأخلاقى
للآخرين جزءا من حرية الفكر أوالتعبيرعن الرأى
فحسب، بل هو تعد على حقوق الآخرين، يستحق فاعله العقاب العادل، وللإسلام تصور خاص عن التعددية، يتمثل في مجلس للشورى يضم
ممثلين عن كل جماعات الأمة، يسمون أهل الحل والعقد، وقد اختلفت آراء الفقهاء فى مدى إلزامية رأى هذا
المجلس، فمنهم من رأى أنه ملزم للحاكم، ومنهم من ذهب إلى أنه غير ملزم، والراجح أنه ملزم (19).
5- استحدث الإسلام مؤسسة اجتماعية جديدة تعمل بالتعاون مع
المؤسسات القانونية والأمنية المعروفة، على حفظ النظام فى الأماكن العامة
والأسواق، تسمى " هيئة الحسبة" ومن أهم أهدافها درء الأسباب التي تؤدى- إذا أهملت- إلى
وقوع المخالفات القانونية في الأماكن العامة مثل مخالفات الآداب، ومحاولات الغش
بشتى أنواعه التجارية والإدارية، وما شابه ذلك من أمور قد تخفي على الجهات
التقليدية المسئولة.
6- يحرص
الإسلام- مثل الغرب - على ضرورة احترام وتطبيق حقوق الإنسان، ويؤكد الإسلام على
ضرورة أن يشمل ذلك كل البشر بقدر متساو، وأن يراعى ذلك في حالات الحرب أو السلم،
كما يشهد بذلك كثير من الآيات القرآنية، وأحاديث الرسول الكريم ووصايا الخلفاء
الراشدين (20).
7-
المحافظة على سلامة البيئة واجب شرعى على كل مسلم لأنه مستخلف من الله
في الأرض لأعمارها، وسوف يحاسب الإنسان على كل ما جناه في حق البيئة التي خلقها
الله وسخرها لخدمة الإنسان، فالمحافظة
عليها واستثمارها بما ينميها ويزيدها قوة هو من واجب شكر النعمة، وفى القرآن الكريم آيات عديدة تؤكد هذا الواجب الشرعي
(21). وقد روى عن الرسول الكريم أنه قال:" إذا جاءت الساعة وفى يد أحدكم فسيلة فليزرعها" (22).
8- يحرم الإسلام كل أنواع الظلم الاجتماعى،
ويؤكد المساواة التامة بين البشر من حيث أصولهم، على اختلاف ألوانها وألسنتهم
وأجناسهم ومستوياتهم الاجتماعية، قال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا
إن أكرمكم عند الله أتقاكم، (23) كما أنه وإن لم يحرم الرق بنص
شرعى
صريح، إلا أنه حبب في عتقهم، وجعله من كفارات الكبائر (24).
9- يتضمن
مبدأ المساواة التامة بين البشر من حيث أصولهم تصورا خاصا لما يسمى " قضية
المساواة بين المرأة والرجل"
فمما لاشك فيه أن وضع المرأة في كثير من البلاد الإسلامية،الذى
يرجع إلى عادات وتقاليد جاهلية يرفضها الإسلام، يحتاج إلى مراجعة موضوعية عادلة
تعطي المرأة حقها الشرعى الذى
قسمه الله لها، متفقا مع طبيعتها التي تختلف بلا شك في بعض الجوانب عن طبيعة
الرجل، إلا أن هذا الاختلاف، كما أنه لا يبرر بأية حال سلب حقوقها الطبيعية
والشرعية، لا يعفيها من القيام بواجباتها التى تتفق مع طبيعتها وفطرتها التي
فطرها الله عليها، مثل واجب الأمومة الذي لا يدانيه في الأهمية أى
واجب آخر لرجل أو امرأة، ويؤكد ذلك عديد من آيات الذكر الحكيم
(25)، وكثير من الأحاديث الشريفة (26) وصدق الشاعر حين قال :
"الأم
مدرسة إذا أعددتها أعددت
شعباً طيب الأعراق "
من حيث المبدأ، لم يحرم الإسلام على المرأة ممارسة أي عمل
شريف لا يجبرها على تعدى حدود الشرع الخلقية، من حيث
الملبس أو الاختلاط المشبوه مع الرجال غير المحارم.
وأفضل الأعمال بالنسبة للمرأة وأبعدها عن الشبهات، خارج
المنزل، هي الأعمال التي تخص النساء والأطفال خاصة في مجال الطب والتمريض والتربية، ولا ينبغي أن يفهم من ذلك تحريم عملها في غير هذه المجالات طالما روعيت الضوابط الخلقية الشرعية
المتفق عليها في المجتمع.
10- يدعو الإسلام مثل المسيحية إلى
التسامح ويرفض كل أساليب الإكراه في الدين أو التعصب العرقي أو غير ذلك.
قال تعالى: " لا إكراه في الدين قد تبين الرشد الغى" (27).
11- يدعو الإسلام، كما تدعو المسيحية، إلى التواد، والتراحم،
والتكافل بين كل
أفراد المجتمع.
ويضمن ذلك في الإسلام نظام دقيق لتوزيع الحقوقى
والواجبات داخل<