أسس الحوارالإسلامى مع أوروبا
الدكتور إبراهيم أحمدالعدوى
أستاذ التاريخ الإسلامى
كلية دار العلوم
جامعة القاهرة
الحوار إلإسلامى مع أوروبا
هو الشعلة الوهاجة التى أتاحت لأبناء تلك القارة الخروج من ظلمات حياتهم فى العصور
الوسطى إلى ما ينعمون به اليوم من سبق فى ميدان الحضارة والتقدم العلمى. ذلك أن
الحوار الإسلامى نعمة من النعم الكبرى التى حملها هذا الدين الحنيف إلى البشرية
على امتداد مواطنها المحلية والإقليمية والعالمية، حيث يكفل للجميع فى ظل الأمن
الإسلامى كافة أسباب العيش الكريم.
وجاءت هذه الخاصية الرفيعة المستوى للحوار الإسلامى وليدة القواعد الراسخة
والتعاليم السامية التى قررها القرآن الكريم، وأكدتها عمليا السنة النبوية المطهرة
فالحوار فى الإسلام يتمثل فى ثلاث دوائر رئيسية: دائرة الأسرة والجيران، ودائرة
الأصدقاء وزملاء العمل، ودائرة المسلمين وغيرهم. وحدد الرسول الكريم هذه الدوائر
الثلاث قائلا: " الجيران ثلاثة: جار له حق واحد وجار له حقان، وجار له ثلاثة
حقوق، فالجار الذى له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم، له حق الجوار وحق الإسلام
وحق الرحم، وأما الذى له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذى
له حق واحد فالجار المشرك" فأكد الرسول الكريم بذلك اتساع نطاق حقوق الجوار،
بما يشمل المسلمين وغير المسلمين.
وأوضح الإسلام حقوق الجوار للدوائر الثلاث، حيث تدور كلها فى نطاق
المصطلحات الإسلامية المشهورة: " صلة الأرحام "، ومعناها دوام المودة
والعطف، والمساعدة، والمتابعة لجميع الأقارب، وكذلك فى ظل قول الرسول الكريم: (مازال
جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه)، وهو ما يعنى أن الجار امتداد
للأسرة، وبالتالى فإن البشرية جمعاء عبارة عن أسرة واحدة من أصل واحد عليها أن
تعيش فى ظل قوله تعالى:
( يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم) (1).
ووصل هذا الجوار الإسلامى بقواعده وتعاليمه النبيلة إلى أوروبا منذ
فجر الإسلام على عهد الرسول الكريم، حين قام ببناء كل من
الجماعة الإسلامية والدولة الإسلامية.. فقد تطلب الامتداد الجغرافى للدولة
الإسلامية فى شبه الجزيرة العربية تنظيم العلاقات مع القوى المجاورة لتلك الدولة
الفتية، وهو الأمر الذى تمثل فى إعداد الرسول الكريم لمجموعة من السفراء بعث بهم-
بعد صلح الحديبية فى السنة السادسة للهجرة- إلى ما جاوره من زعماء العالم
المعاصرين له، يدعوهم فيها إلى الإسلام، وإقرار العلاقات معهم على أساس الجوار
الإسلامى، وأسسه الراسخة الأوتاد.
ووجه الرسول الكريم منذ فجر الدعوة الإسلامية سفارة من سفاراته الكبرى إلى
أوروبا، إيمانا منه بأهمية هذه القارة ومكانتها فى الجوار من الدولة الإسلامية
الفتية. واتجهت تلك السفارة الإسلامية الأولى إلى أوروبا قاصدة القسطنطينية عاصمة
دولة الروم البيزنطيين صاحبة السيادة العليا على أوروبا وكان على رأس تلك السفارة
الإسلامية إلى أوروبا دحية الكلبى، وهو أحد الصحابة المقربين إلى الرسول الكريم،
وأوسعهم خبرة بشئون دولة الروم البيزنطيين وأحوالها بأوروبا، فهو ينتمى كما يدل
عليه لقبه إلى قبيلة كلب التى كانت مضاربها تمتد قبل الإسلام وبعده فى بلاد الشام
التى تمثل أعظم الجسور إلى أوروبا، والمدخل الرئسى لتلك القارة الشاسعة وبلادها
المطلة على البحر المتوسط بقسميها الشرقى والغربى على حد سواء.
وبدأت قواعد الجوار الإسلامى مع أوروبا ترتفع مع سفارة دحية الكلبى على
الأسس الثلاثة التالية:
0الأول: الحوار الدينى، وهو الذى وضع الرسول الكريم بنفسه المبادرة
إليه مع أوروبا فى الرسالة التى حملها سفيره دحية الكلبى إلى هرقل إمبراطور الروم
حيث حددت أبعاد هذا الحوار الدينى وأهدافه فى نص الكتاب التالى:
" بسم الله
الرحمن الرحيم.. من محمد بن عبد الله ورسوله
إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد.
فإنى أدعوك بدعابة الإسلام " أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، وإن توليت
فإنما عليك إثم الأريسيين ( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بينا
وبينكم، ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون
الله، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون).
وانطلقت هذه المبادرة للحوار الدينى مع أوروبا على نحو ما جاء فى كتاب نبى
الإسلام صلى الله عليه وسلم من القرآن الكريم، موجها الخطاب إلى النبى عليه أفضل
الصلاة والسلام:
( قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا
يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) (2).
فهذه الدعوة القرآنية دعوة صريحة إلى الحوار الدينى بين طرفين: الجانب
الإسلامى وجانب أهل الكتاب من المسيحيين واليهود ، وأن القضية التى يدور حولها
الحوار- وهى القضية المحورية فى الدين أساسا- هى قضية الألوهية.
ولا يكتفى القرآن الكريم بمجرد المبادرة، بل يرسم أسلوب الحوار، فالحوار
سيؤدى إلى مناقشات ومجادلات، ولكنها ينبغى أن تلتزم بآداب الحوار، ومن هنا يقول
القرآن الكريم فى ذلك:
(ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن) (3). كما جعل القرآن
الكريم الجدال بالحسنى أحد المناهج التى يتحتم على الدعاة إلى الإسلام اتباعها،
لا مع أهل الكتاب فقط، بل مع كل الناس:
( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (4).
ويمتاز موقف الإسلام فى هذا الحوار الدينى بميزة كبرى لا تتوافر لغيره من
الأديان، وهو إيمانه بكل الديانات السماوية السابقة، وهذه ميزة تجعله متحررا من
العقد والحساسيات والنفور الذى قد يشعر به الآخرون فى مثل هذه الأحوال. وفضلا عن
ذلك دعا القرآن الكريم. من أجل أن يكون هناك حوار مثمر وتعاون وثيق بين الجماعات
البشرية أيا كانت انتماءاتها- إلى ضرورة تعرف كل جانب على الجانب الآخر وتفهم
مواقفه على قاعدة المساواة التامة، وهو ما تعبر عنه الآية الكريمة:
( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى
وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (5).
وهذه الآية الكريمة تبرز المعنى الإنسانى فى الحوار الإسلامى، فالمرء يتعرف
على الآخر من خلال تعرفه على نفسه الأمر الذى يؤكد وحدة الإنسانية وهى تلك الوحدة
التى مصدرها الله سبحانه وتعالى. وقد أكد الإسلام على هذه الوحدة تأكيدا لا يقبل
التأويل حين اعتبر الإساءة إلى أى فرد من أفراد الإنسانية يعد إساءة إلى الإنسانية
كلها، وفى المقابل يعد تقديم الخير إلى أى فرد واحد من أفراد الإنسانية بمثابة
تقديم الخير إلى الإنسانية كلها، وهذا ما عبرت عنه الآية الكريمة:
( من قتل
نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا
الناس جميعا) (6). والتزم الرسول الكريم أيضا فى مبادرته فى الأساس الأول من
الحوار الإسلامى مع أوروبا بالشروط الكفيلة لإنجاح أى حوار على المستوى الدينى
الذى هو أعقد أنواع الحوارات على الإطلاق، لأنه لا يمس أمور الحياة الدنيوية
العادية التى يمكن التساهل فيها، ولكنه يمس أمور العقيدة الدينية المترسخة فى
النفوس والمتغلغلة فى الأعماق، فهى بطبيعتها أمور حساسة، ومع ذلك فلا ينبغى أن
يكون هناك تهيب أو خوف من إجراء حوار حولها إذا ما توفرت الشروط الضرورية لذلك.
فإذا لم تفلح محاولات الحوار الدينى فى الوصول إلى نتائج فليس معنى ذلك أن تكون
هناك قطيعة مع الآخرين. فليحتفظ بمعتقده:( لكم دينكم ولى دين) (7)( اشهدوا بأنا مسلمون) (8). وهو أمر يجعل طريق
الحوار والتفاهم حول ما يجمع الإنسانية طريقا مفتوحا، ويدعو إلى بقاء الأمل
منشودا.
وأثمر كتاب الرسول الكريم فى مبادرته بإقرار الحوار الدينى ليكون الأساس
الأول من الحوار الإسلامى لأوروبا، ذلك أن هرقل إمبراطور الروم استجاب إلى تلك
المبادرة بالعمل على تفهم الدين الإسلامى، ومعرفة ما يرتبط بنبى هذا الدين كذلك
فاتحا الطريق أمام أهل أوروبا على اختلاف طبقاتها العليا والدنيا على حد سواء
لدراسة أحوال هذا الدين السماوى الذى هو خاتم الرسالات السماوية ذلك أن الإمبراطور
هرقل كان- كما ذكرته المصادر- " حزاء، له علم بالملاحم والنجوم وأخبار
النبيين، وأنه كان عالما من علماء النصرانية الذين يريدون أن ينتشر الحق فى ذاته
".
وتركت تلك المبادرة من الحوار الدينى التى حملها كتاب النبى إلى هرقل أعظم
الأثر فى نفوس كثيرين من رجال الدين الأوروبيين وعلى رأسهم بطريق العاصمة نفسها..
إذ يروى أن " هرقل عندما جاءه كتاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم
أعطاه لكبير الأساقفة الذى كان صاحب أمرهم يصدرون عن رأيه وعن قوله، فلما قرأ
الكتاب قال: هو والله الذى بشرنا به موسى وعيسى الذى كنا ننتظره، قال هرقل: فما
تأمرنى؟ قال الأسقف أما أنا فمصدفه ومتبعه ، فقال هرقل إنه كذلك، ولكنى لا أستطيع،
إن فعلت ذهب ملكى وقتلنى الروم ".
وفتحت مبادرة الحوار الدينى
التى استهلها كتاب الرسول الكريم إلى هرقل الباب أمام أهل أوروبا للإقبال على
جيرانهم الجدد من المسلمين والعمل على إقامة المزيد من علاقات حسن الجوار معهم،
وذلك على نحو ما شجعهم عليه الأساس الثانى من أسس الحوار الإسلامى مع أوروبا.
وتمثل
ذلك الأساس الثانى: فى إقرار الإسلام لمبدأ السلم بدلا من التخاصم أساسا لتنظيم
علاقات الحوار. فالإسلام يعتبر السلام هو الحياة الدائمة، وأن الحرب أمر طارئ، ولم
يعول الإسلام فى جميع أدوار الدعوة فى مكة أو المدينة إلا على الحجة ولم يلجأ إلى
السيف إلا دفاعا. فلم تكن الدعوة الإسلامية فى حاجة لنقض السلم لتعيش، ولا كانت فى
وقت من الأوقات معولة على الإكراه فى الدين لتنتشر، ولا رضيت بالحرب لغرض الدنيا
ومنافعها وسلطانها، ولا لسيادة جنس على جنس، ورجحان طبقة على طبقة.
واستند هذا الأساس الثانى
الداعى إلى السلم إلى القواعد التى قررتها الآيات الكريمة التالية:
( يا أيها
الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)
(9).
ويقول تعالى:( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها
وتوكل على الله
إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا
أن يخدعوك فإن حسبك الله) (10).
ويقول تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم
يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) (11).
وتجلى التطبيق المثالى للحوار الإسلامى مع أوروبا
لمبدأ السلم بدلا من التخاصم فى وضع حد لما قد تنشب من حروب بين الدولة الإسلامية
وأعظم جيرانها فى أوروبا، وهى دولة الروم البيزنطيين، وكانت ذات مصالح حيوية مع
الدولة الإسلامية سواء من حيث التجارة أم ضرورة إقرار علاقات حسن الجوار بينهما.
فقد خرجت السفارات من العواصم الإسلامية إلى أعظم عواصم أوروبا وهى القسطنطينية
لإقرار السلام، وإعادة الاستقرار، وإطلاق سراح الأسرى الذى جرى المصطلح الإسلامى
على تسميته باسم " الفداء ". واستقبلت الدولة
الإسلامية بدورها سفراء جيرانها من شتى القوى الأوروبية شرقا وغربا لتوثيق أواصر
المودة، وتهيئة كافة أسباب العيش الآمن المطمئن.
وكانت تجرى مراسيم استقبال السفراء الأوروبيين فى الدولة الإسلامية
بما يدعم معالم الحوار الإسلامى مع أوروبا، مع تعريف أولئك السفراء بمزيد
من المعلومات عن الدين الإسلامى الحنيف. وكانت إمبراطورية الروم بدورها تظهر
إجلالها للحوار الإسلامى بالحفاوة بالسفراء المسلمين، واحترام التعاليم الإسلامية،
وبخاصة فيما يتعلق بأسرى المسلمين فى القسطنطينية ومن أشهر تلك السفارات الإسلامية
الخاصة بإقرار الحوار الإسلامى مع أوروبا سفارة نصر بن الأزهر إلى
القسطنطينية سنة 246 هـ/861 م، وكانت ردا على سفارة بعث بها إمبراطور الروم، وهو
ميخائيل بن ثيوفيل سنة 245 هـ/860 م، وطلب فيها إقرار السلام بين الدولتين، وإجراء
تبادل للأسرى..
وروى السفير الإسلامى نصر بن الأزهر تفاصيل دقيقة عن سفارته تكشف عن إجلال
الروم البيزنطيين للمسلمين، حيث سمحوا له بالدخول على الإمبراطور، والجلوس بالقرب
منه، وذلك على حين أجلسوا غيره من السفراء من بلاد أوروبا نفسها بعيدا عن عرش
الإمبراطور. وخصصت السلطات البيزنطية للسفير الإسلامى مقصورة إلى جانب مقصورة
الإمبراطور، وذلك حين أقاموا له حفل ترفيه فى ملعب القسطنطينية. وتفقد السفير
الإسلامى أحوال أسرى المسلمين الذين تقرر إطلاق سراحهم، وأشاد باحترام السلطات
البيزنطية للتعاليم الإسلامية، حيث لم يكرهوا أحداً من أولئك الأسرى على أكل لحم
الخنزير، وأن تلك السلطات أعدت أيضا لأولئك الأسرى الموائد الحافلة بالأطعمة
الشهية فى الأعياد البيزنطية، وبخاصة فى حفلات، "أعياد الميلاد " وعلى
رأس تلك الموائد الحار والبارد أمر عظيم، ثم ينادى منادى الملك فيقول: وحياة رأس
الملك ما فى هذه الأطعمة شئ من لحم الخنزير، وينقل إليهم تلك الأطعمة فى صحاف
من الذهب والفضة. وقد استغرقت عملية فداء الأسرى
المسلمين سبعة أيام عاد بعدها السفير الإسلامى إلى العاصمة إذ ذاك، وهى بغداد
مؤكدا فى تقاريره جلال الحوار الإسلامى مع أوروبا.
واشتهر من السفارات الإسلامية إلى أوروبا أيضا سفارة الخليفة هارون الرشيد
إلى شرلمان، وهو إمبراطور دولة الفرنجة التى قامت فيما يعرف اليوم باسم فرنسا. إذ
تكشف هذه السفارة عن امتداد معالم الحوار الإسلامى إلى غرب أوروبا نفسها فى هذه
الفترة المبكرة من حياة الدولة العباسية. وحملت السفارة الإسلامية معها هدية تساعد
على جلب الإعجاب مع توثيق أواصر المودة. فكان من تلك الهدايا: فيل عظيم أبيض،
وأقمشة فاخرة من الموشى المنسوج بالذهب، وبسط ديباج من طبرستان وعطور من اليمن
والحجاز، ومسك وصندل وأعواد ند من الهند، هذا فضلا عن مزولة كبيرة تبين الأوقات.
واستقبل الإمبراطور شرلمان سفارة هارون الرشيد استقبالا حافلا مؤكدا بذلك امتداد
جلال الحوار الإسلامى إلى غرب أوروبا على نحو ما وصل إليه هذا الجلال أيضا فى شرق
أوروبا. ومهدت تلك السفارات وما حملته من هدايا السبيل لقيام الأساس الثالث
والأخير من الحوار الإسلامى مع أوروبا.
ودار هذا
الأساس الثالث حول إقرار مبدأ التعاون الثقافى لتعزيز روابط حسن
الجوار بين المسلمين وأبناء أوروبا، وذلك فى ميدانين رئيسيين، شرقا: حيث الدولة
الإسلامية وجارتها إمبراطورية الروم، وغربا: حيث الإمارة الأموية بالأندلس والدول
الجرمانية، بغرب أوروبا.
(أ) الميدان الشرقى: وفيه عاشت الدولة الإسلامية
وإمبراطورية الروم عيشة جارين، تخاصما حينا، وجنحا إلى السلم أحيانا كثيرة، تحمل
العلاقات بينهما جميع معانى الحياة بما فيها من أخذ ورد، وضر ونفع، فلم تقم
الدولتان بينهما سدا منيعا يجعل كلأ منهما يحيا فى واديه الخاص بها، وإنما كانت
المسالك بينهما مطروقة تزخر بالركبان التى حملت ما يمكن حمله من نتاج الدولتين
العلمى والثقافى، وجهدت على حث السلطات فيهما على التمسك بأهداب حسن الجوار، برغم
ما ينشب بينهما من خصام ونزاع. وكان الميدان الثقافى أول حلبة دربت فيها أفكار
هذين الجارين على التعاون معا فى بناء صرح مدنياتهم، والتفاهم على ما فيه النفع
العام. فكان أمامهما مورد واحد نهلا منه وتآزرا على الإفادة منه بما يهيىء لهما
حياة هنية، وكان ذلك الينبوع الذى استفى منه المسلمون والروم، وألف بين عقلياتهما
وقرب بينهما هو تراث الثقافة الهلينية " اليونانية ".
وبلغت حركة الاتصال الثقافى بين الجارين فى الميدان الشرقى أقصاها
فى عهد الخليفة العباسى المأمون، ذلك أن هذا الخليفة لم يغفل أهمية الاتصال
الثقافى بدولة الروم وجلب المراجع الإغريقية منها. فراسل الإمبراطور " ليو
" الأرمنى (812- 820 م)
يطلب منه السماح للسفارات الإسلامية بزيارة دولة الروم للحصول على المصنفات
اليونانية القديمة فى الفلسفة والهندسة والطب. وقبل الإمبراطور طبب الخليفة المأمون
الذى بادر بإرسال نخبة من أشهر العلماء المسلمين فى عصره، منهم الحجاج بن مطر وابن
البطريق وصاحب بيت الحكمة إلى القسطنطينية. واختار هؤلاء المبعوثون ما راق لهم من
المراجع، وقفلوا عائدين بهذه الكنوز الثمينة إلى بغداد مؤكدين قوة التعاون الثقافى
بين أعظم جارين فى الميدان الشرقى.
ولم يكن مستغربا أن يتبادل المسلمون ثمار تقدمهم العلمى مع الروم، إذ شاهدت
دولة الروم فى القرن التاسع الميلادى، وهو عصر الخليفة المأمون العباسى نهضة
ثقافية شملت أنحاء شرق أوروبا، وبخاصة فى ميدان الآداب والعلوم. وكان من أهم معالم
تلك النهضة قيام " برداس " وهو القائم بأمور دولة الروم إذ ذاك،
والمتصرف الحقيقى فى شئون تلك الدولة بإحياء جامعة القسطنطينية القديمة، وتهيئة
كافة الأسباب بها للنشاط العلمى، حيث عين لها أساتذة فى الهندسة والفلك وفقه
اللغة.
وزاد الاتصال الإسلامى بتلك النهضة فى الدولة البيزنطية حين تولى
الامبراطور ثيوفيل العرش، وقامت الاتصالات العلمية بينه وبين الخليفة العباسى
المأمون. فكانت القسطنطينية تنافس بغداد فى الأبهة وفى حلبة الثقافة، وكانت
مدارسها وجامعاتها القبلة التى جذبت أنظار العلماء المسلمين إليها. وجهدت بغداد فى
استدعاء مشاهير علماء الروم إليها. ومن ذلك أنه عاش فى القسطنطينية فى عهد
الإمبراطور ثيوفيل عالم مشهور فى الرياضيات اسمه " ليو ". وذاع صيت هذا
العالم فى الخارج ووصل إلى الدولة الإسلامية عن طريق تلاميذه. فلما ترامى إلى
الخليفة المأمون نبأ هذا العالم من علماء الروم أرسل إليه يستدعيه إلى بلاطه،
وأغراه بإجزال العطاء له. لكن الإمبراطور ثيوفيل علم بهذه الدعوة، ومنح ليو وظيفة
معلم فى إحدى كنائس القسطنطينية، وقرر له راتبا شهريا ليحول بينه وبين الهجرة إلى
بغداد على أن حرص الخليفة المأمون على حضور هذا العالم إلى عاصمته دعاه إلى إيفاد
رسالة شخصية إلى الإمبراطور يطلب منه السماع بحضور العالم " ليو " إلى
بغداد لمدة قصيرة، وذكر فى رسالته أنه يعد قبول الإمبراطور هذا الطلب عملا وديا،
وأنه يعرض عليه مقابل ذلك ألف قطعة من الذهب، وعقد صلح دائم. غير أن الإمبراطور
زاد من تمسكه بالعالم ليو خوفا من تسرب أسرار الدولة. وتبادل علماء المسلمين
والروم كذلك الزيارات لمشاهدة الآثار ذات القيمة التاريخية فى بلديهما، ومنحت
السلطات فى كل من الدولتين أولئك العلماء جميع التسهيلات لأداء مهامهم العلمية.
فأرسل الخليفة الواثق العباسى (228- 232 هـ/742- 747 م) أحد العلماء المسلمين
إلى مدينة إفسوس بدولة الروم لمشاهدة الكهوف التى كان محفوظا بها جثث الشبان
السبعة الذين استشهدوا أيام أمبراطور الرومان وهو " دقلديانوس ". وأذن
أمبراطور الروم وهو ميخائيل الثالث للعالم الإسلامى بالقيام بهذه الزيارة، كما أوفد
معه رجلا يؤدى مهمة الدليل.
ولم ينقطع الاتصال الثقافى بين المسلمين والروم بشرق أوروبا حتى القرون
الأخيرة من حياة إمبراطورية الروم، فيذكر" بسيللوس " وهو أحد مؤرخى
الروم، ومن مشاهير فلاسفة الدولة، وأعظم رجال السياسة فى البلاط فى القرن الحادى
عشر الميلادى أن طلابا من المسلمين تعلموا على يديه، وكان من بينهم طالب من العراق
نفسها، حيث مركز الدولة العباسية.
(ب) الميدان
الغربى، وفيه دارت معالم الحوار الإسلامى مع أوروبا حول الإمارة الأموية
بالأندلس والقوى الجرمانية التى أسست لها ممالك بغرب أوروبا، كان من أهمها دولة
الفرنجة التى قامت فيما يعرف اليوم باسم فرنسا، والدولة الجرمانية فى بافاريا،
ودولة النورمان فى انجلترا. فقد ترامت إلى تلك القوى الأوروبية حضارة المسلمين
الزاهرة فى بلاد الأندلس، وما حققته تلك الحضارة من منجزات رفيعة فى شتى ميادين
العلوم والفنون، وما وصلت إليه الجامعات الإسلامية فى المدن الأندلسية من تقدم
ورقى علمى.
واستقبل المسلمون فى الأندلس أبناء غرب أوروبا الوافدين عليهم استقبالا
طيبا، يتفق وتقدير المسلمين لحقوق الجوار التى قررها الإسلام، وذلك على نحو ما
توضحه النماذج التالية من التعاون الثقافى بين الطرفين:
(1) بعث الملك
فيليب البافارى إلى الخليفة الأموى بالأندلس، وهو هشام
الأول يسأله السماح له بإيفاد هيئة تدرس النظم فى بلاد الأندلس وشرائعها
وثقافة مختلف الأوساط فيها ليتمكن من اقتباس المثمر المفيد من ذلك لبلاده. ووافق
الخليفة على هذا الطلب، حيث بعث الملك الجرمانى وفدا برئاسة وزيره الأول
"ويليمين" ، وهو الذى لقبه الأندلسيون "وليم الأمين " لأنه
كان أمينا فى نقل ما رآه من حضارة الأندلس وعظمتها إلى الملك، وحثه على الاستمرار
فى إنفاذ البعثات العلمية لاقتباس المزيد من هذا المركز الهام للحضارة الإسلامية
بغرب أوروبا.
(2) أرسل ملك
انجلترا " جورج الثانى " ابنة أخيه " الأميرة دوبانت "
على رأس بعثة من ثمان عشرة فتاة، من بنات الأمراء والأعيان إلى أشبيلية
يرافقهن رئيس موظفى القصر الملكى، وهو النبيل " سفليك "، وكان يحمل
كتابا من الملك إلى الخليفة هشام الثالث جاء فيه:
" من جورج الثانى ملك إنجلترا والبرتغال والسويد والنرويج إلى
الخليفة، ملك المسلمين فى مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام:
بعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقى العظيم الذى تتمتع بفيضه الصافى معاهد
العلم والصناعات فى بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل
لتكون بداءة حسنة فى اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم فى بلادنا التى يحيط بها الجهل
من أركانها الأربعة. وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة " دوبانت " على رأس
بعثة من بنات أشراف الإنجليز لنتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها
موضع عناية عظمتكم وحماية الحاشية الكريمة، وحدب من لدن اللواتى سيتوفرن على
تعليمهن، وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم
بقبولها مع التعظيم والحب الخالص- من خادمكم المطيع: جورج ".
وكانت هدية الملك جورج عبارة عن شمعدانين من الذهب الخالص طول الواحد ثلاثة
أذرع مع أوان ذهبية أخرى للطعام عددها اثنتان وعشرون قطعة، نقشت بأبدع وأروع
النقوش السكسونية، وكلها من صنع بلاد الإنجليز، وتعد من التحف النادرة التى لا
تقدر بثمن.
ورد الخليفة هشام على ملك إنجلترا بالرسالة التالية:
" بسم الله
الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على نبيه سيد المرسلين، وبعد: إلى ملك إنجلترا وإيكوسيا وإسكنديناوة الأجل:
لقد اطلعت على التماسكم فوافقت بعد استشارة من يعنيهم الأمر على طلبكم، وعليه
فإننا نعلمكم بأنه سينفق على هذه البعثة من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا
لشخصكم الملكى. أما هديتكم فقد تلقيناها بسرور زائد. وبالمقابلة أبعث إليكم بغالى
الطنافس الأندلسية، وهى من صنع أبنائنا هدية لحضرتكم، وفيها المغزى الكافى للتدليل
على التفاتنا ومحبتنا والسلام- خليفة رسول الله على ديار الأندلس: هشام ".
وكشفت رسالة الخليفة الأموى بالأندلس إلى ملك انجلترا عن عمق الأساس الثالث
والأخير من أسس الجوار الإسلامى لأوربا، وهو التعاون الثقافى سبيل لإقامة علاقات
حسن الجوار، وتحقيق ما فيه سمو " الأمن الإسلامى " للجميع.
(3) توالت بعثات
أوربية أخرى من فرنسا وإيطاليا والأراضى الواطئة على بلاد الأندلس، حيث امتلأت
بأعضائها مشاهد غرناطة وأشبيلية، حيث نهلوا من الحضارة الإسلامية بالأندلس،
وتأثروا بالأخلاق العربية الإسلامية الرفيعة.. ولم يعد بعض هؤلاء المبعوثين
الأوربيين إلى بلادهم، سواء من الفتيان أو الفتيات، تحت تأثير عوامل شتى نتيجة إعجابهم
بالحياة العربية الإسلامية وتقاليدها وثقافتها، أو نتيجة صلات عاطفية نشأت بين بعض
الفتيات الأوربيات وأبناء سراة العرب الذين كانوا يزاملون أفراد البعثات فى مختلف
المعاهد الإسلامية. وقد اشتهر من بين الفتيات اللواتى ربطت الأقدار حياتهن بالأسر
العربية الإسلامية الكريمة كثيرات، أبرزهن الأميرة " مارى غوبييه "، وهى
بلجيكية الأصل، أحبها الأمير " حسن بن المهدى " وتزوجها، ومنهن "
روبيكا ستارت " من بنات العائلات الأرستقراطية الجرمانية، والراهبة "
جانيت سمبسون " المرافقة لإحدى بعثات البنات الإنجليزيات، و"شونا "
ابنة الكونت " سيرجاك " من أشراف هولندة. ومن ناحية أخرى اشتهر من رجال
الأندلس المسلمين من ثمار هذه الزيجات الفلكى المشهور " عباس بن فرناس
".
وقد تجلت أخيرا الثمار المبكرة واليانعة لهذا الحوار الإسلامى مع أوربا
شرقا وغربا فى بناء فكر إنسانى رفيع المستوى، جدير بإن يكون اليوم
موضع تقدير وتطبيق كافة
الأطراف الإسلامية والأوربية، وهو الفكر الذى عبر عنه بطريق القسطنطينية "
نيقولا ميستكوس " فى رسالة خالدة بعث بها إلى حاكم جزيرة كريت أيام تبعيتها
للمسلمين، فى القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، جاء فيها:
" إلى
الأمجد الأعز الأشرف- حاكم جزيرة كريت:
" إن أعظم
قوتى العالم أجمع، قوة العرب وقوة الروم، تعلوان وتتألقان كالشمس والقمر فى
السماء، ولهذا وحده يجب أن نعيش إخوة، على الرغم من اختلافنا فى الطبائع والعادات
والدين ".
المراجع
(1) الحجرات:
13.
(2) آل عمران: 64.
(3) العنكبوت: 46.
(4) النحل:125.
(5) الحجرات: 13.
(6)المائدة:32
(7)الكافرون: 6.
(8) آل عمرا ن 64.
(9) البقرة:208.
(10) الأنفال: 61-62.
(11)الممتحنة:8.