الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
الإسلام و الغرب

الإسلام و الغرب

و آفاق بناء المستقبل

المشترك

الدكتور / عبد المجيد بن حمدة رئيس المجلس الإسلامى الأعلى بالجمهورية التونسية

لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور/ محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر

معالى الدكتور/ محمود حمدى زقزوق- وزير الأوقاف

رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

حضرات الشيوخ والأساتذة الأجلاء

أيها الملأ الكريم..

وبعد، فإنه ليسعدنى ويشرفنى أن أحضر معكم أعمال المؤتمر التاسع للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، الذى ينعقد بمدينة القاهرة، المعزية العتيدة. حول موضوع مهم " الإسلام والغرب: الماضى، الحاضر، المستقبل،، وقد تم إحكام تقديمه، وتوزيع محاوره، مما يسر لكل مشارك تحديد أركان بحثه، وتحقيق الهدف منه فى نطاق المقصد العام، وهو الانتهاء إلى إقامة حوار بناء صريح، وإرساء قواعد ثابتة للتعاون المثمر بين المسلمين والغربيين فى ظل الاحترام المتبادل.

وإنى لمعتز فى بدء كلمتى أن أبلغكم تحيات الشعب التونسى بقيادة سيادة الرئيس زين العابدين بن على إلى شعب جمهورية مصر العربية بقيادة السيد الرئيس محمد حسنى مبارك حفظهما الله، وكان فى عونهما، كما أبلغكم تحيات أعضاء المجلس الإسلامى الأعلى راجيا لمؤتمرنا كل النجاح.

إن مساهمتى تتناول: " الإسلام والغرب: أفاق بناء المستقبل المشترك ". وقد جعلتها فى:

- تمهيد.

- بيان حقيقة الإسلام والغرب، وحضارتيهما، ومكانتهما فى العالم اليوم. - عوامل مساعدة على بناء المستقبل المشترك.

- مقترحات.

حضرات السادة والسيدات

إننا إذا اهتديتا فى مؤتمرنا إلى التعمق فى دراسة هذا الموضوع المهم، " الإسلام والغرب، الماضى، الحاضر، المستقبل " وانتهينا إلى طرح أراء بناءة، وصياغة توصيات عملية، نكون قد شرعنا فى تحقيق الأهداف السامية المرجوة منه، وأسهمنا فى وضع أسس الحوار الحضارى الجاد، لاستشراف المستقبل فى كل أبعاده، ولا سيما مع الغرب صاحب الحضارة الفاعلة فى عالمنا اليوم.

ولن يتيسَّر لنا هذا الأمر الهام إلا إذا استقرينا ماضى العلاقات بين الإسلام والغرب، وتعمقنا فى دراستها بموضوعية، ووقفنا على أوضاعها الحاضرة بتبصر وتدبر، وتطلعنا بكل عزم وحزم، وتحرّ وتدقيق، وعمق نظر وتحقيق إلى رصد" الآفاق المستقبلية من خلال استيعاب التحولات الكبرى، وتعرف مخططات وأهداف أصحاب القرار السياسى والاقتصادى والعلمى والتقنى والإعلامى فى العالم اليوم، واستبقنا الأحداث، وتوفقنا إلى سلامة التقدير وصدق التوقع، وأحطنا بأسرار التغيرات، وتفاعلنا إيجابيا مع المستجدات.

وإننا لأمل مع المتفائلين من أهل الرأى ومختصى الدراسات المستقبلية

أن يتدرّج العالم نحو التعاون والتكامل والتعايش السلمى رغم، الاختلافات والفروق الصارخة بين دوله وشعوبه فى شتى المستويات الاقتصادية والعلمية والتقنية والإعلامية، لأن ساكنيه أنهكتهم الصراعات والحروب، التى كلما اندلعت مسّت الجميع مهما بعدت أوطانهم، وأثّرت سلبيّا فى الكل مهما تباينت مصالحهم.

إن العالم اليوم ينبغى أن يتخلى كلئا عن هذه الحلول الانتحارية الهوجاء،فهو فى حاجة متأكدة إلى تعميق النظر فى قضايا كثيرة مطروحة تزداد

تعقيدا كل يوم من أخطرها التنامى السكانى، والاختلال البيئى، والأسلحة ا لفتاكة، والنزاعات العرقية، والأمراض المستعصية، والمجاعة، والفقر، والأمية.. وهى تنذر بتغيّر فى قوى العالم سكانيا واقتصاديا، فرغم الاتساع المتواصل للفجوة بين الدول الغنية والفقيرة فى الإمكانيات والمنتجات والثروات.. إلا أن العالم بدأ يفرز قوى جديدة سيكون لها ثقلها الديمغرافى والسياسى والاقتصادى فى طليعتها الصين بنمو اقتصادى لافت للنظر زاده قوة التحكم فى التطور السكانى حتى إن الهند ستفلت منها صدارة الدول فى كثافة السكان فى بدايات القرن والألفية المقبلين، ومن القوى الجديدة دول جنوب شرقى أسيا، وبعض دول جنوب أمريكا، وعودة الروس، والمسلمين بحجمهم السكانى والاقتصادى بقيادة إندونيسيا وماليزيا وتركيا ومصر وغيرها..

ثم إن تطورات مهمة فى مجال الصحة والعلوم، والمنتجات عفت أغلب سكان العالم، بل أصبحت تشملهم جميعا يوما. ما بعد يوم، فالوفيات فى السنوات الأولى من حياة الإنسان تتضاءل فى كل مكان بفضل الأدوية والأمصال وتطوّر الطب والتمريض، والمسنون تكاثر عددهم فى العالم حتى أصبحوا يهددون ميزانيات صناديق التقاعد والضمان الاجتماعى، وفى العالم بعامة يرتفع المستوى المعيشى للإنسان ولو بنسب متفاوتة، كما أن الكشف عن الطاقات، وتطور المحصول الزراعى الذى تضاعف خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وما تبعه من نمو فى المنتوجات الغذائية التى تطورت بنسبة 25% فى العالم الثالث، كلها عوامل تبعث على التفاؤل، وتفصح عن انتشار التقدم والازدهار فى مناطق عدَّة من العالم.

كما أن الأمراض المستعصية كالسيدا- الإيدز-، ومختلف أنواع السرطان، وأمراض القلب والشرايين والسكرى، وغيرها أصبحت تسخر لها أموال ضخمة وتجهيزات متطورة، وتؤسس لها مراكز بحوث، ومخابر متعددة للسيطرة عليها، والنتائج الإيجابية تتسارع، وسنويا تنهزم جحافل الأمراض الخطرة والأوبئة أمام عزيمة الإنسان، وعقله الراجح، وتجربته المتجددة، المتلاحقة، الظافرة فى نهاية المطاف بمكاسب باهرة، تزيد فى تيسير عيش الإنسان وتدفعه إلى حبّ الحياة، والإبداع ، والأمن والسلام.

هذه دون شك أفكار متفائلة، ولكنها فى أغلبها مستخلصة من معطيات وإحصاءات ودراسات علمية معمّقة.

وتبقى المفاجآت، ونسبة الخطأ، وبعض الاحتمالات السيئة، وهذا أمر طبيعى، لأن الرسم الدقيق لصورة المستقبل فى الآماد القريبة والمتوسطة والبعيدة، أمر صعب يستدعى التحرّى والتروّى، وتعميق النظر، وتبادل الرأى، وافتراض عديد الاحتمالات، وإقامة المقايسات، والانتهاء إلى نتائج ينبغى تقديمها بكل حذر، ودون شطط.

غير أنه تجدر الملاحظة أن هناك عنصرين أساسيين على الأقل. يساعدان

على فهم المستقبل واستشرافه والتخطيط له وهما:

أولا: الانسان- هذا الذى  يختص بثوابت فيه تكاد لاتتغير، فهوكائن يتميز بالعقل، والوجدان، والانفعال، والحياة الاجتماعية، والسعى الدائب إلى الأفضل، يتميز بحب الذات، والدفاع عن كل ما يرتبط بها، أهلا ووطنا، ودينا وقيما وثقافة.

الإنسان فى حبه وكرهه، فى عدله وظلمه، فى قوت وضعفه، من

التحرك فى بطن أمه إلى الرضاعة، فالطفولة، فمختلف مراحل حياته إلى الشيخوخة الطاعنة.. هو الإنسان.

وبهذه الثوابت، وبعض الحقائق العلمية المتنامية بيولوجيا وعقليا،

ونفسيا يمكن رصد سلوك الإنسان، وردود فعله، ومواقفه، ولو بشىء تقريبى، ولكنها فى كل الأحوال "تكاد تكون هى هى، لدى الذكر والأنثى.

ثانيا التاريخ- وتكون الإفادة منه بالتعمق فى تتبع مراحله وحقبه، وتلاحق مسيرة المجتمعات فى مختلف البيئات، واستقراء أحداثه وتفسير تطوراته.. إنه مرآة الماضى التى تنعكس عليها ملامح الحاضر، وتكشف للمقتدر والمتدبّر، قسمات المستقبل.

وبعد هذا التمهيد، ما الإسلام وما الغرب؟ وما قيمة حضارتيهما؟ وما

هى مكانتهما فى العالم اليوم؟ وينم البحث فى علاقتهما الماضية والحاضرة والمستقبلة؟ ثم أى الفترات أيسر وأجدى؟.

ولكن ألا تكون الدراسة المستوعبة والفهم السليم داعيين إلى إيلاء كل

عناصر هذه العلاقة أهمية كبيرة؟.

كيف نفهم الحاضر دون استيعاب الماضى؟.

كيف نستشرف المستقبل دون الوقوف على الحاضر، وما سبقه من ماض؟.. أليست فى الحاضر بقايا الاحتكاكات الأولى بين المسلمين، وغيرهم ممن كانوا يسكنون بعض بلاد الغرب؟

أليست الحروب الصليبية رد فعل عنيف عن الفتوحات، ورغبة فى

الاطلاع على التقدم الحضارى فى بلاد المسلمين؟.

ألم تنتقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا- الغرب- فتطورت بفضلها وقويت، وتزعمت العالم منذ بضعة قرون. وبعد ذلك، دب الانحطاط فى بلاد المسلمين، وثاء التبشير فالاستعمار، فالخضوع والتبعية. أليس لكل ذلك تأثير كبير فى فهم الحاضر، واستشراف المستقبل؟.

ألا يرقب الغرب اليوم الإسلام والمسلمين  بحذر، وتخوف نتيجة سوء الفهم ونسبة ما ليس من الإسلام إليه؟.

ألا يدعو كل ذلك إلى طى صفحات الصراع، والاختلاف والتناحر بين الإسلام والغرب، وعقد النية الصادقة لبناء مستقبل مشترك أمن، متعاون، أساسه الحوار والتسامح والاحترام المتبادل؟.

إن الإسلام مهيأ لذلك بفضل مبادئه ومقومات وقيمه، فهو. دين الأخرة الإنسانية، والحرية، والسلام، والحوار، وا لتعاون، والبناء الحضارى. أركانه الأساسية: كتاب الله، وسنة رسوله، والاجتهاد العقلى المستنير بهديهما المتفاعل مع المستجدات الإيجابية المختلفة، فهما واستيعاباً وإسهاماً دعائمه الإيمان والعلم والعمل. حرر العقول من زيف الأوهام والأساطير والأباطيل، واستنهض الشعوب والأمم لتتخلص من العادات والتقاليد، ونزعات الاستعلاء والاعتداء والتقتيل والتدمير.

حرض الإنسان- ذكرا وأنثى- على فهم الحياة وكشف أسرار الكون،بحثا وتحقيقا، واستدرارا للنفع، وبرهنة على خالق الموجودات رب العالمين ليعبده موقنا مقتنعا، ويحمده ويذكره متضرعا خاشعا، لأن الإسلام فى جوهره استسلام للخالق الواحد الأحد، وسلم وسلام ومسالمة مع البشر كافة، وهو السلم والسلام والمسالمة مع النفس، ثم مع الأقرب، فالأقرب إلى الأبعد إلى الإنسان فى كل مكان وزمان، وهو سلم مع الطبيعة، مع الكون مع كل الكائنات إنه دين السلام.

أعطى قيمة متكافئة لكل من المادة والروح، وجمع بينهما فى تكامل

محكم مراعاة لفطرة الإنسان التى فطره الله عليها، فأرسى بذلك عوامل استقامته، وسعيه الدائب إلى التعمير، وجعل منه نواة المجتمع المتوازن الفاضل.

أولى المرأة مكانة سامية، وحقق لها المساواة، وضمن لها حقوقها الكاملة، وحفلها المسئولية كالرجل سواء بسواء. حرضها على التعلم والكسب والإبداع والإسهام فى التنمية والرقى الحضارى.

والإسلام دين احترام الأديان والثقافات وخصوصيات المجتمعات الإنسانية يتميز برسالته القائمة على قواعد راسخة، وقيم سمحة فى مقدمتها:

ا لإيمان، والأخوة الإنسانية، والحرية، والعلم، والعمل، والتعاون، والتسامح والحوار.

ويتلخص الإيمان فى الإسلام فى اعتقاد وحدانية الله، والتصديق بملائكته ورسله أ لا نفرق بين أحد من رسله، (1)، وكتبه، والبعث، واليوم الآخر، حيث ينال كل مخلوق ثوابه أو عقاب جنة أو نارا، جزاء وفاقا.

والأخوة الإنسانية كقيمة جوهرية فى الإسلام كانت ومازالت وستبقى

عاملا أساسيا فى التق رب بين الشعوب والأمم، فقد نظر المسلمون إلى الناس كافة باحترام ولم يتدخلوا فى حرياتهم، وخصوصياتهم، واعتبروهم عباد الله إخوانا، شملهم تكريم خالقهم، قال تعالى: ( ولقد كرمنا بنى أدم ) (2).

وعمل المسلمون على تحقيق التعارف بينهم وبين خلق الله جميعا،

وسعوا إلى تقوى الله لبلوغ الدرجة العليا فى الإكرام قال عز وجل:

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (3).

أما الحرية كمبدأ راسخ فى الإسلام، فقد شملت كل المجالات العقدية والفكرية والتعبيرية، وقاعدة ( لا إكرا. فى الدين) (4) 0 التزم بها المسلمون، فلما فتحوا الأمصار لم يجبروا شعوبها على اعتناقه، بل إنهم حموهم مما كانوا فيه من فساد وظلم وتقتيل وترد خلقى.

وقد أظلت الحضارة الإسلامية أهل الكتاب وغيرهم فعاشوا فى فضائها المزدهر، أمنين، أحرارا، ومكنت بعضهم من تولى مناصب مهمة. وبطون

كتب التاريخ حافلة بأخبار المستشارين، والخزنة، والمقربين من ذوى السلطة فى كثير من حواضر البلاد العربية والإسلامية.

لقد أقام المسلمون حضارتهم على الإيمان والعلم والإبداع، حضارة إنسانية

لم يسجل التاريخ لها مثيلا، حضارة لم تحتكر علومها وخبراتها وألياتها، بل نشرتها، وانتقلت بها إلى مختلف أنحاء العالم، ولاسيما أوروبا التى دخلتها من صقلية والأندلس، فاستفاقت من سبات عميق، ومضت تستنير بعلوم المسلمين وتنقلها إلى لغاتها وتستوعبها، وتغير بها عقلياتها، ولما اصطدمت برجال الدين فيها الذين أنكروا حركية العلم وتطوره ونتائجه المتجددة المؤثرة، وقفت متشبثة بالعلوم مقتدية فى ذلك بموقف المسلمين من العلم، صامدة فى وجه كل مناهض له، وانتصرت له، وحققت به نهضتها، وهى اليوم، والغرب بعامة، تتبوأ مكانة الصدارة فى الحضارة ا لمعاصرة.

والإسلام اليوم وأتباعه يمثلون ثقلا سكانيا واقتصاديا وفضاء استراتيجيا مهما، لا يمكن إغفاله فى بناء مستقبل العالم... فالمسلمون اليوم 6ر19% من سكان المعمورة، وهم فى تنام عددى مضطرد.. فقد زادوا بمعدل 3 ر 4% فى ربع قرن 019701995م، وهم سيلتحقون فى منتصف القرن المقبل بعدد المسيحيين الذين يمثلون ثلث سكان العالم حاليا، ولكن نموهم بطىء جداً، إذ لم ينموا إلا بمعدل 2 ر.% فى نفس الفترة.

والغرب يمكن تعريفه بكونه مجموعة دول تضفها خاصة قارة أوروبا، وأمريكا الشمالية.. تتميز بالانخراط فى نظام اقتصادى ليبرالى، وببلوغ درجة عالية من النمو الاقتصادى والتقدم العلمى والتقنى، والإعلامى، وتتصدر عالم التصنيع فى كل القطاعات ولاسيما السلاح منها

ينعم سكان الغرب بعامة بمستوى معيشى رفيع، ويروجون نمطا حياتنا

فى كل أنحاء العالم يصنعون ويبدعون وينشئون مع صناعاتهم وإبداعاتهم أسلوب فرفيها على المستهلك، ويشيعون معها وضمنها توجهاتهم الفكرية، وأنماطهم الثقافية، وسلم قيمهم.

إنّ الغرب هو الحضارة المعاصرة، وهو السيطرة على العالم تقريبا هو الدول الأغنى، والأكثر تطلعا إلى مزيد امتلاك القوة.

ولكن هو الأكثر أمراضا مستعصية، وانحرافا، وتلاعبا بالمستقبل الإنسانى والبيئى، وما قضايا جنون البدر، واستنساخ النعجة " دوللى "، والتلاعب الجينى، وما تخفيه المخابر إلا بعض مظاهره السلبية إن الغرب لا يمكن فهمه، واستيعاب مكونات، وتعزف خصوصيات إلا من خلال دراسة معمقة لحضارته من جذورها الإغريقية إلى تطوراتها فى الفضاء الدينى المسيحى إلى ثوراتها على الكنيسة إلى التعاطف معها... إلى أوضاعها اليوم.

إن حضارة الغرب اليوم لم يسبق لها مثيل من حيث مستجداتها، وإبداعاتها وقوتها فما عرفته البشيرية فى بعض العقود الأخير من النصف الثانى للقرن العشرين يفوق بدون مبالغة ما عرفته من تراكم علمى ومعرفي وتكنولوجى عبر ترون عديدة، ومطبوعات العالم الغربى يوميا تفوقي كما ونوعا ما طبع خلال عدة سنوات فى بداية هذا القرن.

هى حضارة علم وتكنولوجيا وإعلام ومعلوماتية، وقوة سياسية ، واقتصاد، وأسلحة متطورة متنوعة، نووية " كيميائية، بيولوجية، وجرثومية.

إن أبرز مميزات هذه الحضارة العلم الذى هر في تطور متلاحق عجبب

فى كل المجالات الإنسانية والاجتماعية. والطبيعية والكيميائية والطبية والفضائية.

وتكفى وقفة عند علم الوراثة الذى انطلقت اهتمامات وأبحاثه بالنباتات

ثم تطور فشمل العالم الحيوانى، فالإنسان الذى أصبح اليوم يخضع بدور. إلى نظريات هذا العلم وتجارب، فالجنيون- المورث-- الخارطة الوراثية للأنسان أصبح العلماء يتحكمون فيه، ويحددون بمقتضاه جنس الإنسان وشكله ولون عينيه، وحتى زكاءه فيما يزعمون إلى الآن، على أن هناك من يرى أن التدخل فى الجنيون لا يحدد كل شئ، نالصفات والسلوك خارجة عن نطاته.

هذا العلم خطير، يتطور اليوم، ويهدد، قد يكون ب نفع، ولكن فيه تلاعب واعتداء على بعض النواميس والقيم السائدة.

أما التكنولوجيا فماذا نقول عنها؟

إنَّها عالم مسيطر، يتحكم فى كل المجالات المعرفية النظرية والتطبيقية،إنها الآلية الحاسمة فى الازدهار والتقدم لدى الغرب.

ويمثل الإعلام خصيصة أخرى من أبرز خصائص حضارة الغرب، فله دوره الفاعل فى تشكيل الرأى العام وتوجيهه، وهو بوسائله المرئية والسمعية المكتوبة يعتبر من أكبر عوامل التأثير فى الفرد والمجتمع.

 

وأخيرا فإن حضارة الغرب تقدم يرميا نتائج مفيدة لأبحاث علمية نظرية وتطبيقية، وتفرز عوامل رفاه إنسانى واجتماعى، تقدم إيجابيات فى شتى المجالات، ولكنها بالتوازى تفرز سلبيات خطرة، تهدد حياة الإنسان فردا ومجتمعا، والمخلوقات الكونية عامة، وأهم هذه السلبيات يتمثل فى ظواهر اختلال التوازن الفردى والمجتمعى ، والقطيعة مع القيم، والتراث والتقاليد، وشيوع الأمراض الجسمية والنفسية، وتناس الجريمة والانحراف، والسلوك الاستهلاكى، والتبذير، والإضرار بالبيئة، والتسابق إلى توسيع النفوذ والهيمنة من قبل الأفراد والمجتمعات والدول، وإقصاء المخالف عرقيا وثقافيا ودينيا ومذهبيا، وعدم الالتزام بالمواثيق المجتمعية الدولية، وحقوق الإنسان والحريات العامة.

وهاجم أحد المفكرين الفرنسيين رونى ديبوا (Rene Dubois) الحضارة التى ينتمى إليها فاعتبر أن الغرب يعانى من حضارته، وهو ضائع، تانه، زائغ البصر، فاقد البصيرة.

ولكن رغم كل ذلك فإن الغرب اليوم قوة قاهرة، مسيطرة على العالم...

وإن حاول البعض أن يتشبث بخصوصيته فى التمسك بثيابه، فهل استطاع أن يحسب الزمن ساعاته ودقائقه وثوانيه بساعة من صنع يده..؟

هل استطاع أن يحصل على كل دوائه وغذائه من وطنه؟

ما العمل؟

هل نندمج وننخرط إلى حدّ الذوبان؟ أم نفكر ونتدير.. ونبحث عن

أمثل الحلول؟.

إن أفضل الملول هى الاهتداء إلى صيغ بناء تعاون مستقبلى مشترك، يحمى مصالح الجميع، ويضمن الحياة الآمنة والاستقرار والازدهار.

اتضح مما سبق أهمية الإسلام وحجم أتباعه الديمغرافى، وثرواتهم الاستراتيجية، وخصوصية ثقافتهم، وحضارتهم القائمة باعتدال على الجانبين الروحى والمادى، ومكانة العقل فيها، وأهمية الإنسان فردا وجماعة، ومنزلة المرأة، والنزعة الإنسانية الشاملة، وتكريس الحرية والتعاون والتسامح والحوار، وإرساء قواعد الأمن والسلم، والحفاظ على البيئة بكل مكوناتها.

كما اتضح أن الغرب قوة قاهرة، يمتلك حضارة اليوم بيده من العلم والتقنية والإعلام.. يتصرف فى حظوظ العالم.. ولكن له سلبيانه.. وهو

يتهيأ إلى تحولات كبرى ستزيحه عن موقعه الريادى، وتحكمه الآحادى فى العالم.. إن لم يكن عاجلا فى عقد أو عقدين، فخلال عقود قريبة خلال القرن الجديد، وفى مطلع الألفية الثالثة.

وبعد هذه الوقفة حول حقيقة الإسلام والغرب، وحضارتيهما ومكانتهما

فى العالم اليوم وهى وإن كانت مطوِّلة، فإنها تضم جوانب من أهداف البحث التى تتمثل فى فهم مميزات العلاقة بينهما، ورصد نقاط الاتفاق لترسيخها، ونقاط الاختلاف لمناقشتها، والحوار حولها بموضوعية قصد تحقيق التعاون والتعايش السلمى، وإقامة المستقبل المشترك.

وإن العوامل التى تساعد على بناء هذا المستقبل كثيرة:

اولأ: فهما- الإسلام والغرب- من أمة الإيمان، مسلمون ومسيحيون، ويهود، وقلما تجد بينهم من غير هؤلاء الأتباع للأديان السماوية الثلاثة، إلا أصحاب هجرة، أو أقلية فى بعض البلاد.

ثانيا: يضم عددا من دولهم  فضاء جغرافى متقارب، أوروبا وشمال إفريقيا.

ثالثا: لهم تفاعل تاريخى، حضارى إيجابى، من أهم خصائصه نقل العلوم والفلسفات القديمة والوسيطة إلى العربية، حيث احتفظت بها، وناقشها مفكرو الإسلام ونخلوها وأضافوا إليها وأبدعوا فيها، ثم انتقلت عن طريق العربية إلى لغات الغرب الأوروبى.

رابعا: انتشار لغات الغرب الرئيسية: الإنجليزية والفرنسية والأسبانية

وخامسا إن التعاون والإيطالية فى بلاد المسلمين الذين يطمحون أن تشيع لغاتهم فى

بلاد الغرب، وفى مقدمتها العربية مما يزيد فى تيسير التفاهم والتقارب

بين الطرفين. لا

خامسا: إن التعاون بين الإسلام والغرب ضرورى، وهو لصالحهما معا،

ذلك أن فى أيدى المسلمين ثروات استراتيجية، وفى أيدى الغربيين علوم وتقنيات متطورة، وكل فى حاجة إلى هذه وتلك.

سادسا: دعم الشراكة الأوروبية المتوسطية ( دول جنوب المتوسط وشرف) ومساعدتها على النجاح، لتكم وتشمل دول العالمين الإسلامى والغربى.

على أن أهم السبل الكفيلة بإقامة المستقبل المشترك بين الإسلام والغرب

أتصورها فى الآتى:

1-الحوار المتكافىء البناء.

2- ا لتسامح/ واحترام الاختلاف.

2- التعاون بنية صادقة فى كل المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعلمية/ والتكنولوجية.

4- التعايش السلمى.

5- السعى إلى تحقيق التنمية المستديمة لشعوبهما.

6- تكثيف لقاءات المسئولين السياسيين من الطرفين بهدف التشاور وتبادل الرأى واتخاذ القرارات وسن التشريعات لإرساء قواعد راسخة للأمن والسلم فى عالميهما، وصالح العالم بأكمله.

7- العمل على تحسين صورة كل لف ى الآخر:

أ) فى الإعلام بجميع وسائله.

ب) فى الكتب المدرسية، والمناهج التربوية.

ج) فى  حذف الأخطاء التاريخية من الوثائق، ولاسيما من المنشورات الحديثة.

8- شجب العنف ومكافحة الإرهاب بكل أشكاله.

ص

9- العمل على تكريس الحريات العامة، وحقوق الإنسان فى العالم قاطبة.

10- التعاون على إخماد الفق والحروب، واقتلاع جذور المجاعة والأمراض والفقر.

11- عقد مؤتمرات وندوات مشتركة يدعى إليها رجال الفكر والعلماء فى كل الاختصاصات لتدارس سبل التعاون والتقارب.

12- نشر ثقافة كلا الطرفين والتعريف بخصوصياتها ووضع أسس الاحترام ا لمتبادل.

13- تطوير السياحة الثقافية وإقامة المعارض والتعريف بالمعالم الأثرية فى كل بلد من الجانبين.

14- تشجيع الحوار فىالتزاور بين الشبان من الطرفين.

15- إقامة سياسة بيئية ناجعة لحماية محيطيهما، ودعم المجهود العالمى فى هذا المجال.

وختاما فإن عالم اليوم، عالم يتحتم فيه الحوار والتشاور والتعاون على تسييره وحسن تدبيره، لأنه فضاء الجميع، وما يلحقه هن نفع وتطور إيجابى يمس الكل، ولو بدرجات متفاوتة، وما يصيبه من ضر واضطراب وتدهور يعم الجميع.

وإن أقرب العالمين للتعاون وبناء المستقبل المشترك الآمن المزدهر، العالم الإسلامى والعالم الغربى لما يجمع بينهما من أديان سماوية وعلاقات تاريخية، وفضاءات جغرافية متعاقبة.. ولعلهما، بل إنَّهما ملزمان ليكونا قدوة لبقية العالم فى الحوار والتعاون والتعايش السلمى.

حضرات السادة والسيدات

هذه جملة أراء ومقترحات طرحتها، فعساها أن تسهم فى إثراء مؤتمرنا الذى يشرفنى أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لمنظميه الذين وفروا له كل عوامل النجاح. كان الله فى عون الجميع.

والسلام عليكم ورحما الله وبركاته...،،،،،

المراجع

(1)البقرة: 285.

(2) الإسراء: 70.

(3)الحجرات: 13.

(4) البقرة: 256.

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع