الإسلام و الغرب
الأستاذ الدكتور أحمد كمال أبو المجد
وزير الإعلام الأسبق
من رحمة الله بالناس أن
التاريخ لا يصنعه المؤرخون، وأن مسار الحضارات الإنسانية وسياق العلاقات بينها لا
يتحكم فيه المنطرون والفلاسفة أصحاب المذاهب الفكرية
والسياسية... ذلك أن العقل البشرى - بحكم نسبية معرفته، ونسبية ما يملكه من أدوات لتحقيق تلك المعرفة- يميل فى الغالب الأعم من الأحوال إلى تصور اللحظة الحاضرة تصورا
يجعل منها المحور الوحيد لمسار التاريخ، أو يضفى عليها حجما أكبر من حجمها، وقد
يفترض فيها ثباتا ودواما ليس لها ولا
لغيرها من لحظات الزمن.. أقول هذا، وفى خاطرى ما روج
ويروج له بعض المؤرخين وفلاسفة السياسة والثقافة خلال السنوات العشرين الأخيرة هن
نظريات ورؤى تتعلق بتصور المستقبل وتخيل صورت، واستشراف العلاقات التى ينتظر أن تقوم بين الشعوب والحضارات خلال الفترة التى يمكن تسميتها تقريبا وتبسيطا للأمور بالمستقبل القريب،
وهى الفترة التى تبدأ مع بداية القرن الحادى والعشرين الميلادى لتمتد
إلى منتصف ذلك القرن القادم.. ذلك أن هذه النظريات والرؤى التى
بدأت أول الأمر فى شكل تصورات فردية مبنية على تحليل تاريخى أو اجتماعى.. لم تلبث أن
مارست تأثيرا كبيرا على رؤية بعض الساسة والحكام وأصحاب القرار فى كثير من الدول، ومهدت بسبب موقفها العنصرى،
أو العدوانى،
أو القائم على سوء الظن بالآخرين لمواقف عملية.. بدأ كثيرمن الناس يعانون منها، ويكتوون بآثارها.
وأنا فيما أعرضه على حضراتكم اليوم من حديث إلى هذا المؤتمر، لا أعرج على التاريخ
إلا ابسترشادا- ببعض ما جرى فيه، واستبصارا بمخزوناته من
الحوادث سعياً لفهم ما يجرى فيه
وما يقع بينهم. ذلك أن الايقاع السريع لحركة التاريخ
المعاصر، والتعاقب المذهل للثورات العلمية والتقنية... لم يجعل من حق أحد أن يطيل
الوقوف عند الماضى، أو أن ينكفىء
على التاريخ انكفاء ينال من قدرته على الحركة السريعة والتعامل الكفء
الرشيد مع الحاضر وقواه، والتوجه العقلى والنفسى نحو المستقبل تأمينا لمكان الأمة ومكانتها فينا هو آت
من أيامه وأعوامه ولياليه.
إن العلاقة بين الإسلام
والغرب قد صارت قضية حاضرة، كما صارت قضية ساخنة أو- على الأقل- حية ومتوهجة، ولم
يعد أمرها يحتمل الانقطاع بالعقل والشعور عن وهمها الحاضر انصرافا إلى تحليل
ماضيها واجترارمحركات وموجهاته،
واستدعاء لتلك العناصر- فى إدمان
لا يزول- لتكون، شاغلاً للأمة فى
حاضرها.
إن ضمير المسلم المعاصر الذى يعرف عصره، ويدرك مسئوليته أمام الله عن هموم الأمة.. لا يسمحان له أبدأ أن يظل عاكفا على دراسة الحروب الصليبية
ودواعيها، أو كتابات المستشرقين القدامى من أمثال: شاخت، وجرونابوم، وجولد زيهر، وجات، وجب، وماسنيو و غيرهم.... بينما الساحة تصرخ من حوله ومن حولنا جميعا بكتابات ونظريات أخرى لأمثال ألبن توفلر، وفرنسيس فوكوياما، وصمويل هامتنجتون، وجيل كيبل، وجون اسبوسيتر. ومساجلات بين أفكار هؤلاء وأفكار علماء وباحثين
مسلمين من أمثال: أكبر أحمد، وخورشيد أحمد، ومراد هوفمان، وعزت بيجوفيتش، وكثيرون على دربهم فى الشرق والغرب جميعا.. كما أن اللحظة الحاضرة تصرخ بضجيج الحملات الإعلامية المنظمة التى تحاول
تلطيخ وجه الإسلام وحضارته. وتشوه صورته بالإساءة إلى
أتباعه..
إن علاقة الغرب بالإسلام لم
تعد قضية من قضايا التاريخ، وإنما هى
اليوم فى
المقام الأول قضية حاضر ومستقبل ومصير.. إن اشتغالنا وانقطاعنا عن ذلك الحاضر
بالتاريخ وحده يضيع كل أمل لنا، وكل فرصة فى
المستقبل.
إن كل ما نحتاجه فى هذا المحور الأول من محاور هذا المؤتمر، ومن مراجعة ملف
العلاقة بين الإسلام والغرب فى مدونات التاريخ. هو أن
نذكر حقائق كبرى ملأت صفحات عديدة من صفحات التاريخ متعاقبة على النحو الذى أحاول إيجازه قبل أن أصل ذلك الماضى
وتلك المراحل فى اللحظة
الحاضرة التى
هى الحقيقة الوحيدة فى حياتنا،- والتى هى موضع البذر الوحيد من أجل المستقبل الذى
نتطلع إليه.
بدأت العلاقة بمواجهة طبيعية
ومتوقعة بين الدعاة المسلمين والمبشرين ورجال الكنيسة المسيحية. وأقول إنها
طبيعية ومتوقعة لأن الإسلام والمسيحية بكل الموضوعية دينان عالميان تبشيريان، بمعنى أنهما يدعوان العالم كله للدخول فيهما، خلافا لليهودية التى ظلت على امتداد التاريخ دينا مغلقا على أصحاب، تندمج فيه
الخصوصية الدينية مع نوع من الانغلاق العنصرى. هذه
المرحلة التى أتحدث عنها امتدت منذ ظهور الإسلام وحتى
بداية القرن الثانى عشر الميلادى،
وخلالها كان المسلمون أكثر علما وخبرة بالآخر المسيحى، لأن الأقطار التى امتدت
إليها الفتوحات الإسلامية كانت فيها معرفة سابقة باليهودية والمسيحية. كانت
اليهودية والمسيحية أول الأمر معروفتين فى الجزيرة
العربية، فلما انتقل المسلمون إلى أماكن أخرى لم يكن أمر المسيحية أو اليهودية
بالنسبة لهم اكتشافا جديدا. إنما كانوا قد ألفوا هاتين
الديانتين وتعرفوا على معالمهما الرئيسية من قبل. كما أن القرآن الكريم- كتابنا
المنزل- الذى ختمت به
الرسالات السماوية قد جاء فصدقا لما بين يديه من الكتاب، وروى من أخبار المسيحية
واليهودية الشىء الكثير. أما رجال الكنيسة المسيحية فى أوربا، فقد رأوا فى الدين
الجديد خطرا شديدا عليهم، وتعاظم إحساسهم بهذا الخطر مع امتداد الفتوح الإسلامية، ووصولها إلى أوروبا. فأخذ بعضهم يصور الإسلام، ويصور نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام على أنه زعيم مخاتل هارب من
الكنيسة، وأن عقيدته عقيدة بدائية همجية، وأن أتباعه قراصنة معتدون، وأطلق عليهم فى الفكر الأوروبى والتاريخ الأوروبى اسم " السراسنة" ونسج رجال الكنيسة
خلال تلك المرحلة فى عقول العامة نسيجا أسطوريا متكاملا
غريبا صار جزءا من الأدب الشعبى ومن الرؤية الشعبية
الخيالية للإسلام ونبيه وحضارته. وظل هذا النسيج الأسطورى
يسجل حاجزا مانعا بين الغرب فى عمومه وبين فهم الإسلام فى قدر معقول من الأمانة والدقة العلمية
والموضوعية، على أن هذه الموحلة لم تكن فى حقيقتها عند
التأمل فيها مرحلة مواجهة بين حضارتين بقدر ما كانت
تنافسا دينيا تبشيريا مفهوما ومتوقعا. كما أن الحضارة الأوربية بمعناها الذى نعرفه اليوم، وحدودها الجغرافية المعروفة لم تكن قد
اكتمل نموها بعد، ولم تكن خصائصها التى قد تضعها موضع
التناقض مع الإسلام وحضارته. لم تكن قد تحددت على نحو يسمح بوصف تلك المرحلة بأنها
مرحلة مواجهة بين الإسلام والغرب.
ولعل السمة الرئيسية لهذه
المرحلة- على أى حال- أن الغرب المسيحى كان يجهل حقيقة الإسلام، ولم يكن يملك من الوسائل كما قال أحد الباحثين
المعاصرين التى تمكنه من التعرف
على الإسلام بقدر من الموضوعية. هذه هى المرحلة الأولى.
أما المرحلة الثانية: والتى يحددها كثير من الكتاب بفترة القرون
الأربع من الثانى عشر إلى الخامس عشر الميلادى، فهى المرحلة التى جرت فيها المواجهة المباشرة. والتعرف الإنسانى المتبادل، وذلك بصفة خاصة من
خلال الحروب الصليبية التى وإن تكن غذت روح العداء فإنها منحت أوروبا لأول مرة فرصة التعرف الموضوعى المباشر على المسلمين وحضارتهم. ويشرت
لكثير من الأوروبيين اكتشاف زيف الصورة الأسطورية التى
سادت عن الإسلام خلال المرحلة الأولى. كما يسرت لهم رؤية نماذج عملية لروح السماحة
والإنصاف التى تميز بها
المسلمون. وكذلك يسرت لهم رؤية التقدم العلمى والاجتماعى الذى كان عليه العالم الإسلامى
بالقياس إلى أوروبا خلال تلك الفترة، وخلافا لما وقع بعد قرون من انتقال جزء كبير
من المعارف الأوروبية إلى العالم الإسلامى والعربى خلال الحملة الفرنسية على مصر. فإن الحروب الصليبية
كانت فدخلا لإفادة الغربيين مما وجدوه فى العالم الإسلامى، فأخذوا يتعلمون وينقلون كثيرا من تلك المعارف إلى
بلادهم.
كذلك شهدت هذه الفترة أول
ترجمة لاتينية للقرآن الكريم قام بها
كما
هو معروف روبرت أوف كيتون الإنجليزى وأتمها عام 1143م.
كما أن الجهود العلمية
الكبيرة التى قام بها بطرس
الموقر أو المبجل رئيس رهبان كلونيد فى فرنسا خلال القرن الثانى عشر
للحصول على معرفة علمية موضوعية بالإسلام، ونقل تلك المعرفة إلى أوروبا. كان لها أثر فى زيادة حجم الفهم المتبادل بين
الحضارتين. إذ شكل بطرس الموقر جماعة من التراجمة نقلت
إلى اللاتينية أكثر من سبعين من المؤلفات العربية عن الإسلام وحضارته. ومما نقل
إلى الغرب خلال هذه المرحلة ترجمة أعمال أرسطو على ما هو معروف فى علم التواصل وتاريخ التواصل بين الحضارتين الإسلامية
والأوروبية، وقد أدى كل ذلك إلى بداية تشكل صورة جديدة أخرى للإسلام، وكتاب، ونبيه، وأتباعه فى أذهان الغربيين مضادة للصورة الأسطورية العدائية السابقة. وأضيفت إلى الأسباب السابقة لتغيير صورة الإسلام أسباب اقتصادية مبناها السعى وراء التجارة المربحة إذ كان العالم الإسلأمى منطقة اقتصادية ذات أهمية أساسية
لعدد كبير من التجار الأوروبيين.
أما المرحة الثالثة-: فهى مرحلة المواجهة
بمعناها الصحيح بين العالم الإسلامى وأوروبا الحديثة التى تشكلت معالم حضارتها فى عصر
النهضة، وقد امتدت هذه المرحلة من القرن الخامس عشر إلى بدايات القرن العشرين.
وتميزت فى تاريخ العلاقة بين المسلمين والغرب بأمرين
خطيرين:
الأمر الأول: انطلاق أوروبا
فيما يمكن أن نسميه قفزة هائلة فى مجال العلوم العقلية
والتجريبية تواكبها قفزة مماثلة فى فنون التنظيم الاجتماعى والسياسى والعسكرى،
وهما قفزتان ولدتهما روع الحرية الفكرية، واعتماد العقل آلة للمعرفة،
وانتشار ووح النقد الذى يمهد
للإصلاح، ويساعد على التغيير، وفى مقابل هذه القفزات- ولله حكمة هى بالغة- كان العالم الإسلامى
يعانى من الجمود الفكرى،
وانتشار روح التقليد فى الحياة
الفكرية والاجتماعية والانكفاء على الماضى وحده،
والتقصير الهائل فى الأخذ بالأسباب العقلية والمنطقية فى تنظيم المجتمع، وبناء تركيباته السياسية
والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية.
وحين امتدت الفجوة الحضارية
إلى ميلى ان الصناعات
العسكرية، وفنون القتال، وتنظيم الجيوش. تهيأت الساحة للظاهرة الأخرى التى طبعت هذه المرحلة وهى استعمار الغرب الأوروبى
لكثير من بلدان العالم الإسلامى بسبب تفوقه العلمى والعسكرى، وقد أدى ذلك إلى اكتشاف العالم الإسلامى لمدى الفجوة التى صارت تفصل بينه وبين الحضارة الغربية
المتفوقة اقتصاديا وسياسيا وعسكريا. وبدأ الإحساس باتساع هذه الفجوة مع
تفكك الإمبراطورية العثمانية، ثم زوال الخلافة عنها، واتجاهها المفاجىء نحو التخلى
عن هويتها الإسلامية، والتوجه إلى أكبر عملية تقليد ثقافى وحضارى فى
تاريخ المسلمين.
وامتدت روع التقليد وروح الافتتان بالغرب المنتصر من تركيا أجذاءعديدة من العالمين العربى والإسلامى، وتمثل ذلك فى أن أكثر مشروعات النهضة التى ظهرت خلال الجزء
الأخير من هذه الفترة قد قامت
أساسا على الأخذ المباشر من
النموذج الغربى مما أوقع العقل المسلم والوجدان المسلم فى حالة يعكن وصفها بأنها أزمة فصام، أو انفصام. عجزمعها الإنسان العربى والمسلم عن
التوصل إلى صيغة مستقرة يتعايش خلالها المكون الإسلامى
الأصيل لثقافة الأمة مع المكون الوافد المستمد من
النموذج الغربى اقنتصر
سياسيا وعسكريا، وهذا الفصام وما ترتب عليه من توتر
شديد لا يزال إلى ساعتنا هذه يطبع الحياة الفكرية والاجتماعية فى
أكثر بلدان العالم الإسلامى حيث يتصارع الجمود مع الرغبة فى إعادة التشكل والتشديد. كما
تتصارع الأصالة الثقافية مع التبعية الثقافية للغرب المنتصر، وهى صراعات حالت ولا تزال تحولي دون انطلاق الأمة فى
توحد فكرى، وانسجام وجدانى لمباشرة نهضة حقيقية يرتفع بها أداء الأمة، وينجو
نسيجها الحضارى من أمراض الحيرة والانشقاق الثقافى.
أما المرملة الرابعة: فهى مرحلة تثبيت النفوذ الغربى فى بلاد المسلمين، وذلك من
خلال أمور أربعة:
أولها: سيطرة النفوذ الغربى على منابع النفط فى
العالمين العربى والإسلامى،
وبصفة خاصة فى العالم العربى.
ثانياً
إقامة
دولة يهودية فى قلب العالم الإسلامى،
دولة لا تعرف لها حدود،ولا تعرف لأطماعها حدود فى أرض
فلسطين المقدسة، ومن حول المسجد الأقصى الذى
بارك الله تعالى حوله.
ومع تعاظم النفوذ الأمريكى فى العالم كله بدأ التدخل
المباشر فى شئون أكثر الدول العربية والإسلامية، وبدأ
مع الأسف الشديد قبول جزء من الأمة لهذا التدخل إما عجزا عن مقاومته، أو توهما أنه تدخل يدرأ عن هذه الأمة أخطارا أقرب وأكبر.
وخلال السنوات العشرين الأخيرة ظهر عنصر رابع على سطح العلاقة
بين المسلمين والغرب. ظهرت
ظاهرة جديدة هى ظاهرة التخوف الحقيقى أو الموهوم من
الإسلام، والتخويف المتعمد من المسلمين تحت مظلة من حملة إعلامية ودعائية مكثفة
أعادت. ولكن فى ثوب جديد حملة التشويه التى تعرض لها الإسلام والمسلمون خلال المرحلة الأولى التى صورناها تبسيطا للأمور بأنها مرحلة المواجهة بين المد الإسلامى وبين الكنيسة المسيحية.
أما المواجهة الجديدة فليست مواجهة بين الإسلام والمسيحية، وإنما هى مواجهة بين عالم العرب والمسلمين وبين العالم السياسى والاقتصادى فى الغرب، ولا أظن الكنيسة حتى فى الغرب مسئولة عن هذه المواجهة وعن هذه الحملة الجديدة.
ولكن الظروف العالمية التى تمارس فيها حملة التشويه، والتى يجرى نجيها التخوف والتخويف أزعم أنها تضعنا على أبواب
مرحلة خامسة تميزت هى الأخرى بظاهرتين جديدتين:
الاولى التوجه العالمى نحو
الكوكبة أو العؤلمة، وما يؤدى إليه ذلك من تواصل
الحضارات تواصلا يبدأ بالسعى للفهم الموضوعى
لحضارة الآخرين، وهو ما يفتح الباب لحوار حضارى محكوم بروح التسامح والإيمان بالتعددية وليس أبدا
بالصراع المحتوم بين حضارة الغرب والحضارة الإسلامية على
النحو الذى تصوره بشىء من التقريب فوكوياما وفصَّله تفصيلا كبيرا هامتنجتون. وإن كنت قد استمعت فى
تلفزيون أجنبى إلى حوار مع هامتنجتون
بدا. لى فيه أنه تراجع كثيرا عن بعض مقولاته أو على
الأقل قرر أنه أسيء فهمها.
ظهور أخطار عالمية جديدة
تواجه الكل، وتستوجب استهلال مرحلة جديدة بين الحضارات التى تقوم بينها منظومة قيم أساسية متشابهة.
الظاهرة الثالثة التى تتمم هاتين هى ظهور الصحوة
الإسلامية. وأنا لا أريد أن نرفع شعارات لا نعرف ما
وراءها. يتحدث الناس عن صحوة إسلامية، ولابد لنا هنا من التمييز بين أمرين قد
يشتبهان، ولكنهما يحتاجان إلى فرز وتمييز وتحديد فى
الأمة الإسلامية فى تيارها العريق الذى
يضم أكثر من ألف مليون شخص توجهوا إلى التحقق بقيم الحضارة الإسلامية، وإلى النهوض
من موقف التردى والتردد والتراجع إلى الانطلاق والنهضة
من خلال المقولات الأساسية، والقيم الكبرى للحضارة الإسلأمية.
هذه صحوة أمة، ولكن فى هذه الصحوة ظهرت جماعات قليلة هى هاهش على جانبى
ذلك التيار العريض فيها تعصب، وفيها تشنج، وفيها ضيق صدر، وفيها قلة علم. وأدخلت هذا فى ذاك، وجسدت معالم هذا التشنج،
وطبعت والقيت
على الأمة كلها. فإذا ما تفعله هذه القلة مصدرا ومنبعا للتخوف والتخويف
من نهضة هذه الأمة، وبمراجعتى لبعض المراجع تذكرت عددا
من مجلة النيوزويك صدرفى 29
مايو 1995 م وعلى غلافها صورة وكلام كبير يتحدث عن أوروبا المسلمة، وفيه فزعة هائلة من هجرة المسلمين إلى أوروبا، ومن تكاثر المسلمين فى أورويا، ومن
أنهم يبلغون تقربيا
عشرة
ملايين، وأنهم أكثر من مجموع
اليهود والبروتستانت فى بعض الدول الأوروبية، وأنهم
يحملون معهم تهديدا مباشرا لكل ما هو أوروبى، ولكل ما
هو غربى. إذا هناك نغمة تحاول
تصوير الصحوة الإسلامية بأنها إحياء لقيم تهدد الحضارة
الغربية فى صميمها. ولكن هنا وخلافا لكل مقولات هامتنجتون نقول بأمور أساسية:
أولاَ: هناك حاجة ملحة للاتفاق على أساس أخلاقى مشترك
للحضارة العالمية الإنسانية الجديدة حين كان الناس منحازين إلى أقطار، وحين كانت
الدورة القطرية هى الكيان الوحيد. كان طبيعيا أن تستمد
الحياة السياسية والاجتماعية زادها القيامى والأخلاقى
من أنساق قطرية أو محلية. أما حين زالت الحواجز، وارتفعت السدود، وتحدث الناس عن
عالم متكوكب أو متعولم أو
متوحد. فإن من الطبيعى أن يكون المصدر المزود لهذا
الكيان العالمى بأساسه وبنيته التحتية والأخلاقية
والروحية أن يكون مصدرا متوحدا ومتكوكبا وعالميا، ومن
هنا قامت حاجة إلى إيجاد نسق أخلاقى مشترك يحمى هذه الحضارة
الإنسانية المتعولمة من أخطار مادية مظلقة، والأنانية المطلقة، وروع العداوة المتبادلة.
الأمر الثانى أن هناك فعلا وبعيدا عن التعصب المتبادل والتخويف المتبادل. هناك عناصر مشتركة بين
الحضارتين الغربية والإسلامية ترشحانهما للتواصل وتبادل
الخبرات وتحولان دون الصدام والمواجهة. ولا ننسى أن الحضارة الغربية قامت تاريخيا
على ساقإن: ساق هيلينية
يونانية غير مؤمنة، وساق مسيحية روحية مؤمنة. وبسبب هذه الساق الروحية المؤمنة
نبتت فى نسق القيم المغدى
للحضارة الغربية أوضاع ومقولات وقيم ومبادئ عظيمة الشبه بما يحمله الإسلام للإنسانية من قيم فى
العلاقات هذا العنصر المغذى للحضارة. الأوروبية بزاده الروحى
والأخلاقى
يفتح بابا هائلا للتواصل بين الحضارتين الغربية والإسلامية.
واذا كان فى الإسلام بعض جذر تستعمل الغيبية لتنحى
العقلانية، فإن التيار الأصيل للحضارة العربية الإسلامية، والمستمد من القران
والسنة النبوية الشريفة يجعل منها حضارة عقلية تضع الآيات لأولى النهى، وتقرر أنه لا يستوى الذين يعلمون والذين لا
يعلمون، وتقرر أن العلماء ورثة الأنبياء، وأن من سلك سبيلا يلتمس فيه علما سهل
الله له به طريقا إلى الجنة. ثم هما حضارتان إنسانيتان
بمعنى أنهما- على الأقل- تحرزا فى شأن الحضارة الغربية لا تعترفان أساسا بفوارق عنصرية أولونية
أو لغوية بين البشر، كما أنهما تتجهان بهذه القيم نحو العالم كله. ثم
أنهما بعد ذلك تؤمنان بأهمية المشاركة الاجتماعية والسياسية، وتحرصان على العدل
والمساواة، وتلتزمان بسيادة حدود معينة للسلوك الإنسانى
فى داخل المجتمع سواء كانت مستمدة من حدود الله أو من قانون وضعى تعارف عليه
الناس، كما تضعان حقوق الإنسان وحرياته مكانا عاليا فى
سلم القيم الاجتماعية والسياسية. على أن تحقق هذا الالتقاء يتطلب تحقيق أمور ينبغى أن يتوجه إليها أصحاب الحمارات..
الأمر الأول: الإيمان الحقيقى بالتعددية. والتعددية أيها الإخوة تقتضى التمايز، أما
إذا نحن عممنا حضارة واحدة، وغلبنا نسقا ثقافيا واحدا تحت ظلال الكوكبة أو العولمة
فإننا نكون قد قضينا على صدق دعمنا للتعددية، لأنه لا تعدد إلا عند الاختلاف. وهذا
الاختلاف هو الذى يصنع الغنى ويصنع الثراء، ويضيف تجربة
قوم إلى تجربة قوم، وخبرة أمة إلى خبرة أمة أخرى وبالتالى
لابد فى إطار التعددية من المحافظة على الهوية، وعلى
الخصوصية الثقافية التى تضيف وتغذى.
الامرالثانى بصدقي وواقعية باستحالة إزالة الأخر وتصفيته، وفى
خصوص الحضارة العربية الإسلامية والحضارة الغربية، ينبنى
أن يدرك المسلم بأنه لن يستطيع التخلص ممن ليس مسلما، وينبغى
أيضا أن تدرك أوروبا وأمريكا أن الحقيقة الاحصائية تشير
إلى أنه من بين ستة أشخاص يدبون بأقدامهم على ظهر هذا الكوكب يوجد مسلم أو مسلمة وأن التصفية الجسدية لسدس البشرية أو التصفية
الثقافية لحضارة سدس البشرية أمر لا هو همكن ولا مطلوب بأى معيار من المعايير.
الأمرالثالث ضروة إعادة النظر فى الخطاب الدينى، والدين كان وسوف
يكون له دور متعاظم فى توفير البنية الأساسية الأخلاقية
للنظام العالمى الجديد.
وفى ختام حديثى أقول فى صراحة عما أتصوره مراجعة
ضرورية للخطاب الدينى فى الأديان الثلاثة السماوية التى تجمعها كلها رسالة
وملة إبراهيم عليه السلام.
أما اليهود فقد بنوا تاريخهم على أساس الانحياز عن سائر الأمم والشعوب، كما بنوا تاريخهم على الشكوى من اضطهاد الآخرين، والدخول فى دورات مكررة من التوحد والتعرض للاضطهاد،
ودرجوا على ابتزاز الآخرين باسم التكفير عن ذلك الاضطهاد. وقامت حياتهم النفسية
على أساس الإحساس الملازم بالخطروفقدان الأمن.
وقد تغير ذلك ك! الآن وعليهم أن يدركوا ذلك قبل فوات الأوان. وقل تصبر الشعوب
الأخرى على ذلك الوضع القديم الذى يقوم على الابتزاز
سنوات قد تصل إلى العشر والعشرين، ولكن رد الفعل لابد قادم، وقد يتخذ صورة موجة
حقيقية من معاداة السامية أو معاداة اليهودية بعبارة أدق، وسيكون لها حينئذ
مبررها. لابد إذن أن يعيد اليهود النظر فى مستقبل
علاقتهم بالآخرين على أساس الخروج من الجيتو، والمشاركة
بصدق فى صنع حضارة إنسانية تزودها الأديان باطارها القيمى المشترك.
وأكبر خطأ وخطر يقعون فيه أن يظلوا متكئين على القوة الأمريكية لأن التاريخ كما قلنا
لا يصنعه المؤرخون. ولله تعالى حكمته البالغة. وكما أودع فى الكون الطبيعى توازنا بيئيا فإنه أودع فى الكون الإنسانى توازنا إنسانيا ( وتلك الأيام نداولها بين الناس)( ولا ينبئك مثل خببر أ)
أما الغرب المسيحى فإنه يواجه أزمة شروع فى
طلاق بائن بين المكون العقلى
المادى للحضارة الغربية، وهو المكون اليونانى، وبين المكون الروحى
المتمثل فى المسيحية. إن فصل الكنيسة عن الدولة أدى
خدمات جليلة لصالح حرية الفكر والإبداع، كما أنه حمى الدين من تعسف الدولة وظلمها فى أوروبا وأمريكا. ولكن الصيغة القديمة المسرفة فى الفصل قد صارت إلى مراجعة حتى لا تندفع الحضارة الغربية
اندفاعا لا ترشده القيم الروحية المستمدة من الأديان.
أما الخطاب الدينى الإسلامى فإنه يحتاج- فيما
أرى- إلى أمور خمسة أرجو ألا تأخذنا روع الاعتذار بإنكار الحاجة إليها:
1- لابد أن نكف يد الماضى عن أن تظل متحكمة فى العقل
والوجدان، حائلة بين الجيل الحاضر، وبين التوجه للمستقبل بحرية وانطلاق، وأرجو ألا
يزايد أحد أو يستدرك أحد بأننا نعرف حق المعرفة أن الكتاب والسنة ليس من أمور الماضى، أم هما أمران قائمان إلى يوم القيامة؟. ولكن نتحدث عن
مزاج نفسى وتوجه عقلى ينكفىء عن الماضى هروبا وعجزا من
مواجهة الحاضر، أو تخوفا مما لا ينبغى التخوف منه، أو
تأثما مما لا ينبغى التأثم منه، لأن
المتأثمين الغارقين فى الإحساس بالخطأ والخطيئة لا تبقى فى نفوسهم بقية ليبنوا حضارة إنسانية.
2- لابد من إحياء المنهج العلمى
فى التفكير والسلوك وأن تسقط نهائيا بغير رجعة تلك
المقابلة العقيمة بين العقل والنقل، والتى شغلت صفحات
من تاريخنا، وأعواما من صراعاتنا، وشغلت الأمة قرونا طويلة. ولنكرر فى شجاعة وإقدام أن النقل رحمة من الله،
وأن العقل نعمة من الله، وهيهات أن تعارض رحمته سبحانه نعمته سبحانه، وهيهات أن
يتصادم يقين نقلى مع يقين عقلى، وقل كل من عند الله.
3- لابد أن تسترد قيمة الحرية مكانها فى التصور الإسلامى الساند عند العامة، وعند
الخاصة، وعند الحكام.. فالحرية مناط
التكليف، وشرط النهضة، وسبيل الإبداع الوحيد.
والحضارات الكبيرة لن يثنيها أبدا الذين يرسفون فى الأغلال سواء كانت أغلالا
مفروضة عليهم، أو نابعة من داخلهم.
4- ولابد أن نعيد النظر فى علاقاتنا بالآخرين فنحن لا نعيش، ولن نعيش أبدا فى جزيرة معزولة، ولنسلم فى تواضع
أن الله تعالى وزع الحكمة بين عباده، وبثاها بين شعوب
الدنيا، وأن الخلق كلهم عيال الله. وأن المكان الوحيد
للمسلم الصحيح إنما هو مع الناس وبين الناس، بهذا أمرنا رب الناس، ملك الناس، إله
الناس.
5-
ولابد بعد ذلك بل قبله، من إصلاح البيت.. أعنى شئون المسلمين تسلحا بالعلم.. وتفانيا فى
العمل.. وحيازة للثروة.. وإحرازا
للقوة، ذلك أن أحساب أهل الدنيا قد بنيت على المال والقوة والحديد. والدنيا لا
تأخذ الحكمة من العجزة، ولا تستمع أبدا للضعفاء، والصحوة الحقيقية ليست
شعارا ولا أمانى، وإنما هى
جهد هائل وتبعات جسام، وهمة وتيقظ، وتتطلب الأمور الكبيرة، وتنصرف- فى ترفع وتعال- عن سفساف الأمور،
وعن شحناء صغار النفوس. وتقول حين تقول إن شاء الله تقولها تحقيقا لا تعليقا،
وتتطلع إلى مواقع الريادة فى
مقدمة الموكب، وهى لا تزال بعد تغز السير فى أخره
إيمانا بأن كل آت قريب، واستشعارا بأن الأمة لم يعد لها خيار إلا
خيار الحركة والتقدم واللحَاق ثم السبق، ولنذكر كلمة
كنت أذكرها دائما كلمة حكمة نطق بها الشاعر المسلم
إقبال حين قال: إن النفوس الكبار لا تتعلق إلا بالأمور الكبار، حتى وإن كانت بعيدة
المنال. ألا ترى إلى النشور وهى ملوك الطير ألا ترى أبدا محلقة عند السفوح، وإنما تحلق عند الذرى وقمم الجبال.
6- وأخيرا لابد أن تبدأ هذه
المسيرة بعمل إعلامى ودعوى هائل يرد حملات التشويه والإساءة، ويقر فى الأذهان
شرقا وغربا أننا أمة تعمير لا أمة تدمير وأننا أمة سلام لا أمة عدوان، وأننا نمد
أيدينا بصدق ونفتح أذرعنا بحماس وأمانة للدنيا كلها.. غير متكبرين
ولا متجبرين.. وإنما نحن ساعون إلى أن نسهم مع كل
الآخرين فى بناء حضارة إنسانية يجد فيها الإنسان نفسه،
كما وجد الكون، ويعمرها بدفء الود والرحمة والأخوة والعدل والعطاء، كما عمرها
باكتشاف السنن، وتسخير الطبيعة، وتحقيق الرخاء. وفى ذلك فليتنافس المتنافسون.
والسلام عليكم ورحمة
الله وبركانه...