موقف المجتمعات الغربية
من المسلمين
أ. د. محمد إبراهيم الجيوشى
أستاذ بجامعة الأزهر
سمعت
أوروبا عن الإسلام فى زمن مبكر منذ أن كتب النبى- صلى الله عليه وسلم رسالة إلى
هرقل إمبراطور الروم يدعوه فيها إلى الإسلام.
وفى
أواخر القرن الأول الهجرى عرفت أوروبا الإسلام معرفة مخالطة والتقاء منذ أن- عبر
طارق بن زياد إلى الأندلس فى السنة الثالثة والتسعين من الهجرة، وامتد هذا
الالتقاء فى السنوات التالية حتى وصل إلى جنوب فرنسا، واتخذ بعض المسلمين لمهم
مواقع فى بعض مناطق سويسرا (عدة حصون) إلا أن هذه العلاقة لم تكن علاقة استقرار
ودعوة وإنما كان يقوم بها بعض المغامرين من العرب مما أعطى انطباعا غير سار عنهم
لدى سكان تلك المناطق (1) وإن كانوا قد عقدوا بعض الاتفاقات مع عدد من الحكام
انذاك، وكان بعضهم يستعين بهم على مواجهة الطرف الآخر.
ولئن
كانت هذه العلاقة تتسم بهذا اللون الذى لا يعبر عن، روح الإسلام فى الاستقرار
والأمن والمسالمة فإنه كان هناك على الجانب الآخر علاقات بين الخلفاء الأمويين فى
الأندلس وبين حكام أوروبا، وكانوا يبعثون إليهم بأولادهم ليتلقوا على أيدى
المسلمين كيفية التعامل الراقى والسلوك الحضارى، وقد حفظ لنا التاريخ سفارات بين
ملوك هذه البلاد وبين رجالات الأندلس ومن أشهر هؤلاء السفراء الذين تحدثت عنهم
المراجع يحيى الغزال الذى وجهه الأمير عبد الرحمن بن الحكم المروانى إلى ملك
الروم، فأعجبه حديثه، وخف على قلبه، وطلب منه أن ينادمه، فامتنع عن ذلك واعتذر
بتحريم
الخمر، وله معه ومع زوجته الملكة حديث أوردته المراجع (2)، وهذا إن دل على شئ
فإنما يدل على العلاقات القائمة بين دولة الإسلام فى الأندلس والدول الأوروبية
الأخرى مما يشعر أنهم يعرفون الإسلام، وما سبقت الإشارة إليه من إرسال ملك إنجلترا
بوفد من أسرته إلى بلاط الخلافة ليأخذوا عنهم كيفية التعامل الراقى يؤكد تسليمهم
بما وصلت إليه دولة الإسلام من حضارة ورقى فى السلوك والأخلاق والتشريعات والقيم
العليا.
افتراءات أباء الكنيسة:
ومن
عجب أن نرى مع ذلك أن من قاموا من رجال الدين المسيحى بالكتابة عن رسول الله- صلى
الله عليه وسلم- يصفونه بصفات مليئة بالأباطيل والمغالطات مما يكشف عن التعصب
المقيت الذى أعمى أبصارهم وجعلهم يسودون الصفحات بهذه الافتراءات التى تدل على
أغراضهم المريضة، ومن العجيب أن هذه الكتابات لم تجر على قلم واحد أو اثنين منهم
فقط بل تتابعوا فيها يزيد بعضهم على بعض وكانوا جميعا من رجال الكنيسة فسمموا
أفكار الناس وظنوا أن رجل الدين لا يكذب ولا يفترى، وكان هذا فيما أظن السبب فى
غرس روح العداء للإسلام فى نفوس الأجيال من أبناء الغرب يتلقونها جيلا بعد جيل من
هؤلاء الآباء غير المحترمين، لأنهم لم يبالوا بالكذب والافتراء على شخص رسول الله-
صلى الله عليه وسلم-، وقد قدمت الدكتورة زينب عبد العزيز عرضا وافيا لانحرافات
هؤلاء الآباء وقلبهم الحقائق وجرأتهم على الحق، وتزيينهم للباطل بدافع من تعصبهم
المقيت ضد النبى- صلى الله عليه وسلم-، والإسلام والقرآن فى كتابها المعنون (موقف
الغرب من الإسلام) وعرضت فى النصل الأول من الكتاب نماذج من هذه الافتراءات، وجعلت
عنوان الفصل (محمد والإسلام فى عيون الغرب) ومن ذلك ما كتبه د. هولباخ hol baach
فى كتاب له جعل عنوانه الأخلاق العالمية وكان ذلك عام 1776م كتب هذا المفترى على
الحقيقة والتاريخ يقول: (لقد ظهر محتال فى بلاد العرب وارتجل الأكاذيب باسم
السماء، واستطاع أن يفرضها على جزء من مواطنيه، وسرعان ما أصبحت هذه
وقال
رجل آخر يدعى وليم جيفورد: (متى توارى القرآن ومدينة مكة
من بلاد العرب يمكننا حينئذ
أن نرى العربى يتدرج فى سبيل الحضارة التى لم يبعده عنها إلا محمد وكتاب) (3).
هذه
نماذج للكتابات التى شكلت فكر الغرب عن الإسلام ونبيه- عليه
الصلاة
والسلام- على مدى العصور، وهى كما ترى تنضح حقدا وكراهية وافتئاتا على الحقائق
وتزييفها تبعا لهوى مريض استولى على عقول هؤلاء وقلوبهم فجعلهم يعمون عن رؤية
الحقائق ويقلبونها، لأن فى قلوبهم مرضا زادهم الله مرضا، وقد عملت هذه الكتابات
الضالة عملها فى نفوس الشعوب الأوروبية ولم تر الإسلام على حقيقته لأن هذه
الأباطيل التى سود بها هؤلاء الصفحات قد حالت بينها وبين رؤية الأمور على حقيتتها،
ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا الاتجاه العام الذى يرسم السياسة الأوروبية نحو الشرق
الإسلامي يأخذ مؤشرات من هذه الكتابات الضالة المضلة، وأن نرى سياسة الغرب نحو
الإسلام سياسة مغرضة متحاملة لأنها تستقى من ذلك النبع الآسن الذى ملأه هؤلاء
المفترون بأغاليطهم وترهاتهم.
على
أن الظروف التى دعت إلى اختلاط الغربيين بالشرقيين ووقوف
بعض
ذوى الآراء الحرة على ما لمسوه من تعاملهم مع المسلمين من صدق فى أقوالهم واستقامة
فى سلوكهم ونقاء فى عقيدتهم وإخلاص فى عبادتهم وسمو فى أخلاقهم دفعهم إلى التفكير
فى الأمور من جديد ومحاولة البحث لاستكشاف الحقائق فبدأ يظهر فى الأفق بشائر
لأقوام أحرار الفكر ينظرون إلى الإسلام من خلال الواقع الذى لمسوه فى المنتسبين
إليه ومن خلال الحقائق المكتوبة عن نبيه وعقائده وحضارته فمالهم الكم المتراكم من
التزوير الذى كتب الأباء والمستشرقون عن الإسلام، وأخذ بقلوبهم وعقولهم ما اكتشفوه
من سمو ونقاء وحكمة واستقامة فى مبادئ هذا الدين ونبيه الذى لم تر البشرية رجلا فى
سموه وصفائه ونقائه وسعيه للخير ودعوت لإصلاح البشر وبدأت تظهر كتابات هؤلاء
الأحرار عن الإسلام ونبيه فى صورة تعبر عن الحقيقة فى جلالها وجلائها.
وقال
رجل آخر يدعى وليم جيفورد: (متى توارى القرآن ومدينة مكة
من بلاد العرب يمكننا حينئذ
أن نرى العربى يتدرج فى سبيل الحضارة التى لم يبعده عنها إلا محمد وكتابه) (4).
هذه
نماذج للكتابات التى شكلت فكر الغرب عن الإسلام ونبيه- عليه
الصلاة
والسلام- على مدى العصور، وهى كما ترى تنضح حقدا وكراهية وافتئاتا على الحقائق
وتزييفها تبعا لهوى مريض استولى على عقول هؤلاء وقلوبهم فجعلهم يعمون عن رؤية
الحقائق ويقلبونها، لأن فى قلوبهم مرضا زادهم الله مرضا، وقد عملت هذه الكتابات
الضالة عملها فى نفوس الشعوب الأوروبية ولم تر الإسلام على حقيقته لأن هذه
الأباطيل التى سود بها هؤلاء الصفحات قد حالت بينها وبين رؤية الأمور على حقيتتها،
ولا عجب بعد ذلك إذا رأينا الاتجاه العام الذى يرسم السياسة الأوروبية نحو الشرق
الإسلامي يأخذ مؤشراته من هذه الكتابات الضالة المضلة، وأن نرى سياسة الغرب نحو
الإسلام سياسة مغرضة متحاملة لأنها تستقى من ذلك النبع الآسن الذى ملأه هؤلاء
المفترون بأغاليطهم وترهاتهم.
على
أن الظروف التى دعت إلى اختلاط الغربيين بالشرقيين ووقوف
بعض
ذوى الآراء الحرة على ما لمسوه من تعاملهم مع المسلمين من صدق فى أقوالهم واستقامة
فى سلوكهم ونقاء فى عقيدتهم وإخلاص فى عبادتهم وسمو فى أخلاقهم دفعهم إلى التفكير
فى الأمور من جديد ومحاولة البحث لاستكشاف الحقائق فبدأ يظهر فى الأفق بشائر
لأقوام أحرار الفكر ينظرون إلى الإسلام من خلال الواقع الذى لمسوه فى المنتسبين
إليه ومن خلال الحقائق المكتوبة عن نبيه وعقائده وحضارته فهالهم الكم المتراكم من
التزوير الذى كتبه الأباء والمستشرقون عن الإسلام، وأخذ بقلوبهم وعقولهم ما
اكتشفوه من سمو ونقاء وحكمة واستقامة فى مبادئ هذا الدين ونبيه الذى لم تر البشرية
رجلا فى سموه وصفائه ونقائه وسعيه للخير ودعوته لإصلاح البشر وبدأت تظهر كتابات
هؤلاء الأحرار عن الإسلام ونبيه فى صورة تعبر عن الحقيقة فى جلالها وجلائها.
أصوات تصدع بالحق وتجابه الباطل
لئن
كنا قد وقفنا على افتراءات الآباء ورجال الكنيسة عبر عدة قرون مما
أعطى صورة مشوهة عن الإسلام
ونبيه العظيم- صلى الله عليه وسلم-، وسمم أراء الناس فى الغرب، وجعلهم ينظرون إلى
الإسلام نظرة كلها ريبة وتوجس، فإن عددا من المفكرين والباحثين عن الحق، قد
استطاعوا أن يكتشفوا خداع الآباء ومن سار على دربهم، وأن يروا ما فى الإسلام من
سمو وصفاء ونقاء وأن يعلنوا آراءهم فى مواجهة. هذا الركام الذى غشى على أبصار
الناس فى الغرب، ومنهم من أسلم وأعلن على الناس إسلامه وجاهد فى سبيل نشر الإسلام
ومنهم من صد ع بكلمة الحق وكشف تضليل الكاذبين وسنقدم فنا نماذج من هؤلاء، ومنهم
الكاتب الروسى الشهير تولستوى، والفيلسوف رينيه جينوه.
والطبيب
الفرنسى دكتور غرنييه، وعدد من الإنجليز الذين أسلموا واتخذوا أسماء إسلامية منهم
عبد الله جوليام ومن قبله اللورد ستنلى أولدرلى واللورد هيدلى، ومستر عبد الله
براون، وممن كتب عن رسول الله معجبا كارليل صاحب بطل الأبطال.
رأى
تولستوى:
أما
تولستوى الكاتب الروسى الذائع الصيت فقد سجل رأيه فى شخصية النبى- صلى الله عليه
وسلم- فقال: (لا ريب أن هذا النبى من كبار الرجال المصلحين، الذين خدموا الهيئة
الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخرا أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح
إلى السلام وتكف عن سفك الدماء، وتقديم الضحايا (5).
وكان
الذى دفع تولستوى إلى إعلان هذا الرأى الشجاع فى الإسلام ونبيه
- صلى الله عليه وسلم- ما رآه
من حملة ظالمة على الإسلام وعلى رسوله العظيم، فكان جزاؤه من الكنيسة أن أعلن
البابا حرمانه من رحمة الله عقابا
له على رأيه الحر، وموقفه الفذ مما يشهد له أنه
من عظماء الرجال حقا وقد أثار موقفه هذا الشجاع إعجاب حكيم الإسلام الإمام محمد
عبده فكتب إليه يحمد له موقفه ويثنى عليه (6).
مسلم مصرى سمع عنه فسافر
إليه فى قريته وأحب أن يتعرف منه مباشرة عن سبب إسلامه فقال إنه كان فى أيام شبابه
يعمل طبيبا فى البحرية الفرنسية، يقضى معظم أوقات فى البحار على ظهور السفن بين
السماء والماء مما أعطاه معرفة واسعة بالبحر وأحواله فى هياجه وسكونه وكان لديه
متسع من الوقت يقطعه فى القراءة والاضطلاع.
ووقع
فى يده ترجمة للقرآن الكريم باللغة الفرنسية ومما لفت انتباهه ما
جاء
فى ترجمة الآية الكريمة من سورة النور:( أو كظلومات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه
موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده. لم
يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (7).
والآية
الكريمة تصور تخبط الجاحد فى كفره وضلاله بتخبط الغريق بين ظلمات الأمواج فى يوم
مطير متراكم السحاب، يقول الرجل إنه لما قرأ ترجمة هذه الآية ودقة الوصف فيها- ولم
يكن قد اعتنق الإسلام بعد- ظن أن محمدا- صلى الله عليه وسلم- قضى حياته كلها فى
البحار، وعانى من أحوالها بين الهدوء والعواصف، وكان يعجب كيف يتهيأ لرجل وصف تخبط
الضالين بهذه الدقة فى إيجاز صور فى كلمات معدودة أهوال البحار وحالتها الطبيعية
فى صورة تجعل السامع كأنه يعيش فى هذه الظروف ويراها بحواسه، وقدم هذه الصورة
الرائعة فى أسلوب يعجز أى شخص عاش فى البحار أن يأتى بمثلها.
فلما
تبين للطبيب الفرنسى بعد اطلاعه على هذه الآية أن محمدا- صلى
الله
عليه وسلم- لم يركب البحر قط، وأنه كان أميا ازداد عجبه كيف تسنى له ذلك ،وهو لم
يركب البحر ولم يعاين أهواله رجع ثانية إلى القرآن الكريم، فأيقن أن هذا ليس من
كلام البشر، وإنما هو وحى الله إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم- فأسلم لأنه وجد
فى الإسلام دين الفطرة الذى يقنع
العقل
ويرضى القلب (8) وأنه يخلو تماما من كل ما فى الديانات الأخرى من بقايا الوثنية.
وهكذا يجذب الإسلام من حين
لآخر أعداد إذا من ذوى الفكر والثقافات المتنوعة أحيانا بما فيه من قضايا فكرية
وكونية كما رأينا فى تلك الآية التى جذبت انتباه ذلك الطبيب، ومن المثير للانتباه
أن صورة مشابهة تتكرر بعد حوالى نصف قرن من الزمان مع طبيب فرنسى أخر هو موريس
بكاى الذى أدهشه ما فى القرآن من حقائق علمية لم يتهيأ للبشرية معرفتها إلا فى
الخمسين عاما الأخيرة فأسلم هو الآخر، وسجل رحلته فى كتاب عنوانه (القرآن والتوراة
والإنجيل فى ضوء العلم الحديث).
بعد
أن وقفنا على هذه الصور التى تشعرنا بأن الحق والصدق والإخلاص والقيم العليا لابد
أن تجد لها من يقدرها ويعلى من شأنها على الرغم من كثرة الأباطيل والترهات التى
فاه بها الآباء والمتعصبون من رجال الكنيسة، نحب أن نقدم صورة من صور التقدير
الحر، والرأى الذى يواجه المتعصبين الذين يحاولون أن يشوهوا الحقائق بما يسطرونه
من أكاذيب هؤلاء وأمثالهم تصدى لهم:
كارليل
أحد كبار الكتاب الإنجليز فى شجاعة وصراحة لا تعرف
المواربة،
وتصفع الكذابين بالحقائق الدامغة التى سجلها فى فصل عن سيدنا محمد فى كتابه
الأبطال والذى ترجمه إلى العربية الأستاذ محمد السباعى رحمه الله، وفى هذا الكتاب
يقول كارليل: (من العار أن يصغى أى إنسان متمدين من أبناء هذا الجيل إلى وهم
القائلين: إن دين الإسلام كذب، وأن محمدا لم يكن على حق).
لقد
آن الأوان أن نحارب هذه الادعاءات السخيفة المخجلة، فالرسالة التى
دعا
إليها هذا النبى ظلت سراجا منيرا أربعة عشر قرنا من الزمان لملايين كثيرة من الناس
فهل من المعقول أن تكون هذه الرسالة التى عاشت عليها هذه الملايين وماتت أكذوبة
كاذب، أو خديعة مخادع؟ ولو أن الكذب والتضليل يروجان ضد الحق هذا الرواج الكبير
لأصبحت الحياة سخفا وعبثا، وكان الأجدر بها ألا توجد.
هل
رأيتم رجلا كازبا يستطيع أن يخلق دينا، ويتعهده بالنشر بهذه الصورة؟.
إن الرجل الكاذب لا يستطيع أن يبنى بيتا من الطوب
لجهله بخصائص
مواد البناء، وإذا بناه فما
ذلك الذى يبنيه إلا كومة من أخلاط هذه المواد، فما بالك بالذى يبنى بيتا دعائمه
هذه القرون العديدة، وتسكنه هذه الملايين الكثيرة من الناس؟.
وعلى
ذلك فمن الخطأ أن نعد محمدا رجلا كاذبا متصنعا، متذرعا بالحيل والوسائل لغاية أو
مطمع، وما الرسالة التى أداها إلا الصدق والحق، وما كلمته إلا صوت صادق صادر من
العالم المجهول، وما هو إلا شهاب أضاء العالم أجمع، ذلك أمر الله، وذلك فضل الله
يؤتيه من يشاء.
أحب
محمدا لبراءة طبعه من الرياء والتصنع، ولقد كان ابن الصحراء مستقل الرأى، لا يعتمد
إلا على نفسه، ولا يدعى ما ليس فيه، ولم يكن متكبرا ولا ذليلا، فهو قائم فى ثوب
المرقع كما أوجده الله يخاطب بقوله الحر المبين أكاسرة العجم، وقياصرة الروم،
يرشدهم إلى ما يجب عليهم لهذه الحياة والحياة الآخرة.
وما كان محمد بعاشق قط، ولا شاب قوله شائبة لعب
ولهو، فكانت المسائل عنده مسألة فناء وبقاء، أما التلاعب بالأقوال، والعبث
بالحقائق فما كان من عادته قط.
ويزعم المتعصبون أن محمدا لم يكن يريد بدعوته غير
الشهرة الشخصية والحياة والسلطان، كلا واسم الله.
لقد
انطلقت من فؤاد ذلك الرجل الكبير النفس، المملوءة رحمة وبرا وحنانا، وخيرا ونورا
وحكمة أفكار غير الطمع الدنيوى، وأهداف سامية غير طلب الجاه والسلطان.
ويزعم
الكاذبون أن الطمع وحب الدنيا هو الذى أقام محمدا وأثاره، حمق وسخافة وهوس إن
رأينا رأيهم، أية فائدة لرجل على هذه الصورة فى جميع بلاد العرب، وفى تاج قيصر
وصولجان كسرى جميع ما بالأرض من تيجان. لم يكن كغيره يرضى بالأوضاع الكاذبة، ويسير
تبعا للاعتبارات الباطلة،
ولم
يقبل أن يتشح بالأكاذيب والأباطيل.
لقد كان منفردا بنفسه العظيمة، وبخانق الكون
والكائنات، لقد كان سر الوجود يسطع أمام عينه بأهواله ومحاسنه ومخاوفه لهذا جاء
صوت الرجل
منبعثا من قلب الطبيعة ذاتها، ولهذا وجدنا الآذان
إليه مصغية، والقلوب لما يقول واعية.
لقد كان زاهدا متقشفا فى
مسكنه ومآكله ومشربه وملبسه، وسائر أموره وأحواله، فكان طعامه عادة الخبز والماء،
وكثيرا ما تتابعت الشهور ولم يوقد بداره نار.
فهل
بعد ذلك مكرمة ومفخرة، فحبذا محمد من رجل متقشف، خشن الملبس والمأكل، مجتهد فى
الله، دائب فى نشر دين الله، غير طامع إلى ما يطمع إليه غيره من رتبة أو دولة أو
سلطان.
ولو
كان غير ذلك لما استطاع أن يلاقى من العرب الغلاط احتراما وإجلالا وإكبارا ولما
استطاع أن يقودهم ويعاشرهم معظم وقته ثلاثا وعشرين حجة وهم ملتفون حوله، يقاتلون
بين يديه، ويجاهدون معه، لقد كان فى قلوب العرب جفاء وغلظة، وكان من الصعب قيادتهم
وتوجيههم، لهذا كان من يقدر على ترويضهم وتذليلهم بطلا، وأيم الله.
ولولا ما وجدوا فيه من آيات النبل والفضل لما خضعوا
لإرادته ولما انقادوا لمشيئته.
وفى
ظنى أنه لو وضع قيصر بتاجه وصولجانه وسط هؤلاء القوم بدل
هذا
النبى لما استطاع قيصر أن يجبرهم على طاعته، كما استطاع هذا النبى فى ثوب المرقع.
هكذا
تكون العظمة.
وهكذا
تكون البطولة.
وهكذا
تكون العبقرية.
يا
لها من شهادة تنطق بالصدق وتسمو بالحق، وتزدان بالشجاعة فى إبداء الرأى الصريح يوا
محيطا قد سيطر الخداع والباطل والحقد على أصحاب الأقلام فيه من رجال الكنيسة ومن
دار فى فلكهم.
الشيخ
عبد الله جوليام أسلم منذ ما يقرب من قرن ونصف
قدم
إلى القاهرة منذ قرابة ثلاثة أرباع القرن، والقى محاضرة بالقاهرة تحدث فيها عن سبب
إسلامه، فقال إنه قبل أن يفد إلى القاهرة بما يقارب ستين عاما كان قد أشار عليه
أحد الأطباء بقضاء فترة راحة فى جبل طارق، ومن جبل طارق توجه إلى مدينة طنجة فى
سفينة بحرية، وتصادف أن كان
على ظهر السفينة جماعة من
الحجاج المغاربة، وقد لفت انتباهه أنهم يغترفون الماء من البحر ويتطهرون به
استعدادا للصلاة، ولاحظ اهتمامهم بالنظافة، وما كادت السفينة تقلع، وتأخذ طريقها
إلى عرض البحر حتى اصطف هؤلاء للصلاة فى صفوف منتظمة، وقد لفت انتباهه ما يعلوهم
أثناء الصلاة من خشوع وطمأنينة غير ملقين بالا لاضطراب السفينة، وتمايلها بفعل
الأمواج والرياح، ولقد تأثرت نفسه تأثرا شديدا بما لاحظه على وجوههم من صدق
الإيمان، فدفعه هذا المنظر الفريد بالنسبة له إلى الاهتمام بالبحث عن الدين الذى
يدينون به، وأن يستزيد من المعلومات عنه، وقد تهيأ له أثناء إقامته بطنجة التعرف
إلى أحد المسلمين الذين يتحدثون الإنجليزية وقل لازمه بعدما لمس منه الرغبة فى
معرفة ما يصلون على ظهر السفينة، حافزا له على أن يكثر من البحث عن الإسلام
والقراءة عنه، فأخذ فى قراءة ما كتبه المنصفون عن الإسلام مثل ترجمة القرآن الكريم
لمسترسل والأبطال لكار ليل وكانت ثمرة هذه الرحلة الاستجمامية أنه خرج منها صحيح
الجسم والعقيدة، فعاد وقد ملك الإسلام زمام نفسه، واستقر فى السويداء من فؤاده.
وما
كاد يعود إلى إنجلترا حتى بدأ يفكر فى الطريقة التى يدعو بها الناس، والأسلوب الذى
يختاره لينجذب إلى ساحة الإيمان بالإسلام من يستطيع، وكان مقدرا لصعوبة الطريق،
لأنه يدرك مدى المخاطر والمصاعب التى تعترض طريق الدعوة إلى الإسلام، بعدما حشا
القسس أذهان الأوروبيين عن الإسلام بالافتراءات والأكاذيب مما جعله يعتقد أن الحديث
عن طريق المحاضرات والنشر لا يجدى، لأنك تتحدث إلى جمهور يعتقد لكثرة ما يسمعه من
القسس أن الإسلام دين وثنى، ولم تكن وسائل النشر على استعداد لفتح صفحاتها لمثل
هذه الدعوة، وعلى العموم لم يكن هناك استعداد للإصغاء إلى شئ من هذا القبيل.
ثم
بدا له أن يسلك طريقا غير مباشر ليقدم للجمهور الإسلام من خلاله، فانضم إلى جمعية
محاربة المسكرات، وكانت تلقى محاضرات منتظمة، فاشترك فى موسم المحاضرات، وبدأ
بموضوع (التعصب والمتعصبون) بدأ باستعراض ما لاقاه بعض المخترعين وزعماء الإصلاح
الاجتماعى من اضطهاد وسخرية من الجهلة والمتعصبين، ولكن ذلك لم يصرف هؤلاء عن
متابعة جهودهم حتى انتشرت إصلاحاتهم، واستفادت الإنسانية منها فوائد عظيمة
جعلها تعترف لهم بالفضل
والعظمة، ثم عتب على ذلك بذكر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وما قام به من هداية
وإصلاح وما لا قاه من عنت واضطهاد، ولم تلبث الإنسانية أن رأت النور والهدى فى
دعوته، فاتبعه مئات الملايين من البشر، ثم عرض لبعض مبادئ الإسلام وادابه ؤ
وتعاليمه، فكان المدخل إلى هذا الموضوع بهذه الطريقة طريقا دفع الصحفيين الذين
حضروا لاستماع المحاضرة أن يستأذنوه فى نشر ملخص لها، فاشترط عليهم أن ينشروها كلها
أو يدعوها كلها، فوافقوا على مطلبه ولكن القسس تدخلوا لدى رئاسة التحرير زاعمين أن
المحاضرة يدعو إلى دين وثنى، وتشجع المسيحيين على ترك دينهم، وجرى أخذ ورد هدد فيه
إلى رفع الأمر للقضاء إن لم تنشر، وبعد أن أعادوا النظر فيما قاله القسس لم يجدوا
له أصلا فنشرت المحاضرة.
وكان
ذلك أول نجاح إذ تمكن عدد كبير من قراءة ما قاله فى الصحف،
وقد
شجعه ذلك على اتخاذ مقر يتحدث فيه إلى الناس عن الإسلام، وافتتح المسجد أبوابه
لاستقبال الراغبين فى الاستماع، وجن جنون القسس فأخذوا ينفرون الناس ويقدمون لهم
معلومات مليئة بالأكاذيب والأباطيل فإذا جاء الناس واستمعوا وجدوا معلومات مغايرة
كل المغايرة لما يشيعه القسس، فأدى ذلك إلى نتيجة عكسية وزاد عدد الرواد للاستماع
لما يقال.
ولم
يقف الأمر عند هذا الحد بل أخذ القسس يغرون الأشرار بإلقاء القاذورات على المصلين
أثناء الصلاة وعند خروجهم من المسجد، ويرجمون المؤذن بالحجارة، ويتسللون إلى داخل
المسجد فينثرون قطع الزجاج المكسور على السجاد ليجرحوا جباه المصلين وأيديهم
وأرجلهم ثم وضعوا أسلاكا على درجات السلم ليعثر بها المصلون عند خروجهم، ولكن لحسن
الحظ كان بيد الشيخ عصا لم يتعود حملها من قبل، فارتطمت بالأسلاك، وتنبه المصلون
لما هو ملقى فى طريقهم فتفادوه.
ولم
يقف الأمر عند هذا الحد، بل أغروا عددا من المخدوعين أن يدخلوا المسجد ومعهم حصى
ويستمعوا إلى ما يقوله الشيخ وبعد أن ينتهى يقذفون المصلين بما فى جيوبهم من
الحجارة ولكن المفاجأة جاءت من كبير هؤلاء المخدوعين فبعد أن انتهى الشيخ من كلامه
وقف وقال لأصحابه من كان منكم يريد أن يرجم المسلمين فليرجمنى فقد صرت مسلما.
هذا
جانب من جهاد ذلك الرجل وبعض المتاعب التى لاقتها الدعوة من المتعصبين، ولكن
القافلة سارت وكثر عدد المسلمين فأصبح فى كل بلد فى إنجلترا مسجد أو أكثر ويأبى
الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
عبد لله براون:
ومن
هؤلاء الطلائع الذين "أضاء الله بصائرهم مستر عبد الله براون،
وكان سبب إسلامه أنه صادف
سلوكا إنسانيا نبيلا من فلاح هندى مسلم، وقارنه بسلوك آخر من فلاح هندى غير مسلم،
أدرك الرجل أن السلوك النبيل اكتسبه صاحبه من دينه الذى يأمر بمكارم الأخلاق، وقصة
ذلك أنه زار الهند على غير معرفة سابقة وأخذ يتجول فى ربوعها، ويطوف بين قراها،
ربما للدراسة، وربما للملاحظة والمشاهدة وربما لأمر أخر، وكان الإنجليز آنذاك هم
أصحاب السلطة فى الهند، فلهم الهيبة والنفوذ- والجاه، وأثناء تجواله أدركه العطش،
ولاح له مجلس فلاح هندى فمال إليه، وقد أبصر معه إناء فيه ماء، فسأله أن يسقيه،
فقدم له الهندى الماء، ولكنه بعد انصرافه ترامى إلى سمعه صوت إناء يتحطم، وأدرك أن
الفلاح الهندى حطم الإناء الذى قدمه له ليشرب منه، واختزن الرجل ما وقع فى ذاكرته،
ولم يدرك له تفسيرا، وإن كان يعرف فى دخيلة نفسه أن الرجل قدم له الماء، لأنه من أصحاب السلطة والقوة فى الهند، وعاود
الرجل التجوال مرة أخرى، ثم أدركه العطش، فسأل أحد القرويين كوب ماء، فقدمه له،
إلا أنه لاحظ أن ذلك الفلاح لم يكسر الإناء بعد انصرافه كما فعل الأول، فدفعه ذلك
إلى أن يقارن بين مسلكى الفلاحين الهنديين، ويعرف السبب من ورائه، فسأل دليله
المصاحب له عن سر ما وقع من الرجلين، فأخبره أن الأول وثنى، والثانى مسلم، عند ذلك
أدرك أن للدين دخلا فى تصرف كل منهما-، ودفعه ذلك إلى التعرف على الإسلام من
مصادره الصحيحة، وكان مستر براون ومن على شاكلته من المثقفين الأوروبيين يدركون أن
ما يكتبه القسس والمستشرقون عن الإسلام ونبيه ليس صحيحا، وأن أهواءهم تدفعهم إلى
تشويه حقائق الإسلام، وقلب محاسنه مساوئ، ولا يدخرون وسعا فى الإساءة إلى مبادئه
والتشنيع على نبيه- صلى. الله عليه وسلم- فأخذ الرجل يبحث عن كتابات مبرأة من
الأهواء، فقرأ ترجمة القرآن الكريم إلى الإنجليزية لمسترسل وهى من أقدم الترجمات،
وقرأ عن حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- حتى شرح الله صدره للإسلام.
نشأة الأقليات الإسلامية فى أوروبا
تنتشر الأقليات الإسلامية
فى المجتمعات الغربية سواء فى أوروبا الغربية أو الشرقية أو فى الأمريكتين، غير أن
هناك خلافا جوهريا بين الأقليات الإسلامية فى أوروبا الشرقية وبين الأقليات فى
أوروبا الغربية والأمريكتين، ذلك أن المجتمعات الإسلامية فى شرق أوروبا أسبق وجودا
من المجتمعات الإسلامية فى أوروبا الغربية والأمريكتين وهم من أبناء البلاد
الأصليين فى مجموعهم فى حين أن الغالبية العظمى التى تشكل المجتمعات الإسلامية فى
أوروبا الغربية وفدت إليها من الأقطار الإسلامية فى الشرقين الأدنى والأقصى، تبعا
للصلات التى تربط بين البلد المهاجر منه فى الشرق، وبين البلد المهاجر إليه فى
الغرب.
ولسنا فى حاجة إلى أن نذكر أن القرن الماضى شهد الهجمة الاستعمارية الشرسة
من الغرب على الشرق، واقتسمت الدول الاستعمارية فيما بينها إلا قليلا العالم
الإسلامى، ففى فرنسا على سبيل المثال نجد الغالبية العظمى من المسلمين القادمين من
بلاد المغرب العربى والدول الأفريقية المتحدثة بالفرنسية، وفى إنجلترا نجد السواد
الأعظم من المسلمين القادمين من شبه القارة الهندية، إلى جانب الدول الأفريقية
وجزر الهند الغربية التى وقعت تحت حكم الاستعمار الإنجليزى، وكذلك نجد القادمين من
إندونيسيا يشكلون جانبا من الجالية الإسلامية فى هولندا التى استعمرت إندونيسيا،
ولكن غلب على الجالية الإسلامية فى هولندا أخيرا العنصر التركى، وسر ذلك أن هذه
الدول اضطرت إلى الاستعانة ببعض سكان المستعمرات فى القيام ببعض الأعمال المتواضعة
مما نتج عنه تزايد أعداد هؤلاء، واستقرارهم فى الدول الغالبة، وقد شجع على استمرار
هذا الوضع أن هؤلاء المهاجرين وجدوا فى البلاد الأوروبية فرصا للعيش لم تكن متيسرة
لهم فى بلادهم، ووجدوها وسيلة للارتفاع بمستوى معيشتهم، والاستفادة من الميزات،
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى وجد أصحاب الأعمال فى أوروبا فى هؤلاء المهاجرين
فرصة لتحقيق عمالة بتكاليف أقل، وأجور متواضعة كثيرا عما يدفعونه لأبناء جلدتهم من
الأوروبيين، ويمكن القول بأن المجتمعات الإسلامية
فى أوروبا تشكلت تبعا
للصلات السياسية التى قامت بين الدول التى استقرت فيها هذه المجتمعات وبين الدول
التى هاجرت منها، إلا أنه يستثنى من هذه القاعدة المجتمعات الإسلامية من أصل تركى
والتى استوطنت بعض بلاد أوروبا مثل ألمانيا والنمسا وبلجيكا وهولندا، فأفراد هذه
المجتمعات قدموا إليها من تركيا ذاتها بعد الحركة الكمالية، ومن القادمين من بلاد
أوروبا الشرقية فرارا من الاضطهاد الماركسى وسيطرته على بلادهم.
ومما
لا شك فيه أن جانبا من سكان البلاد الأصليين قد اعتنقوا الإسلام، وأخذوا يشكلون
قطاعا بين تلك المجتمعات، وقد نما عددهم فى العقدين الأخيرين نموا شمل كل
المستويات الفكرية والاجتماعية: من طلاب وأساتذة وباحثين وأصحاب أعمال وفنيين
وعمال.
مشكلات يعانى منها المسلمون فى أوروبا
هناك
مشكلات كثيرة تواجه المسلمين فى بلاد الغرب بعضها عام ينتظم الدول التى فيها
أقليات مسلمة جميعها وبعضها يوجد فى دولة ما مضافا إلى المشكلات العامة، وسنتناول
أولا المشكلات العامة التى يعانى منها المسلمون فى أوروبا ثم نتبعها بعرض نموذجين
من المشكلات التى تتميز بها دولة عن أخرى ونظرا لأن تناول مشكلة كل دولة على حدة
سيستغرق صفحات عديدة لا يتسع لها نطاق هذا البحث فسنعرض لمشكلات المسلمين فى
اليونان، ومشكلاتهم فى بلغاريا.
أما
المشكلات العامة فتتخلص فيما يلى:
أولا:
الصراع الصليبى الذى يعد سمة مشتركة، وقد بدأ ذلك منذ وقت مبكر، وأهاجه ما كتبه
الرهبان والقسس عن الإسلام وتصويره فى صورة مظلمة قاسية متوحشة تجعل من يطلع عليها
ينظر إليه نظرة الكراهية وبخاصة إذا كان ممن لم يتيسر له الوقوف على حقيقة الإسلام
وما فيه من سماحة ورحمة ورقى فى العقائد والسلوك والأخلاق والتعاملات، ونظرته
المقدسة لأنبياء الله ورسله.
ثانيا:
حرمان المسلمين فى الغرب من التمثيل فى الحكم على الرغم من وجود أقليات إسلامية فى
كل دول العالم الغربى، فليس هناك من يمثلهم فى الحكم، ويعبر عن رأيهم حينما تسن
قوانين تمس حياتهم الخاصة وعقائدهم، وما ذلك إلا لأنهم مسلمون فى حين أن الأقليات
غير الإسلامية فى بلاد المسلمين تتمتع بحقوقها كاملة، بل وتتميز عن الأغلبية، وهذا
من الوضوح بحيث لا يحتاج إلى دليل، وقد أدى تجاهل الأقليات المسلمة فى الغرب،
والحيلولة بينها وبين التمثيل فى الحكم فى جميع مستوياته إلى عدم إتاحة الفرصة لهم
فى معرفة رأيهم فيما يفرض عليهم من قوانين، فى حين أن مثل هذه الأمور مكفولة كفالة
مطلقة للأقليات غير الإسلامية فى بلاد المسلمين
ثالثا:
على الرغم من التزام الحكومات الغربية بتيسير سبل التعليم أمام المواطنين المقيمين
ببلادها، وتقديم المساعدات المالية التى تمكنهم من إدارة المدارس التى يتعلمون
فيها حسب معتقداتهم الدينية- كما هو الحال بالنسبة لبلد مثل إنجلترا فإن المدارس
التابعة للحكومة والمدارس التى تديرها الكنائس والمدارس التى تقوم عليها الجالية
اليهودية، كلها تتلقى دعما ماديا من الدولة فى متابعة مسيرتها التعليمية إلا أن
المسلمين هناك محرومون من هذا الدعم، وكلما تقدموا بطلبات تعطيهم نفس الحقوق التى
تقدم لغيرهم لم يجدوا استجابة، بل يلقون إهمالا وتجاهلا ونسيانا، وترتب على ذلك
ضعف المستوى التعليمى بين أبناء المسلمين، وبخاصة ما يتعلق بعقائدهم وعباداتهم،
ولم يبق أمام المسلمين إلا الجهود الذاتية غير الوافية بحاجة أبناء المسلمين كى
يتعلموا أمور دينهم، وقل أدى ذلك إلى إلحاق أبنائهم بالمدارس الأخرى التى تفرض
عليهم تعليم المسيحية أو تعليما إلحاديا وما يحاوله الأباء من تلقين أولادهم بعض
التعاليم الإسلامية غير مجد، لأن الجمهرة من الآباء محدودو الثقافة، ومشغولون
بالحصول على لقمة العيش.
رابعا:
عدم وجود فائض لدى أفراد الجاليات الإسلامية يدعمون به المؤسسات الإسلامية،
لانخفاض الدخول التى يحصلون عليها بسبب ضعف الأجور، أو قلة المهارة الفنية، ومعروف
أن أغلبهم يقومون بأعمال شاقة ويتقاضون أجورا أدنى.
خامسا:
عدم المساواة فى التعامل مع المسلمين، فهناك التفرقة العنصرية بين المسلمين وسواهم
متدينين كانوا أو ملحدين وهذا أمر ملموس فى بلاد أوروبا.
سادسا:
تتوزع الجاليات الإسلامية بين جماعات لها اتجاهات سياسية، أو انتماءات عرقية، تعوق
وحدتهم، وتؤثر على وضعهم العام، بحيث لا تجد الحكومات صوتا واحدا يطالبها بحقوق
المسلمين ويسعى لتحقيقه، وهذه بلوى الفرقة حتى فى بلاد الغربة.
مشكلات محلية
ما
سبق عرضه يعتبر مظهرا عاما للمشاكل التى تواجه المسلمين فى أى
بلد أوروبى يعيش فيه
مسلمون، ولكن إلى جانب ما سبق هناك مشاكل أخرى تأخذ طابع المحلية، وتتميز بها دولة
عن سواها، وقد أشرنا من قبل أننا سنعرض لأوضاع المسلمين فى بلدين يعتبران نموذجين
لما يواجهه المسلمون من عنت واضطهاد لا يقره عقل ولا قانون وإنما يدفع إليه التعصب
الأعمى والحقد الدفين.
أما
النموذج الأول فهو أوضاع المسلمين فى اليونان، ومن المثير للدهشة
حقا
أن نجد تلك الروح العدائية نحو المسلمين من بلد كاليونان، ونحن قد فتحنا أعيننا
على الحياة فوجدنا اليونانيين يشاركوننا الحياة فى بلادنا سواء فى القرى أو المدن
وينعمون بما لم ينعم به أبناء البلاد الأصليون حتى كونوا الثروات الضخمة وامتلكوا
المزارع والعقارات وأداروا المؤسسات التجارية والصناعية فى كل جانب من أرض الوطن
لم يتدخل فى حياتهم وشئونهم قانون ولا عرف، بل كانوا مدللين فى كل مكان يحلون فيه،
وكان منتظرا أن يلاقى المسلمون فى اليونان معاملة مماثلة، ولكن الواقع المر يقول
غير هذا وسيتبين مما سنعرضه مدى ما يتعرض له المسلمون فى اليونان من تضييق واضطهاد
ومصادرة.
قد
يثير العجب والدهشة أن ترى الحكومات اليونانية تتبع سياسة موجهة مع المسلمين
لإجبارهم على الهجرة وتصفية أوضاعهم هناك، على الرغم من أن اليونانيين شاركونا فى
العيش فى بلادنا، وجمعوا ثروات ضخمة، وكانت لهم سيطرة على التعامل فى المجالات
الاقتصادية والتجارية وليس هناك أى شرط يحول بينهم وبين التصرف فى ممتلكاتهم كيفما
يحلو لهم، وتحويل رؤوس أموالهم إلى أى مكان يريدون.
أما
المسلمون فى اليونان فهم فى مأزق حرج، ووضع ظالم إن دل على
شئ
فإنما يدل على التعصب المقيت، والحقد المستأصل الذى يحول بينهم وبين النظرة
القائمة على العدل والإنصاف ويتبين ذلك فيما يلى:
يتركز
المسلمون فى اليونان فى منطقة تعرف ب (تراقيا الغربية)
وهناك معاهدة عقدت بين
تركيا واليونان فى 1342 هـ- 1922
م تعرف بمعاهدة لوزان، وقد نصت على ضمان معاملة عادلة
لمسلمى تراقيا الغربية (10)، ولكن الحكومات اليونانية المتعاقبة ضربت بنصوص
المعاهدة عرض الحائط، وأخذت تضيق الخناق على المسلمين لتدفعهم إلى الهجرة حتى لا
يبقى منهم أحد، وقد اتخذت الوسائل التالية لتحقيق خطتها الظالمة:
1- إذا أراد مسلم أن يهاجر تخلصا من التضييق
والمعاناة التى تواجهه فإنه يحرم عليه أن يبيع ممتلكاته إلى أحد من المسلمين بل لا
يسمح له بيعها إلا إلى يونانى مسيحى، والنتيجة العملية لذلك أن تؤول الملكية إلى
اليونانيين وأن تتقلص أو تزول مع الزمن ملكية المسلمين فى منطقة تراقيا الغربية،
وقد كانت ملكية المسلفين فى تراقيا الغربية تشكل 84% فى عام 1922 م، فانخفضت إلى
أقل من 50%، وكان عدد القرى المسلمة يبلغ 300 قرية فتقلص إلى 42 قرية فقط.
2- لا يسمح للمسلمين أن
ترتفع منازلهم أكثر من طابق واحد.
3- يحرم على المسلمين بناء مساجد جديدة.
4- كذلك يحرم عليهم استعمال الوسائل العصرية للإنتاج ليظلوا متخلفين
اقتصاديا.
5- تفرض غرامة مالية على الأئمة إذا قاموا بتعليم
أبناء المسلمين الدين الإسلامى أكثر من ساعتين أسبوعيا فى حين أنهم يسمحون
للمسيحيين بالتعليم فى بعض المدارس الإسلامية.
6- لا يسمح لهم بالتعليم باللغة التركية على الرغم من
أنهم جميعا أتراك، فهم يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية وذلك لأن منطقة تراقيا
الغربية كانت تابعة لتركيا قبل معاهدة لوزان التى ألت تبعيتها إلى اليونان، ولذلك
!سكانها فى غالبيتهم أتراك، ولغتهم الأم هى اللغة التركية وكان مقتضى بنود اتفاقية
لوزان أن يعطوا الحرية فى إدارة شئونهم الخاصة من ملكية ودينية وثقافية واجتماعية
حسبما كانوا عليه من قبل (11)، ولكن الملاحظ أن
المسلمين
لم يجدوا وسيلة إزاء هذا الاضطهاد إلا أن يهاجروا وتقدر بعض المراجع أن عدد
المهاجرين من تراقيا خلال السبعين عاما الماضية الأخيرة بلغ 450 ألف مهاجر، وكان
عددهم أثناء عقد معاهدة لوزان 215 ألف تقريبا وكان المفروض بعد مضى سبعين عاما أن
يتضاعف هذا العدد أربع مرات تقريبا، ولكنه تناقص إلى حوالى125 ألف نسمة (12).
وهذا
يشير إلى مدى ما يلاقونه من عسف وظلم.
ولست
أدرى لماذا تغفل الدول الإسلامية أو تهمل إثارة وضع المسلمين فى اليونان أو تلوع
بأنها ستضطر لأن تعامل اليونانيين فى بلادها بالمثل؟ هذا التساؤل فى الحقيقة لا
يجد جوابا لدى المشتغلين بأوضاع المسلمين وإنما يشعرون بالمرارة والأسى من الإهمال
الذى يعانى منه المسلمون فى بلاد أوروبا وسواها.
ومن
أسهل الوسائل أن تطالب الدول الإسلامية والعربية من اليونان أن تعامل المسلمين
معاملة المثل، ولكل الدول العربية علاقات متينة بهذه الدولة، ولا يحتاج ذلك إلا
إلى إشعار اليونان بوجوب العدل فى التعامل مع إخواننا المسلمين عندهم، وأرجو أن
يكون هذا المؤتمر فاتحة لبداية الطريق للدول الإسلامية لكى تباشر حقوقها فى
المطالبة بأن ينال المسلمون فى اليونان حقوقا متساوية مع سواهم من أهل البلاد كثا
نفعل نحن مع إخواننا المسيحيين فى بلادنا.
على
أننا يجب أن نتوجه من خلال هذا المؤتمر بتحية تقدير وإجلال لهؤلاء الصامدين أمام
هذا الاضطهاد المرير على مدى سبعين عاما، والذين تمثلهم جمعية اتحاد الإسلام التى
تأسست عام 1932م وحددت أهدافها فى الوحدة والتمسك بالإسلام وتعاليمه، وتحقيق
التعليم الإسلامى لأبناء المسلمين، وبفضل نشاطها وعملها الدائب تمكنت من إعادة
الأوقاف الإسلامية، ونجحت فى التمسك باللغة التركية مكتوبة بحروف عربية، ونشر عدة
كتب إسلامية.
وهناك
جمعية أخرى حديثة النشأة تسمى (يقظة الإسلام) ولعلنا نتساءل كيف تمضى أحوال
المسلمين فى أجواء هذه العواصف الهوج، ومن خلال البحث والدراسة عرفنا أن هناك
ثلاثة من رجال الإفتاء موزعين على
الأقسام
الإدارية فى تراقيا الغربية، ويتبع كل مفت إدارة للأوقاف الإسلامية يشرف عليها
هيئة منتخبة تقوم بالإنفاق من ريع الأوقاف على المساجد والمدارس ورواتب الأئمة
والوعاظ (13).
هذا
نموذج لما يعانيه المسلمون فى بلد قريب منا ويحتسبه العالم الإسلامي فى عداد الدول
الصديقة، وأعتقد أن الحكومات اليونانية لو وجدت من العالم الإسلامي موقفا حازما
وواضحا لأعادت النظر فى تصرفاتها الظالمة وتعصبها غير المبرر ضد المسلمين الذين
عاشوا فى تلك الأرض منذ مئات السنين.
ولعل الحاكمين فى تركيا
يدركون أن ما ينادون به ويسعون إليه ويعلنونه على الناس جميعا أنهم دولة علمانية
يقف جيشها بالمرصاد لحماية المؤسسة العلمانية لعلهم يدركون أن ذلك لن يغنى عنهم
شيئا، وأنهم بعد سبعين عاما لا يجدون لهم مكانا بين دول أوروبا، وأن من الخير لهم
أن لا يتنكروا لماضيهم ويحاربوا العقيدة التى كانت سببا على مدى عدة قرون أن تحل
بلادهم محل القيادة والزعامة فى العالم، وأن من الخير لهم ولشعبهم المسلم أن يوثق
ارتباطه بالعالم الإسلامى، لأن ذلك هو الامتداد الطبيعى لهم، وقد رأوا على مدى
ثلاثة أرباح قرن من الزمان أنهم جسم غير مقبول فى الكيان الأوروبى لأن أوروبا لن
تنسى أن تركيا شعب مسلم، وإن حاول رجال الجيش وبعض الساسة أن يتناسوا ذلك، ألا
فليعلموا أن تحالفهم مع إسرائيل لن يجديهم نفعا لأن من الخير لهم أن يعيدوا
حساباتهم.
المسلمون
فى بلغاريا:
يشكل
العنصر التركى الأغلبية فى مجموع المسلمين البلغار وقد تراوح
ذكر
عدد المسلمين فى بلغاريا ما بين مليون ونصف إلى مليونين ونصف، وفى تقرير لقسم
الأقليات الإسلامية التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامى ذكر أن الأتراك فى بلغاريا
يشكلون 17% من مجمل السكان، وإذا أخذنا فى الاعتبار أن المسلمين فى بلغاريا
يتشكلون من الأتراك ومن البوماق الذين يسمون (البلغار المحمديون) فإن الإحصاء الذى
يبلغ بعدد المسلمين إلى 5ر 2 (مليونين ونصف) يكون أقرب إلى الصحة، وإذا لاحظنا أن
عدد السكان فى بلغاريا حسب إحصاء 1985م يبلغ تسعة ملايين فإننا نستطيع أن نقول
بناء على ذلك أن نسبة المسلمين فى بلغاريا تزيد على25% من مجموع السكان (14).
وقد تعرض المسلمون فى
بلغاريا إلى أقسى ألوان الوحشية، ولاقوا من صنوف الاضطهاد ما لا يمكن لعقل أن
يتصوره، وإننا حينما نستعرض ما لاقاه المسلمون الأوائل من تعذيب واضطهاد فى مكة
أول أيام الدعوة ثم نقارنه بما حملت إلينا الأنباء وكتبه الباحثون عما تعرض له
المسلمون من اضطهاد ومصادرة فى بلغاريا لا نجد أن ما لاقاه المسلمون الأوائل على
الرغم من بشاعته لا يساوى واحدا على المائة مما عاناه ويعانيه المسلمون فى بلغاريا
وسواها من بلاد أوروبا الشرقية سواء فى ظل الحكم الشيوعى أو بعد انحسار موجة
الشيوعية عن التحكم فى مصائر الأفراد والشعوب، وهذا إن دل على شئ فإنما يدل على
روح صليبية متأصلة فى نفوس هؤلاء الذين فقدوا كل معانى الإنسانية والرحمة وغطت
أحقادهم وأضغانهم على أبسط المعانى التى يجب أن تسود فى علاقة بنى البشر بعضهم مع
بعض، وحينما نسجل هذا الموقف الذى يندى له جبين الإنسانية لا نأتى بشئ من عند
أنفسنا، بل ننقل إلى إخواننا فى هذا المؤتمر الذى يهتم بأمر المسلمين فى الغرب
صورا مما كتبه الباحثون فى هذا الشأن.
جاء فى كتاب
مأساة المسلمين فى بلغاريا نقلا عن كتاب (الإبادة فى بلغاريا)
ما
يلى: إنه فى عام 1984م حدث فى قرية (الأكور) التركية التابعة لقضاء أورثا كوى
البلغارى أن داهمت فرقة عسكرية مسجد القرية بينما كان الأهالى يؤدون صلاتهم، وأخذت
الفرقة تطلق النار داخل المسجد، ثم أنزلوا إمام وخطيب المسجد من على المنبر، وكان
اسمه (إسماعيل بن على) بعد أن أوسعوه ضربا ثم أخرجوه من المسجد، وقال له قائد
الفرقة: (كلكم من الشعب البلغارى فما لكم ولهذا المسجد).
هل
يمكنكم إنقاذ ربكم أو النبى من أيدينا الآن، على أيديكم أنتم، وطلبوا
من الخطيب العودة إلى المسجد، وإلقاء الخطبة بهذا
المعنى، وأن يبلغ المصلين أنهم جميعا بلغار، وأن عليهم تغيير أسمائهم، لأن هذا المسجد
سيحول
مع الزمن إلى شئ أخر غير أن الإمام رفض وقال: إن الصلاة لا تجوز أن تقطع لأى سبب،
فأجبروه فى الدخول أمام المصلين، وهو غارق فى دعائه، ليثيروا الرعب فى نفوس
المصلين أيضا (15).
وكان
ذلك نتيجة لحملة قادتها الحكومة ضد المسلمين ليغيروا
أسماءهم
إلى أسماء بلغارية، وحتى
الأسماء أو العبارات الإسلامية المكتوبة على المقابر طلب إليهم أن يمحوها
ويستبدلوا بها كتابات بلغارية حتى لا يبقى أثر يوحى بأنه كانت هناك صبغة إسلامية،
وأرغمت المفتى أن يبعث بمنشور إلى الأئمة يطلب إليهم أن شواهد المقابر يجب أن لا
يكون عليها النجمة
و
الهلال (16).
وفى
يونيو من عام 1986 م
جاء فى تقرير (لجنة هلسنكى للمراقبة) أن اعترفت اللجنة باضطهاد المسلمين فى
بلغاريا سواء كانوا من الأتراك أو البلغار.
وإمعانا
من السلطات البلغارية فى اضطهاد المسلمين أصدرت القوانين
التى
توقع عقوبات على المسلمين إذا فعلوا أمورا منها:
ا-
عقوبة ختان الذكور- ألزم كل فرد من الأقلية التركية بالتوقيع على تعهد بأنه لم ولن
يقوم بختان أولاده وإلا فإنه يتعرض للمحاكمة، وقد جاء فى تقرير منظمة العفو
الدولية اسم رجل فى الواحدة والثلاثين سجن فى أغسطس 1985م لمدة خمس سنوات لارتكاب
جريمة ختان أبنائه.
2- غسل الموتى ودفنهم: يمنع منعا باتا غسل موتى المسلمين قبل دفنهم
وتمنع إجراءات الدفن حسب الطقوس الإسلامية.
3- يمنع الصيام فى رمضان.
4- يمنع الاحتفال بالأعياد الإسلامية، وبخاصة عيد
الأضحى ويمنع ذبح الأضاحى كما جاء فى صنداى تايمز 17/1/1986م .
5- يمنع الزواج حسب الطريقة الإسلامية ويجب أن يتم عقد الزواج حسب النظام المدنى
البلغارى فى مكتب رسمى.
6- يجبر رجال الدين المسلمين على تغيير أسمائهم
العربية الإسلامية إلى أسماء سلافية ومن يستجيب يتقاضى مرتبا إضافيا.
وينقل
صاحب كتاب مأساة المسلمين فى بلغاريا جانبا من حوار دار بين
أحل مراسلى الصحف الألمانية
وبين عدد من المسلمين وكان مما قالوه عن كيفية دفن الموتى المسلمين فى ظل الأوامر
البلغارية بدلا من أن يأتى شيخ ليقرأ القرآن يأتى قسيس بملابس سوداء، ويلقى خطبة
باللغة البلغارية، ليس لها أى معنى، فإذا كان المتوفى يسمى عليا مثلا فإن القسيس
يتحدث عن واحد اسمه ديميتر وأن ديميتر هذا كان شخصا طيبا (17).
وهذا
إن دل على شئ فإنما يدل على أن التعصب ليس ضد الأديان كلها
كما يقال، وإنما التعصب والاضطهاد ضد المسلمين
فقط، وإلا لما حرم شيخ أن يدفن أو يدعو لميت مسلم وجئ بدلا منه بقسيس.
وكان
تعليق المراسل الألمانى على هذه الصورة البشعة قوله: (إن معظم الأتراك فى بلغاريا
لم يكونوا متعصبين للإسلام ولكن أحداث بلغاريا الأخيرة دفعتهم لأن يكونوا كذلك).
ومن
المثير للدهشة حقا أن العالم الإسلامى لم يحرك ساكنا إزاء هذا الاضطهاد الذى يتعرض
له المسلمون على فظاعته ومخالفته لكل القوانين التى يتعايش على أساسها البشر فى
حين أن منظمة العفو الدولية قد أصدرت عدة تقارير ضد أعمال العنف التى يتعرض لها
المسلمون فى بلغاريا أشارت فيها إلى الإجراءات التعسفية واقتحام المدن والقرى
بالدبابات، وإطلاق الكلاب، وتقديم قوائم بأسماء القتلى والمعتقلين ومجهولى المكان
للمواطنين المسلمين من قبل السلطات البلغارية (18).
بل
إن المجلس الأوروبى أصدر قرارا فى 24 يوليو سنة985 ام برقم 5444 وطالب فيه الحكومة
البلغارية ب:
ا-.
وضع حد للضغط على الأتراك بقصد تبديل أسمائهم وإعادة أسمائهم الأولى إليهم.
2- وضع حد لانتهاك حقوق الأقلية المسلمة التركية فى
الجوانب الدينية والاجتماعية والثقافية.
3- تمكين هذه الأقلية من ممارسة حقها فى جمع شمل
الأسر عملا بنص
الدستور
البلغارى والاتفاقات الدولية.
4-
السماح للدبلوماسيين المعتمدين لدى الحكومة البلغارية والصحفيين
الدوليين بزيارة مناطق الأتراك (19).
هذه الأصوات ترتفع منددة
بالظلم الواقع على المسلمين فى بلغاريا من خارج العالم الإسلامى، ولم نجد موقفا
حاسما للدول الإسلامية تجاه هذا الاضطهاد للمسلمين فى تلك البلاد، وكان من الممكن
للعالم الإسلامى أن يوقف السائحين الذين يتقاطرون على تلك البلاد لينفقوا ملايين
الدولارات من أموال المسلمين ويضعوها فى أيدى من يطاردون إخوانهم ويحرمونهم من
أدنى الحقوق الإنسانية ناهيك عن إغلاق
المساجد وتحويلاها إلى متاحف بل إننا نقرأ فى الصحف دعوات إلى قضاء الصيف فى فارنا
وما فيها من متع وراحة ولم يقل أحد أن المسلمين هناك يعذبون و يحاربون.
على
أن تاريخ اضطهاد المسلمين فى بلغاريا ليس قاصرا على الحكم الشيوعى، بل إن له جذورا
ممتدة إلى أواخر القرن التاسع عشر حينما كانت الحرب بين روسيا وتركيا فقد شهدت
هجرات جماعية بلغت فى مرة منها إلى 250 ألف مهاجر، وكانت المرة الأولى فى عام
1877م حيث تعرضت أموال المسلمين وممتلكاتهم للنهب وتعرضوا للطرد الجماعى.
وكانت
المرة الثانية فى عام 1908م حينما نصب فريناند نفسه حاكما على بلغاريا واستمرت
موجة الاضطهاد حتى انخفض عدد المسلمين إلى 13% عام 1939م و بدأت الموجة الثالثة فى
عام 946 ام بعد استيلاء الحزب الشيوعى على الحكم، وأخذ فى مطاردة المسلمين الأتراك
وبلغ عدد الذين هاجروا عام 1951
م 160 ألف مسلم.
وإزاء
هذه السياسة الجائرة وإهدار الحقوق الإنسانية للمسلمين فى تلك البلاد والاستيلاء
على أموالهم وممتلكاتهم ومصادرة حقوقهم فى ممارسة شعائرهم الدينية كما رأينا فيما
عرضناه من قبل على مدى هذا التاريخ الأسود الذى حاول حكام بلغاريا فيه أن يقضوا
على أى أثر إسلامى يحتاج الأمر إلى وقفة حازمة من العالم الإسلامى يتقرر فيها:
ا-
منع المسلمين الذاهبين للسياحة من السفر إلى بلغاريا.
2- إيقاف التعامل التجارى، وقطع العلاقات الاقتصادية
مع تلك البلاد.
3-
الانتقال بقضية المسلمين إلى المحافل الدولية.
4- إعطاء الفرصة للشعوب الإسلامية كى تعبر عن غضبها
من هذا العدوان الآثم على حقوق إخوانهم بالسماح للمظاهرات أن تتوجه إلى السفارات
البلغارية لتعلن عن غضبها واستيائها.
5- القيام بحملة إعلامية فى الصحف والإذاعات المسموعة
والمرئية حتى يدرك الحكام البلغار أن وراء هؤلاء قوة عالمية تغضب لهم وتثور من
أجلهم.
6- يتوج ذلك كله أن تقدم وزارات الخارجية فى
العالم الإسلامى احتجاجات عبر وسائلها الدبلوماسية، حتى يشعر البلغار أن وراء
هؤلاء من يغضب لهم ويهتم بأمرهم، ومن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.
7- المطالبة بأن تتوجه وفود من العالم الإسلامى
لملاقاة المسلمين هناك والوقوف على أحوالهم مباشرة..
8- السماح للمسلمين فى بلغاريا أن يبعثوا بأبنائهم
للعالم الإسلامى ليتلقوا دراسات إسلامية تعينهم على معرفة واجباتهم الدينية
ومباشرتها مباشرة صحيحة.
9- إيفاد الدعاة والعلماء والمدرسين إلى المسلمين فى
بلغاريا حتى يشعروا أن هناك من يشاركهم أمالهم وآلامهم.
10- العمل على إقامة مؤسسات إسلامية من المسلمين
البلغار تقوم على شئونهم وتحافظ على مساجدهم التى بلغت فى يوم ما 1300 مسجد ولكنها
اليوم إما خرائب وإما متاحف وإما أيلة للسقوط.
على
أننا لا نريد أن نتجاهل ما قامت به الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامى فقد
أصدرت بيانا فى مايو 989 ام أعربت فيه عن انشغالها العميق لتدهور أوضاع الأقلية
التركية المسلمة فى بلغاريا.
وفى
عام 1987م يونيو زارت مجموعة الاتصال المنبثقة عن المؤتمر الإسلامى السادس عشر
لوزراء خارجية الدول الإسلامية الذى انعقد فى فاس بالمغرب عام 986 ام أقول زارت
المجموعة بلغاريا، وشاهدت على الطبيعة أحوال الأقلية الإسلامية هناك وأصدرت
تقريرها وقدمته إلى المؤتمر السابع عشر المنعقد فى عمان مارس 1988م، ووافق المؤتمر
أن تكون هذه المشكلة إحدى بنود المناقشات الرئيسية. حتى تجد حلا لها.