موقف الإسلام من غير المسلمين
فى المجتمعات الإسلامية
المساواة فى الحقوق والواجبات
الـدكتور/ الأنبا يوحنا قلـته
النائب البطريركى للأقباط الكاثوليك
مقدمه
بـدا لى أن أغامر بطرح سؤال
أعتبره نقطة انطلاق لهذا البحث حول موقف الإسلام من غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية.
إنها مغامرة ليست سهلة والحديث الشريف يتردد صداه فى فكرى " إن هذا الديـن
متين فـأوغل فـيه برفـق، فـإن المنبـت لا ارضـا قـطع ولا ظهراً
أبقى".
والسؤال
الذى يلح على خاطرى، كما يراود أذهان الكثيرين من غير المسلمين أو من بعض المسلمين
أحيانا: هل الإسلام متـسـامح أم غير مـتسـامح؟.
هـل لإسلام فى كتابه المقدس، القرآن
الكريم، فى مناخه الروحى، وعمق فكره الشامل، فى آياته البينات، فى خطابه إلى المؤمنين المسلمين، أو
إلى غير المسلمين إلى جميع الناس " أيها الناس " فى جوهره وفى مظهره، فى
معناه و فى مبناه، هل هو دين متسامح يقبل التعايش مع الأديان المختلفة الكتابية
وغير الكتابية؟؟ وكيف تعايش معها خلال القرون الطويلة؟ أم
أن التسامح مشروط بمبادئ وحدود، أو أن التسامح فرضته مسيرة الحياة، وتقلب الأحداث وتطور التاريخ
والقرون؟.
تلك
قـضية
لم تزل تناقـش فى أنحاء شتى من العالم، بالعقل تارة وبالهوى طوراً، فمنذ بزوغ فجر الإسلام
لم تتسع رقعته كما هى اليوم، ولم يمتد نفوذه إلى أقصى الأرض كما يحدث الآن،
ولم يواجه تحديات الحضارة بكل ما تزخر من فكر أو علم أو طموح كما هو الآن، ولم تطرح قضية الإسلام وعلاقته
بغيره من أصحاب الأديان المختلفة كما تطرح اليوم، فعالم اليوم غير
عالم الأمس، والعلاقات بين الأمم والشعوب غيرها بالأمس.
وهناك
ضجة فى واقع اليوم حول ما يسمى " بالحركة الأصولية، والتى أزعم أنها نتيجة من
نتائج أحداث القرن العشرين ومنها زرع دولة دينية وهى إسرائيل وسياسات الغرب تجاه
البلاد العربية " فالأصولية تتحرك من أجل أسلمة العالم كما يقال، والضغط على
أصحاب الأديان الأخرى فى دينهم وفى واقـعهم الاجتماعى والثقافى والسياسى، بل والضغط
على المسلمين غير المنتمين لهذه الحركة، كما توجد حركات أصولية فى الأديان الأخرى
تتخذ شعارات غير دينية لكنها رغم ذلك تدفعها رؤية دينية لا شك فيها. تتوازن مع الأصولية الإسلامية، مما أثار القلق حول مستقبل
الحضارة الإنسانية، وهل ستشهد صراعا دينيا بين الإسلام وبين الأديان الأخرى،
وبخاصة المسيحية "؟ (1)، وقد عقدت مؤتمرات تدعو لهذه الفكرة (2)، وتؤكد أن
الإسلام دين لا يتسامح ولا يتعايش مع غيره من الأديان، وبالرغم من أن البعض يرفض
حتى كلمة " تسامح " لأنها فى نظر هذا البعض قد تؤدى إلى الشعور بأن
المتسامح يملك الحق فى يده وهو القوى وفى مقدوره أن يترفق بمن هو أضعف منه، أو كأن
المتسامح يتنازل عن بعض حقوقه لشعوره بالتفوق، وقد رفض الكلمة بعض المفكرين المسلمين (3).
مع
أن دلالة لفظ تسامح فى العربية، من مادة سمح ووزن تفاعل، تفيد وقوع فعل التساهل والمرونه
من الطرفين لا من طرف واحد (4) سأحاول أن أجتهد فى الإجابة على السؤال مرتبطا
بموضوع البحث، وأنا مدرك أنى أخوض بحراً عميقاً، متوخيا الموضوعية بقدر ما أستطيع
و قد
رأيت أن يكون البحث فى نقاط ثلاث أساسية:
أولا:
الإسلام: الدين- وغير المسلمين.
ثانيا:
الإسلام: السنة الشريفة- وغير المسلمين.
ثالثا:
الإسلام: الدولة- وغير المسلمين.
وقبل
الخوض فى الموضوع أود أمام هذا المؤتمر الجليل أن أعتذر عن أى خـطأ يرد فى بحثى، فما هو
إلا اجتهاد إنسان مسيحى مصرى، عقيدته المسيحية، وثـقافته عربية ومسيحية
وإسلامية، وقد كنت حريصا ألا أبدو مزدوج الشخصية وألا أنافق حيث لا يجب النفاق،
والمنافقون مكروهون من الله ومن الناس وألا أبخس حق الإسلام هذا الدين الشامخ،
وإنى أود أن يأتى بحثى معبراً عن صدق الاعتقاد وأمانة الاجتهاد.
أولا:
الاسلام: الديـن- وغير المسلمـيـن
1-
لا ينكر مفكر، أو عاقل، أن الإسلام دين يتسم بشمولية كاملة، وأحد ملامح هذه
الشمولية، أنه دين يربط بين الأبدى والزمنى، بين المطلق والنسبى، إن نقطة ارتكاز
الإيمان هى الصلة بين الله الواحد الأحد، القيوم، الرحمن الرحيم، الأبدى، الامتناهى، وبين الإنسان المحدود بالزمان وبالمكان
والأسير فى واقعة الأرضى والاجتماعى، والظامئ دوما إلى المطلق، وكل إنسان فى أعماقه رغبة عميقة الجذور أن
يرى عالم الله.
إن
الشرق العربى هو موطن " الكلمة " وهو موطن الإنسان الذى يتلقى الكلمة،
ويشرحها، ويكثرها، فى هذا الإنسان يلتقى الخالد بالمؤقت، السامى والرخيص، النهم
العاصف للوجود الوفاء حتى الـشـهادة (5) للجوهر، وفى الشرق يتحقق المفهوم الصوفى والمفهوم التاريخى لمسيرة
الإنسان، ففى الشرق تجلى الله تبارك وتعالى وتجلى الإنسان.
إن
للشرق رسالة نشأت مع إبراهيم أبى الأنبياء عليه السلام (6)، فليس عـبثـاً ظهور الأديان
الثلاثة اليهودية والمسيحية. والإسلام فى منطقة واحدة،
تعتقد
كل منها انتماءها لإبراهيم، ولا يمكن أن يكون معنى ذلك عدم التعايش بينها، أو أن
يحل العداء والكراهية محل التعددية التى هى من أسرار وحكمة الله.
لقد
أحصى المؤرخ الإنجليزى أرنولد توينبى الحضارات التى قادت خطى البشرية على مدى قرون
طويلة فإذا هى ثلاثـون حضارة، زالت جميعها واندثرت إلا من تراثها العقلى والروحى، كانت هذه
الحضارات سلسلة كأنها تناسل غير مرئى إذ كلما تقوضت حضارة نهضت على أنقاضها حضارة
جديدة (7)، فحضارة الإنسانية صاغتها الإنسانية جمعاء.
غير
أن أحداثا ثلاثا، توقف عندها التاريخ، وتغير مجرى مسيرة البشر، وسرت
منها طاقات روحية تدفقت لتغمر الحياة والإنسان، زرعت قيما جديدة، وأعطت مـفـاهيم إيمانية جديدة،
وصاغت من جديد العـلاقة بين الإنسان وبين خالقه من ناحية، والعلاقة بين الإنسان
وبين أخيه الإنسان من ناحية أخرى، وأثمرت حواراً فلسفيـاً وفقهيـاً
متصـلاً.
ولم
تندثر هذه الأحداث، كباقى الحضارات، بل لم تزل مشتعلة، ومتوهجة، ولم تزل تشكل لا فكر وعقيدة الملايين من
البشر، ولازالت هذه الأديان مدعوة لتشهد لمحبة الخالق ولرحمته بالبشر.
حدث
ظهور موسى النبى عليه السـلام الذى ولد سنة (1300) ق. م ومات سنة (1185) ق. م.
وحدث ظهور السيد المسيح له المجد ولد بعد تأسيس
روما (747-749) ثم بعث حيا
بعد (33) م.
وحدث
ظهور النبى العربى محمد بن عبد الله e ولد سنة (570/571م) وانتقل للرفيق الأعلى سنة (632) م.
أما
اليهودية فلم تعلن عن ذاتها دينا عالميا ولم تسع إلى الانتشار ولم يكن لها نظام
تبشير وإنما أعلنت أنها ديانة جماعة أو شعب مختار تنتظر مخلصا يقيم مـلكا لإسرائـيل لا تحيد قيد أنملة عن
وحـدانية الله، دسـتـورها " الوصايا
العشر " أحاطت كل طقوسها وعباداتها بما يشبه السرية خوفا من تأثير الأمم
الوثنية وبرغم ذلك فقد تفرعت اليهودية إلى مذاهب عدة اختلفت فيما بينهافى الأمور العقائـدية و دار بينها جدال
عنيف ومنها مذهب " الصدوقيون "
الذى
يرفض قيامـة الموتى،الدينونة الأخيرة (8)، ولا تعترف اليهودية بالأديان التى لحقتها المـسـيحية والإسلام بأنها
سماوية أو موحى بها.
ومن
هنا نفهم لماذا عاش اليهود فى أرض الشتات وبعضهم منطويين فى مناطق خاصة، وأغلقوا على أنفسهم فى
مجتمعات ضيقة، وظلوا كأنهم شعب مختار مميز، إنها ديانة قومية (9).
المخلص
المنتظر، هى الفكرة الأساسية الثانية فى اليهودية، وفى كل أسفار العهد القديم
(الكتاب المقدس عند اليهود) والفكرة الأولى هى " وحـدانية الله "
والمخلص نبى يهودى، له صفات وملامح ويقوم بأعمال ذكرتها أسفار أنبياء العهد
القديم، وهو مؤسس مملكة إسرائيل، وقد رفـضت اليهودية المسيح لأنها لم تجد فيه ما يحقق
أملها فى السيادة والملك ولم تجد فيه صفات الزعامة السياسية والعسكرية بل رأته
" فقيراً، وديعاً، متواضع الـقـلب " كما قال عن نـفـسه.
وجاءت
المسيحية تؤكد على نقاط هامـة:
1-
إن المسيح هو " المسيا " المخلص الذى تكلم عنه الأنبياء من موسى إلى
يوحنا المعمدان (النبى يحيى) تحقق فيه كل رجاء العهد القديم (10).
2- المسيح لم يهدم الشريعة اليهودية، وإنما أراد أن
يسمو بها ويعيدها إلى معناها الإلهى ويكملها، ويخلص الدين من كل ما علق به من
أساطير أو طقوس خارجية قـضت على الجوهر، فعقيدة الإله الواحد لا تفهم إلا من خلال الإيمان بأن الله
قدوس، ولا يتقرب إلى الله إلا من سار على درب القداسة، فالله ليس فى حاجة إلى
العبادة والسجود، بل الإنسان هو المحتاج للكشف عن عظمة وسر الله (11)، فـالله هو الوجود
والنور والحب.
3-
مركز المسيحية فى الإيمان والعقيدة هو ما كشفه المسيح عن "أبوة الله "
* أبوة عامة لجميع البشر
(12) وبنوة مجازية بالخلق فهم من أبداع الله.
*
أبوة خاصة للمسيح نفسه، إنه كلمة الله الذاتية الناطقة
(13).
*
المحبة الإلهـية هى مصدر خلق البشر ومن هنا جاءت عقيدة الله الواحد، وفى ذات الله
ثالوث مقدس، فالله ذات وعقل وروح، وأقرب تعبير مسيحى قبـله بعض المفكرين المسلمين قول
محيى الدين العـجـمى الأصـفهانى (نهاية القرن الثانى عـشـر) مقالة فى " العـقـل والعاقل والمعقول
" ويقـصد بحـثا فى عقيدة الثالوث (14).
*
والمحبة الإلهية هى مصدر مـجـئ المسيح " كلمة الله "؟
*
والمحبة الإلهية هى مصدر كل شريعة ومنها تصدر شرائع المحبة التى ينبغى أن تسود بين
جميع البشر.
4- الأخوة الإنسانية، فى العهد القديم- فى اليهودية-
الأخوة هى ديـنـية وقومية، وفى تعاليم المسيحية الأخوة الإنسانية مطلقة، شاملة (15)، وليس فى المسيحية نظام سياسى
أو اقتصادى أو اجتماعى خاص بها فالمسيحية تهدف إلى بناء الإنسان فى مجتمعه
الإنسانى.
ويرى
فقهاء المسيحية أن فقدانها للنظام التفصيلى والشريعة الثابتة لا يمثل نقطة ضعف بل يعتبر
نقطة قوة لأن ذلك يعنى احترام الإرادة الإنسانية
فى تنظيم أوضاعها وتلبية حاجاتها وحل مشاكلها من دون
ضغط قانونى يحصرها فى نطاق النصوص الثابتة لعالم متغير، لذلك فإن النظام المسيحى
العام هو الخط الإنسانى العام المتحرك فى قضايا الإنسان فى اجتهاداته القانونية
المنطلقة من حركة الحياة فى واقع الإنسان القائمة على احترام الناس فى تنوعاتهم
وأوضاعهم المختلفة (16).
هذه
بعض مـلامح المسيحية، لكن لابد من القول أن المسيحية التى واجهها الإسلام فى فجر
بزوغه وعلى الأرض العربية، كانت مسيحية مختلفة تماما مزقها صراع المذاهب، واختلطت بها
بدع
كثيرة، وبخاصة عقيدة الثالوث التى يرفضها القرآن الكريم وترفضها أيضا العقيدة
الصحيحة فى الإنجيل والتى تؤمن بها الكنيسة.
ومع
هذه البدع الكبرى كانت جماعات نصرانية قليلة العدد منها جماعة كانت تقدم القرابين
لمريم، فسمى ابن البطريق أتباعها " بالمريمية" ووصفهم ابن تيمية فى
كتابه (الجواب الصحيح) ودعاهم (المريميون- أو المريمانية).
وهكذا
كانت المسيحية فى الحجاز، فى مكة فى المدينة، شيعا متطرفة ومنحرفة هربت من اضطهاد الروم لمخالفتهم مذهبها
ولجأوا إلى ديار العرب ولذا قال عنهم المؤرخ ابيفانيوس "
العربية معقل البدع " (17) ومنها الغنوسية بصورها المتعددة التى أنكرت أن للمسيح جسداً حقيقياً.
لماذا
ذكرت ذلك، ليس الهدف دراسة الأديان أو المقارنة بينها وإنما بسطت الأمر لأستخلص
عبرة وهى أن الإسلام كان لابد أن يأتى فى هذا المناخ الدينى الممزق
المتطاحن، والبدع التى شوهت المسيحية والتى رفضتها المجامع المسكونية (325) (451) ويمكن
القول أن المسيحية التى واجهها الإسلام فى شبه الجزيرة العربية مختلفة تماما عن
المسيحية خارج شبه الجزيرة بل إن النصارى فيها يمكن القول عنهم أنهم ليسو إلا
مذهباً خليطاً من المسيحية واليهودية، يبدو فى هذه الأيام وكأنه يريد أن يستيقظ تحت
أسماء جديدة وفى ثوب جديد (18)، والقران لم يذكر كلمة مسيحيين وإنما كلمة
"النصارى" الذين هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
1: الإسلام- دين الأمة الوسط
جاء
الإسلام، دينا يحمل رسالته محمد بن عبد الله e فى كتاب هو القرآن
الكريم يعلن انه وحى من الله، ليقيم أمة وسطا، لذا رأى بعض الصوفيين المسلمين أن محمدا خاتم النبوة وأن
المسيح سيد الأولياء (ابن العربى- الفتوحات الملكية 4: 215).
أراد
الإسلام أن يكون وسطا بين مادية كاسحة وروحانية هشة غامضة،ووثنية متفشية وعبادات خرافية ازدحمت شبه الجزيرة بذلك
كله، فهو دعوة للوسطية، يجمع بين مطالب الدين والدنيا، بين حاجات الجسد ومطالب
الروح، ين شواغل اليوم الحاضر ومهام اليوم الآخر، فالإسلام لم يقبل الرهبنة
المسيحية كما رفض التقشف الهندى، وكثيرا
ما دعا إلى العمل للدنيا والتمتع المباح
بلذائذ الحياة فهو بعيد إلى حد كبير عن طريقة القسس والرهبان فى بيعهم
وصوامعهم، وسنة فقراء الهند وعبادهم
وعذابهم ستطاب (19)، ورفض أى مساس بعيدة الوحدانية، وأعلن أن أمور الروح
والغيب من علم الله.
لذلك، جعل القرآن الإسلام لله دولة دينية وجعل محور
الحياة الدينية الجهاد لقيام هذه الدولة الإسلامية، وجاءت صوفية القرآن روحية ومادية
معا.
روحانية
القرآن صوفية حسية روحية معا، فليس الإسلام دينا يدعو إلى الاستغراق فى ملذات
الدنيا دون النظر إلى سمو الروح وليس دينا ماديا لا روحانية فيه فهذا ظلم ينكره
القرآن الكريم، إذ فيه نظرة صوفية شاملة ( يسبح له من فى السموات والأرض والطير
صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه) (20)، ( يسجد له من فى السموات ومن فى
الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) (21).
2-
الإسلام يعلن وحدة الأديان السماوية:
أ- ( قولوا: أمنا بالله
وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى
وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم، لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (22).
هذا
أمر للأمة، وهو الأمر ذاته للنبى عليه الصلاة والسلام: ( قل أمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم
وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى والنبيون من ربهم،لا نفرق
بين أحد منهم ونحن نه مسلمون) (23).
هذه
فى نظرة الإسلام، فهو الدين كله، هو الإيمان بالكتاب الذى يفصله ، القرآن بلسان
عربى مبين، راجع آل عمران: 85.
الإسلام لا يفرق بين كتب الله
ورسله ( آمن الرسول بما انزل إليه من رب والمؤمنون كل أمن بالله وملائكته وكتبه
ورسله لا نفرق بين أحد من رسله) (24).
ونتيجة
لهذا الموقف فالإسلام يرى وحدة كتاب الله: ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله
ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذى أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم
الآخر فقد ضل ضلالا بعيداً) (25).
فالإيمان
بالكتب المقدسة إيمان واحد، فالقرآن الكريم ( هدى للمتقين * الذين يؤمنون
بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما
أنزل من. قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى هن
ربهم وأولئك هم المفلحون) (26). والإنجيل فيه هدى
ونور… (هدى وموعظة للمتقين)
(27)، وكذلك التوراة فيها هدى ونور (28).
وأهل
الكتاب من اليهود أو من المسيحيين هم المسلمون الحقيقيون قبل نزول القرآن ( الذى
أتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون * وإذا يتلى عليهم قالوا أمنا به إنه الحق من
ربنا إنا كنا من قبله مسلمين) (29).
كما
يرى الإسلام أنه يشمل جميع الأديان، كما يشمل جميع الكتب المقدسة، ولكن ذلك لا
يمنع تحفظ القرآن الكريم أمام قضية التحريف فى الكتب التى سبقته، أشار إلى ذلك فى
عدة آيات (سورة البقرة: 75، المائدة:41،
الأنعام :91) تحريف اختلف حوله المفسرون، هل هو تحريف فى المعنى أم تحريف
فى الآيات وتلك قضية أخرى، عالجها مفسرون مسلمون ومسيحيون.
أعلن
الإسلام أنه جاء ليوحد بين جميع المؤمنين بالله، ويصلح ما أصاب الأديان التى سبقته
ويوضح الحقيقة بلسان عربى مبين، فالتنزيل فى الإسلام واحد فى التوراة والإنجيل
والقرآن ( الله لا إله إلا هو الحى القيوم * نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما
ببن يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان) (30).
3- الإسلام
يحترم حرية عقيدة كل إنسان (31)
إن
الإسلام يؤكد أنه " الدين عند الله " وللدين الكتابى مكانة خاصة ولذلك
فللأنسان فى منظور الإسلام كل الحق فى أن يعتنق الدين أو المذهب أو المبدأ الذى
يشاء، وله كل الحرية فى أن يمارس من شعائر دينه ما يراه علانية أو خفاء، كما أن له
الحق أيضا فى ألا يعتنق على الإطلاق أى دين طالما أن ذلك كله لا يضر بالآخرين، إذ
أن حرية الإنسان تنتهى عند بداية حقوق غيره وتقتضى حرية العقيدة حق الإنسان فيها
هو ألا يفرض على أى إنسان اعتناق دين معين ولا أن يقهر عليه من أى سلطة كانت حتى
ولو كان هذا الدين هو الدين الرسمى للدولة، ولا أن يكره على مباشرة شعائر دين ما
أو يشترك فى طقوسه ومناسكه، الأمر الذى دعا الإمام الشافعى رحمه الله إلى الإفتاء
بأنه لا يجوز أن يفتح الزوج فمه بكلمة إلى زوجته فى شأن دينها إن كانت غير مسلمة،
خشية وقوع الإكراه المحظور فى حق الآخرين (32)، بل ولا يجوز
للزوج
أن يمنع زوجته الكتابية من أداء عبادتها و شعائرها بل ترى بعض المذاهب أنه ينبغى
له أن يصحبها إلى حيث تؤدى هذه العبادات فى كنيستها أو بيعتها إذا رغبت فى ذلك
(33).
واتصال
العقيدة بحرية الإنسان ينبع من كون العقيدة هى ما ينعقد عليه قلبه وضميره ومن ثم
فإن أساس تكوينها لدى الإنسان هو عقله وفكره وقلبه ورغبته بالدرجة الأولى.
هذا
ويتفرع على مبدأ الحرية فى اعتناق العقيدة إطلاق حرية الإنسان فى ممارسة شعائر
دينه خفاء أو علانية، ومن ثم نعلم أن العقيدة الصحيحة لا تتأسس إلا على الحرية
والاختيار، ولهذا لا يعتد بإيمان المكره ولا بكفرانه وقد عمق القرآن هذه الحقيقة
حيث قال: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (34)، وقد نزلت هذه
الآية حينما أراد أحد الأنصار أن يكره على الإسلام، ونقرأ أن عمر بن الخطاب رضى
الله عنه استغفر الله قائلا: اللهم إنى أرشدت ولم أكره لأنه دعا امرأة نصرانية إلى
الإسلام فقالت أنا عجوز والموت أقرب إلى وقضى لها حاجتها (35).
ويؤكد
القرآن على هذه القاعدة فى قوله:( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء
فليكفر) (36).
والاختلاف
بين البشر أمر قائم كما أن الاختلاف بين الأديان واقع لا سبيل إلى إنكاره وكأنها
إرادة الله: ( ولو شاء ربك لأمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى
يكونوا مؤمنين؟) (37).
وأعتقد أن هذه الآية سبقت دستور حقوق الإنسان فى الدعوة إلى احترام "
حرية " الإنسان حتى لو رفض الإيمان واختار أن يكون غير مؤمن.
إن
كان هذا الأمر الإلهى إلى النبى e ألا يكره الناس فى
الدين، فكيف يفكر غيره على الإقدام على مثل هذا الأمر الخطير؟، وسنرى فيما يأتى
كيف سلك الرسول بخلقه العظيم مع أصحاب الأديان الأخرى حتى الذين رفضوا الدخول فى
الإسلام، إذ أن العقيدة نبتة يستحيل أن تنبت فى قلب
غير
معد إلا أن تتدفق فيه خصوبة الإيمان- كما يستحيل أن تنزع من قلب أشربها ونمت فيه
وترعرعت بين جوانبه وأصبحت هى التى تحرك صاحبها: ( فإن أعرضوا فما أرسلناك
عليهم حفيظا إن عليك إلا البلاغ ) (38)، ( لست عليهم بمصيطر)،. (39).
4- الإسلام دعوة إلي المساواة بين البشر أوضح الإسلام
من البداية هذه الحقيقة الساطعة:. ( يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم إن الله عليم خبير )، (40).
فالناس جميعا عند الله سواء، لا فرق بين أبيض
وأحمرهم وأسودهم، ولا فرق بين السامى والآرى والحامى، فكلهم من أب واحد وأم واحدة،
ولا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى، فلا تفاخر بالأحساب والأنساب وكثرة الأموال،
إنها أخلاق إنسانية يجب أن تكون سلوكا للمؤمن يعيش بها فى الحياة كلها ومع الناس
جميعا، فلا تكون ثوبا يلبسه مع المسلمين حتى إذا كان مع غير المسلمين نزعه، فإنه
بهذا ينزع كمالا خلقه الله ويتعرى من جلال كساه الله إياه.
فالقرآن
يخاطب جميع الناس (يا أيها الناس) ويقرر حقيقة كبرى فهم مؤمنون أو غير
مؤمنين إخوة فى الإنسانية إذ هم من طينة واحدة
( كلكم لآدم وآدم من تراب) وقوله: ( وجعلناكم شعوبا وقبائل)
يعنى أن توزيع الناس ليس أمرا ذاتيا تتغير به حقيقة الإنسانية فى الناس، فهم مهما
اختلفوا شعوبا وأوطانا فإنهم إخوة قرابة ونسبا، فالإنسان له سمة فى ذاته، إنه من
خلقة الله وإن تحمل عبء عدم الإيمان فلله وحده الحكم ووحده ا لديان العادل.
والعدل
والمساواة بين المسلم وغير المسلم أمر إلهى طالما تعلق الأمر بالحياة العادية
والطبيعية، ومادام المسلم آمنا لا يواجه حرباً أو عنفاً يجبره على أن يخرج من
دياره ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن
تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله
يحب
المقسطين) (41).
فالمسلمون والمستأمنون من غير
المسلمين هم أمة واحدة، فالإسلام ينظر إلى من عاهدهم وبخاصة من أهل الكتاب على أفهم
قل أصبحوا من الناحية السياسية كالمسلمين فيما لهم من حقوق وما عل!هم من واجبات وإن بقوا على عقائدهم.
ولكل
إنسان الحق فى الحياة، من حيث هو إنسان بقطع النظر عن لونه أو دينه أو جنسه أو
مركزه الاجتماعى، والقرآن الكريم كفل للناس جميعا حق الحياة الحرة الكريمة، بحكم
تساويهم فى النشأة الأولى إذ يقول: (وهو الذى أنشأكم من نفس واحدة فمسقر
ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يفقهون) (42)، ولكن لا يمنع هذا المبدأ الحاسم
اختلاف المفسرين بين متشدد يرفض قيمة الإنسان غير المؤمن، وقد يظهر له الاحتقار أو
المعايرة وبين متسامح يرى أن الإيمان هبة من الله، فالله يهدى من يشاء.
فالناس
جميعا قد وهبهم الله الخالق الحياة وهم إخوة فى الإنسانية، والحياة دعوة ومنحة من
الله تبارك وتعالى للإنسان، لا يملك أحد انتزاعها بغير إرادة الله:
(إنا
نحن نحيى ونميت وإلينا المصير)، (43). والعدوان على
حياة فرد بدون حق عدوان على المجتمع كله، والقصاص من الجانى المعتدى إحياء للمجتمع
كله:
(
من قتل نفسا بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما
أحيا الناس جميعا )، (44).
وقد
أعطت الشريعة الإسلامية حق انتزاع الحياة من الأفراد للدولة وفقا لمصلحة المجتمع
وحماية لحياة الأفراد: ( ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب لعلكم تتقون)،
(45).
وهذه
العقوبة مقررة فى بعض الشرائع الإلهية المتقدمة، ففى الشريعة الموسوية: " إن
من ضرب إنسانا فمات فليقتل قتلا، وإذا بغى
رجل
على آخر فقتله اغتيالا فمن قدام مذبحى تأخذه ليقتل وإن حصلت أذية فأعط نفسا بنفس،
وعينا بعين، وسناً بسن، ويداً بيد، ورجلاً برجل، وجرحا بجرح ،ورضا برضا " (46).
وقررت المسيحية أن يكون حكم الدولة المدنية فى هذا الشأن هو قانون المجتمع
الذى يقره دستوره، وإن كانت روح المسيحية تميل إلى الدعوة إلى بناء مجتمع. يستغنى فيه عن هذا الحكم دون التقليل من شناعة الجريمة.
وأكد ذلك القرآن الكريم:( وكتبنا عليهم فيها أن
النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص)
(47).
والمساواة بين البشر فرضها الإسلام فى كل مناحى
الحياة، فى حقوق العمل والرعاية الاجتماعية وحق التملك والتجارة والزراعة والسفر
وفق ما يتفق عليه قانون الأمة كما أمر الإسلام باحترام حق حرمة العرض وحق الجوار،
بل وشدد القرآن الكريم على أدب الحوار مع غير المسلمين.
تلك
قيم نابعة من القيم الأصلية التى شدد عليها الإسلام وهى أن الإنسان أخو الإنسان،
وأن جميع البشر أمام الله مخلوقون بأمره، فليس فى تعاليم الإسلام ما يضر بغير
المسلمين، والذين يعيشون فى بلاد إسلامية لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين.
كان
القران الكريم أشار إلى " المواطنة"، منذ البداية كقيمة أساسية فى
المجتمع، بل وأمر بإقامة علاقات إنسانية مع كل الشعوب والأمم فلا " إكراه
فى الدين " فالإسلام- دينا- سهل سمح لا يحمل الحقد والكراهية لمخالفيه فى
العقيدة: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل
لتعارفوا إن اكرمكم عند الله أنقاكم إن الله عليم خبير) (48).
لا يستطيع منكر أن يقر بأن روح الشرع الإسلامى، ومناخ الشمولية فيه تحترم
حرية الإنسان، غير أن المفسرين المتشددين فى فترات من التاريخ فضلوا التمسك بحرفية
آيات دون التأمل فى معانيها الشاملة وآفة الأديان مفسروها.
ثانياً
: الإسلام ديناً: الرسولe وغير المسلمين:
من
الأمر البديهى أن تتسق أعمال و أقوال نبى الإسلام، e والقرآن الكريم. فقد كان
خلقه القرآن الذى مدحه بأنه ( على خلق عظيم ) ولذلك يتدفق الحديث الشريف فيضاً من
المحبة والحدب على البشر جميعاً، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، كما أكدت أعماله
هذه الأحاديث بما لا يدع شكاً فى وضوح موقف رسول الإسلام من العلاقة مع غير
المسلمين.
ولن
أستطيع حصر تلك الأحاديث وإنما اخترت منها بعض النماذج التى يمكن أن تكون هداية
للبشر فى التعامل بعضهم مع بعض ومن هذه الأحاديث:
* ليس منا من دعا إلي عصبية
لا عصبية في الإسلام.
* من آذى ذميا فقد أذانى ومن أذانى فقد أذى الله
(49).
*
من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار.
* اللهم إنى أشهد انك أنت الله، لا إله إلا أنت وأن
العلات كلهم إخوه (سنن أبى داود).
* الأنبياء إخوة لعلات، امهاتهم شتى ودينهم واحد
(50).
* ان مثلى ومثل الأنبياء من قبلى، كمثل رجل بنى بيتا
فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة فى زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون ويقولون: هلا
وضعت هذه اللبنة، فأنا اللبنة وأنا خاتم الأنبياء (51).
من
هذه الأحاديث الرائعة وهى أمثلة لا أكثر ولا أقل، نقطة من بحر، ويمكن أن نضع بعض
ملامح لموقف الرسول e من غير المسلمين.
1- يمكن أن نميز بين أمرين
هامين:
الأمر
الأول: فكرة وحدة الدين الإلهى، فكرة مؤكدة فى القرآن الكريم الذى لم يذكر لفظ
" الأديان " بصيغة الجمع على الإطلاق، وإنما الدين واحد وقد تعددت
رسالاته ورسله والذى تلقاه خاتم الرسل هو فى جوهره ما تلقاه الرسل من قبله (52).
من
هنا كان موقف الرسول e نحو غير المسلمين وبخاصة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن هنا
نفهم الحديث عن أخوة الأنبياء والحديث عن (لهم مالنا وعليهم ما علينا).
الأمر
الثاني: هذه الوحدة فى الدين الإلهى لم تمنع التعدد والاختلاف، فالإسلام هو
الإسلام، والمسيحية هى المسيحية، واليهودية هى اليهودية، بل فى الإسلام ما يسمى
" بعلم الخلاف ".
فالإقرار
بوجود اختلاف هو تصديق على حالة " موضوعية " أو على واقع معاش منذ فجر
الإسلام، وإلا لما كان هناك إسلام أو مسيحية أو يهودية، ولحل محلها شئ أخر (53)،
ولذلك ظل الرسول e حريصاً على احترام حقوق غير المسيحيين بالقدر الذى
ظل فيه حريصا على بيان استقلالية الإسلام وتكوينه الخاص، فالوحدة والتمايز لا
ينفصلان، وحدة المصدر والجذور وتمايز الأنبياء والرسالات، وإن كان الدينان
اليهودية والمسيحية يقران باستقلالهما وذاتيتهما كما أن الإسلام برغم الوحدة معهما
يشير إلى استقلاليته وخصوصيته.
2- قيمة الإنسان عند الرسولe قيمة مطلقة فالمساواة بين الناس على اختلاف
أديانهم حقيقة واضحة فى قول وفعل الرسول
( إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس فى الدنيا) (54).
فهو يحترم الإنسان كروح خلقها الله، فهو يقف لجنازة يهودى، ولما قيل له إنه يهودى
قال اليست نفساً (55).
وأكد
احترامه للإنسان منذ أول يوم فى تأسيس الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة عندما
وضع أول دستور إسلامى للمؤاخاة فى إطار أمة واحدة بين المسلمين واليهود بتقريره أن
المسلمين واليهود أمة واحدة (56)، وهو محمد e على كل عظمته وسمو مقامه لا يستحى من إعلان
بشريته فى حياته العامة، وحياته الخاصة، فهو يؤمر بالاستغفار ويستغفر الله مرارا
كل يوم وقد قال عنه القرآن ( إنما أنا بشر مثلكم يوحى الى) (57)، ( قل
سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا) (58).
إن
الإنسان ليس جزءأ من شعب أو ثقافة، بل الشعب والثقافة بعدان للأنسان وهما جزء من
وجوده الشخصى، فالإنسان هو فرد جماعة، إلا أنه كون قائم بذاته، ونرى الرسول e يحترم عقيدة الإنسان
تاكيداً لأمر القرآن الكريم ( لا إكراه فى الدين) (59) فيستقبل وفد نجران المسيحى
وقد ترك الوفد أثرا أشار إليه القرآن الكريم " كان الوفد مؤلفا من ستين شخصا
منهم أربعة عشر من أشرافهم، وثلاثة من كبار رجال دينهم (الأسقف والسيد والعاقب)
فاجتمعوا بالنبىe فى مسجده وعليهم الخبرات ، وجرت بينهم مناظرة كان
أهم مواضيعها ولادة عيسى عليه السلام وصلته بالله ورسالته، وقد جادلوه مستشهدين
بما قرره من أن عيسى عليه السلام كلمة الله وروحه، ورد عليهم مندداً بتأويلاتهم
التى لا تتسق مع جوهر الأمر ومبدأ التوحيد المطلق الذى قرره القرآن ودعا إليه،
ولكنهم لم يقتنعوا وظلوا يدعون أنهم على الحق، فطلبهم إلى المباهلة أى أن يدعو
ويدعوا هم بأن تكون لعنة الله على الكاذبين فلم يجيبوا الطلب وودعوه و انصرفوا
" (60).
كما
استقبل وأقام حواراً مع وفد وثنى هو وفد ثقيف، وكان الحوار شاقا، وطلبت ثقيف من
النبىe بقاء اللات ثلاث سنوات ثم سنتين ثم سنة ثم شهراً بعد
رجوعهم فلم يقبل النبى e ثم طلبوا إعفاءهم من
الصلاة فأجابهم: لا خير فى دين لا صلاة فيه، واستعذروا من تكسير أصنامهم بأيديهم
فعذرهم وأرسل معهم با سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة ليقوما بهدم اللات ففعلا
(61).
حتى
جماعة مسيلمة الكذاب أقام الرسول معها حوارا، وهو يعرف شر مسيلمة، مدعى النبوة كذبا
وكتب إلى النبىe ورد عليه. وبالرغم من أن وفد نجران تمسك بعقيدته
وخير بين الإسلام الدين، والإسلام الدولة، فنزلوا على حكم الثانى ورفضوا مقتضيات
الأول.
وسألوه:
ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروح منه قال: بلى.
قالوا:
فحسبنا هذا منك.
وقد
أنزلهم النبى