كلمة
فضيلة الإمام الأكبر
الدكتور محمد سيد طنطاوى
شيخ الأزهر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا
رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين.
أيها
الجمع الكريم.. نرحب بكم رئيسا وحكومة وشعبا فى مصر. إن مصر تفتح لكم قلوبها، وتفتح لكم عقولها، وتستقبلكم
بكل إخاء صادق، وبكل حب عميق، وبكل مودة خالصة لوجه الله عز وجل لأننا لم نجتمع
هنا فى مصر لا من أجل متعة فانية ولا من أجل شهوة
زائلة، وإنما شرفتم مصر لكى نلتقى
جميعا على طاعة الله،. ولكى نتعاون جميعا على البر والتقوى
لا على الإثم والعدوان، ولكى نلتقى
جميعا من أجل خدمة ديننا، ومن أجل خدمة أمتنا والله عز وجل يقول: ( وتعاونوا على
البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) (1).
الأزهر
الشريف ووزارة الأوقاف والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يقدمون للمشاركين فى المؤتمر خالص التحية.
موضوع
المؤتمر التاسع الذى تشرفنا جميعا بحضوره هو موضوع حيوى حول الإسلام
والغرب " الماضى- الحاضر- المستقبل". هذا
الموضوع سنستمع من حضاراتكم إلى ما يشرح الصدور، وما يقنع العقول، وما يبين أن
شريعة الإسلام إنما هى شريعة تقوم على الوضوح، والسماحة،
والعدالة فى أسمى صورها، وفى أعلى مظاهرها.
إن
شريعة الإسلام تدعو أتباعها إلى نشر الحق، والعدل،
والسلام،
والأمان، والاطمئنان.
وغير
المسلمين فى أنحاء العالم هم بالنسبة للمسلمين ينقسمون
إلى
ثلاثة أقسام:
القسم
الأول: قوم لا يعيشون معنا، وإنما هم يعيشون فى أوطانهم وهم لا يسيئون إلينا ولا يعتدون علينا ولا نرى
منهم إلا تبادل المنافع التى أحلها الله عز وجل ونتبادل
معهم المنافع التى أحلها الله تبارك وتعالى، وهؤلاء لا
يعتدون على ديننا، هؤلاء يأمرنا القرآن الكريم أن نعاملهم معاملة كريمة تتجلى فى قول الحق تبارك وتعالى:
(فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم إن الله يحب
المتقين) (2).
القسم الثانى:
لا يعيشون معنا ولا نعيش معهم، ولكنهم يسيئون إلينا بالمؤلفات الباطلة والشبهات
الكاذبة التى يحاولون إلصاقها بشريعة الإسلام،
وبالاعتداء على أوطاننا وأموالنا ومقدساتنا، هم يسيئون إلينا بكل ألوان الإساءة،
يسيئون إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ويسيئون إلى سيدنا رسول الله صلى الله
عليه وسلم ويحاولون إلصاق القبائح بديننا وبالمسلمين بصفة عامة، وهؤلاء أمرنا
ديننا ، وأمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمرتنا شريعة الإسلام أن ندافع عن
ديننا وعقيدتنا، وأن نقاتل من يقاتلنا وأن نرد الشبهات التى
يحاول أعداء الإسلام إلصاقها به، يقول الحق تبارك
وتعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا
تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (3).
أمام هؤلاء يجب أن نرد
عدوانهم بكل الوسائل التى تتناسب مع رد هذا العدوان.
لأن شريعة الإسلام تمتاز بالوضوح، وبأنها شريعة تحق الحق
وتبطل الباطل.
القسم
الثالث: قسم يعيش معنا ونعيش معه، ونحن فى مصر منذ أربعة عشر قرنا تقريبا يعيش المسلمون والمسيحيون
معا متحابين تظلهم سماء واحدة، وتقلهم أرض واحدة يستنشقون من هواء واحد تجمعهم
مصالح مشتركة. المسلم والمسيحى كلاهما يسدد الضرائب،
وكلاهما يخدم فى الجيش، إخواننا المسيحيون الذين يعيشون
معنا على أرض مصر تجمعنا وإياهم القاعدة الإسلامية الذهبية التى
تقول: (لهم ما لنا وعليهم ما علينا )، كما ندافع عن أعراضنا ندافع عن أعراضهم،
وكما ندافع عن أموالنا ندافع عن أموالهم، كما ندافع عن عقيدتنا ندافع عنهم ضد من يسىء إليهم ، وكما ندافع عن أرضنا ندافع عن أرضهم، وهى أرضنا
وأرضهم أيضا.
إن
شريعة الإسلام تمتاز بالوضوح والمكاشفة والمصارحة.
فعلاقتنا كمسلمين بالغرب وغيره تقوم على أن من يمد إلينا يد السلام نمد إليه يد
السلام ، ومن يمد إلينا يد العدوان تأمرنا عقيدتنا أن نرد هذا العدوان، وأن ندافع
عن ديننا ومقدساتنا،وإذا قصرنا فى ذلك نكون ممن قال
الله سبحانه وتعالى عنهم: ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمى
أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين
فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها
فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) (4).
إذا علاقتنا كمسلمين علاقة
الشرق بالغرب تقوم على الوضوح والسلام مع من يسالمنا، وتقوم على دفع العدوان
بالنسبة لمن يعتدى علينا. الغرب ليس كله خيرا، وليس كله
شرا، والشرق كذلك ليس كله خيرا، وليس كله شرا، وإنما فى
كل بقاع العالم هناك العقلاء، وهناك السفهاء، وهناك الذين يحكمون أحكاما موضوعية
عادلة ، وهناك الذين تمتلئ قلوبهم بالسوء وبالأحقاد وبشهادة الزور والأكاذيب التى يرفضها كل دين.
إن
القرآن الكريم بين لنا أن الأمم التى تريد أن تبقى آمنة
مطمئنة
مزدهرة
تسودها روح الإخاء، وتسودها روح الأمان، وتسودها روح الاطمئنان، هذه الأمم هى التى تعمل على نشر العدالة بين
أبنائها، وفى ربوع الأرض.
إن
الأديان السماوية كلها تدعو إلى مكارم الأخلاق، وتدعو إلى نشر العدالة والإخاء الإنسانى بين الناس، وتحق الحق وتبطل الباطل، ونجد فى ذلك نماذج متعددة ساقها القرآن الكريم بوجوب إحقاق الحق
وإبطال الباطل.
لقد
حدث فى عهد النبى صلى الله
عليه وسلم أن رجلا ممن يظهرون الإسلام اسمه طعمة بن
أبيرق سرق درعا من رجل مسلم صادق الإسلام يسمى قتادة بن النعمان،
ثم بعد أن سرق تلك الدرع وضعها عند رجل يهودى يدعى زيد
بن السمين، بحث قتادة بن النعمان عن درعه فوجدها عند
الرجل اليهودى وسأله أأنت سرقت هذه الدرع؟. قال: لا،
وإنما جاءنى بها طعمة ابن أبيرق ووضعها أمانة عندى،
فذهب قتادة إلى النبى عليه الصلاة والسلام وأخبره بذلك،
استدعى النبى صلى الله عليه وسلم الرجل وسأله أأنت سرقت
هذه الدرع ووضعتها فى بيت الرجل اليهودى؟ قال: لا يا رسول الله، إنما السارق الحقيقى هو اليهودى. هى قضية ملتبسة، ولكن لم يتركها القرآن الكريم أن تمر دون أن
يحق الحق ويبطل الباطل، ولم يعلم القرآن الكريم أتباعه العنصرية المقيتة، ولا
العصبية الذميمة، وعلمهم أن يقيموا عقائدهم ودينهم على العدالة. ونزلت تسع آيات من
سورة النساء تبدأ بقول الله عز وجل: ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين
الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما* واستغفر
الله إن الله كان غفورا رحيما* ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب
من كان خوانا أثيما) (5).
ثم يوجه القرآن اللوم والعقاب والتقريع إلى من
سرق وألصق السرقة بغيره، فيقول: ( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو
معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) (6).
ثم
يوجه أيضا التقريع والتأنيب إلى أقارب طعمة الذين جاءوا
يدافعون عنه بالباطل وبالزور فيقول: ( هاأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة
الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ) (7).
ثم يفتح القرآن
الكريم باب التوبة لمن يريد أن يتوب إلى الله عز وجل توبة صادقة فيقول: ( ومن يعمل
سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفارا رحيما. ومن يكسب إثما فإنما
يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما. ومن يكسب خطيئة
أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا)
(8).
هكذا
يؤدب الإسلام أتباعه يجعلهم يقيمون علاقاتهم مع غيرهم على الرحمة والمودة والمحبة
والعدالة الإنسانية، وفى الوقت نفسه يأمرهم أن يدافعوا عن دينهم وعقائدهم وأعراضهم
وأوطانهم ومصالحهم، وأن يدافعوا عن أنبياء الله جميعا، وهؤلاء الرسل الذين كرمهم
الله سبحانه وتعالى وعلى رأسهم إمامهم وخاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم،
عندما نجد من يسيئون إلى الأنبياء ويستهزئون بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
ويلصقون التهم الباطلة بالإسلام عندما نجد من ينشرون الكتب وبها
من الخرافات والأكاذيب، هنا ندافع جميعا عن ديننا بكل وضوح وشجاعة، ونبين للناس أن
الأديان السماوية أنزلها الله سبحانه وتعالى لسعادة البشر وليس لشقائهم.
ونقول
للكاذبين والمستهزئين: ولكم الويل مما تصفون.
إن
الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نصلى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم فى الآية السادسة والخمسين من سورة الأحزاب، ونجد الآية
السابعة والخمسين من نفس السورة تبين عاقبة الذين يسيئون إلى رسل الله سبحانه
وتعالى، وعاقبة الذين يستهزئون برسل الله عليهم الصلاة والسلام ( إن الله
وملائكته يصلون على النبى يا أيها الذين آمنوا صلوا
عليه وسلموا تسليما) (9).
ثم
يأتى قوله تعالى: ( إن الذين يؤذون الله ورسوله
لعنهم الله فى الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) (10).
أيها الأخوة
الكرام.. لقد شرفت بكم مصر، وشرف بكم الأزهر، ووزارة
الأوقاف، والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.
والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته..،،
المراجع
(1)
سورة المائدة: 2.
(2)
سورة التوبة: 7.
(3) سورة ا لبقرة: 190.
(4) سورة النساء: 97.
(5) سورة النساء: 105 -107.
(6)
سورة النساء: 108.
(7) سورة النساء: 109.
(8) سورة النساء:.
110-112.
(9) سورة الأحزاب: 56.
(10) سورة الأحزاب: 57.