الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
أ

موقف الإسلام من غير المسلمين

فى المجتمعات الإسلامية

أ. د. نشأت عبد الجواد محمد ضيف

الأستاذ المساعد بكلية الدراسات

الإسلامية والعربية- جامعة الأزهر

مقدمة

اتهم الإسلام فى الماضى والحاضر بأنه يعادى غير المسلمين، ويكرههم على الدخول فى دينه باستخدام القسوة والعنف بل والسيف إذا اقتضى الأمر.

وربما يكون هذا الأمر مقبولا إذا صدرت هذه الدعوى من خصوم الإسلام، لكن الأمر يكون غريبا حين نعلم أن هذا الاتهام صدر أيضا من بعض المسلمين المقيمين فى الغرب.

وأينما كان الأمر: فنحن لا نعرف إشاعة أكذب من قولة القائلين- جهلا منهم أو تجاهلاً بالقرآن- إن الإسلام دين سيف، وأن العلاقة بينه وبين الأمم علاقة حرب وقتال (1).

ويذكر بعض الباحثين ما يؤيد هذه الشبهة وضوح فيقول: ( لهج معظم الأوروبيين وضعاف العقول من المسلمين أن الإسلام لم ينتشر ولم ترسخ قدمه فى عالم الوجود إلا لأنه سعى والسيوف أمامه تمهد له السبيل وتذل بين يديه العظماء وتلجئ المستضعفين إلى اعتناقه حقنا لدمائهم وصيانة لأملاكهم وأسبابهم وقد ضربوا على ذلك الأمثال بما قام به النبى r من سراياه ومغازيه ثم بما عمل خلفاؤه من بعده) (2).

ومن بين هؤلاء الذين حملوا على الإسلام أيضا جهلا أو تجاهلا أو هما معا مؤلف ألمانى الجنسية عربى الأصل، إسلامى الديانة، يعمل أستاذا للعلوم السياسية فى جامعة (جوتنجن) بألمانيا وله دراسات حول الإسلام منها:- (أزمة الإسلام الحديث) و (التحدى الأصولى) و (الإسلام وحقوق الإنسان) والكتاب الأخير يربو على أربعمائة صفحة يعرض فيه وجهة النظر الغربية فى موضوع حقوق الإنسان، كما يعرض موقف الإسلام والمسلمين من هذه القضية وغير ذلك من قضايا أخرى ببيان حقوق الإنسان فى المستقبل.

ومن بين القضايا التى اتهم فيها الإسلام والإسلام منها براء ما يلى:-

يرى من وجهة نظره الضيقة والسقيمة- أن المسلمين لديهم مفهوم للإنسانية ولكنه مشروط بسيادة الإسلام، أى أنه بعيد عن التنوع الذى يعنى تعددية المجتمعات الإنسانية بحيث يشكل مجتمع المسلمين واحدا فقط من بين المجتمعات الكثيرة فى العالم التى يجب أن يعترف كل منها بالآخر على قدم المساواة مع الرغبة فى التعايش فى سلام معها (3).

ومما لا شك فيه أن هذه التهمة مردود عليها بقوله تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (4).

وقوله تعالى: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين  ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (5). فالآية تفيد أن الله تعالى يحثنا على التعايش السلمى مع كل الشعوب طالما أن هذه الشعوب لا تعتدى على المسلمين (6)، والآية الكريمة ترغب فى برهم والإحسان إليهم، والبر: كلمة جامعه لمعانى الخير والتوسع فيه (7).

ومنها:- أنه يقول بغياب الحرية الدينية وهذا يعنى غياب التسامح بصفة عامة (8) وللرد على هذه التهمة نقول:

ا- الإسلام لم يجبر أحداً من غير المسلمين على ترك دينه من أجل اعتناق الإسلام.

2- الإسلام أعطى حرية المناقشات الدينية والجدال بالتى هى أحسن مع أصحاب الديانات الأخرى وكل هذا سيجيب عنه بحثنا بتوسع واستفاضة بمشيئة الله تعالى.

3- الدعوة إلى النظر والتفكير ورفض كل ما لا يؤيده علم ولا يعززه دليل قال تعالى: ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) (9)، وهذا يعنى نشر الدين عن طريق الإقناع بالحكمة والموعظة الحسنة (10).

ومنها: اتهامه للإسلام بأنه يضطهد الأقليات العرقية أو الدينية وهذه تهمة مردود عليها بما قرر النبى e فى أن (الناس كلهم سواسية كأسنان المشط لا فضل لإنسان على آخر إلا بالتقوى) والمساواة أيضا مقررة للمسلمين مع غيرهم وهناك قاعدة معروفة لا ينكرها عاقل (لهم مالنا وعليهم ما علينا) والإسلام كما سبق أن آشرنا قرر قاعدة التعايش بين جميع الطوائف على أساس من العدل والرحمة والمعاملة الحسنة (11).

وعلى أية حال: فإن الأستاذ الدكتور وزير الأوقاف الذى أمدنا ببحثه القيم وكشف عن سوء نية الباحث (بسام طيبى) يزودنا أيضاً بمعلومات طيبة ومفيدة حول هذه الاتهامات التى وجهها بسام للإسلام مؤداها أن بعض الأساتذة بجامعة (هامبورج) نقد الباحث نقداً لاذعاً لأنه حاول أن يطمس معالم الحقيقة ويبدو أن السبب كما يذكر النقاد يرجع إلى أن دراسته نشأت متفرقة وفى أوقات مختلفة ما بين عام  1988- 1993) (12).

ويذكر فضيلة الشيخ محمد الغزالى أن هناك بعض الباحثين- لم يذكر اسمه ولا اسم المؤلف الذى ألفه فى هذه القضية- فقد خصائص الأمانة فى البحث والنقل والاستدلال وزعم أن الشريعة سنت المبدأ الذى يشتد أحيانا على أهل الكتاب ويذلهم ويرد عليه الشيخ الغزالى بقوله: " إنه يستشهد ببعض الآيات الكريمة التى لاصلة لها بموضوعه وبغض النظر عن الآيات التى توصى ببر أهل الكتاب فلم يشر إليها، ويتجاوز السنة المطهرة فلم يعلق بشىء على قول الرسول r: ( من قتل رجلا من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها لتوجد من سبعين عاما ) (13). وقوله r: ( من ظلم معاهداً أو انتقص حقه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس منه فأنا حجيجه يوم القيامة ) (14)

ويمر على النصوص الثابتة والسوابق المقررة فى صدر الإسلام والتى تنطق بما افاء الدين على أهل الذمة من رعاية ووفاء ومرحمة فلم يكترث بشىء منها لأن غايته من كتابته تتضح فى كل صفحة.

فهو يريد إهانة الإسلام، وتشويه تاريخه، واتهام أهله بما هم منه براء إما بالتعصب الذميم أو استئصال الأقليات التى تعيش بينهم، فإذا أعوزه الصدق للوصول إلى هذه النتيجة ففى المعاريض و الأكاذيب مندوحة (15).

لكل ما سبق أردت أن أكتب بحثا حول بيان موقف الإسلام من غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية لعلى أضيف إلى من سبقنى بعض الأمور التى تكشف النقاب عن بعض القضايا المبهمة أو التى تؤكد على ما سبق أن ذكره غيرى- أو على الأقل أجمع معظم ما قيل فى الرد على بعض الاتهامات

التى توجه إلى الإسلام فى بحث واحد فإن وفقت فهذا فضل من الله وإن كانت الأخرى فحسبى أنى قد بذلت قصارى جهدى وبالله التوفيق.

وقد اقتضت الدراسة فى البحث أن تحتوى على مبحثين:

الأول: الحرية و أنوا عها : الثانى: المساواة فى الحقوق والواجبات إلى جانب الخاتمة: فى نتائج البحث وتوصياته و أهم المصادر والمراجع.

المبحث الأول

الحرية وأنواعها

مفهوم الحرية فى اللغة:

الحر:

خلاف العبد، والحرة: هى الكريمة من النساء، والحر: خيار كل شىء ونقول: هذا الرجل حر: أى ليس عبداً مملوكاً لأحد، له مطلق الصلاحية فى التصرف ويفعل ما يريد، والحرية لا تعنى سوء التصرف ولا سيىء الأعمال.

وإنما الحر: هو السيد الكريم الذى لا يصدر عنه ما يسىء إلى الآخرين والحرة من النساء: هى من كانت فى المقام الرفيع الذى لا تلوكه الألسن، ولا ينالها أحد بسوء لأنه لم يصدر عنها ما يشينها أو يسئ إلى كرامتها.

والحرية: هى الانطلاق من الاسر أى من العبودية والرق للآخرين إلى عالم الأحرار الذى سبق وصفه ليتصرف مثل تصرفهم فى الترفع عن الدنايا  والبعد عن كل ما يشين الحر (16).

والحرية: ليست تعنى أن الإنسان يتصرف على هواه دون مبالاة لغيره وإنما هى عدم تجاوز حقوق الآخرين أو مصالحهم.

والحرية من أهم القيم الإسلامية، لأنها فطرة الله التى فطر الناس عليها ، ويتميز الإنسان بها على سائر الكائنات الحية الآخرى ، ولا تتحقق إرادته إلا فى جو من الحرية الكاملة الواعية التى لا تخل بمبادئ المجتمع العامة كما لا تعتدى على حريات الآخرين (17).

والحرية كما قيل: ليست من هموم الإسلام لأنه بمجرد الدخول فيه والإيمان به يضمن الحرية بالضرورة ؛ لأنه يعنى إفراد العبودية لله تعالى (18). فلا يسمح بأى نوع من أنواع العبودية لغير الله وهذا هو أقصى ما يطمح إليه الإنسان من الحرية.

والحرية تتنوع إلى أنواع عدة نذكر منها ما يلى:

أولاً: حرية التفكير:

لقد أعطى الإسلام للإنسان حرية التفكير فى حدود الآداب العامة والأخلاق الفاضلة، شريطة عدم السب واللعن والكذب والقذف بما يتفق مع المبدأ العام (لا ضرر ولا ضرار).

وللبرهنة على صدق ما قررناه نقول: إن القرآن الكريم جاء فيه ما يزيد على ثلاثمائة أية كلها تدعو إلى إعمال العقل وتحض على التفكير والتأمل (19) من مثل قوله تعالى ( قل انظروا ماذا فى السموات والأرض) (20) وقوله جل شأنه (  أو لم ينظروا فى ملكوت السموات والأرض) (21) مما يجعلنا نستسيغ قول من يقول: إن التفكير فريضة إسلامية (22) وبالإضافة إلى ما سبق نجد القرآن الكريم ينعى على هؤلاء الذين يعطلون عقولهم ويقلدون غيرهم من أهل الباطل تقليدا أعمى فيقول: ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا ينقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم أذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل اولئك هم الغافلون) (23).

القرآن الكريم دائماً يتحاكم إلى العقل الفطرى فإذا حاج فبحكم العقل وإذا سخط فعلى معطلى  العقل ، وإذا رضى فعلى أولى العقل الذين يحسنون استخدامه ويوظفونه فى مجاله، فهو لم يترك وسيلة إلى إنعاش العقل وتحرير الفكر إلا تذرع بها إذا استثنينا بعض الأمور التى يوهم ظاهرها أنها تعبدية فى حين أنها لا تخلو من حكم كثيرة وجهلنا بها أو جهل البعض لها لا ينفيها (24) فمن الأمور التى يجب أن نسلم بها جميعاً (أن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود).

فالإسلام يعطى العتل مكانة رفيعة، ويمن الله على عباده بنعمة التفكير والشريعة الإسلامية تحذر من إهدار أو تعطيل طاقة العقل أو تعريضها للتلف (25) ولذلك كان العقل مناط التكليف فمن لا عقل له فلا تكليف عليه طبقا للحديث الشريف الذى يقول فيه النبىr: رفع القلم عن ثلاث  وعد منهم (المجنون حتى يفيق) وبالتالى كل من على شاكلته قال تعالى: ( إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) (26).

 ثانيا: حرية القول

وإذا كان الإسلام قد أعطى للإنسان حرية التفكير فإنه أعطى له أيضا حرية القول ولكنها ليست مطلقة وإنما هى مقيدة فالقول الذى فيه إيذاء للآخرين حرمه الإسلام، ونقرأ فى ذلك الكثير من الآيات القرآنية التى أتاحت للإنسان أن يقول مـا يراه من وجهة نظره أنه قول حسن فى كل ما يتصل بالأخلاق والمصالح العامة، والنظام العام للدولة، أما القول الذى لا يخلو من السوء أو السب فقد حرمه الإسلام يقول الله تعالى: ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما )(27).

أى: لا يحب من عباده أن يجهروا فيما بينهم بذكر العيوب والسيئات لما فى ذلك من المفاسد الكثيرة التى تجلب العداوة والبغضاء، والتى تؤثر فى نفوس السامعين تأثيرا ضارا إلى غير ذلك من الأضرار الأخرى .

ويقول: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم) (28).

 أخرج ابن جرير وابن أبى حاتم وغيرهما عن ابن عباس- رضى الله عنه - فى قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله.....) الآية قال قالوا يا محمد لتنتهين عن سب آلهتنا أو لنهجون ربك فنهاهم أن يسبوا أوثانهم فيسبوا الله عدوا بغير علم (29).

ويقول: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن ) (30) أى:

لا تجادلوا من أراد الاستبصار فى الدين من اليهود والنصارى إلا باللين والرفق وقابلوا الغضب بكظم الغيظ والثورة بالأناة.

ومن الآيات القرآنية الكريمة التى تحض على القول الحسن قوله تعالى:( وقولوا للناس حسنا) (31): ذلك لأنه لا يمكن للشخص أن يحسن إلى الناس جميعاً بالمال. ومن ثم  اكتفى القرآن الكريم فى الحقوق غير المذكورة فى الآية الكريمة بحسن العشرة والقول النافع ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً * يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم) (32). والقول السديد: هو القول الصدق الذى يراد به الوصول إلى الحق، والجزاء هنا: إصلاح العمل وغفران الذنوب ( وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن) (33).

ثالثا: الحرية السياسية:

ومن تعاليم الإسلام الحنيف أنه قرر عدم الحجر على الناس فى إبداء آرائهم وشرح وجهات نظرهم في الحياة الأنسانية ومن بينها (الحياة السياسية).

والحرية السياسية ليست إلا فرعاً لأصل إسلامى عام هو حرية الإنسان وهذه الحرية التى يقررها الإسلام يحدها قيد واحد هو التزام حدود القيم الإنسانية أنه لا يجوز أن يكون الرأى الذى يبديه الإنسان طعنا فى الدين أو خروجا عليه فذلك مخالف للنظام العام فى الدولة الإسلامية ويحجر لذلك على صاحبه، وقد يجوز إذا توافرت شروط معينة أن يعاقب عليها (34). ومقصودنا بالحرية السياسية: أن يكون لكل مواطن حق التعبير عن نفسه بحرية فى شكل الحكم أو أسلوبه، أو فى اختيار الحاكم ذاته. يدلى به بكل حرية دون خوف من أذى أو ابتلاء هو فى غنى عنه (35)، والأمثلة على عدالة المسلمين مع أعدائهم ومع مواطنيهم من أصحاب الديانات الأخرى وهبت مضرب المثل، لأن الإسلام يوجب على أتباعه أن يحسنوا فى معاملتهم حتى لمن أساء إليهم، وأن يقولوا للناس حسناً، وألا يكتموا رأيا يرون أنه الحق (36) ويتبع الحرية السياسية عادة ما يسمى (بالحرية المدنية) وهى حرية الإنسان فى شخصه وقدرته على المعاملة الحرة مع سائر الناس وإنشاء العقود وابطالها فى حدود القوانين (37).

رابعا: حرية الكسب والتملك:

مما لا شك فيه: أن العمل مكفول لكل الناس، وقد حث الإسلام على العمل أيا كان نوعه ما دام من الأعمال المباحة قال تعالى: ( وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) (38)، وقد حض الإسلام المسلمين الذين أدوا صلاة الجمعة وانتهوا من شعائر الصلاة على الانتشار فى الأرض والانصراف إلى العمل قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون *  فإذا قضيت الصلاة  فانتشروا فى الأرض وابـتغـوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون) (39)، وأكد الإسلام على أن أجر الأجير لا يؤجل قال عليه الصلاة والسلام: ( ثلاثا لا ينظر الله إليهم يوم القيامة حر باع حرا وحر باع نفسه، ورجـل أبطأ كراء أجيـر حـين جف رشحة ) (40) ويطبق الإسلام هذه المبادئ على جميع أنواع العمل سواء فى ذلك الجسمية أو العقلية.

وغير المسلمين كالمسلمين فى مباشرة الأعمال والحرف المختلفة لهم حرية العمل والكسب بالتعاقد مع غيرهم أو بالعمل لحساب أنفسهم ومزاولة ما يختارونه من المهن الحرة ومباشرة ما يريدون من ألوان النشاط الاقتصادى شأنهم فى ذلك شأن المسلمين.

وقد قرر الفقهاء أن غير المسلمين فى البيوع  والتجارات وسائر العقود والمعاملات المالية كالمسلمين ولم يستثنوا من ذلك إلا العقود المحرمة شرعاً وفيما عداها لهم حق التمتع بتمام حريتهم فى- مباشرة التجارات وسائر الصناعات (41).

وقد قرر الإسلام حق التملك والحصول على المال حتى يتحقق تكافؤ الفرص بين الناس فى هذه الميادين. (42) ووضع عدة وسائل لتنمية المال ليكون حلالا طيبا.

ومن الحفاظ على التملك فى الإسلام عقوبة قطع يد السارق وقال النبى r قوله المشهور( لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ) و أعطى للإنسان الحق فى الدفاع عن ماله حتى لو أدى ذلك إلى قتل المعتدى لأنه- والحال كذلك- لا قصاص عليه فقد روى عنه r أنه قال: ( من قتل دون ماله فهو شهيد) ولما سئل النبىr أرأيت ان جاء رجل يريد أخذ مالى؟ قال النبى للسائل: لاتعطه مالك: قال أرأيت إن قاتلنى؟ قال: قاتله؟. قال: أرأيت إن قتلنى؟ قال: فأنت شهيد. قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: هو فى النار " (43).

وقد نصت المادة 8 من دستور 16 من يناير سنة 1956 م أن النشاط الاقتصادى الخاص حر على ألا يضر بمصلحة المجتمع أو يخل بأمن الناس أو يعتدى على حريتهم أو كرامتهم (44).

كما نصت المادة (11) من الدستور على أن الملكية الخاصة مصونة وينظم القانون أداء وظيفتها الاجتماعية ولاتنزع الملكية إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل وفقا للقانون (45).

ولأهل الذمة الحق فى تولى وظائف الدولة كالمسلمين إلاما غلبت عليه الصبغة الدينية كالإمامة ورئاسة الدولة، والقيادة فى الجيش والقضاء بين المسلمين والولاية على الصدقات.

وماعدا ذلك من وظائف الدولة يجوز إسناده إليهم إذا تحققت فيهم الشروط التى لابد منها كالكفاءة والأمان والإخلاص (46).

خامسا: حرية العقيدة:

لقد أباحت شريعة الإسلام حرية الاعتقاد، وعملت على صيانة هذه الحرية وحمايتها إلى أبعد الحدود، فلكل إنسان طبقا لمبادئ القرآن الكريم أن يعتنق من العقائد ما شاء، وليس لأحد أن يحمله على ترك عقيدته، أو اعتناق غيرها، أو أن يمنعه من إظهار عقيدته والتعبد بها (47) ومن يريد توجيهه غير المسلمين إلى العقيدة الإسلامية فعليه أن يستخدم فى أسلوبه المنهج القرآنى الذى وضح معالم الدعوة الإسلامية وبين آدابها فى أكثر من آية، منها قوله تعالى: ( ادعو إلى سبيل ربك بالحكمه والموعظة الحسنة ) (48) ولم نعرف فى تاريخ البشرية كلها غروراً وعناداً واستكباراً فى الأرض يصل إلى غرور فرعون وعناده وكبريائه، عبر عن ذلك القرآن الكريم فى آيات كثيرة كلها تبين أنه وصل القمة فى الطغيان من هذه الآيات الكريمة التى وضحت ذلك قوله تعالى حكاية عن فرعون حين قال لقومه: ( ما علمت لكم من إله غيرى) (49) وقوله لقومه أيضاً (أنا ربكم الأعلى) (50) وقوله ( ياهامان ابن لى صرحاً لعلى أبلغ الأسباب * أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإنى لأظنه كاذبا) (51)، ومع كل هذا وغيره كثير إلا أن الحق تبارك وتعالى يأمر موسى عليه السلام بأن يقول : ( هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى) (52)، وفى سورة طه عليه السلام يأمر الله موسى وهارون بقوله لهما ( اذهبا إلى فرعون إنه طغى * فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (53).

من هنا نهى الإسلام عن التأثير على غير المسلمين باعتقاد الإسلام عنوة وعنفاً ذلك لأن العقيدة من الاعتقاد، والاعتقاد لا يكون إلا بإرادة وحرية كاملة واختيار من الإنسان (54).

وكان هذا هو منهج الأنبياء مع طغاة الوثنية.

ماذا فعل نوح عليه السلام مع الطغاة الذين استعبدوا الضعفاء وأبوا هؤلاء الطغاة أن يستجيبوا لدعوته فى حين آمن به الضعفاء؟ لقد تركهم على ما هم عليه بعد أن بلغهم دعوته، لأنه لا إكراه فى الدين كما قال ربنا على لسانه فى سورة هود: ( أنلزمكموها وأنتم لها كارهون) (55) وما كان منه إلا أن أنذرهم بالطوفان إن لم يتركوه هو وهؤلاء الضعفاء الذين آمنوا به، وقد عاقبهم الله بالفعل بهذا الطوفان بعد أن آثروا الطغيان على الإيمان ونجى الله منه نوحا ومن آمن من ضعفائهم (56).

ونفس المنهج سلكه الخليل إبراهيم عليه السلام مع قومه حين تركهم وما يعبدون بعد أن بلغهم دعوته ومع أنه لم يكرههم على الإيمان بنبوته إلا أنهم تآمروا عليه فحاولوا إحراقه ولكن الله نجاه بقوله للناراً كونى برداً وسلاماً على إبراهيم) (57)

وكذلك كان شأن سيدنا عيسى عليه السلام مع قومه التعامل معهم بالحسنى ومقابلة إساءتهم بالإحسان وإيثار العفو والصفح على مقابلة العدوان بالعدوان (58).

وقد أراد النبى r لطغاة الوثنية من العرب الهداية والاستقامة لكنهم أبوا فلم يحاول إكراههم عليه