الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
نزل القرأن للناس كافة-

موقف الإسلام من غير المسلمين

فى المجتمعات الإسلامية

الدكتور / عبد الرحمن عباد

جامعة الأمم المتحدة

كلية العلوم التربوية 

فلسطين

نزل القرآن للناس كافة واختير محمد e لهم جميعا، وبهذا تمحى فى العقيدة الإسلامية مظاهر العنصرية والطبقية، وما يرافقهما من استعلاء، لتحل محلهما الأخوة فى المنشأ والعقيدة، والمساواة فى الحقوق والواجبات.

وقد رأيت فى هذا البحث أن أتحدث عن موقف الإسلام والمسلمين من غيرهم فى فلسطين، لكونها أكثر المناطق الإسلامية تعرضا لعدوان المعتدين منذ عدة قرون سابقة، وعدة عقود لاحقة، ولما كانت فلسطين تخلو من غير أصحاب الديانات السماوية الثلاث، فإن البحث سيقتصر على المسلمين وأهل الكتاب مسيحيين ويهود.

أهل الكتاب فى المنظور الإسلامى العام:

قال الله سبحانه وتعالى مشيرا إلى وحدة خليقة المنشأ:

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (1).

ففى هذه الآية الكريمة إشارة إلى وحدة الأصل والمقصد من الخلق معا،وقد خصص القرآن الكريم جملة من الآيات لخطاب أهل الكتاب، لأنهم يعرفون الحق أكثر من سواهم، وقد سماهم القرآن أهل الكتاب، لا أهل الكتب، لأن كتاب التنزيل واحد والدين عند الله واحد. يقول القرآن الكريم فى خطابهم:

( قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله 000) (2).

فالقرآن الكريم مصدق لما سبقه من كتب:

( وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا ) (3).

( ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا) (4).

وقد حث الرسول الكريم e على معاملة أهل الكتاب بالعدل،

قال e ( من ظلم معاهدا أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه ) (5).

وقد روى عبد الرحمن بن البيلمانى ومحمد بن المنكدر أن رسول الله e أتى برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمة وأمر به فقتل، وقال: ( أنا أولى من وفى بذمته) (6).

وقد روى عن أبى بكر- رضى الله عنه- أنه قال: (لا تقتلن أحدا من أهل ذمة الله، فيطلبك الله بذمته، فيكبك الله على وجهك فى النار) (7).

وحدث أن مر عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- بباب قوم وعليه سائل يسأل- وكان شيخا ضريراً- فضرب عمر- رضى الله عنه- عضده وقال له : من أى أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودى. قال عمر: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن. فأخذ عمر بيده وذهب به إلى منزله، وأعطاه مما وجد، ثم أرسل به إلى خازن بيت مال المسلمين وقال له: انظر هذا وضرباءه، فوا الله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم:

(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) (8).

والفقراء هم الفقراء المسلمون، وهذا من المساكين من أهل الكتاب ثم وضع عنه الجزية (9) وعن أمثاله.

لقد اعتبر الدستور الذى وضعه الرسول e أهل المدينة المنورة " أمة واحدة من دون الناس " وعد الاختلاف والتنوع بين المسلمين وغيرهم أمرا طبيعيا ومقبولا، إذ أن مفهوم الأمة الإسلامى يعتبر التعددية من مكونات الأمة وجزءا من طبيعة الاجتماع البشرى (10).

ودستور المدينة ليس استثناء فى هذا الصدد. فقد كتب الرسول e عهدا إلى نصارى نجران أمنهم فيه على أنفسهم وأرضهم ودينهم وتعاملاتهم التجارية ومنحهم العدل والاطمئنان (11)، كما منح قادة الجيوش الإسلامية عهودا مماثلة مع الأمصار المفتوحة، فهذا (خالد بن الوليد) يعطى أهل دمشق " الأمان على أموالهم وكنائسهم ومدينتهم، لا يهدم منها شىء ولا يتعرض لهم إلا بخير " (12)، وهذا (عمرو بن العاص) يضمن لأهل مصر الحماية والأمن أينما كانوا وحسب مشيئتهم ويحمى كنائسهم ومساكنهم وزائرى تلك الأماكن أيضا (13)، ويذكر (حنا النيقى) أن المسلمين فى مصر لم يقوموا باحتلال أية كنيسة، ولم يتدخلوا بأية صورة من الصور فى شئون الأقباط، ولم يمد (عمرو بن العاص) يده إلى أى شىء من أملاك الكنائس، ولم يأت بأى عمل من أعمال النهب والتدمير، وحافظ على البيع حتى آخر أيام حياته (14)، أما ما تم الاستيلاء عليه من كنائس وبيوت أهل الذمة فى دمشق والشام فقد تم إعادته إليهم (15).

شهادات وتطبيقات: يقول (ترتون): وإذا تقرر فى الأذهان أن الإسلام صريح فى النص على وجوب معاملة الذميين بالحسنى، أمكن اعتبار أى معاملة غير هذه المعاملة حدثا شاذا، ليس من الأصول الثابتة فى شىء، لأن هذا الانحراف لا يأتى من روح الدين بل من دوافع أخرى سواه (16).

فالقاعدة العامة فى البيع والشراء هى أن كل ما جاز للمسلمين من البياعات، من صرف وسلم ونحوهما من التصرفات جاز لغيرهم، وما لا يجوز من البياعات للمسلمين، لا يجوز لغيرهم باستثناء الخمر والخنزير (17). فإنهما محرمان على المسلمين بيعاً وشراء وأكلا وشرباً.

والإسلام هو الدين الأول الذى طور مفهوم قبول الآخر، ومفهوم التسامح من السلبية المتمثلة فى العفو عند المقدرة، والصفح عند الخطأ إلى مبدأ الإيجابية المتمثلة فى إشراكه فعليا فى أمور الحكم، حيث تولى الكتابيون مناصب رفيعة فى الدولة الإسلامية، فهذا كاتب نصرانى يتولى منصب ديوان الكتابة لدى (أبى موسى الأشعرى (18)، وكان (عمر بن الخطاب) قد عين مجموعة من هؤلاء الكتاب فى خدمة الخلافة إثر فتح المسلمين مدينة قيسارية فى زمنه (19)، كما أبقى المسلمون جميع العمال البيزنطيين إثر فتحهم لمصر، ومنهم (ميناس) عامل هرقل على المنطقة الشمالية و (شنودة) عامله على الريف و (فيلوكينوس) عامله على الفيوم و (اثناسيوس) الرهاوى الذى شغل بعض مناصب الحكومة و (إسحق) الذى بلغ مرتبة الرئاسة فى دواوين الإسكندرية (20). وقد تولى (عبدون بن صاعد) منصبا وزاريا رفيعا فى بغداد، وكان يدخل على الدواوين الحكومية فيقف له الموظفون احتراما، وقد حدث أن دخل على القاضى (إسماعيل بن إسحق) فوقف له مرحبا، فأنكر عليه الحاضرون ذلك، فقال لهم إسماعيل: قد علمت إنكاركم ، وقال الله سبحانه وتعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم ) (21)وهذا الرجل يقضى حوائج الناس وهو سفير بيننا وبين خليفتنا وهذا من البر، فأمن السامعون على قوله (22)، وبه تحدثنا كتب التاريخ أن الخليفة العباسى (المنصور) كان قد اتخذ من الطبيب (جرجيس) طبيبا خاصا للأسرة، وأن هذا الطبيب كان يدخل على نساء الخليفة لعلاجهن، ويقال الشئ نفسه  عن الطبيب (بختيشوع بن جبرائيل) فقد كان خلفاء بنى العباس يستأمنونه فى الدخول على جواريهم، وقد استدعى الرشيد (ماسويه) لتطبيب أخته فأراد الطبيب رؤيتها، فأذن له الخليفة، وأجاز له جس عروقها بحضرته، وكان (يوحنا بن ماسويه) صديقا حميما للرشيد والمتوكل، لا يلذ لهما طعام إلا بحضرته، ولم تكن بينه وبينهما كلفة. فقد كانوا يتمازحون فى رفق ولين ومداعبة (23)، وكان الذميون يشعرون بتقدير المسلمين (24)..

وقد تتلمذ كثير من الذميين على أيدى معلمين ومدرسين مسلمين (25)، (فحنين بن إسحق) تتلمذ على يد (الخليل بن أحمد وسيبويه) حتى أصبح حجة فى العربية (26)، ودرس (يحيى بن عدى بن حميد) أحد فقهاء عصره البارزين فى المنطق على يد (الفارابى)، كما درس (ثابت بن قرة) على يد (محمد بن موسى) الذى قام بتقديمه إلى الخليفة المعتضد (27).

وفى مجال الإعمار الكنسى  : فقد بنى (خالد القسرى) بعد سنة105هـ كنيسة لأمه وراء السور الجنوبى الغربى لمسجد الكوفة، فكان المسيحيون يدقون الناقوس حين يؤذن المؤذن للصلاة، وكانت ترانيمهم تعلو على صوت الإمام (28)، كما شيد (دمسيوس) من أهالى مصر العليا ديرا كبيرا فى جبال تلك المنطقة وأذن (الوليد بن رفاعة) والى مصر للنصارى بإعادة بناء كنيسة (أبى مينا) بخط الحمراء ظاهر مدينة مصر (29).

فى الأحكام : روى الحسن- رضى الله عنه- قال: (خلوا بين أهل الكتاب وبين حاكمهم ، إذا ترافعوا إليكم فأقيموا عليهم ما فى كتابكم (30)، وهذا يتماشى مع روح العصر تماما، ويجوز للذمى أن يوقف أموالا على الكنائس، فقد أقر عمر بن عبد العزيز وصية ذمى لأهل ملته أوقفت على الكنيسة (31)، كما تجوز شهادة غير المسلم على المسلم عند الضرورة، ولو كان كافرا، لأن هذا ما يتماشى مع روح الشريعة، فلا يصح أن توضع العقبات فى طريق التعامل فى عصر كعصرنا هذا الذى امتزج فيه المسلمون بغيرهم امتزاجا شديدا فى. المعاملات والتجارب (32)، ويرى د. بدران أبو العينين جواز قتل المسلم بالذمى، فإنه ما رضى بدفع الجزية إلا لقاء أمانه على نفسه وماله، وما يتمتع به من عهد وذمة، وإلا فأى فائدة يجنيها لو كان دمه مهدوراً، والقول بعدم القصاص فتح وتحريض لمن أراد التشفى من الذميين لسفك دمائهم بغير حق، ومساعدة على نشر الفساد فى الأرض، وتقويض لدعائم الاستقرار فى المجتمع. فالقصاص إثبات بطريق عملى لسماحة الإسلام وعدله بين بنى البشر فى جميع الأزمان والعصور (33)، وتطبيقا لمن أراد المساواة فإن دية المعاهد تساوى دية المسلم، فهذا ما أثر عن (أبى بكر وعمر) ويقطع يد السارق مسلما كان أو غير مسلم إن سرق ذميا أو سواه (34)، والزانى يجلد وهكذا فى بقية الحدود باستثناء شرب الخمر وأكل لحم الخنزير للنصارى، يقول الإمام (الشافعى): إذا قتلتم مسلما أو معاهدا خطأ ما، فالدية على عواتقكم، كما تكون على عواتق المسلمين، وإن قتل منكم رجل بلا قرابة فالدية عليه من ماله، وإذا قتله عمدا فعليه القصاص، إلا أن تشاء ورثته دية فيأخذونها. ومن سرق منكم فرفع المسروق إلى الحاكم قطعه، ومن قذف وكان للمقذوف حد حدَّ له، وإن لم يكن له حد عزر، وليس لنا أن نمنع شيئا ملكتموه محرما فيه دم، ولا ميتة، ولا خمر، ولا خنزير (35) وكفل لهم الإسلام الحماية من العدوان الخارجى، حتى ليلزم الإمام شرعا أن ينقذ من أسر منهم حتى إذا عجز ردت الجزية إليهم لأنهم ما دفعوها إلا لقاء حمايتهم (36). فإذا حاولنا أن نجرى مقابلة بين ما فعله المسلمون وما فعله المسيحيون نجد أن " الأديرة والكنائس المسيحية فى سوريا كادت أن تنمحى فى عصر الحكم المسيحى، بينما وصلت ذروة عظمتها فى عهد الدولة الإسلامية (37)، وقد تمتع المسيحيون فى زمن العرب بالحرية الدينية ورأوا من شممهم وإبائهم وكرم نفوسهم ما لم يروا مثله فى عهد المسيحيين من الرومان والبيزنطيين (38)، وقد داوم المسلمون على احترام عهودهم كما نصت عليه الشريعة السمحاء، أما ما كان يلحق أهل الذمة من جور، فبسبب الحكام الذين أساءوا إلى المسلمين قبل سواهم، ولم تخرج الدولة العثمانية عن هذا الخط، (فنظام الملة) لم يكن تقسيما طائفيا يهدف إلى استصغار طائفة أو عدم الاعتراف بحقوقها، بل كان يهدف إلى تثبيت حقوق الطوائف وواجباتها. وإيجاد توازن بينها، وقد أصدر السلطان عبد المجيد ما عرف بخط (شريف كولخانة) الذى أعلن المساواة بين جميع رعايا الدولة العثمانية مسلمين وغير مسلمين، وفتح الوظائف المدنية والعسكرية والمدارس أمام الجميع، والمجال أمام شراء العقارات، وعند إعلان الدستور عام1876م ساوى الجميع أمام القانون (39). وقد أكد السلطان عبد المجيد لرعاياه أن الدستور لن يفرق بين دين ودين، ولا بين إنسان وإنسان، فالكل سواء تجاه القانون، التركية لسان الدولة ودينها الإسلام، وأن الإنسان حر فى تصرفاته شريطة أن لا يعتدى على حق الغير، والمساكن حرة والمطبوعات أيضا، والتدريس مطلق، وللأمم المختلفة الحق فى وضع مناهج التعليم الدينى التى يرتأونها فى مدارسهم على أن يكونوا خاضعين لنظام الدولة ولا يجوز مصادرة أموال الناس وأملاكهم (40).

هذا هو المنهج الإسلامى العام لا فضل لعربى على عجمى، ولا لأبيض على

أسود إلا بالتقوى، أما ما شهدته بلادنا فلسطين فيستحق وقفة أطول، وهذا ما سيتناوله البحث فى الصفحات القليلة الآتية.

موقف الإسلام من غير المسلمين فى فلسطين

يتضح من النصوص السابقة أن المسلمين قد كفلوا لغيرهم حرية العقيدة ومنحوهم حقوقا متساوية مع المسلمين، كما التزموا لهم بضمان سريان شرائعهم الخاصة على أقوامهم فى الأحوال الشخصية، وهذا عين ما تفعله دساتير اليوم، وبهذا يكون المسلمون أول أمة فى التاريخ تسمح لغير أصحاب دين الدولة الرسمى من ممارسة حقوقهم الدينية كاملة دون تدخل، وقد شهدت بلادنا فلسطين تعاقب دول وحكومات عليها منذ الفتح العمرى، يستأهل أن نتدرج فيه لنرى ما فعله المسلمون وما فعل بهم عندما كانت تدول دولتهم.

الفتح العمرى: عندما حضر عمر لتسلم مفاتيح القدس من البطريرك (صفرونيوس) رافقه يعفى، علماء اليهود، إذ سارع نفر منهم يبشرونه بالفتح قائلين له: إننا نجد المدينة تفتح بيد رجل عظيم هو عمر (41)، إذ لم تكن السلطات المسيحية البيزنطية تسمح لليهود بالسكن فى المدينة، وكان المسلمون هم الذين منحوهم هذا الإذن (42) لتصبح المدينة أحد المراكز اليهودية الدينية الهامة فى فلسطين (43)، بعد ذلك التاريخ.

العهدة العمرية: تقدم المسيحيون العرب من سكان المدينة بطلب إلى الخليفة يحفظ لهم دينهم ومعاشهم فكتب الخليفة لهم هذا العهد ونصه:

(بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين

أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أمانا لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم سقيمها وبريئها وسائر ملتها، أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم ولا ينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من صلبهم ولا من شئ من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم، ولا يسكن بإيلياء معهم أحد من اليهود، وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطى أهل المدائن، وعليهم أن يخرجوا منها الروم (الأجانب) واللصوص. فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم، ويخلى بيعهم وصلبهم فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وعلى صلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شئ حتى يحصدوا حصادهم، وعلى ما فى هذا الكتاب عهد وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين إذا أعطوا الذى عليهم من الجزية) كتب وحضر سنة خمسة عشر هجرى (44).

وبعد التوقيع على هذه العهدة رأى عمر أن يقوم بجولة فى المدينة ليعرف ما أصاب سكانها من حيف أو ضيم خلال الحصار والقتال، آتاه رجل من النصارى له ذمة مع المسلمين فى كرم عنب، فشكا أمره إلى الخليفة قائلا: (يا أمير المؤمنين، كرمى كان فى أيديهم، فلم يستبيحوه ولم يتعرضوا له. وأنا رجل لى ذمة مع المسلمين وقعوا فيه. فدعا عمر- رضى الله عنه- ببرذون له فركبه عريان من العجلة، ثم خرج يركض فى اعراض المسلمين، فكان أول من لقيه (أبو هريرة) يحمل فوق رأسه عنبا، فقال له: وأنت أيضا يا أبا هريرة! فقال: يا أمير المؤمنين، أصابتنا مخمصة شديدة (جوع) فكان أحق من أكلنا من ماله من قاتلنا، فتركه عمر ثم أتى الكرم، فنظره، فإذا هو قد أسرعت الناس فيه (مسلمون وغيرهم) فدعا عمر الذمى وقال له: كم كنت ترجو غلة كرمك هذا؟ فقال الذمى كذا، قال: فخل سبيله، ثم أخرج عمر ثمنه الذى قال، فأعطاه إياه ثم أباحه للمسلمين (45).

ويؤكد الأستاذ (سيد أمير على) عضو مجلس الشورى الملكى بانجلترا فى كتابه

(A short History of the Saraces) أن المسيحيين قد نالوا حقوقهم كاملة خلال الحكم الإسلامى، وكانوا ينتقلون بحرية تامة فى أرجاء الدولة، ويتكاتبون مع الأمراء فى الدول الأجنبية دون رقابة، وكانوا يتملكون الضياع والأراضى مثل المسلمين تماما، أما مناصب الدولة، فكانت مفتوحة أبوابها أمامهم، باستثناء أيام الحكام المتعصبين وكانت الكنائس والأديرة قائمة فى كل مكان، وكان الحجاج يؤمون القدس من كل حدب وصوب بسلام، ولم يتيسر لهم ذلك إلا بفضل الوجود العربى فى تلك البلاد وبخاصة بيت المقدس، الذى يحترمه معتنقو الديانتين الإسلامية والمسيحية، وفى بيت المقدس حى كامل لساكنى البطريرك والكهنة (46).

وقد شهد بطريرك القدس فى رسالة بعثها إلى أخيه بطريرك القسطنطينية فى القرن التاسع يقول فيها: " إن العرب يمتازون بالعدل، ولا يظلموننا البتة، وهم لا يستخدمون معنا أى عنف (47)، وإلى مثل هذا ذهب البطريرك (عيشو يابه) الذى تولى كرسى البطريركية من سنة 647- 657  هـ حيث قال: إن العرب الذين مكنهم الرب من السيطرة على العالم يعاملوننا كما تعرفون، إنهم ليسوا بأعداء النصرانية بل إنهم يمتدحون ملتنا، ويحترمون قسيسينا وقديسينا ويمدون يد العون إلى كنائسنا وأديرتنا (48) إذ قام المسيحيون فى القرن الثالث الهجرى بتعمير كنيسة القيامة وزادوا فى ارتفاع قبتها حتى جاوزت قبة الصخرة المشرفة، وقد أذن الخليفة العباسى (الظاهر) بإعادة ترميمها ثانية عام 418م 418 هـ (49).

نتيجة لهذه المعاملة الطيبة أصبح العنصر العربى هو الغالب على مكونات البنية السكانية فى بيت المقدس، وكانت العناصر غير العربية قليلة العدد أصلا، وتناقصت مع الزمن. ولم يكن انتشار الإسلام فى الديار الفلسطينية والشامية نتيجة القوة العسكرية، وإنما يرجع إلى المبادئ الإسلامية، وليس أدل على ذلك من بقاء الروم على دينهم... كما أبقى المسلمون الأراضى المفتوحة لأصحابها يزرعونها

على أن يؤدوا جزءا من غلتها ضريبة عقارية تسمى الخراج (50). ولهذا السبب تنامى عدد السكان المسيحيين فى فلسطين حتى وصل أكثر من 550ألف نسمة قبل الاحتلال الإسرائيلى، ولكن هذا العدد تقلص إلى الخمس بعد الاحتلال (51).

أمثلة من تسامح المسلمين من العهد الصلاحى وماتلاه: عندما احتل الفرنجة الغربيون مدينة القدس أعملوا فى المسلمين سيوفهم فذبحوا منهم سبعين ألفا وبقروا بطون النساء الحوامل وأحرقوا الناس بالنيران، ونهبوا المدينة، واقتحموا المسجد الأقصى حيث كان المسلمون ملتجئين إليه فلم يرحموا أحدا، وكانت قوائم خيولهم تغوص فى دماء المسلمين وانتهكوا الحرمات واستباحوا المدينة التى امتلأت بجثث القتلى حتى أزكمت رائحتها الأنوف... ولم يكن هذا سوى بعض ما فعل الفرنجة (52)، وعندما استردها صلاح الدين الأيوبى لم تتعرض دار من دور المسيحيين للنهب، ولم يحل بأحد من السكان مكروه، إذ صار رجال الشرطة- وبناء على أوامر صلاح الدين- يطوفون بالشوارع والأبواب ويمنعون كل اعتداء على المسيحيين (53)...! وهاك أمثلة عما فعله صلاح الدين:

أ‌-   فداء الأسرى : طلب العادل من أخيه صلاح الدين افتداء ألف أسير على سبيل المكافأة عن خدماته له، فوهبهم له صلاح الدين، فأطلق العادل على الفور سراحهم، كما طلب البطريرك (هرقل) إلى صلاح الدين أن يشفعه فى عدد من الأرقاء حتى يحررهم من الأسر ويعتقهم، فوهب له سبعمائة أسير فأطلق سراحهم، كما أطلق خمسمائة آخرين تكريما (لباليان) وأعلن أنه سوف يطلق سراح كل شيخ وامرأة، فلما أقبلت نساء الفرنجة اللائى افتدين أنفسهن، وقد امتلأت عيونهن بالدموع، رق لهن قلبه وأمر بإطلاق سراح أزواجهن، و آبائهن وأبنائهن.

ب- شجع اليهود والمسيحيين المقدسيين على البقاء فى المدينة، وأعاد ممتلكات الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية وكل الكنائس إلى أصحابها الشرعيين الأصليين النصارى، وأمر بفتح كنيسة القيامة التى كانت قد أغلقت منذ أيام ثلاثة لتعود إلى العمل كما كانت من قبل (54).

ج- سمح لجميع الجنود الفرنجة بمغادرة المدينة مع أطفالهم وعائلاتهم، وضمن لهم سلامة الرحيل، واستأذنته الملكة إيزابيلا بالسفر فأذن لها ولكل النساء، ورد لهن أسراهن من الرجال، وسمح للمقاتلين الفرنجة من جهاز الصحة بمواصلة إسعافاتهم والعناية بالحجاج المسيحيين، أما نصارى بيت المقدس فإنه أعاد لهم حقوقهم التى نهبها الفرنجة من مساكن وبيوت وأماكن عبادة، وأمنهم من خوف ووفر لهم العمل (55).

د- سمح للسكان المطرودين من اليهود والمسيحيين الذين نفاهم الفرنجة خارج المدينة بالعودة إليها مع عائلاتهم وأعاد إليهم ما كان لهم مغصوبا من الفرنجة (56).

ويجدر بالذكر أن صلاح الدين شأنه شأن عمر بن الخطاب رضوان الله عليهما لم يشأ اقتحام المدينة، عندما كان قادرا على ذلك، وخاطب أشرافها قائلا: (إننى أحترم مدينة القدس ولا أرغب فى انتهاك حرماتها بإراقة الدماء فيها ولهذا أنصحكم (كسكان مدنيين) بترك المدينة، وأتعهد من جهتى بأن أعوضكم عن أموالكم بالأموال والأراضى (57). هذا مع العلم بأن المدينة فى ذلك الوقت لم يكن فيها ساكن مسلم واحد.

عادت أحوال المدينة إلى سابق عهدها، وعاد إليها سكانها المطرودون،ولكن بترتيب جديد، يقول (وليم الصورى) رئيس أساقفة مدينة صور: كان المسيحيون والمسلمون قد سكنوا مع بعضهم بدون تمييز، حتى تلك الآونة، وأجبر المسلمون بأمر من الخليفة (الفاطمى) على الانتقال إلى أجزاء أخرى من القدس تاركين المكان المذكور (حارة النصارى) للمؤمنين دون جدال وسارت حياتهم بشكل أكثر هدوءا بعدما تمكنوا أخيرا من العيش وحدهم (58) ويبدو أن هذا الانتقال كان بناء على طلب من المسيحيين، فاستجاب لهم الخليفة فورا.

هـ- سمح (الظاهر لإعزاز دين الله الفاطمى) للنصارى الذين أسلموا على عهد أبيه (الحاكم بأمر الله) أن يرجعوا إلى حظيرة دينهم القديم، كما أعاد هو بنفسه إعمار كنيسة القيامة.

ز- كان علماء المسلمين يجتمعون فى أروقة المسجد الأقصى المبارك وكانت تدور بينهم وبين اليهود والنصارى حوارات ونقاشات ومناظرات علمية تدور غالبيتها فى علوم الكلام وأصول الفقه والخلاف،- وكانت القدس بحكم موقعها المتوسط بين الشرق والغرب- من البلاد التى تجمع فى التعليم بين الطريقة (القيروانية) التى تقوم على التنظير والتمثيل والطريقة (العراقية) التى تقوم على طلب الدليل (59).

ح- سمح السلطان (محمود الثانى) لطائفة اللاتين بتوسيع ديرهم وإضافة غرف جديدة إليه كما أذن لهم بتعمير القسم الذى يخصهم من كنيسة القيامة (60).

ط- أنصف (إبراهيم باشا) شكاية تقدم بها سكان القدس من جباة الضرائب الذين كانوا يجبونها من الزوار، فأمسك بالمعنيين ونفاهم إلى عكا والشام، وكتب للجباة كتابا جاء فيه: (تعلمون أن فى بيت المقدس كثيرا من الأديرة والكنائس والآثار الدينية التى تحج إليها كل عام الطوائف النصرانية واليهودية، وقد شكا إلينا هؤلاء ما يلاقونه منكم من القسوة والمغارم، غير ناظرين إلى أن هذه الأفعال لا ترضاها النفوس الأبية، ولا يصح السكوت عليها، ولذلك أنهاكم وأحذركم من عاقبة التعرض لأولئك القوم، وأسألكم أن تفسحوا لجماعة القسيسين والرهبان والشمامسة وأهل البيت المقدس من جميع المذاهب قبطا كانوا أو أرمنا، فى دينهم ودنياهم من إقامة شعائر دينهم، ولا تأخذوا ممن يذهبون زائرين لبحر الشرعة (نهر الأردن ) شيئا من الكلف والمغارم  ولا تضيقوا على زائرى كنيسة القيامة، ولا تلزموا الصغار بدفع المال، فإن أطعتم أحسنتم لأنفسكم وإن خالفتم أسأتم لها، والسلام (61). وخلال هذه الفترة سمح (محمد على باشا) للمسيحيين البروتستانت أن يبنوا لهم كنيسة فى القدس وقد ارتفعت جدرانها فى عهده وتم نفاذ بنائها بعد ثلاثة أعوام (62).

لهذه الأسباب مجتمعة استردت الطوائف المسيحية ثقلها الديموغرافى، فزاد العدد حتى أصبح 20% من مجموع السكان فى عام 1580 م،. كما زاد عدد اليهود زيادة ملحوظة بسبب الهجرة من أسبانيا، وبسبب نفى اليهود من أوروبا حيث كانت فلسطين تحتضنهم دون تردد، كما تفوق معدل المواليد المسيحيين على عدد المواليد المسلمين فكانت عند المسيحيين 2% وعند المسلمين 1% (63).

وتشير وثائق المحكمة الشرعية فى القدس إلى أن المسلمين قد حفظوا للطوائف غير المسلمة حقوقهم كاملة وامتيازاتهم التى تعهد بها الخليفة.. العادل عمر بن الخطاب- رضى الله عنه- حيث صينت هذه الحقوق والامتيازات دون مساس، ولم يقم أحد من المسلمين بتخطى الشرع فى هذا الصدد، فكانت معابدهم وكنائسهم وكنسهم وبيوتهم وأراضيهم يتم المحافظة عليها وترميمها ورعايتها دون إبطاء (64).

لقد شارك المسيحيون فى مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأدبية فى فلسطين بتساو كامل مع بقية السكان، وبدون تمييز، وهذا ما مكنهم من البقاء كل هذه المدة الطويلة، فهم يشعرون أنهم مواطنون يعيشون فى وطنهم مثلهم مثل المسلمين تماما، بل إنهم شاركوا فى كل الأعمال الدفاعية عن هذا الوطن ضد الغزو الخارجى جنبا إلى جنب مع أشقائهم المسلمين وما بقاؤهم على عقيدتهم إلا الدليل الصحيح على ضمان الإسلام لحرياتهم، فى إطار التعددية التى تشكل إطار الأمة، وما تناقص عددهم إلا فى ظل الاحتلال الإسرائيلى، شأنهم شأن المسلمين. شهادات غربية: تعتبر مشاهدات الزوار شهادات على الواقع الذى شاهدوه وبخاصة عندما يكونون محايدين وموضوعيين، مع أن كثيرا من الزوار والسياح يحضرون إلى بلادنا، ولديهم معلومات قبلية مشوهة، يحاولون جمع المعلومات التى تؤيدها، ولا يحاولون محاكمة هذه المعلومات النظرية، التى تلقوها من طرف واحد، وفى هذه الشهادات نحاول تسليط الضوء على بعض القضايا التى تخص موضوع البحث نتدرج فيها تاريخيا: فى عام870 هـ زار السائح الغربى (برنارد الحكيم) مدينة القدس فكتب يقول: (إن المسلمين والمسيحيين فى القدس على تفاهم تام حتى إننى إذا سافرت ونفق حمارى أو جملى فى الطريق وتركت أمتعتى مكانها، وذهبت لاكتراء دابة من البلدة المجاورة، عدت فوجدت كل شىء على حاله، لم تمسه يد، فقانون الأمن العام فى تلك الديار يقضى على كل مسافر بالليل أن يكون بيده وثيقة. تبين هويته، فإذا عدمها زج فى السجن حتى يحقق فى أمره ويتضح مقصده (65)، وفى عام 1480م ( 885 هـ) زار بيت المقدس فلكس فابرى راهب مدينة أولم  ULM بمقاطعة فورتنسبرغ بادن بألمانيا. ومما قاله عن القدس: (فى المدينة نحو من (500) يهودى ونحو ألف نصرانى من كل مذهب وقطر، وأقلهم أتباع الكنيسة اللاتينية فلما انتهينا من صلاتنا سرنا إلى مستشفى القديس يوحنا والبناء القائم هو جزء من الأصل، ويقيم فيه عدد من الرهبان وتوزع الحجاج فى المكان أما فى زيارتى الأولى للمدينة، فلم نقم فى مستشفى (القديس يوحنا)، بل أقمنا فى بيت كبير يقع فى حى ملو (داخل باب الخليل الحالى) وما كاد الحجاج يستقرون فى أماكنهم حتى جاءهم الباعة من المسلمين والنصارى واليهود يحملون الخبز والماء والطعام والفواكه فابتعنا وأكلنا 000) (66) وفى عام 1868م زار .

(الأمير فريدريك) ولى عهد (بروسيا) مدينة القدس، فأهداه السلطان (عبد العزيز) بقعة كانت فى الأصل تؤلف قسما من (المستشفى الصلاحى)، حيث بنى عليها (فيما بعد) كنيسة حملت اسم (الدباغة) أو كنيسة المخلص (الفادى) التى دشنها الأمبراطور (جيوم) يوم زيارته للقدس عام 1898م (67) وفى عام 1942م زارت (مريا شتارك) مدينة القدس وشاهدت ميتم (ديرعمرو) المبنى على التلال بين القدس والبحر، على مقربة من طريق يافا ، وكان يضم أربعين طالبا، يتعلمون الزراعة كى يمارسوها فى قراهم فى المستقبل، وقد تم بناء هذا المكان بتبرعات عربية من المسلمين والمسيحيين، كى يدرس فيه أبناء الوطن الواحد من العرب (68).

اليهود فى فلسطين :  مرت أزمنة طويلة على فلسطين لم يكن فيها يهودى واحد، وبخاصة فى مدينة القدس وكان عمر بن الخطاب والمسلمون من بعده قد سمحوا لليهود بالإقامة فى المدينة أسوة بالآخرين، وكان اليهود منقسمين إلى أقسام ثلاثة:

(أ) السامريين.                (ب) الربانيين.                               (ب) القرائين.

وكان السامريون يفضلون المسلمين من ناحية اجتماعية على فئات اليهود الأخرى من أبناء ملتهم (69) وكان القراءون يشتكون إلى السلطات الإسلامية كى تفض النزاعات بينهم وبين اليهود الربانيين (70)، فقد عرف عن المسلمين العدل والإنصاف فى الرعية بغض النظر عن الدين والجنس، ويذكر فى هذا الصدد أن شكوى قد رفعت إلى كافل المملكة بشأن معاملة والى المدينة لليهود ومحاولته السيطرة على تركة رجل يهودى بحجبها عن ورثته، فأزال الحاكم الحيف عن الورثة ولم ينتقص من حقوقهم شيئا (71)  وفى عهد (السلطان قايتباى) اختلف المسلمون واليهود على دار واقعة بين كنيس لليهود ومسجد للمسلمين فى حارة شرف التى سميت فيما بعد بحارة اليهود، ادعى المسلمون أن الدار من حقوق المسجد، وعارض اليهود هذا الادعاء، وتشاكى الفريقان أمام القضاة، وعقد على أثر ذلك مجلس (بالمدرسة التنكزية)، ترأسه ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين بن عتبة (الشافعى) والقاضى خير الدين بن عمران (الحنفى) وشيخ الإسلام نجم الدين بن جماعة (شيخ الصلاحية) والشيخ برهان الدين (الأنصارى) والشيخ شهاب الدين (العمرى)، فأصدر هؤلاء القضاة حكمهم لصالح اليهود، ورفعوا أمرهم إلى السلطان بمصر، فنقض السلطان حكم القضاة، وأصدر أمرا جاء فيه: (إن كنيس اليهود محدث وأن الدار المختلف عليها حق من حقوق المسجد، وأن لا حق لليهود فيها )فرفض اليهود حكم السلطان، وقدموا شكوى مضادة شرحوا فيها أمرهم لقاضى القضاة بالديار المصرية، وجمع من النواب والفقهاء وصدر إثر ذلك مرسوم من السلطان معنون إلى ناظر الحرمين الأمير ناصر الدين المتقدم ذكره، يقضى بتمكين اليهود من كنيسهم وعدم معارضتهم فى دارهم (72)، ويتضح من هذه الحادثة أن الحقوق كانت مصانة لجميع أفراد الرعية، وأن كل إنسان يستطيع أن يصل إلى حقه، حتى ولو كان عند الوالى نفسه، وهذا أرقى ما وصلت إليه الديمقراطيات الحالية.

وفى عهد السلطان عبد العزيز (العثمانى) منحت الحكومة يهود فلسطين قطعة أرض كى يقيموا عليها مدرسة (نيتر) الزراعية بالقرب من مدينة يافا وقد أصدر السلطان فرمانا فى 4 محرم 1287 هـ الموافق 4/5/1870م إلى اليهودى صاحب الشأن (شارل نيتر) يقول فيه: ( يفتح المكتب المذكور لتعليم فن الزراعة والفلاحة المرغوبة ترقيته فى بلاد دولتى العلية، ويكون تابعا لقوانين الدولة العلية تحت نظارة المعارف، وتحت حمايته السنية، على أن هذا المكتب وان يكن قد أنشئ على اسم أطفال الملة الموسوية (اليهود) إلا أنه يقبل فيه تلامذة من سائر الملل والمذاهب، بشرط أن يكونوا جميعهم من التبعة العثمانية (73)، وقد تم إنشاء هذا المركز، لكن أحدا من غير اليهود لم يتمكن من دخوله...! وهذا الزمان يفيد بأن الأتراك العثمانيين قد منحوا اليهود أرضا لإقامة مشروع عليها.

مقبرة اليهود:  المقبرة التى يدفن اليهود فيها موتاهم فى يومنا هذا، ومنذ حقب بعيدة وهى الواقعة على طريق القدس أريحا، بين سلوان والطور، هى أرض إسلامية وقفية، وقد اذن المسلمون لليهود باستعمالها لقاء جعل معين يدفعونه فى كل سنة لمتولى الوقف الإسلامى، وقد تم الاطلاع على سجلات المحكمة الشرعية بالقدس سجل رقم 44 صفحة 574 موقعة من قاضى الشرع جاء فيه أن ممثل الطائفة اليهودية أنقد أصحاب الوقف بحضوره (أى بحضورالقاضى) مائتى دينار ذهبا لقاء استعمال الطائفة أرض الوقف لدفن موتاها، وذلك عن سنتى 968 و 969 للهجرة أى (1560- 1561 م) وتمتد هذه المقبرة من وادى قدرون حتى رأس العمود والسفح القبلى لجبل الزيتون، وفيها أربعة قبور ضخمة يقصدها اليهود فى أيام معينة وهى (قبر ابشالوم) الابن الثالث (لداود الملك) الذى ثار ضد أبيه،و (قبر يهوشافاط) الواقع فى وادى يهوشافاط (وقبر يعقوب) الذى يعتقد المسيحيون أن القديس يعقوب الصغير مدفون فيه (وقبر النبى زكريا) (74).

استقبال اليهود المطرودين من أسبانيا: فى عهد السلطان (سليمان القانونى) وولده (سليمان الثانى) سمح لليهود المطرودين والفارين من الأندلس والبرتغال اللجوء إلى مدينة (طبرية بفلسطين) واشتهر من هؤلاء اللاجئين (يوسف نامى) الذى حصل على امتيازات كثيرة من السلطانين المذكورين.

اليهود يحتكرون تجارة الأصباغ :  ورد فى رحلة (بنيامين) إلى الديار المقدسة أن يهود بيت المقدس يحتكرون تجارة الأصباغ فى المدينة، حيث استأجروا معملا لها من الملك (امورى الأول ) وبذلك تنحصر فيهم هذه المهنة دون غيرهم، رغم أن عددهم فى بيت المقدس لا يتجاوز المائتين وكانوا يقيمون فى حى مجاور لبرج داود

(75)، وفى أيام (ناصرى خسرو) كان اليهود يذهبون إلى بيت المقدس لأداء مراسيم الحج، وكان لهم كبيرهم الدينى المسمى (رأس الجالوت)، كما كان لهم قاض للقضاة، وكان له سلطان على جميع أبناء ملته الساكنين فى بلاد الخلافة كافة، وكان الخليفة (المكتفى) قد مكن له الأمر، حتى أصبح من الفرائض على المسلمين واليهود على السواء الوقوف إجلالا له، إذا كانوا بحضرته، ومن لم يقف له ضربه بالسوط، وكان يذهب للقاء الخليفة مساء كل خميس. وإذ ذاك يصيح أمامه الفرسان من اليهود والمسلمين ( اعملوا الطريق لسيدنا ابن داود) و كان ( دانيال) يتعمم ويمتطى حصانه فإذا جاء إلى الخليفة قبل يده واقتعد مكانه، كل ذلك وأمراء المسلمين وكبارهم وقوف بين يديه (76). وقد كانت هذه حالهم فى مصر أيضا حتى قال شاعرها:

يهود هذا الزمان قد بلغوا       ***     غاية آمالهم وقد ملكوا

العز فيهم والمال عندهم         ***    ومنهمو المستشار والملك

يا أهل مصر إنى نصحت لكم   ***    تهودوا قد تهود الفلك(78)

هذه حال اليهود تحت الحكم الإسلامى، أخذوا حقوقهم الكاملة مثلهم فى ذلك مثل المسلمين كما وجدوا فى بلادنا الملجأ ساعة المحنة، حين طردهم الآخرون، ومنحوا الأمن والسكن والعمل والمساواة.. فماذا كان ردهم عندما غلبوا على هذه الأرض؟.

لقد عامل اليهود أبناء القدس وفلسطين بكل وحشية، فذبحوا الرجال والنساء والأطفال دون رحمة، وأبلغ مثال على ذلك ما حدث فى قرية دير ياسين الآمنة حين اقتحموها فى فجر يوم 9/4/1948 م وقد حولوها إلى مسلخ بشرى (79)، وكانت هذه المجزرة البشعة واحدة من اثنتين وثمانين مجزرة نفذتها القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين حتى أجبرتهم على الفرار من الأرض التى منحتهم الأمان ذات يوم...!.

ومازالت إسرائيل تطبق هذه المجازر، وما مجزرة الحرم القدسى الشريف عنا ببعيدة، حيث راح ضحيتها ما يزيد على عشرين شهيدا، ومجزرة الحرم الإبراهيمى التى راح ضحيتها أكثر من ستين شهيدا، حين

 

اقتحم أحد ضباط الجيش الحرم تحت سمع وبصر الحراس اليهود وأطلق الرصاص من رشاشه على المصلين فى صلاة الفجر فى يوم الجمعة الواقعة فى منتصف شهر رمضان.

ومازالت إسرائيل تطبق قانونها (الحاضر الغائب) على الفلسطينيين حيث تعد كل فلسطينى موجودا فى فلسطين غائبا، وتصادر أرضه وبيته، ولهذا فهناك 3.5 مليون لاجىء فلسطينى خارج فلسطين ومليون لاجىء داخلها، وهم يعاملون كغرباء ليس لهم أية حقوق، ولهذا تصادر أراضيهم بعد إعلانها كأراضى دولة (80). ومع ذلك يتحدثون عن السلام والعدل والتسويات. فسبحان الله، وحسبى الله ونعم الوكيل.

المراجع

(1)الحجرات: 13.

(2)آل عمران: 64.

(3)الأحقاف: 12.

(4)المدثر: 31.

(5) أبو يوسف، كتاب الخراج ص 71.

(6) الشيخ عبد الله مصطفى المراغى، التشريع الإسلامى لغير المسلمين، مكتبة الآداب بالجماميز د.ت ص  83.

(7) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 3 ص137.

(8) التوبة: 60.

(9) أبو يوسف كتاب الخراج  ص 71.

(10) الفضل شلق. عودة إلى مفهوم الأمة غير القومية، مجلة الاجتهاد، العدد 29، السنة7، 1995م، دا ر الاجتهاد، بيروت ص 6.

(11) الشيخ عبد الله مصطفى المراغى، التشريع الإسلامى لغير المسلمين ص 113، نقلا عن كتاب الخراج لأبى يوسف ص85، 86.

(12) ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 1 ص ا 24.

(13) صبح الأعشى، القلقشندى، ج 13، مطبعة بولاق د. ت. ص 324.

(14) د أس ترتون، أهل الذمة فى الإسلام ترجمة د. حسن حبشى،ط2 دار المعارف مصر،1967 م ص37.

(15) المصدر السابق ص 39.

(16) أهل الذمة فى الإسلام، ترجمة د. حسن حبشى، ص: ك المقدمة. 

(17) بدران أبو العينين بدران، العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين دار النهضة العربية بيروت 1984 م ص 22.

(18) ابن قتيبة، عيون الأخبار، ج ا، دار الكتب المصرية 1925م، ص 43.

(19) 1لبلاذرى، فتوح البلدان ص 142.

(20) د. ترتون، أهل الذمة فى الإسلام ص 14، 15 نقلا عن الخطط للمقريزى ج1 ص 98.

(21) الممتحنة: 8.

(22) ياقوت الحموى، معجم الأدباء ج 2، طبعة مرغوليوت ص 529.

(23) ترتون، مصدر سبق ذكره ص 180- 187 م، نقلا عن الفهرست لابن النديم ص 196.

(24) المقرى نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، ج 1ص 252.

(25) الأصفهانى، الأغانى ج 8، ص 126 فى الحاشية.

(26)ابن أبى أصيبعة، طبقات الأطباء ج 1 ص 185.

(27) ابن ا لعبرى، مختصر تاريخ ا لدول، ص 295، 296.

(28) أبو الفرج الأصفهانى، الأغانى ج 19 ص 50.

(29) د. ترتون، مصدر سبق ذكره  ص 46.

(30) عبد ا للطيف المراغى، التشريع الإسلامى، مصدر سابق ص 41.

(31) ابن سعد، الطبقات الكبرى ج 5 ص 262.

(32) د. بدران أبو العينين بدران، العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين فى الشريعة الإسلامية والمسيحية واليهودية، دار ا لنهضة ا لعربية، بيروت 1986م ص 224.

(33) المصدر نفسه ص 274.

(34) المصدر نفسه ص 281، 299.

(35) كتاب الأم، ج 4 ص118.

(36) العلاقات الاجتماعية بين المسلمين وغير المسلمين فى الشريعة الإسلامية والمسيحية واليهودية، مصدر سبق ذكره. ص 17.

(37)زيغرد هونكة، شمس الله تسطع على الغرب، ترجمة فاروق بيضون وكمال دسوقى، ط ه، بيروت 1986 م- دار الأفاق، ص 368.

(38) عارف العارف، المفصل فى تاريخ القدس، ط 2، 1986م، مطبعة المعارف بالقدس ص 2 0 1، نقلا عن تاريخ القدس لخليل طوطح وبولس شحادة  ص 25.

(39) حسين العودات، العرب النصارى، مراجعة عمر كيلانى، مجلة الاجتهاد، العدد التاسع والعشرون، السنة السابعة1995 م ص 207.

(40) عارف العارف، المفصل فى تاريخ القدس، مصدر سابق ص 297.

 (41) شلومو غويتين، القدس منذ الهيكل الثانى وحتى العصر الحديث، القدس 1981م ص 51.

(42) حمد أحمد يوسف، بيت المقدس فى العهد الراشدى وحتى نهاية الدولة الأيوبية، دائرة الأوقاف، القدس 1982م ص 48-49.

(43) د. محمد محسن، ديموغرافية القدس فى نهاية القرن الحادى عشر مع رؤية للواقع الحالى، الجمعية الفلسطينية الأكاديمية للشئون الدولية، القدس 1996م ص 33.