موقف الإسلام من غير المسلمين
فى المجتمعات
الإسلامية الشيخ/ الأمين عثمان الأمين
مفتى
أريتريا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبى بعده وآله وصحبه أجمعين .
سماحة
الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر، فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوى،
معالى وزير الأوقاف الدكتور محمود حمدى
زقزوق.
أصحاب
الفضيلة العلماء، وأصحاب النيافة رجال الدين المسيحى ، أصحاب العلم والفكر الأجلاء..
السادة
الحضور..
السلام
عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.. وبعد:
فيسرنى أن أتقدم
بالشكر الجزيل، وعميق التقدير على الدعوة الكريمة التى
وجهها إلينا معالى وزير الأوقاف ورئيس المجلس الأعلى
للشئون الإسلامية للحضور والمشاركة فى أعمال المؤتمر
العام التاسع للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية برعاية السيد الرئيس محمد حسنى مبارك
عن نفسى وعن أعضاء الوفد الأرتيرى
عن دار الإفتاء الأرتيرية، وأحمل تحيات الشعب الأرتيرى وأطيب تمنياته للشعب المصرى
رئيسا وحكومة وشعبا، داعيا الله تعالى أن تظل هذه العلاقة الوطيدة بين الشعبين
الشقيقين راسخة شامخة أبد الدهر. وأن يكلل أعمال هذا المؤتمر الذى
ضم خيرة رجال الدين ، والفكر، والعلم، والأدب، والسياسة من مختلف الأقطار والأديان
بالتوفيق والنجاح.
موضوع الحوار
( الإسلام
والغرب- الماضى - الحاضر- المستقبل )
مقدمة:
موضوع
الحوار مهم جدا فى وقتنا الحاضر لما يتضمنه من العلاقات
بيننا وبين الغرب والتى أصبحت ذات أثر فعال فى حياتنا اليومية العامة والخاصة، حتى لقد أصبح الغرب كل شئ بالنسبة لنا وهذا أمر لا نستطيع أن ننكره، أو نتجاهله، حيث
صارت كل احتياجاتنا مرتبطة به فى
الوقت الحاضر حتى يهيئ الله لنا الفكاك منه فما من شئ
صغير أو كبير إلا ويأتينا من الغرب مصنعا، بعد أن يأخذه منا خاما.
وهذا
ما يجب أن نفكر فيه طويلا ، وأن تتضافر الجهود والأفكار والعقول على إيجاد حل
له، حتى لا يستمر الأمر على هذا الوضع
والغرب فى تقدمه واحتكاره لمقاليد التصنيع، حتى ارتاد
الفضاء وأتى بعجائب الأمور، ونظل نحن مبهورين مما يصنع وكأننا نعيش فى عصور قديمة ساحقة القدم وكأن الذى
نراه أمامنا أمورا خارقة للعادة لا يمكن الوصول إليها بالجهود والعمل الجاد.
فإذا
استمر الحال على ما هو عليه، فستزداد الفجوة بيننا وبينهم حتى يصل الغرب فى العلم والتقنية إلى درجات قد تكون خيالية، وأما نحن فلن
نقف حيث كنا فقط بل قد نرجع القهقرى، لأن الغرب هكذا أراد لنا، ورضينا بإرادته
وقبلناها ورأينا ذلك أيضا من معجزاته أو من حسناته إلينا فكيف نتخلص من هذا الركود
وهذه التبعية؟، هذا هو ما يجب أن نفكر فيه جيدا.. والله
ولى التوفيق.
المحور
الأول
تقليد الغرب
الغرب
له سلبياته وإيجابياته، نصرنا نحن نقلده فى سلبياته دون
إيجابياته.
الغرب قد بلغ درجة كبيرة فى
التقدم العلمى والتقنى، كما
بلغ غاية لا يحسد عليها فى الجانب الأخلاقي والمعنوى، فأخذنا مساوئه، وتركنا محاسنه وقلدناه فى كل ما ينهى عنه ديننا الحنيف، وأهملنا تقليده فى كل ما يدعو إليه الدين من العلم والتقدم المادى.
فالحكمة
ضالة المؤمن أخذها حيث وجدها، وعلينا أن نأخذ العلم أين كان مصدره، فقد أخذوا عنا
الكثير فى الماضى (لقد كان
المسلمون منفردين بالعلم فى تلك القرون المظلمة فنشروه
حيث وطئت أقدامهم، وكانوا هم السبب فى خروج أوروبا من
الظلمات إلى النور) (1).
هذا
هو الحاضر، أما الماضى فقد كان للإسلام عندما كان المسلمون
متمسكين بدينهم عاملين به، حتى استطاعوا أن يبلغوا هذا
الدين إلى أقصى الشرق وإلى أقصى الغرب فى عالم ذلك
الوقت وكانوا يدا واحدة.
ولما
ركنوا إلى الدنيا واغتروا بما نالوا، أصيبوا بداءين هما شر الأدواء بالنسبة للأمم
وذلك هو الميول إلى الراحة والكسل وترك العمل الجاد والانشغال بنعيم الدنيا من
حرام وحلال والتنافس فيها.
والداء
الثانى: الانشقاق والخلاف والنزاع بينهم فى وقت كان يجب أن يكونوا فيه يدا واحدة.
أما
المستقبل، فهذا هو الذى يجب التفكير والعمل الجاد من
أجل تحسينه فلا ينبغى لنا أن نتفاخر بالماضى أو نتباكى على الحاضر، بل يجب أن نأخذ من الماضى ما يدفعنا إلى العمل والعبرة بما حصل حتى لا تتكرر
المأساة
المحور الثانى
موقف
الإسلام من غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية وموقف
المجتمعات الغربية من المسلمين
موقف
الإسلام من غير المسلمين فى المجتمعات الإسلامية
1- مبدأ حرية العقيدة
أعطى
الدين الإسلامى الأولوية لمبدأ حرية العقيدة- قال
تعالى: ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى) (2). فلا تكون العقيدة بالإكراه لأنها عمل قلبى لا يطلع عليه إلا الخالق وقال: ( أفأنت تكره الناس حتى
يكونوا مؤمنين) (3). فلا يحق لأحد أن يكره الآخر أن يدين بما يدين به، فالتعدد والاختلاف إرادة الله: ( ولو شاء ربك لجعل الناس
أمة واحدة ) (4). ومع ذلك فالله تعالى فرض الدعوة إلى الله وأمر رسوله أن يدعو إلى
الله، ولكن بالطريقة الصحيحة السليمة قال تعالى:( إدع
إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن ) (5).
فكان
يدعو إليه تعالى كما أمره بالتى هى
أحسن وبذلك أمكنه أن يستجيب من كتبت له العناية، فاهتدى إلى الدين المسلمون الأول
حتى انتشر الإسلام فى الجزيرة العربية ومنها إلى العالم
أجمع.
فالإسلام
إنما انتشر بالحكمة والموعظة الحسنة ولم ينتشر بالسيف قط كما يزعم بعض الناس،
وإنما كان السيف فى حالة وجوده دفاعا عن النفس وتمهيدا
للدعوة، وإلا فمن أكره على قبول الدين المسلمين الأول؟.
من
أكره الصحابة على الإسلام؟.
من
أكره أبا بكر الصديق، أو عمر، أو عثمان، أو عليا، أو خديجة وغيرهم- رضى الله عنهم أجمعين-، بل من أكره أهل المدينة عندما اعتنقوا
الدين عن طواعية واختيار حتى جعلها الله مهجر نبيه صلى الله عليه وسلم وأصحابه بل العكس الذى
حصل أى أن الذى يعتنق
الإسلام هو الذى كان يكره على تركه كما فى بلال وآل ياسر وغيرهم- رضى الله
عنهم- ومن أكره نجاشى الحبشة وأتباعه عندما اعتنقوا
الإسلام عن معرفة وبصيرة؟ ومن أكره مسلمى الحبشة وأرتريا على الإسلام؟، بل من أكره هذه مئات الملايين فى مشارق الأرض ومغاربها على اعتناق الإسلام؟.
أهم
أسباب انتشار الإسلام
1- الإسلام دين الفطرة تتقبله النفوس السليمة، فلو
عرض على شخص خالى الذهن عن أى
معتقد وعرض عليه دين الإسلام مع أديان أخرى لاختار الإسلام دون تردد ( فطرة الله التى فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) (6).
2- الأخلاق العظيمة التى
كان يتخلق بها دعاة الإسلام وفى مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ( وإنك لعلى خلق عظيم) (7)، وقال: (
فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (8).
2- إخلاص الدعاة عملهم لله فلا يريدون مدحا ولا رياء
ولا سمعة ولا مالا ولا جاها، وإنما كان عملهم خالصا لله فلذلك أثمرت جهودهم وآتت
أكلها بإذن ربها ودخل الناس فى دين الله أفواجا.
4- عملهم بما يدعون إليه من
الأعمال الصالحة حتى لا يدخلوا فيمن قال الله تعالى فيهم: ( كبر مقتا عند الله أن
تقولوا مالا تفعلون) (9).
5- وإن الإسلام هو دين الله الخالد الذى ضمن الله له البقاء ( إن نحن أنزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (10)، وأنه الدين الذى وعد الله بأنه يظهره على الدين كله ( هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى
بالله شهيدا ) (11).
ومن
ظهوره أن الدين الإسلامى لم يترك بلدا إلا وصل إليه قلة
أو كثرة.
لماذا قالوا إن
الإسلام انتشر بالسيف ؟
القول
بأن الإسلام انتشر بحد السيف قول ينبعث من قلب ملىء
بالحقد على الإسلام، فقد هالهم انتشار الإسلام بسرعة هائلة، وسريانه فى الأمم كلها قاصيها ودانيها، فى
أقرب زمن فبهرهم ذلك ولم يهتدوا إلى تفسير صحيح، فقاموا يدعون الأكاذيب ويلفقون
الادعاءات الباطلة، وهذا كما كان أسلافهم يفعلون، حيث إن الكفار عندما بهرتهم آيات
القرآن الكريم ولم يستطيعوا معارضتها، حيث تحداهم القرآن الكريم: ( وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا
شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين) (12).
وذلك كأدنى حد بعد أن تحداهم
بمثل هذا القرآن أو سورة منه.
فلما
عجزوا عن المعارضة، وصعب عليهم- كفرا وعنادا- أن يعترفوا بالحقيقة ، وهو أنه كتاب
نزل من عند الله معجزة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، فجعلوا يتخبطون فى رد هذا الكتاب، تبريرا لعجزهم والتماسا لأسباب عدم قبولهم
له، وصدا للناس عنه، فتارة يقولون: ( قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا
أساطير الأولين ) (13) 0، ( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك
افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا ) (14).
وقالوا
للقرآن سحر وقالوا للرسول صلى الله عليهوسلم مجنون
وشاعر، والقرآن الكريم يرد عليهم فى مزاعمهم هذه- وكل
هذا إنما هو عناد وكفر.
وكذلك
الذين قالوا إن الإسلام انتشر بحد السيف إنما يقولون ذلك كفرا وعناد وصدا للناس
عنه، وحتى يظهروه بوجه غير وجههه المشرق الوضاء تبريرا
لإعراضهم عنه وطمسا للحقيقة عمدا وحقدا، فجعلوا يخترعون الافتراءات، ويلفقون
الأكاذيب، ويتخبطون فى دياجير الضلال كدأب الذين من
قبلهم سواء بسواء.
العنف
فى السنوات الأخيرة وأسبابه
لعل
بعض الذين يسمعون أن الدين الإسلامى دين الجهاد، وهم لا
يفهمون من الجهاد إلا أنه هو القتال، فكأن الدين الإسلامى
هو دين القتال، وأن الأقوال الزائفة التى يطلقها أعداء
الإسلام يظنها بعض السذج أنها صحيحة خاصة إذا قارنوها بالآيات القرآنية والأحاديث
النبوية التى تحث على الجهاد فى
سبيل الله وأخذوها كما هى، واعتقدوا أن الإسلام يحث على
القتل وأن هذا القتل هو الجهاد.
وبناء
على ذلك صاروا يعيثون فى الأرض فسادا ظانين أنهم يحسنون صنعا ويرون أنهم يجاهدون فى سبيل الله وما علموا أن الإسلام ينعى على المفسدين
والمخربين ويعتبرهم بغاة معتدين لا غزاة مجاهدين فالله تعالى نهى بشدة عن قتل
النفس بغير حق فقال تعالى: ( ولا تقتلوا النفس التى حرم
الله إلا بالحق) (15)، وقال تعالى: ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا
فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما) (16).
فالله
تعالى قد توعد هؤلاء وجعل جزاءهم فى الدنيا كما فى قوله تعالى:
( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم
من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزى فى الدنيا ولهم فى الآخرة عذاب عظيم) (17). ،
فإذا كانوا يريدون أن
يجاهدوا فعليهم أن يعرفوا شروطه وأسبابه وغايته فالجهل هو أكبر عدو للإنسان يوقعه
فيما فيه هلاكه ظانا أنه صلاحه، فقتل الأبرياء وترويع
الآمنين ليس من الإسلام فى شئ
ولا يمت إليه بسبب فإذا كان الإسلام لا يبيح قتل الأبرياء أو المسالمين حتى فى الجهاد الحقيقى فكيف يبيحه فى جهاد مزعوم؟.
ومهما
يكن فالجهاد بمعناه الشرعى واجب فى
ظروفه وشروطه دفاعا عن العقيدة وعن النفس والمال وعن العرض وعن كل ما يحوطه
الإنسان بوجه شرعى والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة
تحث على هذا الجهاد فى إطار الدفاع وقمع العدوان ورد
الاعتداء قال تعالى: ( وقاتلوا فى سبيل الله الذين
يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) (18).
إذن
لا معنى لما نراه فى عصرنا الحاضر من الأعمال باسم
الإسلام ، والإسلام منها براء، والله الهادى إلى سواء
السبيل.
هذه
الأعمال التى شوهت الإسلام، حتى أصبح الناس فى بعض المجتمعات لا يفهمون عن المسلم إلا أنه إرهابى.
ونأمل
من هؤلاء أن يتقوا الله فى دينهم إن كانوا مسلمين، وأن
يدعوا إليه- إن كانوا يريدون الدعوة إلى الله- بالتى هى أحسن، وبذلك يمكنهم أن يبلغوا ما يدعون إليه إلى كل الناس
دون إرهاب أو إزعاج، ويمكنهم بهذه الطريقة السليمة الحكيمة أن يكسبوا كل الناس
مسلمين وغير مسلمين، ويدخل الناس فى دين الله أفواجا
بإذن الله.
المساواة
فى الحقوق والواجبات
الإسلام
دين المساواة، لا يعرف الإسلام التفرقة سواء فى الأصل
أو اللون أو الأجناس يقول تبارك وتعالى: ( إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) (19).
وقال صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع:
" يا أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد لا فضل لعربى
على عجمى، ولا عجمى على عربى، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى إن
أكرمكم عند الله أتقاكم ".
وفى
حديث أبى هريرة- رضى الله عنه- عن النبى صلى الله عليه وسلم " إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم وآدم من تراب،
مؤمن تقى أو جاحد شقى "
" الحديث ".
كانت
العصور قبل الإسلام مظلمة ساد فيها الظلم والجور، فصارت الناس تفتخر بالقوة
وبالآباء وكانت ترى أن الشرف كله فى القوة فأكل القوى
الضعيف وسيطر عليه كل السيطرة.
حقيقة إنسانية
فجاء
الإسلام يبين حقيقة إنسانية جهلها أولئك الطغاة المتجبرون،
هى أن الفضل أو الشرف ليس بالقوة المادية، ولا بالأحساب والأنساب، وإنما هما بالعمل الصالح وطاعة الخالق (إن
أكرمكم عند الله أتقاكم) (20)، وبالتالى فإذا كان الناس
سواء فى الأصل والخلقة فهم أيضا متساوون فى الحقوق والواجبات، فليس لأحد حق فوق حقوق الآخرين لأنه
شريف، ففى حديث المخزومية التى
سرقت، وأراد أن يشفع لها أسامة- رضى الله عنه- ورد
الرسول صلى الله عليه وسلم هذه الشفاعة ردا قويا بقوله: " لو أن فاطمة بنت
محمد سرقت لقطعت يدها "، وقول عمر بن الخطاب- رضى
الله عنه- " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا".
وقول
أبى بكر الصديق- رضى الله عنه- عند توليه الخلافة (ألا
إن أضعفكم عندى القوى حتى آخذ له الحق، وأقواكم عندى الضعيف حتى آخذ الحق منه) كل هذا وغيره شواهد حق على
المساواة بين الناس أجمعين فى الحقوق والواجبات فى الإسلام.
الإسلام لا يفرق بسبب اللون أو
الدين
فالإسلام
لا يعرف التفرقة فى اللون أو الدين قال رجل لآخر يا ابن
السوداء أو نحو ذلك فقال له صلى الله عليه وسلم: إنك امرؤ فيك جاهلية فلم يبرح حتى
أخذ حقه منه، ولا يفرق فى الدين فمن ذلك أنه مرت جنازة
فقام صلى الله عليه وسلم واقفا فقيل.
إنها
جنازة يهودى فقال صلى الله عليه وسلم : أليست نفسا؟ وقبل صلى الله عليه وسلم الهدية
من غير المسلمين وزار مرضاهم وعاملهم واستعان بهم فى
سلمه وحربه حيث لم يخش منهم كيدا.
وعلى
بن أبى طالب- كرم الله وجهه- يغضب على القاضى لأنه كناه
بقوله يا أبا الحسن قف بجانب غريمك، يغضب لأنه كناه ولم يكن خصمه اليهودى.
وعمر بن الخطاب- رضى الله
عنه- يسن نظام المعاشات للعاجزين عن العمل حتى لغير المسلمين ويفرض لهم فى بيت المال ما يكفيهم.
أريتريا ملتقى الديانات
السماوية
ومعلوم
تاريخيا أن أريتريا
ملتقى الديانات السماوية ابتداء من الديانة اليهودية ومرورا بالديانة المسيحية
وانتهاء بالديانة الإسلامية، ولم يكن يوما من الأيام اختلاف المعتقدات فى أريتريا عائقا يحول دون التعاون
والتعايش بين الطوائف المتواجدة فى أريتريا
باستثناء فلتات التاريخ بدوافع خارجية- بل كانت إحدى عوامل التمدن والتحضر
والتعاون بين تلك الطوائف الدينية من خلال تلاحم الأفكار البناءة واحترام كل طرف
للطرف الآخر فى سبيل تحقيق تعاون قائم على المصارحة
الكاملة بحسن النية المتبادلة النابعة من إرادة كبيرة هادفة وحوار فكرى متبادل.
وإذا
كانت غاية الأديان السماوية واحدة لا يمكن أن يكون اختلاف الديانات سببا فى تعاسة الإنسان بل يجب أن تكون سببا فى
سعادة الإنسان بلا تمييز ولا تفريق بين إنسان وآخر.
ويوجد
المثل فى أريتريا حيث تكاتف
الشعب الأريترى بجميع طوائفه على مر الزمان ضد الغزو الخارجى قديما
وحديثا وسر نجاحه وانتصاره واستعادة حقوقه المشروعة وسيادته الوطنية يكمن فى وحدة صفوفه وتلاحمه مع اختلاف معتقداته واضعأ مبدأ حرية معتقداته نصب عينيه وإحدى مبادئه فى حياته اليومية وثوابته الوطنية.
عصر
التقارب
فكما
تقارب المكان يلزم أن تتقارب النفوس والشعور فأنت لا تنام فى
راحة إذا كان جارك لا ينام، فالقلق يشمل الجميع وقد يصيبك من ضرره ومرضه ما أصابه
ويقلقك كما أقلقه، فإذا احترق بيت لا شك أن البيوت التى
بجواره مهددة بالحريق ما لم يسارعوا إلى إطفائها، والعالم اليوم كله أصبح متجاورا
بسبب الآلات الحديثة المختلفة.
فى هذا العصر الذى صار العالم فيه قرية كبيرة يبلغ الصوت من أقصاها إلى
أقصاها ويصل الراكب من مكان إلى آخر، وكأنه فى مدينة
واحدة، لزم أن يعمل الناس وفى أقرب ما يمكن إلى إيجاد الحلول المناسبة لكل المشاكل
المتعلقة بين سكان هذه القرية، حيث أصبحوا كلهم وكأنهم أهل مدينة واحدة مهما
تباعدت ديارهم وتناءت أقاليمهم فالكل يشعرون بشعور واحد يتألمون إذا تألم من هو فى أقصى الأقطار ويفرحون لفرحه، أو هكذا يجب أن يكونوا.
لذا
لزم أن يجدوا لإحلال السلام والطمأنينة فى أرجاء العالم
كله والله تعالى سيوفق إذا صلحت النية وتطهرت النفوس.
فتعدد
الأقطار والأقاليم والألسن والألوان وتعدد المعتقدات لا يلغى حقيقة وحدته لأن هذا
التعدد من لوازم الحياة الإنسانية فى الأرض وقد جعل
الله ذلك من عظيم آياته وبديع قدرته ( ومن آياته خلق السموات والأرض واختلاف
ألسنتكم وألوانكم ) (21).
كما
قال: عز من قائل ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا).
إذ
بواسطة هذا التعدد يتم بين الإنسان التعارف والتعاون ويشعر بضرورة هذا التعارف
والتقارب.
الالتزام
بأحكام الشرائع السابقة فى الأحوال الشخصية
تمثل
العلاقات الإسلامية بأحكام الشرائع السابقة صورة نموذجية للإخاء الإنسانى فى الإسلام بمعاملته
المشرقة وقيمه الرفيعة واكتسب تلك السمة المميزة لأنه استند إلى قواعد راسخة حدد
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مفاهيمها وأبعادها فيما يلى:
قال الله تعالى: ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من
المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا أتيتموهن أجورهن محصنين
غير مسافحين ولا متخذى أخدان ) (22).
ويبيح
الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب، والأكل من ذبائحهم كما أباح
مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات العفيفات، مع ما قرره القرآن الكريم من قيام
الحياة الزوجية على المودة والرحمة، وهذا في الواقع تسامح كبير من الإسلام، حيث أباح
للمسلم أن تكون ربة بيته وشريكة حياته وأم أولاده كتابية غير مسلمة، وأن يكون
أخوال وخالات أولاده كتابيين من غير المسلمين، وهنا يدل تفاعل الإسلام والتزامه
بأحكام الشرائع السابقة فى الأحوال الشخصية. لا يستمد
اسمه من نبى ، ولا يستمد مقوماته من جنس ويعترف بالرسالات السماوية الأخرى والأنبياء السابقين حيث قال
الله تعالى: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه
والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله
وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) (23).
ولا
يتدخل فى الأحوال الشخصية للطوائف التى
تدين بغير الإسلام وهى لها كافة الحقوق والحرية المطلقة فى
إدارة شئون الأحوال الشخصية لا يحدها إلا حقوق الآخرين تمارس بكل حرية معتقداتها
وطقوسها وعباداتها بما فى ذلك حالة الزواج والطلاق وكل
ما يتعلق بالأحوال الشخصية وهو حق من حقوقها يراعيها الإسلام أشد الرعاية ويحافظ
على شعور الآخرين وأحاسيسهم وعاداتهم وتقاليدهم ومبادئهم الدينية وإيمان الإسلام
بأحكام الشرائع السابقة فى الأحوال الشخصية تحفظ
للإنسان حريته الفردية والاجتماعية فى نطاق روح الأخوة
الشاملة المتواصلة.
إن
الإنسان المسلم الذى يعرف علاقته بمن يعيش معه من بنى الإنسان ويعلم أن هذه العلاقة إن هى
إلا علاقة أخوية يشعر بأنه مسئول عن أخيه هذه مسئولية متبادلة.
وأوضح
القرآن الكريم هذه الحقيقة فى قوله تعالى: ( ومن آياته
خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين) (24).
وقال
الرسول صلى الله عليه وسلم : " الناس سواسية كأسنان المشط الواحد لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى "
قال تعالى: ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) (25).
" ولو
أنهم ترافعوا إلينا فى شأن من الشئون المترتبة على عقد
الزواج من دعوى الأحوال الشخصية فليس للقاضى أن يبحث فى صفة زواج هذين الزوجين اللذين ترافعا إليه فى شأن من الشئون المترتبة عليه ما داما قد تزوجا زواجا صحيحا
فى دينهما " (26).
" ولقد استفاض واشتهر أن عمر بن عبد العزيز أرسل
إلى الحسن البصرى يسأله قائلا: ما بال الخلفاء الراشدين
تركوا أهل الذمة وما هم عليه من نكاح المحارم واقتناء الخنازير والخمور؟ "
فكتب إليه الحسن " إنما بذلوا الجزية ليتركوا وما
يعتقدون إنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام " (27).
الاقتراحات
وأتقدم
إلى المؤتمر بهذه المقترحات ليأخذ منها ما يراه مناسبا فى
قراراته:-
1- العمل على التمسك بالتعاليم الدينية الصحيحة.
2- العمل على إفهام الناس عن الإسلام الصحيح وتسامحه
ومعاملاته.
3- الحوار البناء بين
الأديان حتى لا يكون اختلاف الأديان عائقا يحول دون اتفاق الشعوب ووحدتها
وتعاونها.
4- العمل على التقارب بين
الشعوب والأمم بإزالة كل ما بينها من المشاكل.
5- العمل الجاد من العالم الإسلامى
خاصة والعالم الثالث للحاق بركب الحضارة الصناعية الذى
فاته.
6- أن تتضافر الجهود على إزالة المشاكل أو الفتن التى يظن أنها داخلية، وقد يسرى لهبها إلى الجميع.
7- أن تبذل الدول والمنظمات
المعنية أقصى طاقاتها لإصلاح الشباب والعناية بهم وإفهامهم الدين الصحيح والعمل به حتى لا ينجرفوا وراء التيارات المضللة.
8- العناية بالدول والشعوب الفقيرة خاصة لتخليصها من براثن الحاجة والجهل والمرض حتى لا تقع فريسة
التضليل.
9- تكوين لجنة خاصة فرعية
منبثقة عن المؤتمر تكون مهمتها الاتصال بالدول والهيئات المختصة للعمل على تنفيذ
ما يعنيها من قرارات المؤتمر.
10- تساهم الدول الغنية والمنظمات الإسلامية فى تكوين مالية (ميزانية) تساعد على تنفيذ قرارات المؤتمر.
والله
ولى التوفيق..
وصلى
الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المراجع
1-
القرآن الكريم.
2- الحديث الشريف.
3- السيرة النبوية.
4- حقوق الإنسان- للغزالى.
5- الأحوال الشخصية لمحمد محيى الدين عبد
الحميد.
6 - الأحوال الشخصية " محمد أبو زهرة
"..
7- الإسلام دين الإنسانية الخالدة، لمحمد عبد المنعم خفاجى.
8- الأحباش بين مأرب وأكسوم
لممتاز العارف.
المراجع
(1)
من كتاب حقوق الإنسان للغزالى صفحة 80.
(2) البقرة: 256.
(3)
هود:118.
(4)
يونس : 118.
(5)النحل:125.
(6)
الروم: 30.
(7) آل عمران: 159.
(8)القلم :4.
(9) الصف:3.
(10) الحجر: 9.
(11)
الفتح: 28.
(12)
البقرة: 23.
(13) الأنفال: 31.
(14)
الفرقان: 4- ه.
(15) الأنعام: 151،
(16) النساء: 93.
(17) المائدة: 33.
(18) البقرة: 190
(19) الحجرات: 13.
(20) الحجرات: 13.
(21) الروم: 22.
(22) المائدة: 5.
(23)
البقرة: 285.
(24) الروم: 22.
(25) المائدة: 48.
(26) من كتاب الأحوال الشخصية محمد محى الدين عبد الحميد صفحة 137.
(27)
من كتاب الأحوال الشخصية لمحمد أبو زهرة صفحة 260- 261.