الإسلام وحرية العقيدة
الدكتور محمد الأحمدى
أبو النور
جمهورية مصر العربية
لم
يكن الإسلام- يوما - بحاجة إلى إكراه الناس حتى يكونوا مؤمنين
لا ولا دعا أتباعه
إلى استخدام العنف ضد الناس، لأنهم لم يصيروا- بعد- مسلمين
!
خصائص
الإسلام تتجافى به عن الإكراه:
إن
حكمة الإسلام فى دعوته ومواءمته للفطرة فى شرعته،
وتميزه بالعمق فى رسالته، وبالشمول فى منهجيته، وبالسمو فى قيمه ومبادئه، وبالصدق فى
براهينه وأدلته، وبالسماحة واليسر فى تكاليفه وقواعده،
وبمخاطبة العقل فى الاستدلال على صدق نبيه وإعجاز
آياته.
كل
أولئك أغنى الإسلام عن إكراه الناس على عقيدته، واقتضاه إقرار مبدأ حرية العقيدة،
وحرية العبادة لغير المسلمين ممن يستظلون برعاية دولته، كما اقتضاه إقرار حرية
تحاكمهم إلى شرائعهم وقضائهم فى علاقاتهم وتعاملاتهم
فيما بينهم، سيما فى قضايا
الأحوال الشخصية من وقف ووصية وهبة، وزواج وطلاق وإرث وغيرها.
الحرية والعقيدة:
الحرية
من حيث اللغة :
والحرية
من حيث اللغة تعنى الانعتاق من القيد، والخلوص مما يشوب
أو مما يشين...
فالحر من الرمل- مثلا- هو ما خلص من الاختلاط بغيره،
والحر من الرجال هو من خلص من قيد الرق، وجمعه أحرار.
يضيف
صاحب المصباح المنير (1): ورجل حر: بين الحرية والحرورية بضم الحاء وفتحها.
وذكر
ابن منظور (2): أن الحر نقيض العبد، وأن الحرة نقيضة
الأمة،
وأن
المحرر هو المعتق، وأن الحر هو الكريم من الرجال، وأن الحرة هى:
الكريمة من النساء، وأن الحر من الناس أخيارهم، وأفاضلهم، وحرية العرب. (أحرارهم):
أشرافهم، وأنه يقال: هو من حرية قومه أى من خالصهم، وأن الحر من كل شىء أعتقه
وفاخره من شعر أو غيره، وأن خز كل أرض أوسطها و أطيبها.
المحرر
فى التعبير القرآنى:
وفى
قوله تعالى ( إذ قالت امرأة عمران رب إنى نذرت لك ما فى بطنى
محررا) (3) قال العلامة البقاعى
(4):
محررا: أى لا اعتراض ولا حكم لأحد من الخلق عليه.
ثم
نقل عن الحر إلى قوله: (والتحرير: طلب الحرية، والحرية " التحرير" رفع
اليد عن الشىء من كل وجه).
أما
أستاذنا العلامة الشيخ حسنين مخلوف فقال: (محررا) أى مخلصا لعبادتك وخدمة بيت المقدس، معتقا من أمر الدنيا، من
حررت العبد، أى خلصته من الرق، وأعتقته، ورجل حر: إذا
كان خالصا لنفسه، ليس لأحد عليه يد أو تصرف.
والحرية-
أيضا كما قيل- تعنى: انعدام القشر الخارجى.
الحرية
فى الاستعمالات المختلفة:
وقد
يتحدد معنى الحرية تبعا لوصفها، أو لما تضاف- هى- إليه.
فقد
توصف بوصفين متقابلين، ويراد بها مع كل وصف ما لا يراد
مع الوصف الآخر، ومن ذلك: الحرية الداخلية، والحرية الخارجية.
الحرية الداخلية:
فالحرية
الداخلية- مثلا- قد يراد بها قوة اختيار الإنسان بين
أمرين متضادين، وإذا فهى فى
هذا الاستعمال خاصة بحرية الإرادة. وهى ما سنعنيها عند الكلام على حرية العقيدة.
الحرية الخارجية:
والحرية الخارجية قد يراد بها ما يتعلق بالإنسان من حيث كونه فى
جماعة كالحرية المدنية والسياسية والفكرية والدينية والزراعية، والصناعية
والتجارية، والحرية فى التعبير، والحرية فى التملك.
وهى
المعروفة بالحريات العامة.
وهى
مجموعة الحقوق المعترف بها للأفراد من قبل الدولة (5)..
الحرية
الشخصية:
وقد
يراد بها ما يراد من الحرية الخارجية، ويعرفها العلامة
الشيخ عبد الوهاب خلاف بما يومىء لذلك، حيث يقول:
" إن الحرية الشخصية معنى مكون من حريات عدة وهى
حرية الذات.، وحرية المأوى، وحرية الملك، وحرية الاعتقاد، وحرية الرأى، وحرية التعليم
". ثم يقول مشيرا إلى دور الدولة:
" ففى تأمين الفرد
على هذه الحريات كفالة لحريته الشخصية " (6).
حرية الفعل والترك:
وقد
يتحدد معنى الحرية باعتبار ما تضاف إليه، فعلماء النفس يعرفون حرية الفعل بأنها
تحقيق فعل أو امتناع عن تحقيق فعل، دون الخضوع لأى ضغط خارجى
ويعرفون
حرية الاختيار بأنها الملكة الخاصة التى يتمتع بها كل إنسان من حيث هو كائن موجود عاقل يصدر أفعاله تبعا
لإرادته، لا عن إرادة غريبة (7). وكأنما يريد ليقول أو يشير إلى
أنها امتلاك القدرة على الاختيار دون قيود أو ضغوط.
العقيدة واللغة:
في
المعجم الوسيط (2/614) :
إن
العقيدة مأخوذة من العقد والعقدة والاعتقاد بمعنى: الإحكام والاستيثاق،
والشدة والصلابة، واليقين والصدق، يقال: اعتقد الشيء: صلب واشتد، واعتقد الإخاء
بين الرجلين: صدق وكذب.
واعتقد
خلاف الأمر: صدقه وعقد عليه قلبه وضميره.
وفى المصباح المنير (عقد: 160) أن العقيدة: ما
يدين الإنسان به، وأن العقيدة الحسنة: السالمة من الشك.
حرية
العقيدة:
والذى يعنينا- عند تعريف حرية العقيدة- أن نقول إنها
خلوص إرادة الإنسان وانعتاقها من القسر والإكراه والقهر
عند اعتناق لدين يصفو قلبه إليه، أو مذهب يقتنع فكره به.
والاعتقاد
أمر معنوى يكتنف ذات المرء وفكره، ووجدانه وقلبه، ولهذا
فلا سلطان للإكراه المادى على تكوينه..
الحرية والمسئولية:
ولئن
كانت حرية الاعتقاد تعنى بهذا حق المرء فى أن يعتنق
دينا، أو يذهب إلى مذهب، فهى كذلك تعنى حقه- من حيث هو
كائن حر- فى أن لا يقول بمذهب أو لا يعتنق دينا.
ولا
يعنى هذا: أنه غير مسئول
( بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو
ألقى معاذيره) (8).
إن
حرية الاعتقاد أو بالأحرى حق اختيار المعتقد هبة الله للإنسان الذى
كرمه بالعقل، وهداه النجدين، ومكنه من حسن الاختيار، وأزال عن فكره الغواشى، وأبان له دلائل الحق، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيا
من حى عن بينة، فإن يكن هذا هو المبدأ:
( فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (9).
فإن
هذه هى السنة الإلهية:
( فمن أبصر فلنفسه ومن عمى فعليها) (10).
المرء
والآخرون:
وليس
معنى اعتناق المرء للدين الذى يوقن بحقيته
أن يعطى نفسه الحق فى أن يصادر فى
الناس ما يرى أنه الباطل ولا أن يكره الناس على ما يرى أنه الحق
وليس
له أن يضطهدهم أو يعصف بأمنهم أو يستحل أموالهم ودماءهم وأعراضهم لا لشيء إلا
لمخالفتهم إياه فيما يعتقد!
ولا
له أن يأسى عليهم، حتى تذهب نفسه عليهم حسرات، لعدم إيمانهم بما يؤمن هو به!
ولا
أن يتصور أن بيده- هو- أن يهدى من يحب إلى السنن والصراط السوى!
.فليس بالحرص وحده يتم إيمان الآخرين!
ولا
بالإشفاق والأسى مهما أخذا من النفس!
ولا
بالحب والرجاء مهما تعاظم كل منهما أو تنامى كما أنه ليس
بيد بشر أن يكره بشرا على أن ينشرح صدره للإسلام، أو يكون بهذا الإكراه على نور من
ربه.
إن
الذى بيده ذلك هو الله وحده!
ولهذا
حسم القرآن هذه القضية، وفى أكثر من آية:
( أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)
(11).
( ولو شاء ربك لآمن من فى
الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى
يكونوا مؤمنين) (12).
( إن تحرص على هداهم فإن
الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين) (13).
( وما أكثر الناس ولو حرصت
بمؤمنين) (14).
( فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما
يصنعون) (15) .
( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء وهو
أعلم بالمهتدين) (16).
واللافت
للنظر- حقا- هو أن الله الذى يملك- وحده- أن يؤتى كل
نفس هداها، لتؤمن بهذا الإيتاء، والذى يقدر- وحده كذلك-
أن يلجئها بالآية القاهرة لتذعن بهذا الإلجاء لم يشأ سبحانه أن يجرى هذه السنة أو
تلك، ليكون كل امرىء مسئولا عما يؤثر، محاسبا عما
يختار!.
إن
المكره على كلمة الكفر لا عقوبة عليه!
كما أن المكره على كلمة الإيمان لا مثوبة له!
وماذا
يملك المكره على الإيمان إلا كلمة اللسان؟ وأى جدوى
لذلك؟ أو ليس هذا إكراها على النفاق؟ بلى! وذلك مثلهم:
( وإذا لقوا الذين أمنوا قالوا أمنا وإذا خلوا إلى
شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون) (17).
حديث
القرآن عن المكره على كلمة الكفر:
وهو
صريح فى زوال المساءلة عنه، كما أنه صريح فى أن الإكراه لم يتعد اللسان إلى القلب، وإلا لم يكن إكراها،
بل كان رضا وانشراح صدر، وذلك قوله تعالى:
( من كفر بالله من بعد
إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من
الله ولهم عذاب عظيم) (18).
ولهذا
قال سبحانه: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) (19).
وقال تعالى:
( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها
خاضعين) (20).
ثم
قضى الحق سبحانه أنه:
( لا إكراه فى الدين قد
تبين الرشد من الغى) (21).
ثم
حدد مهمة الرسول والداعية فى قوله تعالى:
( فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر) (22).
وقوله:
( إن عليك إلا البلاغ) (23).
وقوله: ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل
إليهم ولعلهم يتفكرون) (24).
أى لتبين، لا لتلجىء
الناس حتى يكونوا مؤمنين.
من
الشواهد التاريخية فى الإقرار بحرية الاختيار:
1- فى صدر الإسلام صودر
المسلمون فى حرياتهم، وأخرجوا من ديارهم وأموالهم، فلما
مكن الله للمسلمين دينهم، ومكنهم من رقاب أعدائهم، ما عرف عنهم أنهم اعتسفوا. معهم، أو أكرهوهم على الإسلام، حتى مع الأسرى، ومن
ذلك ما يلى:
فى سرية عبد الله بن جحش قبيل غزوة بدر أسر الحكم
بن كيسان وعثمان بن عبد الله بن المغيرة،
وقادتهما قريش، ودون تعنت مع قريش، ودون تعسف معهما عرض عليهما أن يختارا بين أن
يسلما ويبقيا مع المسلمين، أو يلحقا بمكة، فاختار الحكم الإسلام، وآثر البقاء مع
الرسول - صلى الله عليه وسلم- وظل يزداد إيمانا مع إيمانه، ويسارع فى الخيرات مع
أقرانه، حتى استشهد- ببئر معونة فى معركتها..
وآثر
عثمان بن عبد الله أن يلحق بالمشركين فى مكة، فلم يؤذه
المسلمون،ولا صادروا حرية اختياره، وإنما تركوه وما اختار فلحق بمكة ومات بها كافرا (25).
ومن
أصرح ما تم به التطبيق لمبدأ حرية العقيدة والقرآن
يتنزل ما حدث به ابن عباس رضى
الله عنهما فى قوله تعالى: (لا إكراه فى الدين) (26) قال: كانت المرأة من الأنصار لا يكاد يعيش لها
ولد، فتحلف لئن عاش لها ولد لتهودنه، فلما أجليت بنو النضير إذا فيهم ناس من أبناء
الأنصار، فقالت الأنصار: يا رسول الله! أبناؤنا، فأنزل الله هذه الآية:( لا إكراه فى الدين) قال سعيد بن جبير: فمن
شاء لحق بهم، ومن شاء دخل الإسلام (27).
وعن
الشعبى قال: كانت المرأة فى
الأنصار إذا كانت لا يعيش لها ولد تدعى المقلات، فكانت المرأة إذا كانت كذلك ندرت:
إن هى أعاشت ولدا تصبغه يهوديا، فأدرك الإسلام طوائف من
أولاد الأنصار وهم كذلك، فقالوا: إنما صبغناهم يهودا ونحن نرى أن اليهود خير من
عبادة الأوثان، فأما إذا جاء الله بالإسلام فإنا نكرههم على الإسلام فأنزل الله
تعالى: ( لا إكراه فى الدين) (28).
وكان
ابن الأنبارى يقول فى تفسير
هذه الآية الكريمة:
ليس
الدين ما يدين به (المرء) فى
الظاهر على جهة الإكراه عليه، ولم يشهد به القلب، وتنطوى عليه الضمائر، إنما الدين هو المعتقد بالقلب (29). وعندما أنفذ أبو بكر جيش أسامة بن زيد وصى أسامة وجيشه فقال:
" لا تخونوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا
ولا تقتلوا طفلا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تقعروا نخلا وتحرقوه، ولا تقطعوا
شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة،
وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم فى الصوامع، فدعوهم
وما فرغوا أنفسهم له ( 30)...... " إلخ.
وهذه
الوصية الجامعة إنما تعبر فى شطرها الدينى
عما يقتضيه إقرار الإسلام لحق الإنسان فى اختيار عقيدته
من تحريم النيل من المخالفين فى العقيدة، وتحريم اعتسافهم لاعتناقهم هذه العقيدة التى
يعتنقون، وتحريم التعدى عليهم فى
أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم.
ولنا
أن نستجلى روعة هذه التوجيهات، وتسامى تلك التطبيقات
حين نتذكر قساوة القلوب، وضراوة أساليب القمع والتنكيل التى اضطهدت بها أوروبا المخالفين فى العقيدة حتى بين أبناء الدين الواحد وذلك لنوازع الحقد والتشفى والاستبداد من الأباطرة حينا ومن القساوسة والبابوات حينا آخر ومن ذلك ما حدث للألبيين
بجنوب فرنسا فى أوائل القرن الثالث عشر الميلادى.
لقد
رماهم البابا إينو شنتى
بالكفر والضلال وأعلن الحرب عليهم لمجرد أنهم ليسوا على مذهب البابا وهو. المذهب الكاثوليكى لقد قتل منهم آنئذ – وعام 208 1م على التحديد-
زهاء عشرين ألفا دون أن يستثنى منهم ذلك البابا النساء أو الأطفال أو القساوسة
واستمرت هذه الحرب الألبية قرابة خمسة وثلاثين عاما قتل
فيها ما لا يقل عن مليون نسمة فى جنوب فرنسا وحدها.
والذين
فروا منهم إلى أسبانيا آنئذ طاردتهم محاكم التفتيش. وهذا
أمر نورده على سبيل المثال لا الحصر (31).
ولننتقل
منه إلى تميز الإسلام بإقرار مبدأ حرية الاعتقاد منذ
(14) قرنا.
وثيقة
المدينة فى موادعة أهل الكتاب وإقرارهم على دينهم
إن
إقرار مبدأ حرية الاعتقاد- فى إطار مسئولية الاختيار- اقتضى
تأمين غير المسلم فى المجتمع المسلم على دينه وإقامة
شعائره، كما اقتضى تأمينه على نفسه وماله وعرضه مادام مواطنا مسالما يشارك فى تنمية المجتمع، ويساهم فى
حمايته- على ما عوهد عليه - غير مضار ولا آثم.!
وفى
كتابه القيم عن " أحكام أهل الذمة " (32) نقل ابن القيم عن الشافعى رحمه الله تعالى قوله: " لم أعلم مخالفا من أهل
العلم بالسير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع اليهود كافة
على غير جزية".
وعقب
ابن القيم بقوله: وهو كما قال الشافعى رحمه الله.
ثم نقل عن ابن إسحاق قوله: وكتب رسول الله- صلى
الله عليه وسلم يعنى أول ما قدم المدينة- كتابا بين المهاجرين والأنصار، وادع فيه
اليهود وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم.
ثم
ذكر من هذا الكتاب:
" وإنه من تبعنا من يهود (أى
سالمنا وترك محاربتنا) (33) فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم ".
إلى أن قال:
وإن
اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين، وإن ليهود بنى
عوف ذمة المؤمنين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم
وأثم فإنه لا يوتغ (34) إلا نفسه.
ثم
يقوله فيها:
وإن
الجار كالنفس غير مضار (35) ولا أثم (36).
ثم
يعقب ابن القيم فيقول:
وهذه
الصحيفة معروفة عند أهل العلم، روى مسلم فى صحيحه عن جابر رضى الله عنه قال:
" كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل بطن عقولة"
(37).
ثم
يردف:
فكل
من أقام بالمدينة ومخالفها غير محارب من يهود دخل فى
هذا، ثم بين أن يهود كل بطن من الأنصار لهم ذمة من المؤمنين، ولم يكن بالمدينة أحد
من اليهود إلا وله حلف إما مع الأوس ، أو مع بطون الخزرج.
ماذا
يستنتج من هذه الوثيقة؟
يمكن
أن يستنتج منها الكثير ويهمنا فى
موضوع البحث ما يلى:
أ-
أنها أول وثيقة يكتب بها
دستور حقوق الإنسان، وميثاق العلاقات الدولية بين المسلمين وغيرهم منذ أكثر من
أربعة عشر قرنا.
ب-
أن الخلاف فى الدين لم يقتض المسلمين مصادرة عقائد
المخالفين ولا محاربتهم من أجل هذا الخلاف، بل كان النص فى
هذه الوثيقة واضحا وصريحا ودون لبس أو غموض.
" لليهود دينهم وللمسلمين دينهم ".
وفى
هذا كفالة واضحة للحرية الدينية، وإقرار لحرية الاعتقاد،
بما يقتضيه هذا الإقرار.
وهذا
هو منهج المسلمين حتى مع المشركين فى مكة، ومن السور التى حددت بعض ملامح هذا المنهج سورة الكافرون: ( قل يا أيها
الكافرون. لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد.
ولا أنا عابد ما عبدتم. ولا أنتم
عابدون ما أعبد. لكم دينكم ولي دين).
وما حدث من حروب بعد ذلك، إنما كان لنقض اليهود
العهد، وليس بسبب اختلاف الدين أو العقيدة.
جـ –
أن الإسلام بكفالته الواضحة للحرية الدينية، وبإقراره الصريح لمبدأ حرية الاعتقاد
سبق أوروبا بأكثر من اثنى عشر قرنا، عرفت أوروبا فيها
أبشع صور التنكيل والإرهاب الدينى للمخالفين فى العقيدة، ولم تسلم بمبدأ التسامح الدينى
لهؤلاء المخالفين، ولا أقرت بحق الإنسان فى حرية
الاعتقاد إلا فى القرنين الأخيرين حيث جاء فى المادة العاشرة من الإعلان الفرنسى
لحقوق الإنسان الصادر عام 789 1م ما يلى:
" لا يجوز إزعاج أى
شخص بسبب آرائه، وهى تشمل معتقداته الدينية، بشرط أن لا تكون المجاهرة بها سببا فى الإخلال بالنظام العام
المحدد بالقانون " (38).
وفى " بريطانيا " أقر مبدأ التسامح عام 1840 م للجميع، بيد أنه لم
يشمل عمليا الموحدين والكاثوليك إلا عام 858 1م.
وفى
" ألمانيا " أقر مبدأ التسامح فى عهد فردريك
الأكبر الذى قال عبارته المشهورة:
" إن من حق كل امرىء
أن يصل إلى الجنة بالطريقة التى تروقه ".
وأقر
فى بروسيا عام 794 1م.
وتلتها
النمسا.
لكن
بعض البابوات تصدوا لفكرة التسامح فترة.
ولم
يقر مبدأ التسامح الدينى والحرية الدينية لمختلف
الطوائف المسيحية إلا فى القرن الماضى
(39).
د-
أن الإسلام كما سبق أوروبا فى إعلانها لحقوق الإنسان
عام 1789 م
فقد سبق- كذلك- الاتفاقية الدولية فى شأن الحقوق
المدنية والسياسية والتى صدرت عن الأمم المتحدة عام 966
1م ونصت على ما يلى:
1- لكل فرد: الحق فى حرية
الفكر والضمير والديانة، ويشمل هذا الحق حريته فى
الانتماء إلى أحد الأديان والعقائد باختياره، وفى أن يعبر- منفردا أو مع الآخرين
بشكل علنى أو غير علنى- عن
ديانته أو عقيدته، سواء أكان ذلك عن طريق العبادة أو التعبير أو الممارسة أو غير
ذلك.
2- لا يجوز إخضاع أحد لإكراه من شأنه أن يعطل حريته فى الانتماء إلى أحد الأديان أو العقائد التى
يختارها.
3- تخضع حرية الفرد فى
التعبير عن ديانته أو معتقداته- فقط- للقيود المنصوص عليها فى
القانون، والتى تستوجبها السلامة العامة، أو النظام
العام، أو الصحة العامة، أو الأخلاق أو حقوق الآخرين وحرياتهم الأساسية.
4- تتعهد الدول الأطراف فى
هذه الاتفاقية باحترام حرية الآباء والأمهات والأوصياء القانونيين عند إمكانية
تطبيق ذلك فى تأمين التعليم الدينى
والأخلاق لأطفالهم، تمشيا مع معتقداتهم الخاصة (40).
مصر
وحقوق الإنسان:
لقد
كانت مصر واحة الإيمان والتوحيد منذ فجر التاريخ.!
منذ كان فيها إدريس وإبراهيم ويعقوب ويوسف وموسى
وعيسى عليهم السلام وإلى أن أشرق فيها نور الإسلام الحنيف، حيث أكد فيها على حرية
الإنسان، وزكى بها قيم الحضارة بالعلم والإيمان.
ولهذا
كانت إحدى الدول التى وقعت الإتفاقية
المذكورة فى مجال الحقوق المدنية والسياسية، وكفلت فى دستورها الصادر عام 971 ام حرية
العقيدة، وحرية ممارسة الشعائر الدينية (مادة: 46).
وقد
كان دستور مصر الصادر عام 1923م ينص على أن حرية
الاعتقاد مطلقة، وعلى أن الدولة تحمى حرية القيام بشعائر الأديان والعقائد طبقا
للعادات المرعية فى الديار المصرية على أن لا يخل ذلك
بالنظام، ولا ينافى الآداب (مادة: 12، 13).
وقد
نقل النص ذاته إلى دستور 56 المادة 43 ثم إلى المادة 34 من دستور 1964م ودعت كل مفكر إلى إعمال عقله فى حقية الرسالة وصدق الرسول ووضعته
بهذا أمام مسئوليته عن هذا الاختيار. المرء مسئول عن اختياره بين يدى الخالق، وليس بين يدى الخلق.
إن
ما يملكه المرء بالنسبة لغيره هو البيان والتوجيه عندما يكون لذلك أهلا أما أن
يحمل غيره على اعتناق ما يعتقد فلا، وإن التعايش بين أصحاب العقائد المختلفة ممكن
حين ينزع فتيل العداء الدينى
ويحصر التعامل فى إطار السلوك الاجتماعى.
صلة الرحم وحسن الجوار وحرية النفس والمال والعرض
قيم حضارية يتعامل بها المسلم مع المسلم وغير المسلم.
يستطيع
المسلم أن ينشر السلوك السوى والقيم الحضارية حين يكون
بسلوكه وخلقه ترجمة عملية لقيم الإسلام وتوجيهاته.
سبق الإسلام منذ أكثر من أربعة عشر قرنا بإقرار
مبدأ حرية العقيدة وسائر حقوق الإنسان.
تعتبر وثيقة المدينة أصدق تعبير عن إمكانية التعايش
بين أصحاب العقائد المختلفة حين يترسم إطارها ولا تتعدى حدودها.
والله
الموفق 000،،
المراجع
(1)المصباح
المنير للعلامة أحمد بن محمد الفيومى مادة (حرر) ص 50
نشر مكتبة لبنان عام 1987م .
(2)
فى اللسان (حرر) 3/ 114-121 ط دار إحياء التراث العربى ، بيروت.
(3) آل عمران: 35.
(4) فى تفسيره: نظم
الدرر فى تناسب الآيات والسور، 4/ 351 طبع دائرة
المعارف العثمانية بالهند ط أولى 404 اهـ.
(5) ينظر حقوق الإنسان وحرياته الأساسية للدكتور/ عبد
الوهاب الشيشانى ص هـ، وينظر هامشه رقم (2 ).
(6) المرجع السابق ص 371 نقلا عن السياسة الشرعية
للعلامة الشيخ عبد الوهاب خلاف ص 30 ط. المطبعة السلفية عام 1350 هـ.
(7) المرجع نفسه ص هـ.
(8) سورة القيامة: 14- 15.
(9) سورة الكهف: 29.
(10)
سورة الأنعام: 104.
(11) سورة الزمر: 22.
(12)
سورة يونس: 99.
(13) سورة النحل: 37.
(14)
سورة يوسف: 103
(15)
سورة فاطر: 8
(16)
سورة القصص: 56.
(17)
سورة البقرة: 14.
(18) سورة النحل: 106.
(19) سورة السجدة: 13.
(20)
سورة الشعراء: 4.
(21)
سورة البقرة: 256.
(22)
سورة الغاشية: 21، 22.
(23) سورة الشورى: 48.
(24) سورة النحل: 44.
(25)
كما فى البداية والنهاية لابن كثير 3/247 - 248 وعيون
الأثر فى فنون المغازى
والسير لابن سيد الناس 1/359- 362 وأسد الغابة 3/ 37-38 والدرر فى اختصار المغازى والسير لابن عبد
البر ص 99- 1 0 1 والسيرة النبوية للدكتور محمد أبو شهبة 2 /119- 122.
(26) سورة البقرة: 256.
(27) حديث صحيح رواه ابن حبان فى
صحيحه 1 /352 ح
140 وأبو داود فى السنن كتاب الجهاد: باب الأسير يكره
على الإسلام 2/ 65 ح 2682 والنسائى فى
التفسير 1 /273 - 275 وابن كثير فى التفسير 1/ 294وأبو
جعفر النحاس فى- الناسخ والمنسوخ 2/100 والسيوطى فى الدر المنثور 2/20و
انظر باقى تخريجه فيه.
(28) أخرجه أبو عبيد: القاسم بن سلام فى الناسخ والمنسوخ ص 1 28، وابن الجوزى
فى ناسخ القرآن ومنسوخه ص
258 والسيوطى فى الموضع
السابق وانظر باقى تخريجه به
وإسناده صحيح إلى الشعبى-.
(29) أخرجه ابن الجوزى فى الموضع السابق ص 259- 260 وابن الأنبارى
هو عبدا لرحمن بن محمد بن عبيد الله نحوى فقيه عابد زاهد ت 577 هـ وانظر مصادر
ترجمته فى هامش كتاب ابن الجوزى.
(30) تاريخ الأمم والملوك للطبرى
5/246 والكامل لابن الأثير 2/227.
(31) يراجع ما أورده الدكتور عبد الوهاب الشيشانى