الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
كلمة ال

وقائع الجلسة الافتتاحية

كلمة السيد رئيس الجمهورية

التى ألقاها نيابة عن سيادته

الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق وزير الأوقاف

رئيس المجلس الأعلى للشئون الإسلامية

بسم الله الرحمن الرحيم

فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر

السيدات والسادة ضيوف مصر الكرام

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

يسرنى أن أرحب بكم ضيوفا أعزاء على أرض مصر التى كانت منذ فجر التاريخ مهد الحضارة والمعرفة، كما كانت وستظل أرض التسامح والسلام والأمن لكل من يعيش فى رحابها.

ففى ظل سماحة الأديان وإخاء الإنسان، تحاورت على أرض مصر الأديان وتحاورت المعتقدات وتفاعلت الحضارات منذ آلاف السنين، فإذا كان البعض يرفع اليوم شعار صرا ع الحضارات، فإن مصر على مدى تاريخها قد أرست قواعد تفاعل الحضارات وتشابك الثقافات وإخاء الأديان.

وليس هناك شك فى أن لقاءكم التاريخى فى القاهرة فى المؤتمر التاسع للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية يعد فرصة عظيمة لتبادل الرأى حول موضوع العلاقة بين الإسلام والغرب فى ماضيها وحاضرها ومستقبلها.

فقد أصبحت قضية العلاقة بين الإسلام والغرب من أهم الموضوعات التى فرضت نفسها فى الأعوام الأخيرة على الساحة الفكرية والسياسية فى العالمين الإسلامى والغربى، وبخاصة بعد نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد  السوفيتى السابق، وظهور بعض أصوات فى الغرب تعتبر الإسلام بمثابة الخطر القادم والعدو البديل للحضارة الغربية.

وفى الوقت الذى ظهرت فيه هذه الأصوات التى توحى بوقوع صدام حضارى وشيك بين الإسلام والغرب، ارتفعت أصوات أخرى منصفة تنادى بعكس ذلك تماما، بل وتدعو إلى التعلم من الإسلام نفسه ومن الحضارة الإسلامية.

وفى خضم المناقشات التى جرت وتجرى حول هذه القضية، لا يجوز أن ننسى أو نتجاهل أننا نعيش اليوم فى عصر تتشابك فيه الحضارات، وتختلط الثقافات، وترتبط فيه بلاد العالم المختلفة بشبكة معقدة من المصالح المشتركة، بحيث أصبح الانعزال  عن المجتمع الدولى أمرا مستحيلا، مما يعنى ضرورة البحث عن أرضية مشتركة وقاعدة صلبة يقوم عليها التعاون بين جميع الأمم والشعوب.

السيدات والسادة:

إن الواقع الذى لا يمكن إغفاله أو تجاهله، هو أن هناك تعاونا على مستويات عديدة اقتصادية وسياسية وثقافية بين العالمين الإسلامى والغربى وأن هناك حوارا مستمرا بين الجانبين فى العقود الأخيرة، قد نشأ أصلا تحت ضغط ظروف مالية لها تأثيرها على السياسات والمصالح، تتمثل فى ارتفاع مستوى الموارد البشرية والطبيعية فى العالم الإسلامى، والتفوق التكنولوجى والقوة السياسية فى جانب الغرب، لكن هذا الأمر لم يكن كافيا لتكوين أساس متين للتعاون المنشود بين الجانبين ،لأن تنسيق المصالح لابد أن يسبقه الفهم المتبادل بين الطرفين، بل ويعد شرطا أساسيا للتعاون على جميع المستويات.

ومن هنا، فإن كلا الجانبين يشعر بأن هناك حاجة ماسة للبحث عن حلول على الصعيد الثقافى والحضارى، بل والدينى أيضا، لتكون على الأقل مكملة ومرشدة للحلول القائمة على أساس مادى، لكن الملحوظ أن الجهود فى هذا الصدد لا تزال جهودا متواضعة رغم أهميتها البالغة.

إن الأمر يحتاج أيضا إلى إزالة الكثير من العقبات لإفساح الطريق أمام الفهم المتبادل والاحترام المتبادل والتعاون البناء، ولن يتم ذلك إلا ببذل جهود مشتركة ومخلصة للقضاء على الأحكام المسبقة والمفاهيم الخاطئة لدى كلا الجانبين.

 وفى هذا الصدد، ينبغى أن نؤكد على أن محاولات فرض شكل واحد من أشكال الحضارة أو الثقافة على دول العالم المختلفة وشعوبها ليس فى صالح السلام العالمى ، حتى  إذا افترضنا أنه أمر يمكن تحقيقه من الناحية العملية.

فلكل شعب حضارته وثقافته وأسلوب حياته ونمط سلوكه وجوهر عقيدته. وهذه كلها خصوصيات يجب أن تحترم لكى تتفاعل مع الحضارات والثقافات الأخرى من أجل الوصول إلى مبادئ هادية وأسس مشتركة للعلاقة بين الشعوب.

وإن الإسلام كدين يحترم خصوصيات الشعوب. فقد خلق الله الناس مختلفين وجعلهم شعوبا وأعراقا إنسانية مختلفة، لا ليكون ذلك مدخلا للتنازع والشقاق بل ليكون منطلقا للتعارف والتآلف والتعاون:

( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (1).

وعندما بدأ النبى صلى الله عليه وسلم فى تأسيس مجتمع المدينة

بعد هجرته إليها أصدر منذ أربعة عشر قرنا من الزمان صحيفة المدينة التى تعد وثيقة دستورية رائدة فى غاية الأهمية.

فقد أقر فى هذه الوثيقة التعددية الدينية والاجتماعية والثقافية والعرقية، وجعل هذه التعددية أساسا للمجتمع الجديد فى المدينة، لكل فرد فيه نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. وبذلك أقر حرية العقيدة وحقوق الإنسان، بصرف النظر عن دين الفرد أو جنسه أو لونه، مادام ملتزما بالحفاظ على أمن المجتمع واستقراره.

السيدات والسادة :

إن العلاقة بين الإسلام والغرب قد مرت بفترات مد وجزر، وحرب وسلم، كما كان الحال فى مناطق عديدة من العالم. ولكن هذه المنعطفات لم تمنع التواصل الثقافى والحضارى بين المسلمين والغرب، فعندما بدأ المسلمون يبنون حضارتهم ترجموا كل ما وجدوه نافعا لهم من الحضارات الأخرى بما فيها الحضارة اليونانية القديمة. واستفادوا من ذلك كله وطوروه، وأضافوا إليه الكثير وأبدعوا فى مجالات عديدة وفى المقابل، عندما أرادت أوربا أن تخرج من ظلمات القرون الوسطى اتجهت إلى الحضارة الإسلامية التى عبرت إلى أوربا عن طريق الأندلس وجزيرة صقلية، وبدأ الأوربيون فى ترجمة علوم المسلمين واستفادوا منها الكثير وكانت أساسا لعصر النهضة الأوربية، ثم للانطلاقة الكبرى فى العصر الحديث، فالفكر والثقافة لا يعرفان حدودا ولا سدودا، ولا تعوقهما عوائق فى سبيل الانتشار من أجل خير الإنسان.

ومن هنا فإننا إذا كنا نبحث اليوم فى هذا المؤتمر علاقة الإسلام بالغرب فى ماضيها وحاضرها ومستقبلها، فإننا لا يجوز أن نقف طويلا عند العوامل السلبية، متجاهلين ما بين الحضارتين من نقاط التقاء عديدة.

 فنحن نريد أن نقيم أساسا راسخا للتعاون من ناحية، ومن ناحية أخرى نلفت الأنظار إلى المستقبل، بدل البقاء فى ظلام الماضى وأحداثه، حتى نشيع الأمل وننشر التفاؤل فى الغرب وفى الشرق على السواء، وبذلك نستطيع أن نسهم فى بناء السلام العالمى الذى هو أمل كل فرد فى هذا العالم.

السيدات والسادة:

إن نظرنا فى الماضى وأحداثه- إذن- ليس لذاته، ولكن لنأخذ منه الدروس والعبر، لتنمية الجوانب الإيجابية فيه والإحاطة بالجوانب السلبية لتجنبها وعدم الوقوع فيها مرة أخرى.

والحوار الإيجابى البناء يبن العالم الإسلامى والغرب هو وحده كفيل بتحقيق ذلك، لكن هذا الحوار لن يكون له معنى ولن يكتب له الاستمرار إلا إذا توقفت النظرة السلبية للإسلام كدين فى الغرب، فليس هناك شك فى أن الإسلام قد أسئ فهمه فى الغرب بدرجة كبيرة، تثير انزعاج المنصفين من أبناء الغرب أنفسهم، وقد عبر عن هذا الانزعاج عالم الأديان الألمانى المعروف هانز كونج بقوله:

"إن ما يمكن أن يسمعه المرء أو يقرأه عن الإسلام فى وسائل الإعلام الغربية المختلفة وما يقوله المثقفون عنه أمر مزعج ومخيف، إنه مزعج بمعنى مزدوج:

أولا: بسبب الاعوجاج والأحكام المغلوطة التى تتكشف فى هذه الإفهام.

 وثانيا: بسبب الطريقة المخيفة والخبيثة التى تلقى بها الأحكام عن الإسلام " .

 وإذا فهم الغرب الإسلام على حقيقته فهما موضوعيا كما توضح ذلك مصادره الأصلية وتعاليمه المقررة وليس من خلال تصرفات طائشة تصدر من بعض أبناء المسلمين هنا وهناك، فإن هذا الفهم الموضوعى سيكون له أثره الإيجابى فى إزالة الكثير من أسباب سوء الفهم التى ترسخت على مدى قرون عديدة، وبذلك يكون السبيل ممهدا لإقامة التعاون البناء على أسس سليمة وقواعد متينة، دون توجس أو سوء فهم من جانب إزاء الجانب الآخر.

وإن من حق الغرب علينا أيضا أن يطالب بموقف مماثل، أى بفهمه بعيدا عن أثقال الماضى القريب والبعيد. ولكن لا يجوز لنا فى هذا الصدد أن ننسى أن الإسلام يعترف بالديانات السابقة وبأنبياء الله جميعا الذين أرسلهم إلى البشر على فترات متعددة على مدى التاريخ.

ولسنا هنا فى مقام إلقاء المسئولية على جانب دون الآخر، ولكننا نريد أن نخرج من هذه الدوامة إلى آفاق المستقبل المفعم بالآمال الكبيرة والتفاؤل فى غد أكثر إشراقا.

إن حوارنا فى هذا المؤتمر هو حوار المصارحة وليس المجاملة. وإن مصر من واقع مسئوليتها التاريخية والحضارية والدينية والتى عرفت على مدى تاريخها بالتسامح مع كل الأديان والحضارات تستقبلكم اليوم بقلب مفتوح وعقل واع يدرك مدى المسئولية الكبيرة الملقاة على عاتق الجميع للتغلب على كل العقبات.

ونحن على يقين من توفر النيات الطيبة لدى الجانبين، واجتماعنا هنا فى مؤتمر المجلس الأعلى للشئون الإسلامية سيكون فرصة سانحة لتبادل الأفكار والرؤى فى نقاش علمى مثمر، من أجل خير العالمين الإسلامى والغربى وبالتالى من أجل الخير والسلام والاستقرار للعالم الذى نعيش فيه.

أسأل الله لمؤتمركم هذا التوفيق والسداد وأرجو لكم إقامة طيبة فى القاهرة.

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المراجع

(1) سورة الحجرات الآية :13.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع