الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
مو قف الإسلام من غير المسلمين

موقف الإسلام من غير المسلمين

فى المجتمعات الإسلامية

( الأقليات فى الإسلام )

الدكتور/ ناصر الدين الأسد

رئيس المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية

(الأردن)

موضوع الأقليات فى الإسلام باب واسع تدخل منه على الإسلام والمسلمين مآخذ وانتقادات كثيرة، تظهر كلا منهما بمظهر التعصب والتخلف وانتهاك حقوق الإنسان، وبعض هذه الانتقادات والمآخذ افتراءات مبعثها الجهل أو العصبية، ولكن بعضها صحيح مرده إلى أخطاء فى التطبيق المخالف لروح الإسلام، وهى أخطاء وقع فيها بعض الفقهاء فيما أصدروا من أحكام- ظنا منهم أنهم بذلك يرفعون من شأن الإسلام ويحمونه- ثم بالغ فى تطبيقها العامة من المسلمين خلال العصور المختلفة، ولذلك كان من واجب المسلمين بيان الحقيقة كما هى فى كتاب الله عز وجل وفى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أى كما نصت عليها الشريعة الإلهية الثابتة الصالحة لكل زمان ومكان، وهى غير الفقه الذى هو جهد بشرى متغير بتغير الأشخاص وتباين قدراتهم على التفسير والفهم، واختلاف وسائلهم فى الاجتهاد واستنباط الأحكام، فتعددت آراؤهم واختلفت مذاهبهم، بل لقد حدث أن اختلف فقه الفقيه الواحد، كالإمام الشافعى الذى كان له فقه فى الحجاز،

فلما رحل إلى العراق وخالط علماءه وفقهاءه ثم رحل إلى مصر، وانفتحت فيهما أمامه آفاق جديدة، غير فى فقهه وبدل، حتى قيل إنه كان للشافعى فقهان: فقه قديم وفقه جديد.

ونحن نستعمل لفظ " الأقليات " على غير رضى منا، فهو مصطلح غريب

عن الإسلام وروحه، ولم يستعمله أحد من المسلمين الأوائل، وإنما كان التعبير الدال على اليهود والنصارى هو " أهل الكتاب " كما فى القرآن و" أهل الذمة " كما فى الحديث النبوى، وقد شاع هذا المصطلح بين المسلمين وفى كتاباتهم، وأصبح له فى كتب الفقه أحكام وتفريعات. وأدخلوا فيه جميع غير المسلمين مهما تكن عقيدتهم (1).

ونحن مضطرون إلى قبول مصطلح " الأقليات الغربى، ولكن لابد من التنبيه إلى أنه ومصطلح " أهل الذمة غير متطابقيين " لأن الإسلام- فى روحه وجوهره- لا يفر هذا النظام الغربى من وجود " أكثرية "و " أقلية" على ما سنبينه بعد قليل، فالأقليات العرقية (الاثنية) بالمعنى الغربى ، " ليس لها فى الإسلام- فيما نعرف- مصطلح خاص بها، وليس لها أحكام اجتماعية تفصلها عن غيرها، ما دام أفرادها قد أسلموا، فسلمان (الفارسى) وصهيب (الرومى) وبلال (الحبشى) وزيد بن حارثة (السبى العربى) كلهم مسلمون، لا فرق بينهم وبين أى عربى هاشمى قرشى.

أما " الأقليات الدينية " فى الدولة الإسلامية فالمصطلح الإسلامى الدال

عليها هو " أهل الذمة ". وقد استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم فى كتبه وعهود أمانه، منها. هذا أمنة من الله  ومحمد النبى رسول الله ليحنة بن روبة وأهل  أيلة... لهم ذمة الله وذمة محمد رسول الله... " (2). واستعلمه الخلفاء من بعده كقول عمر بن الخطاب حين طعن " أوصى الخليفة من بعدى بتقوى الله والمهاجرين... وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفى لهم بعهدهم وأن لا يكلفوا إلا طاقتهم وأن يقاتل من وراءهم " (3)

ويعرف كل من له بصر باللغة العربية جمال هذا التعبير ودلالته الرفيعة، وكرم هذه النسبة إلى ذمة الله ورسوله. ولكن المواطنين المسيحيين فى الأقطار العربية أصبحوا ينفرون من هذا التعبير ويشعرون بالغضاضة منه، فأخذنا نستعمل بدلا منه تعبيرا " غير المسلمين " تمشيا مع روح الإسلام فى الا نسمى الناس أو نلقبهم بما لا يحبون. وقد أصدر المجمع الملكى لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت) فى عام 989 ام مجلدين بعنوان " معاملة غير المسلمين فى الإسلام " كتب فصولهما مجموعة من العلماء المسلمين.

ويتفرع موضوع الأقليات الدينية فى الإسلام عن عدد من الأصول الكبرى، أولها: وحدة الإنسانية أو وحدة النوع الإنسانى، قال  تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.." (4) وقال تعالى: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم 000)  (5) وقال رسول صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس ، ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربى على أعجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى " (6).

والأصل الثانى: وحدة الدين من عهد نوح فإبراهيم إلى رسول الله محمد بن عبد الله، قال تعالى:  ( شرع  لكم من الدين ما وصى به نوحا، والذى أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم، وموسى وعيسى، أن أقيموا الذين ولا تتفرقوا فيه 000) (7) فدين هؤلاء الأنبياء كلهم دين واحد فى أصله وحقيقته، ومن هذا قوله تعالى: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل  وإسحاق ويعقوب والأسباط  وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ) (8). وفى القرآن الكريم تأكيد هذا المعنى من وحدة الدين الإلهى فى آيات أخرى منها:

( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده، وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا) (9) وهؤلاء الأنبياء الذين أشار الله إليهم فى الآيتين السابقتين كثيرون ، غير محصورين فيمن سماه ولذلك قال تعالى: ( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ورسلا لم نقصصهم عليك) (10).

هذا الدين الذى يتضمن قرأنه مثل هذه المعانى فى وحدة النوع الإنسانى والمساواة بين بنى البشر، وفى وحدة الدين واعتبار الأديان المتعاقبة دينا واحدا، هل يصح أن يكون أتباعه من المتعصبين لأنفسهم ولدينهم على غيرهم وعلى الأديان الأخرى؟ وقد أمر الله المسلمين بالإيمان بجميع الرسل وبجميع الكتب المقدسة، دون تفريق، فى آيات  متعددة منها: ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ، لا نفرق بين أحد من رسله) (11).

ويكمل هذين الأصلين، ويترتب عليهما ترتبا طبيعيا وينتج منهما بالضرورة أصل ثالث عظيم هو: حرية العقيدة. وقد أرساها الله تعالى فى آيات متعددة إرساء ثابتا، وبينه بيانا ناصعا لا يشوبه الغموض. وجاءت القاعدة الأساسية فى حرية العقيدة فى قوله تعالى: ( لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغى 0000) (12) وجاء شئ  من التفصيل لهذه القاعدة الكبرى فى قوله تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من كل الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) (13). وقد تكررهذا المعنى فى عدد من الآيات مثل قوله تعالى: ( وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر، ولو شاء لهداكم أجمعين ) (14) وقوله: ( ولو شاء الله لجعلهم أمة  واحدة) (15).

فإذا كان ذلك كذلك فإنه لا يجوز لأحد من الخلق أن يظن في نفسه القدرة

على هداية غيره ولا الحكم عليه، ولو كان رسول الله، ولذلك قال تعالى يخاطب رسوله: ( ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشاء ) (16). وجعل عمله محصورا فى التبليغ والتذكير ونفى عنه أن يكون مسيطرا على الناس وذلك قوله تعالى: ( فذكر إنما أنت مذكر * لست عليهم بمصيطر ) (17) وكذلك قول تعالى: (.. فإنما عليك البلاغ  وعلينا الحساب) (18) وقوله: (... ما عليك من حسابهم من شىء) (19). ومن هنا كان الحكم لله وحده وليس للرسول ولا لغيره من المسلمين. قال تعالى: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة) (20). ثم إن الله خص من آمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا من هؤلاء بقوله: ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من أمن بالله واليوم الأخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) (21). ومن هنا لم يقبل الله تعالى ادعاء بعض أهل الأديان أن الجنة لهم وحدهم فقال: ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى  تلك أمانيهم  قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (22) فهذه الآيات تشمل جميع البشر، وليس أتباع دين واحد بعينه، إذا آمنوا بالله وباليوم الآخر وعملوا صالحا أو أسلموا وجوههم لله وهم محسنون، والمعنى واحد، وكتب رسول الله إلى أهل اليمن: " إنه من كان على يهوديته أو نصرانيته فإنه لا يفتن عنها " وكتب إلى أهل نجران أن لهم جوارا (23) الله وذمة محمد النبى رسول الله على أموالهم وأنفسهم، وأرضهم وملتهم.. وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير، لا يغير أسقف من

أسقفيته،  ولا راهب من رهبانيته. ولا كاهن من كهانته " (24). وكتب عمر إلى نصارى بنى تغلب "... أن لا يكرهوا على دين غير دينهم " (25). وعهد عمر لأهل القدس (إلياء) مشهور (26).

فإذا كان الإسلام قائما على حرية العقيدة لغيره، فإنه كذلك لا يقبل لغيره

أن يعتدى عليه ويمنعه من حرية عقيدته، ولذلك نزلت آيات القتال والجهاد لرد العدوان وإزالة العقبات أمام حرية العقيدة. أما غير المسلمين الذين لا يعتدون على المسلمين فأولئك لهم الخير والمودة ولا يجوز التعرض لهم، قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم  فأولئك هم الظالمون) (27) ويشبه هاتين الآيتين فى صراحتهما ووضوحهما قوله تعالى ( وقاتلوا فى سبيل الله  الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) (28) وقوله تعالى: ( وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين) (29). وقوله تعالى: (... فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين) (30).

وهذه الآيات تغنى عن أي تعليق، بمعانيها النبيلة وتصريحها بمنع الابتداء بالعدوان، ومنع الاستمرار فيه، وحصره فى دفع العدوان والاقتصار على أن يكون دفع العدوان بمقدار العدوان نفسه دون تجاوز، ذلك لأن الله يحب العادلين، ولا يحب المعتدين، وهو مع المتقين.

ويكمل هذه الأصول الثلاثة أصل عظيم رابع، هو العدل فى التعامل، قال تعالى: ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل 000) (31) وهذا نص محكم بليغ شمل " الناس " جميعا ولم يقتصر على المسلمين وحدهم. ثم خص الله تعالى أهل الكتاب بحكم ينصرف إليهم فى قوله تعالى لرسوله: ( وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأمرت لأعدل بينكم، الله. ربنا وربكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم، الله يجمع بيننا وإليه المصير ) (32) والمجتمع الإسلامي مجتمع متعدد الأجناس والأديان واللغات والثقافات فى إطار من وحدة النظام الإسلامي والحياة الإسلامية التى تسمح بهذه التعددية وتنظمها. وهو يقوم على الحرية والكرامة الإنسانية، فقد قال الله تعالى: ( ولقد كرمنا بنى آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ) (33) وأمر سبحانه وتعالى الملائكة أن يسجدوا لآدم (34) ونفخ فيه من روحه (35).

وهذا التكريم والتفضيل إنما هما للنوع  الإنسانى لبنى آدم، وليس مقصورا على المسلمين، وإنما يشمل غيرهم مهما تختلف أجناسهم وأديانهم، وقد تمثلت هذه المعانى فى حياة المسلمين تمثلا واضحا، وصار بعضها من العظات التي سجلتها كتب التاريخ لتكون نبراسا للأجيال المتعاقبة، منها قصة عمرو بن العاص وإلى مصرحين استبد بابنه الغضب فضرب أحد الأقباط، فشكا القبطى أمره إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فاستدعاهم عمر، وطلب من القبطى أن يثأر لنفسه من ابن عمرو بضربه، وقال قولته المشهورة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار (36)!! هذه الحرية والكرامة الإنسانية أصل خامس كبير من الأصول التى تقوم عليها نظرة الإسلام إلى الأقليات. ونحن حين نسترجع هذه الأصول الخمسة ندرك معنى ما ذكرناه فى مطلع هذا الحديث من أن الإسلام لا يقر النظام

الغربى من وجود " أكثرية " و " أقلية "، فهم جميعا جسم واحد فى " أمة " واحدة. وكل منهم مواطن فى هذه الأمة له ما لها وعليه ما عليها، هكذا جعلهم رسول الله  صلى الله عليه وسلم  فى عهده لهم بالمدينة المنورة، وهكذا فهم كبار الصحابة هذا  المعنى الإسلامى الشامل فسمحوا لمن أراد منهم أن يقاتلوا مع المسلمين أو ينفردوا وحدهم "بالدفاع عن أنفسهم فى نواحيهم بمحاربة الذين يهاجمون دار الإسلام أو دار الأمان التى يسكنها أهل الذمة.

والمسيحيون فى أيامنا مواطنون فى الأمة، يشتركون فى الجيش دفاعاعن الوطن مختارين طائعين تحقيقا لمعنى المواطنة والمساواة فيها، وهم يدفعون مع المسلمين ضرائب موحدة للدولة، ولا تفرض عليهم وحدهم ولا على غيرهم ضريبة بسبب دينهم، وليس فى شىء من ذلك خروج على الإسلام ولا على الشريعة، بل إن بعض التطبيقات فى القديم والحديث هى المخالفة للإسلام ولشريعة الله.

فى هذا الجو العلوى الالهى، ومن خلال هذه الأصول الخمسة الكبرى، تعايشت الأديان المختلفة فى ظلال  الإسلام فى سماحة وأمن وطمأنينة. وتعايش غير المسلمين مع المسلمين ثلاثة عشر قرنا أو يزيد- لهم ما لهم وعليهم ما عليهم- فى غير شئون العقيدة.

وحين ننتقل من هذه الأصول إلى تطبيقاتها فى التعامل: نجد رسول

الله  صلى الله عليه وسلم  يقف لجنازة يهودى مرت به، وحين سئل عن ذلك قال " أليست نفسا" (37).

وكتب خالد بن الوليد- فى خلافة أبى بكر الصديق- إلى أهل الذمة فى

الحيرة بالعراق " وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنيا فافتقر، وصار أهل دينه يتصدقون عليه، طرحت جزيته، وعيل من بيت مال المسلمين وعياله، ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام " (38)، وفرض عمر بن الخطاب- وهو خليفة- لشيخ يهودى يتسول من بيت مال المسلمين، وقال: " والله ما أنصفناه إن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم " (39).

وكتب عمر بن عبد العزيز- الخليفة الأموى- إلى عامله على البصرة: "... وانظر من قبلك من أهل الذمة من قد كبرت سنه، وضعفت قوته، وولت عنه المكاسب، فأجر عليه من بيت مال المسلمين ما يصلحه" (40).

وفتحت لهم أبواب الحياة الحرة الآمنة على مصاريعها ، فصار منهم الوزراء والكتاب والشعراء والعلماء والأطباء والفلاسفة. كلهم عاشوا وعملوا وأبدعوا، فى أمان الحكومات الإسلامية، وأصبحوا هم ونتاجهم  جزءا من الحضارة الإسلامية وتاريخها وتراثها.

وحين هاجر رسول الله  صلى الله عليه وسلم  من مكة إلى المدينة آخى بين المهاجرين والأنصار وعاهد اليهود، وكتب فى ذلك كتابا سمى فيه قبائل اليهود قبيلة قبيلة وجعلهم " أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم... إلا من ظلم وأثم... " (41).

ومعنى ذلك أن الشريعة الإسلامية- على عادتها- وضعت الأطر العامة والأسس الكبرى وتركت تفصيلاتها وجزئياتها لتتخذ من الأسماء والمفاهيم ما يتمشى مع تطور الزمان ومتغيرات الأحوال فى داخل الأطر نفسها وعلى الأسس الثابتة التى لا تتغير. فإذا كان غير المسلمين فى الدولة الإسلامية لا يحبون لأنفسهم أن يسموا " أهل الذمة "، فإن وجودهم مع المسلمين فى " أمة " واحدة يجعلهم بمصطلح أهل عصرنا " مواطنين " لهم حقوق المواطنة كاملة: لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، ما عدا أمور العقيدة والعبادات وما يتصل بهما من الأحوال الشخصية:

فالزكاة فرض دينى على المسلمين، وهى أحد أركان الإسلام الخمسة، ومن صميم العقيدة الإسلامية، فلا يجوز أن تفرض على غير المسلم تمشيا مع الأصل الكبير الذى أشرنا إليه من أصول النظام الإسلامي وهو حرية العقيدة، ولكن لا بد أن يفرض على " المواطن " غير المسلم من المال مثل ما هو مفروض على " المواطن " المسلم فكان أن فرض عليه تأدية الجزية. والجزية هى " الجزاء "، وهو لغة: العوض والبدل والمقابل، وإصلاحا: ما يؤخذ من أهل الذمة " لأنها تقضى عنهم " (42) أو سميت بذلك للاجتزاء بها عن... " (43) شىء آخر. وهى " إنما تؤخذ منهم سنة بسنة، جزاء على تأمينهم، وإقرارهم على دينهم، يتصرفون فى جوار المسلمين، وذمتهم آمنين، يقاتلون عنهم عدوهم، ولا يلزمهم ما يلزم المسلمين " (44).

ولا تفرض الجزية أصلا إلا على القادرين من الذكور، ولا تفرض على المرأة ومن هو دون البلوغ والشيخ ورجال الدين من الرهبان والقساوسة.

ويعفى الذمى من دفع الجزية فى حالات، منها: إذا كان فقيرا، أو افتقر بعد غنى، أو لم يكن له عمل يعتاش منه أو كان له ثم فقده، أو تقدمت به السن وعجز عن العمل، وقد مزت بنا أمثلة على ذلك. ومنها: إذا عجزت الدولة الإسلامية عن حماية الذمى. ومما يقرر ذلك ويؤكده كتاب خالد بن الوليد إلى بعض أهل الذمة: "... فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا، حتى نمنعكم " (45).

وقد رد أبو عبيدة ما كان أخذ من الجزية والخراج إلى أهل بعض المدن التى صالح أهلها وكتب إلى ولاته على تلك المدن أن يقولوا: " إنما رددنا عليكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع لنا من الجموع، وأنكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك ". والأمثلة على ذلك متعددة، ومن حالات سقوط الذمة عن الذمى أو إعفائه، منها: إذا اشترك فى الدفاع عن بلاد الإسلام. وقد أسقط شراقة بن عمرو أمير أرمينية ونواحيها الجزية عن أهل تلك البلاد بعد أن طلب ملكها ذلك على أن يقوم هو ومن معه بمحاربة عدو المسلمين، وقال له: " قد قبلت ذلك فيمن كان معك على هذا ما دام عليه، ولا بد من الجزاء

ممن يقيم ولا ينهض " (46) أى لا يحارب مع المسلمين أعداءهم. وأمثلة ذلك كثيرة (47).

ولفظ " صاغرون " فى الآية الكريمة (48) لا تعنى إلا الخضوع والاستسلام لأمر الله وأحكام الإسلام، ومن ذلك إلقاء السلاح  وعدم محاربة المسلمين، وهو ما ينطبق على المسلمين أنفسهم الذين يدل اسمهم على خضوعهم واستسلامهم لله. والآية الكريمة التى وردت فيها هذه اللفظة تشير إلى قتال ( الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق...) فسياق الآية واضح الدلالة على أن ( يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) لله ولأحكام الإسلام والدولة الإسلامية، وليس للبشر من المسلمين.

ومن كل ما تقدم يتبين لنا كيف يقلب بعضهم الدلالات اللغوية للألفاظ، ويبتعدون بها عن معانيها ومفاهيمها ومضامينها الصحيحة فى تفسيرها وتطبيقها، فى حين كانت تدل استعمالاتها فى سياقها وقرينتها اللغوية والاصطلاحية، وفى تطبيقاتها فى عصورها الأولى على أنبل المعانى وأسمى مراتب حقوق الإنسان. ولذلك كان لا بد دائما من التنبه إلى الفرق بين حقيقة الإسلام كما تمثلها آيات القرآن وسنة الرسول، وكما يمثلها روحه ومنهجه، وبين أخطاء الفهم والتفسير التى وقع فيها بعض المسلمين فى العصور التالية، وهى أخطاء صاحبتها أيضا أخطاء فى التطبيق والمعاملة، مخالفة كل المخالفة للإسلام الذى جعل غير المسلمين فى دار الإسلام مواطنين فى " أمة " مع المسلمين، وفرض لهم الرعاية والحماية وعدم المساس بحقوقهم لأن لهم منزلة إضافية أخرى- مع المواطنة- وهى أنهم " بذمة الله وبذمة رسوله ". ولذلك فهم بذمة كل مسلم.

و" الجهاد " أيضا فريضة إسلامية، وهو قتال الذين يعتدون على المسلمين، ويمنحونهم حرية العقيدة ويثيرون بينهم الفتنة، ويهددون نظامهم ووجودهم ولأن الجهاد فريضة دينية متصلة بعقيدة المسلم لم يلزم الإسلام غير المسلمين بها وأعفاهم من الاشتراك فى القتال، حتى لا يكون فى ذلك إجبار لهم على ما لا يؤمنون به. واقتصر واجب القتال على المسلمين وحدهم، دفاعا عن أنفسهم وعمن فى  ذمتهم ". وكانت الجزية عن أهل الذمة جزاء لذلك، أى مقابلا وبدلا عنه. ومن أجل هذا سقطت الجزية عن أهل الذمة الذين عجز المسلمون عن حمايتهم والدفاع عن تجمعاتهم ونواحيهم أو ردت إلى من كان دفعها منهم. كما أنها لم تؤخذ من أهل الذمة الذين تعهدوا بمحاربة أعداء المسلمين. وقد مرت بنا من قبل أمثلة على كل ذلك، وهى أمثلة قليلة على حوادث ووقائع مشابهة كثيرة ذكرتها كتب التاريخ الإسلامى.

ولأهل الذمة بعد ذلك حريتهم الكاملة فى أمور عقيدتهم، مثل: أحوالهم الشخصية من زواج وطلاق، وقضاء فيما بينهم، ومن عبادات وتعليم، على أن لا يكون فى شئ من ذلك تهجم أو اعتداء على المسلمين.

وكل ما تقدم إنما هو جزء من منظومة متكاملة لحقوق الإنسان فى الإسلام وهى منظومة لها سماتها وخصائصها، ولها انتماؤها إلى أمة ذات ثقافة عريقة تلتقى مع غيرها من الثقافات فى مسيرة الحضارة الإنسانية، ولكنها أيضا تنفرد بخصائص تميزها، وقد كتب كثيرون عن حقوق الإنسان فى الإسلام، وصدرت عنهم كتب ومقالات.

ألم يحن الوقت لننظر إلى الأمور من جميع جوانبها نظرة إنصاف وحق وعدل، ولا نكتفى بنظرات جزئية لا تساعد على الحكم العلمى  السليم؟ إننا جميعا على هذا الكوكب أحوج ما نكون إلى الفهم والتفاهم والتعايش وهى المبادئ التى تدعو إليها جميع الأديان، وأبرزها الإسلام وفصلها وأتمها.

أما موقف المجتمعات الغربية من المسلمين فالحديث عنه ذو شقين شق يتناول الدساتير والتشريعات التى تنظم أحوال تلك المجتمعات، وهى- فى مجملها- دساتير وتشريعات ديمقراطية تساوى بين مواطنيها، مهما تختلف أديانهم وأعراقهم فى الحقوق والواجبات. وربما كان من أحدث الأمثلة على ذلك وأقربها وصول مسلم إلى عضوية مجلس العموم البريطانى وازدياد بناء المساجد فى الغرب عامة وفى بريطانيا خاصة. أما الشق الثانى فيتناول نظرة المجتمع نفسه وتعامل الأفراد فيما بينهم فى الواقع العملى. وفى هذا مجال واسع للنقد. وربما كان المسلمون المقيمون فى تلك المجتمعات أقدر من غيرهم على الكتابة فى هذين الجانبين من الموضوع، فهم أدرى بما يعانون وبما يتعرضون له، وهم فى الوقت نفسه أدرى بما يتمتعون به وينعمون فى ظله.

ويبقى جانب ثالث يتناول المسلمين فى المجتمعات الغربية، ويمتد أثره

إلى المسلمين فى جميع ديارهم. ويلقى بظلاله عليهم أينما كانوا، وهو: تشويه صورة الإسلام والمسلمين من خلال وسائل الإعلام المتعددة، والأفلام السينمائية، والمقالات، والكتب، والمحاضرات... وهذا موضوع- يتصل بموضوع: " موقف المجتمعات الغربية من المسلمين "- أوثق اتصال، ولكنه يخرج بنا عن سياق موضوعنا الأصلى،  ويحتاج إلى بحث مستقل.

المراجع

(1) توسع فى ذلك المالكية وأجازوا أن يشمل عقد أهل الذمة كل من هو غير مسلم، واستثنى الحنفية من أهل الذمة عبدة الأوثان من العرب (الموسوعة الفقهية 7: 22 1- 23 1، وزارة الأوقاف وا لشئون ا لإسلامية، 1 لكويت)

(2) ابن سعد، الطبقات الكبرى 1: 289. 

(3)ابن سعد، الطبقات الكبرى 339:3.

(4) النساء: 1.

 (5) الحجرات: 13.

(6) أحمد بن حنبل، المسند   5: 411 . 

 (7) الشورى: 13. 

(8) ا لبقرة: 136.

(9) النساء: 163. 

(10) النساء: 164.

(11) البقرة: 285.

(12) البقرة: 256.

(13) بونس: 99.

(14) النحل: 9.

(15) الشورى: 8.

(16) ا لبقرة: 272. 

(17) 1لغاشية: 21-22. 

(18) الرعد: 0 4. 

(19) الأنعام:52.

(20) الحج:17.

(21) البقرة: 62، وانظر المائدة: 69. 

(22) البقرة: 111 -112.

(23) أبو عبيدة،  الأموال: 35، وانظر: محمد حميد الله، ا لوثائق السياسية: 209.

(24) أبو يوسف، الخراج: 72.

(25) أبو عبيدة ، الأموال:36.

(26) الطبرى، تاريخ ا لطبري 3: 609. 

(27) الممتحنه:8-9.

(28)  ا لبقرة: 190.

(29) البقرة: 193.

(30) البقرة:194.

(31) 1لنساء: 58. 

(32) الشورى: 15.

(33) الإسرا،: 70 0. 

(34) فى آيات  متعددة، منها: البقرة: 34 والإسراء: 61، والحجر: 29- 30.

(35) الحجر: 29 والسجدة:9.

(36) انظر: ابن الجوزى ، مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: 99.

(37) حديث صحيح متفق عليه، أنظر: البخارى ، صحيح البخارى 2: 108، ومسلم، صحيح مسلم 7: 29.

(38) أبو يوسف، الخراج: 144.

(39) المصدر السابق: 126.

(40) أبو عبيدة  الأموال: 57.

(41) ابن هشام، السيرة ا لنبوية 2 : 149.

(42) الزمخشرى ، أساس البلاغة (جزى).

(43) تاج ا لعروس (جزى).

(44) من كلام ابن رشد، المقدمات الممهدات 282:1.

(45) الطبرى، تاريخ الطبرى 3: 368، وانظر، عبد الكريم زيدان ، أحكام الذميين والمستأمنين: 5 4 1 و محمد حميد الله، الوثائق السياسية:383.

(46) 1 لطبرى ، تاريخ ا لطبرى 4: 156، وانظر: عبد ا لكريم زيدان، أحكام ا لذميين والمستأمنين:156.

(47) انظر: علي الصوا، موقف الإسلام من غير المسلمين فى المجتمع الإسلامى (معاملة غير المسلمين فى الإسلام) 189:1.

(48)  التوبة:29.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع