المحور
الثانى
موقف
الإسلام من غير المسلمين
فى
المجتمعات الإسلامية
وموقف
المجتمعات الغربية
من
المسلمين
الدكتور/
صوفى حسن أبو طالب
أستاذ بكلية الحقوق بجا معة ا لقاهرة
رئيس جا معة ا لقاهرة الأسبق
رئيس مجلس ا لشعب المصرى الأسبق
مقدمة
تميزت السنوات الأخيرة من القرن الحالى بحدوث إنجازات علمية مذهلة فى مجالى
المعلومات والاتصالات لدرجة أصبح معها العالم قرية صغيرة. ونتج عن ذلك تلاشى المسافات وزوال الحواجز الجغرافية والثقافية والسياسية
والاقتصادية بل والاجتماعية.
وأسفرت هذه التطورات السريعة المتلاحقة عن ظهور تكتلات اقتصادية أو سياسية
كبرى بين الشعوب ذات الحضارات المتقاربة دفاعا عن مصالحها فى مواجهة الشعوب
الأخرى، فزادت الهوة بين الشعوب الغنية والشعوب الفقيرة. كما أسفرت هذه التطورات
من ناحية ثانية عن إحياء روح الصراعات الحضارية والعرقية والدينية لدى فريق آخر من
الشعوب حفاظا على هويتها وذاتيتها مما أدى إلى استشراء العنف والإرهاب والتطرف بكل
صوره. وساعد على ذلك انفراد الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الدول الصناعية
السبع بقيادة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفيتى وتراجع الأفكارالتى كان ينادى بها،
وازدياد التخلف والفقر فى الدول الصغيرة. وضاعف من أثار هذه الصراعات أن الدول
المتقدمة الغنية لا تكيل بكيل واحد فى الأحداث المتماثلة بل تنحاز دائما أبدا إلى
ما يحقق مصالحها.
ونجد مثالا صارخا لذلك فى انحيازها التام لإسرائيل فى اعتداءاتها المتكررة
على شعب فلسطين وأرضه وعلى لبنان، واعتداءات الصرب على شعب البوسنة، وحرب الروس ضد
الشيشان. وعلى العكس من ذلك تقف الدول المتقدمة موقفا
متعنتا ضد كل من ليبيا وإيران وسوريا وغيرها. ومن ناحية أخرى تعمل تلك الدول على
إعلاء شأن حضارتها وفرضها على بقية شعوب العالم باعتبارها- فى نظرها- الأنموذج
الأمثل لتقدم البشرية. وأحدث مثال لذلك اتفاقيات تحرير التجارة المعروفة باسم
" الجات " التى دخلت حيز التنفيذ عام1995م. وكان سبيلها إلى ذلك سيف
المعز وذهبه، تغدق النعم والمعونات على من يستجيب لرغباتها بل أوامرها، وتقبضها عن
من يكابرون ويرفضون، فإن أصروا على المكابرة كان الحصار الاقتصادى والقطيعة
السياسية هما الجزاء الأوفى.
وكان لكل التطورات سالفة الذكر آثارها فى العالم الإسلامى، ومعظم شعوبه من
شعوب العالم الثالث النامى. فبدأ الصدام بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية
ومحاولات الغرب المستمرة فرض حضارته على العالم الإسلامى. وزاد من حدة الصراع
تباين الأصول الحضارية. فالحضارة الغربية تعتمد على التراث الحضارى الكلاسيكى
(الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى) والكتاب المقدس (التوراة والإنجيل)، والفكر
المسيحى الذى يفصل بين الدين والدولة.
ولذلك اعتمد التراث الغربى على العقل البشرى وحده فكانت حضارة علمانية
بحتة. أما الحضارة الإسلامية فإنها تعتمد على التراث الحضارى المستمد من القرآن
الكريم والسنة النبوية الشريفة، ولا تفصل بين الدين والدولة، ولذلك يمزج تراثها
الحضارى بين الإيمان والعقل، بين الدين والعلم ويضع حدودا لمجال كل منهما. وهذا
الاختلاف فى أصول الحضارتين الإسلامية والغربية لا يعنى بالضرورة تناقض الأحكام
التى تنظم الأمور الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها من الأمور الدنيوية،
ولا تناقض المبادىء التى تحكم أمور العقيدة والعبادة. فالواقع أن نقاط التلاقى
أكبر بكثير من نقاط الاختلاف- كما سنرى- والتصادم بين الحضارتين تولد من تفسيرات
مغلوطة للتراث الحضارى من كلا الجانبين، ويزيد من حدته عدم اعتراف اليهودية
والمسيحية بالإسلام واعتباره دينا وثنيا.
فقد تبنت الأحزاب اليمينية فى أوروبا وأمريكا سياسة الاضطهاد الدينى
والعنصرى واستباحت اللجوء إلى القوة ضد الأقليات التى تعيش معهم.
وهذه السياسة فى جوهرها استمرار لتفسير مغلوط لبعض آيات الإنجيل (إنجيل
متى، الإصحاح.1: 34-36) الذى ظهر فى القرن الخامس الميلادى على يد القديس أوجسطين
وتبناه الباباوات فيما بعد. ومضمونه اعتبار الحروب ضد
غير الكاثوليك حروبا مقدسة، وضحاياها من الكاثوليك من الشهداء. وكان هذا التفسير
هو المبرر الدينى لقيام الحروب الصليبية منذ القرن الحادى عشر الميلادى. واستعمل
ذات التفسير لتبرير إبادة المسلمين فى الأندلس، وإجبارهم على التحول عن دينهم.
وبالرغم من قيام الثورة الفرنسية وتبشيرها بمبادىء الحرية والمساواة والإخاء إلا
أن التفسير القديم وقر فى عقول وضمائر بعض السياسيين والقادة العسكريين
الأوروبيين. وظهرذلك بوضوح أثناء الحرب العالمية الأولى حينما أعلن الجنرال
الإنجليزى اللنبى حينما دخل القدس فى
9/12/1917م
" الآن انتهت الحروب الصليبية"..
وذات المعنى ردده الجنرال الفرنسى جورو حينما دخل دمشق فى 29/ 6/1920 م إذ
توجه إلى قبر صلاح الدين وقال "ها قد عدنا يا صلاح الدين " وهذا الشعور
العدائى ضد المسلمين لا يخفيه اليوم بعض قادة أحزاب اليمين فى أوروبا وأمريكا.
وهذا الاتجاه العدوانى والاضطهاد الدينى يخالف الروح العامة والنصوص
الصريحة فى الإنجيل التى تأمر بالمحبة والتآخى والنظر إلى الحروب على أنها قتل
جماعى (إنجيل متى، 5: 1-48 ).
وذات المسلك العدوانى ضد المسلمين والعرب عموما نجده واضحا لدى الصهاينة
اعتمادا على تفسيرات التوراة والكتب التاريخية المقدسة وعلى رأسها سفر يشوع
(الاصحاح 8).
ومن ناحية أخرى رفضت الشعوب الإسلامية الانسلاخ من جلدها والانضواء تحت
جناح الحضارة الغربية، بل اختارت منها ما يتفق مع أصولها الحضارية ورفضت ماعداها
فقبلت الجانب المادى من الحضارة الغربية ورفضت ما يمس الجوانب الدينية
والاجتماعية. فكانت الصحوة الإسلامية التى تستهدف إحياء التراث الإسلامى والعمل
بأحكام الإسلام فى تنظيم الأمور الدنيوية، اجتماعية كانت أو سياسية أو قانونية أو
اقتصادية. ولكن الغرب لم يتقبل هذا الوضع فحاول فرض حضارته بكل عناصرها على الشعوب
الإسلامية معتمدا فى ذلك على قوته العسكرية إبان مرحلة الاستعمار ثم على تفوقه
الاقتصادى والتكنولوجى فى الوقت الحاضر. وللأسف الشديد لم يشارك المسلمون فى بناء
الحضارة المعاصرة إذ وقف دورهم عند حد إعارة الشعوب الأوروبية لأسس حضارتهم فى عصر
النهضة، وكان دور المسلمين بعد ذلك سلبيا يأخذ ولا يعطى، ينقل عن الغرب ولا يقدم
له ما ينقله عنه. إذ المغلوب- كما يقول ابن خلدون- يتشبه أبدا بالغالب فى مأكله
وملبسه ومشربه ومركبه.... إلخ. وبمرور الزمن ازدادت الفجوة الحضارية بين الجانبين
ولم تؤت الصحوة الإسلامية ثمارها بعد.
ولجأ الغرب فى الوقت الحاضر إلى عدة أساليب تستهدف القضاء على الحضارة
الإسلامية وتحول دون تقدمها بحيث لا يصبح للمسلمين دور فى صياغة مستقبل العالم.
فعمد إلى تجنيد عدد من المستشرقين إبان فترة الاستعمار وأقام فى الوقت الحاضر عددا
من مراكز البحوث تنقب فى بطون الكتب وأحداث التاريخ فى فترات ركود الحضارة
الإسلامية لاستخراج ما يسىء إلى المسلمين وما يدل على أن حضارتهم قد زبلت وفى
سبيلها للاندثار، وأن الخيار الوحيد أمام المسلمين هو تبنى الحضارة الغربية.
وسخر الغرب لتحقيق هذا الغرض
العديد من المنظمات الدولية لنشر الأفكار الغربية مثل مؤتمر (المستوطنات فى تركيا
عام 1996 م)،
(ومؤتمر المرأة فى بكين 1995)، (ومؤتمر السكان فى القاهرة عام 1994 م). كما
جند عددا من أبناء الأمة الإسلامية ممن بهرتهم الحضارة الغربية للتبشير بها باسم
التنوير، والقضاء على الحضارة الإسلامية باسم التخلف والجمود. وتلقفت وسائل الإعلام
الغربية- وهى تنفرد ببث المعلومات فى سائر أنحاء العالم- كل ما يسىء إلى الحضارة
الإسلامية، واستغلت ما يصدر عن بعض نظم الحكم الإسلامية وبعض التفسيرات المغلوطة-
وعلى رأسها فكر الخوارج- لتشويه صورة المسلمين وصورت الصحوة الإسلامية بأنها
الخطرالأكبر الذى يتهدد الحضارة الغربية بعد زوال الخطر الأحمر بسقوط الاتحاد
السوفيتى.
ولم يستطع المسلمون حتى الآن النفاذ إلى الإعلام الغربى لعرض الصورة
الحقيقية للإسلام ودوره الحضارى ومن بين النقائص التى يتهم الغرب المسلمين بها عدم
احترامهم لحقوق الإنسان كما نظمتها المواثيق الدولية ومن بينها اضطهاد الأقليات
غير الإسلامية. وسنحاول فى هذا البحث القاء الضوء على موقف الإسلام من غير
المسلمين فى المجتمعات الإسلامية فى خصوص: مبدأ حرية العقيدة، المساواة فى الحقوق
والواجبات، الالتزام بأحكام الشرائع السابقة فى الأحوال الشخصية. كما سنعرض بإيجاز
موقف المجتمعات الغربية من المسلمين فى خصوص: التواجد الإسلامى فى أوروبا، خصوصيته
وتفاعله مع المجتمع. الجاليات الإسلامية فى الغرب: مشكلاتها- دورها فى تعزيز
التفاعل الحضارى- حقوقها وواجباتها.
المبحث الأول
موقف
الإسلام من غير المسلمين
فى
المجتمعات الإسلامية
جرى الخطاب القرآنى على وصف النصارى واليهود بأنهم من " أهل الكتاب،
وجرت الأحاديث النبوية على استعمال تعبير"أهل الذمة " أى ذمة الله
ورسوله إن كانوا يقيمون بين المسلمين فى دار الإسلام. وجرى الفقهاء فى العصور
التالية على استعمال التعبيرين كتعبيرين مترادفين، وأطلقوا تعبير "
المستأمنين " أو " المعاهدين " على من يدخلون دار الإسلام من
الأجانب بإذن من ولى الأمر أو بمقتضى معاهدة أو عرف دولى. وظل الفقهاء يستعملون
هذه المصطلحات حتى بعد أن أصبح المسلمون أغلبية داخل دار الإسلام بعد الفتوحات
بحوالى قرنين من الزمان، ولم يستعملوا أبدا تعبير الأقلية الدينية لوصف النصارى
واليهود:
أولا: حرية العقيدة:
ا- مضمونها: إن تعبير حرية العقيدة تعبير حديث
استعملته المواثيق الدولية وكتابات المفكرين منذ الثورة الفرنسية، وتلحق به تعبير
حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتعتبرهما قسيمين متكاملين ومتلازمين. أما الخطاب
القرآنى فيطلق تعبير " لا إكراه فى الدين " على التعبيرين معا. ومبدأ
حرية العقيدة فى جانبيها الإيمانى والتنفيذى تنص عليه كل الدساتير الحديثة فضلا عن
المواثيق الدولية، وذلك باستثناء النظم الشيوعية.
وحرية العقيدة تعنى- حسبما عبرت عنه بحق المحكمة الدستورية العليا فى مصر-
عدم إلزام شخص على القبول بعقيدة لا يؤمن بها أو الخروج من عقيدة دخل فيها، كما
تعنى عدم جواز الزام شخص على ممالأة إحدى الديانات تحاملا على غيرها سواء بإنكارها
أو ازدرائها أو التهوين من شأنها والحط من قدرها. وحرية
العقيدة لا تنفصل عن حرية ممارسة شعائرها وما قضت به من أحكام لأنهما قسيمان
متكاملان ومتلازمان. فهذه الممارسة هى التى تنتقل بالعقيدة من مجرد الإيمان بها
إلى التعبير عن محتواها بتطبيقها، إذ الإيمان كامن فى النفوس ومحفوظ فى الصدور
والممارسة هى مظهره الخارجى تكشف عنه وتدل عليه. فالتسليم بحرية العقيدة دون حرية
ممارسة شعائرها وما تأمر به من أحكام يعنى إعدام حرية العقيدة وحبسها فى الصدر.
ويندرج تحت حرية ممارسة شعائر الديانة وما تقضى به من أحكام ما يلى: حرية ممارسة
الشعائر الدينية فى العبادات من صلاة وصوم.... إلخ، وحرية ضبط سلوك الفرد فى
المجتمع على غرار ما تأمر به ديانته أو تنهى عنه سواء فى ذلك مأكله وملبسه ومشربه
وعلاقاته الاجتماعية من زواج وطلاق وبيع وإيجار..... إلخ.
وإذا كانت حرية العقيدة فى جانبها الإيمانى تأبى تقييدها أو ضبطها أو
تنظيمها لأنها كامنة فى النفس فإنها فى شقها الخاص بأداء شعائرها وما تتضمنه من
أحكام أى مظاهرها الخارجية تقبل التقييد والتنظيم مراعاة لصالح الجماعة وحماية
للديانات الأخرى وحقوق الآخرين وحرياتهم. ومن البديهى ألا يودى تنظيم ممارسة
الشعائر الدينية وما تقضى به الديانة من أحكام إلى
القضاء على حرية العقيدة.
2- أسباب وجوبها
فى الإسلام
: كان الإسلام، منذ ظهوره، سباقا إلى تقرير حرية العقيدة: فقد أوجب القرآن الكريم
حرية العقيدة بصورة قاطعة لا تحتمل لبسا ولا تأويلا. من ذلك قوله تعالى فى سورة
البقرة:
( لا إكراه فى
الدين قد تبين الرشد من ألغى فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة
الوثقى) (1)، وفى سورة الكهف: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)
(2).
وأوضح سبحانه وتعالى أن اختلاف الأديان هو سنة الله فى خلقه إذ يقول سبحانه
وتعالى فى سورة يونس:
( ولو شاء ربك
لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (3).
ويخاطب الرسول الكريم بقوله فى سورة الغاشية:
( فذكر إنما أنت
مذكر. لست عليهم بمصيطر) (4).
وهذه الآيات القرآنية الكريمة قاطعة فى تحريم الاضطهاد الدينى وقاطعة
فى تحريم كافة أنواع الصراع بسبب اختلاف الدين، وتحريم التطاول على الأديان
أو ازدرائها.
3- مبررات وجوبها :
إن التسليم بحرية العقيدة هو فرع لأصل عام أكده الإسلام وهو التسامح، تسامح فيما
بين المسلمين وتسامح فيما بينهم وبين غيرهم. ومن أهم اسباب هذا التسامح: الأخوة
الإنسانية ووحدة الدين.
أ- الأخوة الإنسانية : حرص الإسلام على
التأكيد على أن كل البشر ينتمون إلى أب واحد وأم واحدة فهم إخوة فى النسب تربطهم
قرابة الدم وأن اختلافهم فى اللون أو العرق أو اللغة.... إلخ هو من آيات الله
لإعمار الكون وتكامل الأدوار وتوزيع الأعباء. فوحدة الأصل تقررها الآية الكريمة:
(يا أيها الناس
اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق
منها زوجها وبث
عليكم رقيبا) (5).
وجعل التباين بين الناس فى الأصل واللون واللغة.... إلخ آية من آياته
لإعمار الكون إذ يقول، سبحانه وتعالى فى سورة الروم: ( ومن آياته خلق السموات
والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن فى ذ لك لآيات للعالمين)(6).
وجعل معيار التفاضل بين الناس هو العمل الطيب النافع فى قوله تعالى فى سورة
الحجرات:
( يا أيها الناس
إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله
أتقاكم إن الله عليم خبير) (7).
واستخلف الإنسان فى الأرض وفاضل بينهم فى القدرات ليتعاونوا فى إعمار
الأرض:
( وهو الذى
جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى ما آتاكم إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم )
(8).، وسخر للإنسان ما فى الأرض:
( ألم تروا أن
الله سخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض واسبغ عليكم نعمه 00000) (9).
وعلى الإنسان أن يتحمل مسئولية عمله ثوابا وعقابا،
وهو ما عبر عنه القرآن الكريم بحمل الأمانة:
( إنا عرضنا
الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان
إنه كان ظلوما جهولا) (10).
ونهى عن قتل النفس بقوله تعالى:
(من قتل نفسا
بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس
جميعا) (11).
والخطاب في كل الآيات سالفة الذكر وغيرها مما يدور حول هذه المعانى موجه
إلى الإنسان بصفته إنسانا دونما اعتبار للونه وعرقه ولغته وديانته، لا فرق فى ذلك
بين مسلم وغير مسلم. وكل هذه المعانى أجملها الرسول عليه الصلاة والسلام فى خطبة
الوداع بقوله: ( أيها الناس إن ربكم واحد وإن أباكم واحد كلكم لآدم وآدم من تراب
).
والحديث الشريف الذى يسوى بين الناس ( ليس لعربى فضل على عجمى ولا لأبيض
فضل على أسود إلا بالتقوى ).
والحديث الشريف الذى نهى عن التخاصم ويدعو إلى التآخى ( لا تخاصموا ولا
تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا وكونوا عباد الله إخوانا).
ب- وحدة الدين:
فالديانات السماوية الثلاث خرجت من مشكاة واحدة ومن ثم اتفقت فى الأصول
والجوهر وإن تباينت فى التفصيلات والجزئيات. فهى كلها تقوم على التوحيد وتحض على
الأخلاق الفاضلة وتنهى عن ارتكاب الكبائر، فالوصايا العشر التى وردت فى التوراة
تقول (أنا هو الرب إلهك. لا يكن لك ألهة أخرى امامى... لا تنطق باسم الرب إلهك
باطلا... أكرم أباك وأمك... لا تقتل ولا تزن ولا تسرق ولا تشهد
على قريبك شهادة زور ولا تشته
امرأة قريبك ولا تشته بيت قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته.. ولا كل ما لقريبك .) (تثنية: الاصحاح: 5: 1-21) والإنجيل بعد ما ردد
هذه الأحكام زادها إيضاحا وتفصيلا (12).
والقرآن
الكريم والسنة النبوية أقرت كل هذه الأحكام وزادت عليها وتتماثل الديانات الثلاث
فى أسس العبادة، فهى كلها تأمر بالصوم والصلاة والزكاة وإن اختلفت فى مواعيد
أدائها ومقدارها وكيفية هذا الأداء. كما أنها تقترب من بعضها فى شئون العقيدة
كالإيمان بالله الواحد وملائكته وكتبه ورسله ويوم البعث.... إلخ ولكنها تختلف فى
أن الديانات اللاحقة تعترف بما سبقها من ديانات ولكن الديانات السابقة لا تعترف
بما جاء بعدها.
فالإسلام خاتم الرسالات السماوية،
يعترف بكل من المسيحية واليهودية.
بينما
المسيحية تعترف باليهودية السابقة عليها (لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو
الأنبياء، ما جئت لأنقض بل لأكمل) (13).
ولكن المسيحية لا تعترف بالإسلام الذى جاء بعدها. واليهودية
لا تعترف بالمسيحية ولا الإسلام لأنهما جاءا بعدها.
ومن ناحية أخرى يختلف مضمون الدين ونوع وجنس المخاطبين به فى الديانات
الثلاث. فاليهودية خاصة ببنى إسرائيل ولذلك تميز فى الخطاب وما يتضمنه من حقوق
وواجبات بين اليهودى وغير اليهودى. لأن الله سبحانه وتعالى جعل لكل أمة شرعة
ومنهاجا فى تطبيقات الأصول العامة.
والقرآن الكريم أوضح هذا المعنى بقوله تعالى:
( وأنزلنا إليك
الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل
الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله
لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما
آتاكم) (14).
ومن أمثلة ذلك أنها تحرم الزواج بين اليهودى وغير اليهودى وتبيح الاقتراض
بفائدة لغير اليهودى وتحرمه بين اليهود ويزيد من أهمية تمييز اليهودى على غيره أن
الشريعة اليهودية كانت تنظم شئون الدين والدنيا معا. والجمع بين الدين والدنيا أدى
إلى أن الديانة اليهودية تحيط بكل أمور الناس فى المجتمع. كما أن تمييز اليهودى
على غيره أدى إلى سيادة العصبية الدينية.
والمسيحية تقوم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة
إعمالا لقول السيد المسيح عليه السلام (ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله). ومن ثم
اقتصرت على الهداية الروحية والأخلاقية وتنظيم شئون العبادة، ولذلك انحصر أثرها
على هذه الجوانب تاركة تنظيم الأمور الدنيوية للدولة. ولكن المسيحية مثلها فى ذلك
مثل الإسلام وعلى خلاف اليهودية، تخاطب البشر أجمعين دونما تمييز بين شعب وآخر
ونتيجة لذلك اختلفت النظم الدنيوية، سياسية واقتصادية، فى المجتمعات التى تدين
بالمسيحية وإن كانت كلها تتلاقى فيما يخص شئون العبادة والجوانب الروحية
والأخلاقية. أما الإسلام فهو يتلاقى مع المسيحية من حيث كونه ديانة عالمية تخاطب
البشر كافة دونما تمييز بسبب العرق أو الدين أو اللغة...... إلخ ويتلاقى مع
اليهودية فى أنه تنظيم لشئون الدين والدنيا معا. ومن ثم أحاط بكل صور سلوك الناس
فى المجتمع فكان أثره عميقا فى النفوس.
ونتيجة لاعتراف الإسلام بكل من اليهودية والمسيحية فإنه أقر حرية العقيدة
بقوله تعالى: ( لا إكراه فى الدين) (15).
كما قرر المساواة بين المسلمين وأهل الكتاب فى الحقوق والواجبات، وهو ما
يعبر عنه العلماء بقولهم ( لهم ما لنا وعليهم ما علينا).
واعتراف الإسلام بالديانات السماوية السابقه عليه باعتباره خاتم الرسالات
رددته آيات القرآن الكريم نجتزىء منها قوله تعالى:
( ما يقال لك
إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة
وذو عقاب أليم) (16).
وتكرر نفس المعنى فى قوله تعالى:
( شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك
وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) (17).
والقرآن فى هاتين الآيتين وغيرهما لا يعبر عن الدين بصيغة الجمع بل دائما
أبدا بالمفرد تاكيدا لمعنى أنه دين واحد بالرغم من تعدد رسله ورسالاته. وهذا
التعدد هو سنة الله فى خلقه لابتلاء الإنسان واختباره:
(وأنزلنا إليك الكتاب
بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا
تتبع أهواءهم عما جاء ك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاه الله لجعلكم
أمة واحدة ولكن ليبلوكم فى ما آتاكم
0000000، (18).
والأحاديث النبوية تؤكد معنى تتابع الرسل لدين الله، ومنها قوله صلى الله
عليه وسلم: ( الأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد)، وقوله أيضا:
( إن مثلى ومثل
الأنبياء كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة فى زاوية، فجعل الناس
يطوفون به ويعجبون ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة. فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين
).
وتعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تأمر بالإيمان بالله الواحد
وكتبه ورسله نجتزىء منها قوله تعالى:
( والذين يؤمنون
بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) (19).
وقوله تعالى:
( قولوا آمنا
بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما
أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون)
(20).
4- ضمانات تطبيق مبدأ حرية العقيدة:
لم يكتف الإسلام بتقرير مبدأ حرية العقيدة بل أحاطه بالعديد من الضمانات
التى تكفل حسن تطبيقه ومن أهمها:
أ- أن تكون الدعوة إليه بالحسنى.
ب- تحريم الحرب بين المسلمين وغيرهم إلا لضرورة.
جـ- ترك الحساب عن شئون العقيدة لله وحده.
د- حرية إقامة الشعائر الدينية ومنها إقامة دور العبادة لغير المسلمين وحمايتها.
أ- الدعوة بالحسنى:
يأمر الإسلام أتباعه بأن تكون الدعوة إليه بالحسنى والابتعاد عن العنف
والغلظة والجدال. من ذلك قوله تعالى:
(ادع إلى سبيل
ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن
سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) (21).
وقوله تعالى:
( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا
الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد
ونحن له مسلمون) (22).
وقوله تعالى:
(قل يا أهل
الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا
يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون) (23).
وهذا لا ينفى وجود حالات نادرة اضطهد فيها بعض الحكام الشواذ المسلمين وغير
المسلمين لدرجة اضطرتهم إلى الخروج من دار الإسلام أو التحول كرها إلى الإسلام.
ومن بين هذه الأمثلة النادرة ما فعله الحاكم بأمر الله الفاطمى ببعض أقباط مصر مما
أجبرهم على الدخول فى الإسلام. ولكن سرعان ما تم تصحيح الأوضاع فى عهد خليفته فى
الحكم وهو الحافظ لدين الله (418 هـ) إذ سمح لمن اعتنق الإسلام كرها أيام الحاكم
بأمر الله أن يعود إلى دينه دون أن تطبق عليه أحكام الردة.
ب- الجهاد:
يثور
جدل شديد حول موقف الإسلام من الحروب، ويتهمه أعداؤه بأنه انتشر بقوة السلاح فى
أعقاب الفتوحات الإسلامية. وهذا الاتجاه يتجاهل تماما الأحكام القرآنية والسنة
النبوية فى تحريم الحرب إلا دفاعا عن النفس والمال وأرض المسلمين أو دفعا لظلم أو
استردادا لحق مغصوب. ولا يجوز لنا الالتفات إلى الآراء الشاذة فى الفكر الإسلامى
التى نادت بها بعض فرق الخوارج التى تعتبر الجهاد فى سبيل نشر الإسلام فريضة سادسة
بجانب الفرائض الخمس الأخرى. والتطبيق العملى فى كافة العصور، منذ ظهور الإسلام،
يشهد بذلك.
فالأصل فى الإسلام هو السلام إذ يقول سبحانه وتعالى:
( يا أيها الذين
أمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) (24).
وقوله تعالى:
(وإن جنحوا
للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم * وإن يريدوا أن يخدعوك فإن
حسبك الله هو الذى أيدك بنصره وبالمؤمنين)
(25).
ولا يسمح بمقاتلة من أعلن السلام بصرف النظر عن نيته لقوله
تعالى: (ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا
فعند الله مغانم كثيرة ) (26).
ولم يبح الإسلام القتال إلا على سبيل الاستثناء بشرط أن تكون حربا مشروعة. وهى لا تكون كذلك إلا إذا كانت لرد عدوان على
المسلمين فى دار الإسلام أو تهديدا بعدوان عليهم أو دفعا لعدوان يقع على المسلمين
الذين يعيشون فى الدار الأجنبية.
والقرآن الكريم يأمر المسلمين فى صراحة ووضوح بعدم ايذاء أهل الكتاب ولكنه
يأمر بالبر بهم ما لم يعتدوا على المسلمين ويظاهروا أعداء الإسلام.
من ذلك قوله تعالى:
( لا ينهاكم
الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا
إليهم إن الله يحب المقسطين *إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم
من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون) (27).
وقد طبق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ فى المعاهدة التى
أبرمها مع سكان المدينة ومنهم اليهود فور هجرت إليها والمعروفة باسم الصحيفة. فقد
جاء فيها (وأن من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصرين
عليهم. وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة وأن بينهم النصح والنصيحة ،
والبر دون الإثم وأنه لا يأثم امرؤ بحليفه.....).
وتشهد وقائع التاريخ أن الحروب التى قامت بين المسلمين من ناحية
والفرس والروم من ناحية ثانية كانت دفاعا عن
الدولة الإسلامية الوليدة كما
أن الحروب الصليبية كانت دفاعا عن أرض الإسلام فى مواجهة الغزو الصليبى.
ولم يكتف الإسلام بتحريم الحرب مع أهل الكتاب إلا لضرورة بل حرمها
ضد المشركين
الذين يرتبطون بدولة الإسلام بمعاهدة سلام ما لم ينقض
المشركون عهدهم. وقد عبرت عن ذلك الآية الكريمة بما يلى:
( إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا
عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين) (28).
وهذا المبدأ طبقه الرسول- صلى الله عليه وسلم- بعد صلح الحديبية، كما أمر
الإسلام بضرورة الاستجابة للجوء أحد المشركين إلى المسلمين رغم القتال الدائر بين قومه
وبين المسلمين بقوله تعالى:
( وإن أحد من
المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا
يعلمون) (29).
وفضلا عن ذلك قرر الإسلام عدة مبادىء فى خصوص الحرب أهمها الاستجابة إلى
طلب السلم:
( وإن جنحوا
للسلم فاجنح لها) (30).
وعصمة دم من أعلن استسلامه:
( ولا تقولوا
لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا) (31).
وأمر بحسن معاملة أسرى الحروب بقوله تعالى:
(ويطعمون الطعام
على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) (32).
والأحاديث النبوية صريحة فى ضرورة عدم المساس بالشيوخ والنساء والأطفال (لا
تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا امرأة ولا تغلوا).
كما أمرت الأحاديث النبوية بعدم القتال قبل دعوة الأعداء إلى الإسلام، كما
أمرت بألا يكون المسلمون هم البادئون بالقتال. من ذلك وصيته صلى الله عليه وسلم
لمعاذ بن جبل قائد جيوش المسلمين إلى اليمن (لا تقاتلوهم حتى تدعوهم، فإن أبوا فلا
تقاتلوهم حتى يبدأوكم، فإن بدأوكم فلا تقاتلوهم حتى يقتلوا منكم قتيلا).
وأمرت الأحاديث النبوية بعدم الغدر والتمثيل بالقتلى........ ولا تغلوا (أى
لا تخونوا) ولا تمثلوا.. ولذلك أمر الرسول الكريم بدفن جثث قتلى
قريش ولم يتركها نهبا للسباع.
واستحدث الإسلام مبدأ جديدا فى العلاقات الدولية احتراما لحرية العقيدة.
فقد كان السائد وقت ظهور الإسلام مبدأ(الناس على دين ملوكهم )، والملك هو التجسيد
الحى للدولة. ومن هنا كان الإنسان بالخيار بين اعتناق دين الملك أى دين الدولة أو
الهلاك. وكان الملوك لا يتسامحون مع مخالفيهم فى الدين. والمبدأ الجديد الذى
استحدثه الإسلام يقضى بأن الإنسان غير المسلم بالخيار بين ثلاثة أمور حددتها
الأحاديث النبوية الموجهة إلى قواد جيوش المسلمين، ومنها…. ( إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال فأيتهن أجابوك
إليها فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم
أجابوك فاقبل منهم، وإن هم أبوا فاستعن عليهم بالله وقاتلهم). ودفع الجزية يعصم
أنفسهم وأموالهم ويضمن لهم البقاء على دينهم السماوى وحق ممارسة شعائره، إذ يصبحون
أهل ذمة يتساوون فى الحقوق والواجبات مع المسلمين. ومقدار الجزية مبلغ ضئيل. لا
يتجاوز بضعة جنيهات فى السنة (ديناران فى السنة)، وهو بديل لحمايتهم لأنهم لا
يلتزمون بأداء الخدمة العسكرية فإن قبلوا أداءها سقطت عنهم الجزية.
وكل هذا الذى ذكرناه ينقض فرية
أعداء الإسلام القائلين بأنه انتشر بالسيف. فهو لم ينتشر فى البلاد المفتوحة إلا
بعد قرابة قرنين من الفتح. وكانت أهم أسباب انتشاره سماحته ومخالطة المسلمين لغير
المسلمين سواء بالمصاهرة أو الجوار أوالمعايشة اليومية. إذ أباح الإسلام الزواج من
الكتابيات كما أباح للمسلمين مؤاكلة أهل الكتاب من طعامهم ومؤاكلة هؤلاء من طعام المسلمين.
بل إن بعض المذاهب الإسلامية كالشافعية يحرم على الزوج أن يفاتح زوجته الكتابية فى
أمر تحولها إلى الإسلام ولو بمجرد النصيحة، وبعضها الآخر كالحنفية يحرم على هذا
الزوج منعها من ممارسة شعائرها الدينية بل تلزمه بأن يصاحبها إلى دار عبادتها
لأداء هذه الشعائر.
بل إن القاضى- حسبما تذكر كتب التاريخ- كان يجلس للقضاء بين النصارى داخل
المسجد. والدليل القاطع على انتشار الإسلام بالحسنى والقدوة الطيبة أنه انتشر فى
بلاد لم يفتحها المسلمون فى جنوب شرق أسيا وفى إفريقيا جنوب الصحراء، وينتشر اليوم
فى أوروبا وأمريكا وليس للمسلمين عليها سلطان.
والمبادىء سالفة الذكر فى الدعوة إلى الإسلام بالحسنى وتحريم الحرب إلا
لضرورة دفاعية كانت محل احترام كامل من جانب الحكام والقادة المسلمين،فقد طبقها
الخليفة عمر عند فتح القدس ودعوة البطريرك صفرونيوس له للصلاة فى كنيسة القيامة
ورفضه ذلك حتى لا يكون ذريعة للمسلمين لوضع اليد عليها.
وطبقها صلاح الدين فى حربه مع
الصليبيين وانتصاره عليهم فى موقعة حطين. وطبقها حكام مصر عند غزو الصليبيين لمصر
وطردهم من مصر وأسر لويس التاسع ملك فرنسا.
وكل تلك المبادىء تختلف عما ساد العالم حتى الثورة الفرنسية. فإذا ما رجعنا
إلى الكتب الدينية والأحداث التاريخية فى خصوص معاملة اليهود لغيرهم، والمسيحيين
لغيرهم قبل الثورة الفرنسية لوجدنا كثيرا من المفارقات. إذ تحفل التوراة بالنصوص
التى تأمر بقتل غير اليهود وهدم المدن وإحراقها. ومنها سفر التثنية: إصحاح 2: 16-17. (وأما مدن هؤلاء الشعوب التى يعطيك الرب إلهك
نصيبا فلا تستبق منها نسمة بل تحرقها تحريقا) وفى سفر العدد إصحاح 31: 10 (وأحرقوا
جميع مدنهم ومساكنهم وجميع حصونهم بالنار). وهذه الروح هى التى تشربها قادة
إسرائيل المعاصرون فى معاملتهم للفلسطينيين بدءا من مذبحة " بير سبع، إلى
مذبحة " قانا "، وتفريغ فلسطين من أصحابها وإقامة مستوطنات يهودية
مكانها. وإذا ما دافع الفلسطينيون عن حقوقهم المشروعة وقاوموا الاحتلال الإسرائيلى
اتهموا بالإرهاب واستعمال العنف بالرغم من أن حق المقاومة تعترف به كافة القوانين
الدولية.
والتفسير المغلوط لبعض نصوص الإنجيل انتهى إلى نشر التعصب الدينى واضطهاد
غير الكاثوليك على خلاف ما تأمر به المسيحية من محبة وإخاء وتسامح بين الأديان،
وهى المبادىء التى بشر بها المسيحيون الأوائل.
فقد ورد فى إنجيل متى: إصحاح 5: 44
(أحبوا أعداءكم ، باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم ،وصلوا لأجل الذين- يسيئون
إليكم ويطردونكم). فما إن حل القرن الخامس الميلادى حتى بدأ القديس أوجسطين فى وضع
أساس نظام الاضطهاد الدينى متأثرا فى ذلك بنصوص العهد القديم (التوراة) واعتمادا
على تفسير الآية: 34 من الاصحاح العاشر من إنجبل متى وهى تقول على لسان السيد
المسيح (لا تظنوا أنى جئت لألقى سلاما على الأرض. ما جئت لألقى سلاما بل سيفا). وعلى هذا الأساس ظهرت نظرية " الخلاص،
ومضمونها أن خلاص روح الإنسان لا يكون إلا بالإذعان التام لتعاليم الكنيسة
الكاثوليكية. وقد نتج عن تطبيق هذه النظرية- بعد فشل مؤتمر خلقدونية عام 451
للميلاد فى التوفيق بين المذاهب المسيحية- اتهام الكنيسة الكاثوليكية لأتباع
المذاهب المسيحية الأخرى بالهرطقة والإلحاد والسماح بتعذيبهم والتنكيل بهم
وتصفيتهم جسديا. وكان للمصريين المسيحيين وغيرهم من أتباع الكنيسة الأرثوذكسية
نصيب موفور من هذه التصفية الجسدية.
وفى هذا المناخ ظهرت نظرية جديدة للحرب وضع أسسها القديس أوجسطين وربطها
بمحاربة الوثنيين- ومنهم المسلمون- وتحولت هذه النظرية إلى نظرية " الحرب
المقدسة " بعد ما أعلن البابا " جون الثامن) فى القرن التاسع الميلادى
أن ضحايا الحرب ضد المسلمين شهداء تغفر لهم ذنوبهم. ثم دعا البابا اربان الثانى فى
خاتمة انعقاد مجمع دينى عام 1095 إلى شن حرب تحت راية الصليب ضد المسلمين فى
فلسطين فبدأت الحملة الصليبية الأولى باحتلال القدس عام 492 هـ- 99 0 1م. ثم- بعض مدن الشام وقد عانى المسلمون من المذابح والأعمال
الوحشية ما يفوق الوصف. فكتب التاريخ تذكر أن الصليبيين ذبحوا فى هذه الحملة سبعين
ألف مسلم احتموا بالمسجد الأقصى.
وأقاموا إمارات لهم بالشام بعد تصفية المسلمين
جسديا أو إجلائهم عن ديارهم وإحلال غيرهم محلهم. ومنعوا إقامة الشعائر الدينية
وألغوا مؤسساتهم الدينية والقضائية وأخضعوهم للقواعد القانونية التى وضعتها
السلطات الصليبية. ولم يؤذن لصلاة الجمعة فى بيت المقدس إلا بعد هزيمة الصليبيين
على يد صلاح الدين، أى بعد قرابة مائة عام من الاحتلال. وذات المشهد تكرر حدوثه فى
الأندلس- بتأييد ومباركة من الكنيسة الكاثوليكية-
قرابة خمسة قرون بدءا من غزو أحد المعاقل الإسلامية بها عام 1061 حتى سقوط
غرناطة عام 1492. وكانت محاكم التفتيش هى السلاح الرهيب فى مواجهة المسلمين.
واستحدثت مبدأ جديدا فى علم العقاب فاعتبرت المتهم مذنبا حتى تثبت براءته. وكان
المسلمون بالخيار بين التحول إلى النصرانية أو التعرض
للهلاك أو الفرار بدينهم للخارج أو نفيهم. وتذكر المصادر التاريخية أن عدد من نفوا
من المسلمين بعد سقوط غرناطة قارب ثلاثة ملايين نسمة. ولم
تعترف أسبانيا بالإسلام كإحدى الديانات التاريخية ومساواة المسلمين بغيرهم من
أبناء أسبانيا إلا عام 1989 م.
وذات المشهد يتكرر حدوثه فى الوقت الحاضر من جانب الصرب المسيحية ضد أبناء
البوسنة المسلمين من مذابح وقتل جماعى للأسرى ومعاملة وحشية للمدنيين ومقابر
جماعية تحت سمع وبصر هيئة الأمم المتحدة والدول التى تتزعم حملة حماية حقوق
الإنسان ومنها حرية العقيدة.
وإذا ما هب المسلمون لمناصرة
المعتدى عليهم من أبناء البوسنة اتهموا بالإرهاب.
جـ – الحساب عن أمور العقيده يكون لله وحده:
من أهم الضمانات التى قررها الإسلام لحرية العقيدة أنه أوكل الحساب عنها
إلى الخالق جل شأنه. فلا يجوز لكائن من كان أن يحاسب إنسانا على كفره وترك ذلك للخالق
وحده يحاسب عنه فى الآخرة. من ذلك قوله تعالى:
( ولو شاء الله
ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل. ولا تسبوا الذين يدعون من
دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم
فينبئهم بما كانوا يعملون)(33).
وعلى ذلك لا يجوز التفتيش فى قلوب الناس للوقوف على ما يعتقدون ولا يجوز
التطاول عليهم وازدراء عقائدهم. ولذلك يقول الرسول صلى
الله عليه وسلم ( من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط من نار).
والتفسير المتزمت لبعض نصوص الإنجيل دفع الإمبراطور تيودور إلى إصدار
الدستور عام 395 م.
يقضى بعقوبة الإعدام لكافة الملحدين، كما نص على إقصاء من لا يدين بالمسيحية عن
وظيفته فى الدولة، وحرم على غير المسيحيين ممارسة شعائرهم الدينية ولو فى سرية
وأنشأ لذلك نظاما قضائيا ورد فيه لفظ (مفتش الإيمان ) لأول مرة فى التاريخ يبحث
عما يدور فى صدور الناس فى خصوص العقيدة وتم إحياء هذا النظام على يد الكنيسة
الكاثوليكية فى أوائل القرن الثالث عشر الميلادى فى كل مدن أوروبا، وصدرت القوانين
التى تعاقب الملحدين بإهدار دمهم ومصادرة أموالهم كما تقضى بإعدام المرتدين:
وأنشئت محاكم فى كل أسبانيا فى أواخر القرن الخامس عشر الميلادى للتنكيل
بالمسلمين، كما سبق القول أما الديانة اليهودية فهى بطبيعتها خاصة ببنى إسرائيل
ولا تعترف بما جاء بعدها من ديانات سماوية ولا بما عاصرها من ديانات وثنية ولذلك
حرمت ما عداها من ديانات، وجعلت الرجم عقوبة لمن يعتنق غير الديانة اليهودية".
وهذا الحكم ورد فى التوراة فى سفر التثنية. الإصحاح17: 2- ه (إذا وجد فى وسطك فى
أحد أبوابك التى يعطيك الرب إلهك رجل أو امرأة يفعل شرا فى عينى الرب إلهك بتجاوز
عهده. ويذهب ويعبد آلهة أخرى ويسجد لها أو للشمس أو للقمر أو لكل من جند السماء
الشئ الذى لم أوص به. وأخبرت وسمعت وفحصت جيدا وإذا الأمر صحيح أكيد قد عمل ذلك
الرجس فى إسرائيل فأخرج ذلك الرجل أو تلك المرأة الذى فعل ذلك الأمر الشرير إلى
أبوابك الرجل أو المرأة وارجمه بالحجارة حتى يموت).
د- مدى حرية ممارسة الشعائر الدينية:
سبق القول إن حرية العقيدة لا تكتمل إلا بالتسليم بقسميها
حرية إقامة الشعائر الدينية وممارسة مقتضيات الأحكام الدينية ولكنها على خلاف حرية
العقيدة تقبل التقييد والتنظيم بشرط عدم القضاء على أصل: الحق.
ويجب أن نميز فى هذا الصدد بين ثلاث مراحل زمنية
المرحلة الأولى وتبدأ بظهور
الإسلام حتى القرن السابع الهجرى (الثالث عشر الميلادى) حينما بدأ حكم المماليك،
وتميزت هذه المرحلة بالحرية المطلقة ص لممارسة الشعائر الدينية.
والمرحلة الثانية : تبدأ بحكم المماليك وتستمر فى عهد الدولة العثمانية حتى
أواخر القرن الثالث عشر الهجرى (منتصف القرن التاسع عشر الميلادى) وقت صدور الخط
الهمايونى 1856 وتميزت هذه الفترة بفرض قيود على ممارسة حرية إقامة الشعائر.
وتبدأ المرحلة الثالثة: بصدور الخط الهمايونى حتى الآن، وتميزت بالعودة إلى
ما كان عليه الحال فى المرحلة الأولى.
أما ممارسة مقتضيات ما تأمر به الديانة من أحكام فسنعرض له
عند الكلام عن الأحوال الشخصية.
المرحلة الأولى : لم يفرض الرسول عليه الصلاة والسلام أية قيود على أهل
الذمة فى المدينة وأكثرهم من اليهود سوى
الجزية وقد حددت الصحيفة حقوقهم وواجباتهم كطائفة دينية لها ذاتيتها داخل دولة
المدينة وبلغ التسامح مداه حينما منح الرسول الكريم وفد مسيحى نجران نصف مسجده فى
المدينة ليؤدوا فيه صلواتهم أثناء إقامتهم بالمدينة ومفاوضتهم إياه فى عام
المباهلة. وتعددت العهود بتأمين حرية إقامة الشعائر الدينية وبناء الكنائس أثناء
الفتوحات لأهالى البلاد المفتوحة نذكر منها عهد الخليفة عمر لأهالى إيليا (القدس)
بعد فتحها، جاء فيه.. هذا ما أعطى عمر بن الخطاب أهل إيليا من الأمان: "
أعطاهم أمانا لأنفسهم وكنائسهم وصلبانهم لا يكرهون على دينهم ولا يضار أحد منهم
وأن لا تسكن كنائسهم ولا تهدم ولا ينتقص منها ولا عن حيزها ولا من صلبهم ولا من شىء من أموالهم ".
ونفس المعنى تردد فى عهود الذمة التى عقدها القواد الفاتحون، ومنها ما فعله
عمرو بن العاص مع أهل مصر. بل إن عهد الذمة الذى أعطاه خالد بن الوليد لأهل "عانات " نص صراحة
على ما يلى: " ولهم أن يضربوا
نواقيسهم فى أى ساعة شاءوا من ليل أو نهار إلا في أوقات الصلوات، وأن يخرجوا
الصلبان فى أيام عيدهم ".
وقد اختلفت الاجتهادات الفقهية فى شأن بناء كنائس جديدة ما بين موسع ومضيق
والتفرقة بين البلاد التى فتحت صلحا وتلك التى فتحت عنوة. وقد اعتمد المضيقون على
حديث ضعيف لم يرد فى كتب الأحاديث الصحاح يقول " لا خصاء فى الإسلام ولا
كنيسة ". وجمهور الفقهاء (مالك
والشافعى وابن حنبل) أباح ترميم الكنائس وتجديدها دونما قيد أو شرط.
والتطبيق العملى فى عهد الراشدين والأمويين والعباسيين، جرى على إباحة
استحداث الكنائس وترميم المهدم منها بشهادة ساويرس بن المقفع، أسقف الأشموتين فى
كتابه " تاريخ البطارقة " فى القرن الرابع. فعمرو بن العاص استقدم
بنيامين بطريرك الأقباط فى مصر وأعاده إلى منصبه الذى طرده منه الرومان، ورد إليه
الكنيسة التى كان الرومان قد سلبوه إياها وكان مقرها الإسكندرية، ورد إلى الكنيسة
أموالها، كما أمر بإعادة بناء الكنائس والأديرة التى هدمها الملكانيون إبان حكم
الرومان.
وزاد عمرو على ذلك بالتصريح ببناء كنائس وأديرة جديدة فى أماكن متفرقة من
أشهرها: كنيسة مارمرقص بالاسكندرية، وكنيسة القديس مكاريوس فى وادى النطرون. وامتد
هذا التسامح إلى كنائس المذهب الملكانى .
وحينما أنشأ عمرو بن العاص مدينة الفسطاط عام 68 هـ أقيمت بها كنيسة جديدة
لأقباط مصر. وسار على ذات الدرب عبد العزيز بن مروان والى مصر فى الربع الأخير من
القرن الأول الهجرى. فحينما أنشأ مدينة حلوان سمح ببناء كنيستين جديدتين بها كما
سمح بإقامة ديرين بها. واستمرت هذه
السياسة طيلة العصر الأموى، ولم يكن أمر بناء كنيسة جديدة أو ترميم كنيسة
قائمة يحتاج إلى أكئر من إذن إدارى. وطبق العباسيون ذات السياسة باستثناء المرسوم
الذى أصدره الخليفة المتوكل عند توليه الحكم عام 232هـ- 847
م بالتضييق على أهل الذمة، فمنع إقامة كنائس جديدة. وهذا
المرسوم صدر فى أعقاب ثورة الأقباط ومعهم
المسلمون بسبب المغالاة فى الضرائب الخراجية وكان متأثرا بما عرف باسم الشروط العمرية التى ظهرت قبيل ذلك.
وبلغ التسامح مع الذميين ذروته فى العصر الفاطمى الذى امتد لأكثر من قرنين
من الزمان (358- 564هـ) إذ تمكنوا من السيطرة على مقاليد الدولة وعلى رأسها
الوزارة، وازداد عدد الكنائس الجديدة لدرجة أقلقت بال المسلمين وخشوا أن يحولوا
المسلمين عن إسلامهم بعدما انتشرت عادة القسم بحياة السيدة مريم. فاشتكوا إلى
الخليفة الحافظ لدين الله- حسبما يذكر المقريزى – كما أنه يذكر أن الأمر وصل بأهل الذمة إلى استغلال نفوذهم بصورة
تسىء إلى المسلمين لدرجة أن امرأة كتبت إلى الخليفة العزيز قائلة: (بالذى أعز
اليهود بمنشا، والنصارى بابن نسطورس وأذل المسلمين بك، إلا قضيت أمرى).
وفى عهد الأيوبيين بدأ صلاح الدين بالتضييق علي الذميين لموقف بعضهم
(الأرمن الأرثوزكس) أثناء حروبه مع الصليبيين إلا أنه عاد فى أواخر أيامه إلى
التسامح مع كل الذميين، فشهد عام 570هـ حركة تعمير وبناء كنائس وأديرة كثيرة. وسار
خلفاؤه من بعده على ذات النهج من التسامح. ولم يقتصر الأمر على استحداث الكنائس
والأديرة وتعمير ما يتهدم منها بل تعدا- حسبما يذكر المؤرخون الثقات أمثال ساويرس
بن المقفع والطبرى والبلاذرى والمقريزى- إلى كفالة كافة مظاهر الديانة وإطلاق حرية
ممارسة الشعائر والطقوس الدينية والاحتفال بالأعياد وإباحة وتيسير سبل الحج إلى
القدس ، بل وصل الأمر إلى السماح لليعاقبة بالاتصال بمن تحول منهم إلى الملكانية
للعودة إلى الكنيسة القبطية فضلا عن حرية الاتصال بأتباعها فى الحبشة. وحرص الحكام
المسلمون على منح الكنيسة قدرا كبيرا من الاستقلال الذاتى فى إدارة الشئون الدينية
لأتباعها، وعدم التدخل فى اختيار الرئيس الدينى (البطريرك) بطريق الانتخاب من
جانبهم. كما كان للكنيسة أموالها الخاصة بها من أوقاف
وهبات…..
إلخ. كما أنهم فوضوا الكنيسة فى وضع القواعد والأحكام التى يخضع لها أهل الذمة فى
مسائل الأحوال الشخصية والفصل فى منازعاتهم.
المرحلة الثانية: تميزت هذه المرحلة بالتزمت والتضييق على أهل الذمة
بسبب التعصب الدينى الذى استشرى فى العالم طيلة العصور الوسطى مما أدى إلى توتر
العلاقات بين العالم الإسلامى والعالم المسيحى. ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى الحروب
الصليبية وما صاحبها من مذابح للمسلمين، أحداث الأندلس ومعاناة المسلمين من
محاولات تنصيرهم وتعذيبهم، اتهام بعض الفرق المسيحية (النساطرة) بمناصرة المغول ضد
المسلمين ،وكانت أم هولاكو وزوجته مسيحيتين نسطوريتين. تعاظم ونمو القوى المسيحية
الكاثوليكية ومشايعة المسيحيين الملكانيين فى العالم الإسلامى لهم مما اضطر
المماليك إلى التضييق عليهم.
وقد امتد هذا التزمت معهم إلى اليعاقبة وفيهم أقباط مصر رغم عدم مشايعتهم
للكاثوليك بسبب العداء المستحكم بينهم وبين الملكانيين واتهام كل طائفة للأخرى
بالهرطقة والإلحاد. وكانت وسيلة المماليك فى حماية الأمن والنظام العام فى مواجهة
تلك الأحداث، عزل العالم الإسلامى عن العالم الخارجى وتبنى الآراء المتشددة فى
معاملة أهل الذمة وتطبيق الشروط العمرية عليهم. ولكن سرعان ما كان الناس يتناسونها
أو يتحايل أهل الذمة على تطبيقها، وتغض الدولة الطرف
عنها. ثم يتجدد الأمر بتطبيقها فى أعقاب حدث خارجى أو فتنة طائفية داخلية. وامتد
هذا التضييق إلى بناء الكنائس وترميمها مما كان يدفع
المسيحيين إلى التحايل عليه فتتدخل السلطات لإعادة الحال إلى ما كانت عليه.
وبالرغم من هذا التضييق ظل عدد الكنائس كبيرا بالرغم من تحول معظم أبناء مصر إلى
الإسلام. فقد أجمعت المصادر التاريخية على أن عدد الكنائس بلغ فى عصر المماليك ألف
كنيسة فى مصر وحدها فضلا عن الأديرة.
واستمرت سياسة التزمت والتضييق على أهل الذمة فى عهد الدولة العثمانية فقد
استبقوا ما كان "موجودا من كنائس وأديرة ومعابد دينية قبل حكمهم وأجازوا
ترميمها وتجديدها، ووضعوا لذلك عدة شروط فنية، ويجرى تفتيش دورى على مخالفتها.
ولكنهم حظروا إقامة كنائس أو أديرة أو معابد جديدة، ومن ناحية أخرى كانوا يتدخلون
فى اختيار البطاركة والرؤساء الروحانيين بل ويقومون بعزل من لا يرضون عنهم.
وتشددوا فى تطبيق الشروط العمرية الخاصة بالقيود الاجتماعية ومنها نوع الملابس،
وركوب الدواب ودخول الأماكن العامة وخطر اقتناء الجوارى والعبيد بعد أن كان مقصورا
فى عهد المماليك على الجوارى المسلمات.
المرحلة الثالثة: تبدأ هذه المرحلة بصدور الخط الهمايونى فى 28 فبراير
1856 تنفيذا للمبادىء العامة التى وردت فى خط كولخانة عام 1839.
وتضمن الخط الهمايونى تنظيم انتخاب
الرؤساء الدينيين للطوائف الدينية غير المسلمين، تشكيل مجالس ملية بالانتخاب من
أبناء الملة. ويضم المجلس مجموعتين من الأعضاء: إحداهما
تشمل عددا من الرهبان، وتضم الثانية عددا أخر من غيرهم. كما
نظم هذا الخط موضوع إقامة الكنائس ودور العبادة، أو ترميمها أو تجديدها وفقا
لضوابط معينة فأباح استحداث دور عبادة جديدة بشرط الحصول على ترخيص. وأجاز الترميم
أو التجديد بمواصفات فنية معينة. وتنفيذا لهذه الأحكام
صدر فى مصر قرار وزيرالداخلية فى فبراير 1934 م موضحا الشروط اللازمة. كما نص الخط
الهمايونى على تأمين حرية العقيدة لكافة ملل وطوائف غير المسلمين، والتأكيد على
المساواة فيما بين المسلمين وغير المسلمين.
وتدل الإحصائيات الصادرة فى مصر عام 1972 م على أن إجمالى عدد
الكنائس بلغ 1442 كنيسة لكافة الطوائف المسيحية، استحدث منها بعد عام 1934 م عددا كبيرا بلغ
500كنيسة.
وهكذا عاد العالم الإسلامى إلى المبادىء السمحة الإسلامية التى ظلت مطبقة
أكثر من ستة قرون منذ ظهور الإسلام حتى قيام حكم المماليك الذى طمس تلك المبادىء
وانحرف عنها. واستمر هذا الوضع البعيد عن أحكام الإسلام فى ظل حكم الدولة
العثمانية حتى صدور الخط الهمايونى عام 1856.
أى أن العالم الإسلامى عاش أكثر من ستة قرون يطبق مبادىء الإسلام التى تكفل
حرية العقيدة وقسيمتها حرية ممارسة الشعائر الدينية أكثر من ستة قرون، وعاش مثلها
تقريبا فى ظل مبادىء بعيدة عن الفكر الإسلامى الصحيح ثم عاد إلى صوابه وسار على
هدى تعاليم الإسلام السمحة. ويخطىء من يظن أن المبادىء التى قررها الخط الهمايونى
هى نتاج الحضارة الأوروبية التى فرضها الأوروبيون على المجتمع الإسلامى وإن كان
ظاهر الأمر يرجح ذلك. فهذه المبادىء كانت أصيلة وأساسية فى الفكر الإسلامى كما سبق
أن أوضحنا، والعودة إليها هى عودة إلى الذات الإسلامية وما إن تهيأ المناخ الدولى
فى التسامح حتى صدر الخط الهمايونى.
ولا يجوز الحكم على المبادىء الإسلامية فى خصوص هذا الموضوع فى ضوء
التطبيقات السيئة فى العهدين المملوكى والعثمانى. ذلك أن المماليك والعثمانيين لم
يكونوا أهل حضارة وعلم بل كانوا أهل قتال وعنف، لم يتشربوا روح الإسلام ولم
يستوعبوا الحضارة الإسلامية لعدة أسباب أهمها: أن المماليك كانوا رقيقا مجلوبين من
أسواق النخاسة وتبوأوا مكان الصدارة فى المجتمع الإسلامى بفضل قوتهم العسكرية ليس إلا تربطهم ببعضهم رابطة " الخشداشية "
ويعيشون فى عزلة عن بقية أفراد المجتمع. وظلت القوة العسكرية عماد حكمهم يتداولون
السلطة فيما بينهم على أساس القوة، فهى لمن غلب. وكان الحكم العثمانى امتدادا
للحكم المملوكى إذا اعتمد العثمانيون فى حكمهم على " الانكشارية " الذين
كانوا رقيقا مجلوبين،وهم صغار، من سائر بلدان العالم الخاضع للحكم العثمانى،
ويربون على العسكرية، وعرف هذا النظام باسم ضريبة الغلمان " الدفشرمة "،
ومنهم تكونت القيادات التى حكمت الدولة العثمانية منذ القرن الخامس عشر. وذلك
بالإضافة إلى أن المماليك ظلوا شركاء للعثمانيين فى الحكم. ومن بين هذه الأسباب
أيضا أن كلا من المماليك والعثمانيين كانوا حديثى عهد بالإسلام إذ لم يهتدوا إليه
إلا بعد زوال دولة التتار التى قادها جنكيز خان وأحفاده، وهم أجداد المماليك
والعثمانيين، ولذلك انصرفوا إلى الاهتمام بالجانب الشكلى للإسلام من شعائر وتصوف
والإكثار من بناء المساجد وغير ذلك دون أن ينفذوا إلى روحه وجوهره، شأنهم فى ذلك
شأن العوام والجهال. وكل الأمور سالفة الذكر قادتهم إلى التعصب الدينى ومسايرة
المشاعر الدينية للعوام. فالرابطة التى تربطهم بالمحكومين لا تتجاوز الانتماء إلى
الإسلام.
وزكى هذه الروح مناخ التعصب الدينى الذى ساد العالم إبان العصور الوسطى
نتيجة للحروب الصليبية ومأساة الأندلس. فكلما ازداد تعصب الصليبيين فى الشام
والأندلس كلما ازداد التضييق على أهل الذمة فى العالم الإسلامى. واكتملت المأساة
على أيدى المماليك والأتراك الذين عزلوا العالم الإسلامى عما جاوره وأقاموا ما
يشبه الستار الحديدى حوله مما أدى إلى جمود الحضارة الإسلامية وتوقفها، إذ أن من
أهم أسباب تقدم الحضارات اتصالها ببعضها تأخذ وتعطى.
4- مدى تأثر
حرية العقيدة بالقيود الاجتماعية (الشروط العمرية):
لم يتعرض الفقهاء المسلمون الأوائل- إلا فى القليل النادر- لدراسة الأوضاع
الاجتماعية لأهل الذمة قبل أواخر القرن الثانى الهجرى. ومنذ ذلك التاريخ أسهبوا فى
دراسة الأوضاع القانونية والاجتماعية لأهل الذمة. وتبلورت هذه الدراسة فيما عرف
باسم " الشروط العمرية " نسبة إلى عمر بن الخطاب أو إلى سميه عمر بن عبد
العزيز، وهذه الرواية الثانية هى الأرجح. وهذا الاختلاف فى نسبتها يرجع إلى أنها
ظلت مجهولة طيلة القرنين الأولين للهجرة ولم تظهر إلا فى أواخر- القرن الثانى
للهجرة ولم يحدث تطبيق لأى منها قبل هذا التاريخ باستثناء الأمر بلبس الغيار فى
عهد عمر بن عبد العزيز ثم العدول عنه.
وتنقسم هذه الشروط من حيث مضمونها وآثارها
إلى نوعين: الشروط المستحقة، والشروط المستحبة.
والشروط المستحقة: تفرض على أهل الذمة بجانب دفع الجزية عدة أمور أهمها:
1- عدم ذكر
الإسلام بذم له أو قدح فيه.
2- عدم ذكر كتاب
الله بطعن له أو تحريف فيه.
3- عدم ذكر
الرسول بتكذيب له أو ازدراء.
4- ألا يصيبوا مسلمة بزنا أو باسم نكاح.
5- ألا يفتنوا مسلما عن دينه أو يتعرضوا لماله أو دمه.
6- ألا يعينوا
أهل الحرب.
وهى شروط- كما هو واضح تستهدف حماية المجتمع الإسلامى ونظامه العام. وأثر
مخالفة هذه الشروط محل خلاف بين الفقهاء. وأكثرهم يجيز نقض عهد الذمة إذا حدثت
مخالفة لأى شرط من الشروط أو امتنع عن دفع الجزية، أما أبو حنيفة فيقصر النقض على
حالة واحدة هى محاربة المسلمين، وفى التوراة يعاقب من يزدرى اليهودية بالرجم لا
فرق فى ذلك بين الأجنبى والوطنى كما سنرى. كما نجد أحكاما شبيهة بذلك فى القانون
الذى أصدره الامبراطور الرومانى قسطنطين يقضى بإحراق كل يهودى يلقى حجرا على مسيحى