الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
موقف ا لمستاثمرتين

الاستشراق وأثرهفى

علاقة الإسلام بالغرب

موقف المستشرقين

من الفكر الإسلامى

أ. د/ محمد السيد الجليند

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم

ومدير مركز البحوث والدراسات الإسلامية جامعة القاهرة

اهتمامهم بالشرق الإسلامى

تنوعت اهتمامات المستشرقين بالإسلام وتعددت اتجاهاتهم، بحيث شكلت كل فروع الثقافة الإسلامية تقريبا، وأسسوا مدارس وأقساما فى الجامعات الأوروبية تخصصت فى هذه الدراسات الشرقية، واستقدموا لها بعض أبناء العالم الإسلامى ليتعلموا بها عن طريق المنح الدراسية وعن طريق التبادل الثقافى بين الجامعات، وحصل كثير من أبناء العالم الإسلامى على درجاتهم العلمية من هذه الجامعات الأوروبية، ومن جهة أخرى فقد عملت بعض الدول الأوروبية على إنشاء جامعات ومدارس فى كثير من البلاد الإسلامية تعمل تحت إشرافها العلمى وخططها الدراسية، ولا تكاد تخلو بلد إسلامى من هذا النوع من المؤسسات التعليمية التى تخضع فى تمويلها ومناهجها العلمية لدول أوروبا، وفى معظم الأحوال فإن أبناء هذه المدارس، وخريجيها يكون ولاؤهم الثقافى والحضارى والسياسى لهذه الدول التى تلقوا تعليمهم تحت إشرافها.

ومن الجهود التى قام بها المستشرقون، أنهم قاموا بوضع الموسوعات العلمية الإسلامية مثل دوائر المعارف المختلفة ، مثل دائرة المعارف الإسلامية، والقاموس الإسلامى، والمعجم المفهرس لألفاظ الحديث، ورغم الأخطاء الكثيرة التى وقعت فى دائرة المعارف الإسلامية أو فى المعجم المفهرس لألفاظ الحديث، إلا أن هذه الأعمال قد أدت خدمات جليلة للباحثين ووفرت كثيرا من الجهد والوقت للدارسين، والأخطاء التى وقعت فى هذه الدوائر المعرفية قد انتقلت منها إلى كثير من أعمال الدارسين وقبلوها على أنها قضايا مسلمة وشاعت هذه الأخطاء بين المهتمين بالدراسات الإسلامية من العرب وغيرهم.

كذلك امتدت نشاطات المستشرقين فى مجال الدراسات العربية والإسلامية فعقدوا المؤتمرات والندوات وألقوا المحاضرات فى الجامعات العربية والإسلامية، فضلا عن تأليف الكتب والاشتغال بتحقيق التراث العربى والإسلامى فى مجالات كثيرة، كما تسللوا إلى المجامع اللغوية فى كثير من البلاد، فأصبح بعضهم أعضاء عاملين بمجمع اللغة العربية بمصر، وفى سوريا، وفى بغداد، والمغرب وتونس ولا تكاد تخلو جامعة أوربية الآن من قسم متخصص فى الدراسات الشرقية والإسلامية، وكانت أكثر دول أوربا اهتماما بهذه القضية هى فرنسا، فأنشأت بها أقدم مدرسة للدراسات العربية منذ القرن الثانى عشر فى " دايمس " بأمر البابا سلفستر، ثم  مدرسة شارتر سنة 117 1م. وأنشأ البابا هونوريوس معهدا للغات الشرقية سنة285 1م، كما أنشئ أخيرا كرسى للغات الشرقية والدراسات الإسلامية بباريس والسوربون، فضلا عن المدارس الكثيرة التى انتشرت فى أنحاء كثيرة من فرنسا لهذا الغرض، ثم أنشأت فرنسا معاهد كثيرة فى البلاد الإسلامية التى احتلتها، فأنشأت المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بمصر فى المنيرة سنة.

 1117 م . وأنشأت كلية بورجاد فى تونس سنة 841 1م، ثم تحولت إلى جامعة للآداب العربية، وأنشأت مدرسة الآداب العالية بالجزائر سنة 1881  م، ثم تحولت إلى جامعة سنة 909 1م، وكذلك أنشأت فى المغرب معهدا للدراسات المغربية بالرباط سنة 931 ام ولها فى دمشق المعهد الفرنسى سنة 922 1م، وكذلك المعهد  الفرنسى بطهران الذى أنشئ سنة 1948 م  ولقد أخذت معظم دول أوربا تحذو حذو فرنسا فى الاهتمام بالدراسات الاستشراقية فأنشأت أقساما ومعاهد ومدارس مختلفة للدراسات الشرقية كما هو الحال فى جامعات إيطاليا، وانجلترا،  وأسبانيا، والبرتغال، و النمسا، وهولندا، و ألمانيا، وبولونيا، و الدانمارك، والسويد، و المجر، وروسيا وأمريكا.... إلخ وبعض هذه الدول قد أسست فى كثير من البلدان التى تقع تحت نفوذها معاهد أو كليات تابعة لها، كما فعلت أمريكا فى بيروت ومصر وتركيا وغيرها، حيث أنشأت بكل منها جامعة مستقلة تسمى الجامعة الأمريكية يتسرب من خلال نشاطها الثقافى مبادؤها وأهدافها إلى الجماعات والمؤسسات التربوية فى هذه الشعوب.

ولقد اختلفت مواقف المستشرقين من الفكر الإسلامى وقضاياه تبعا لاختلاف أديانهم أو مذاهبهم الفكرية والسياسية، لأننا نجد بين صفوف المستشرقين اليهودى الحاقد على الإسلام وأهله، والمسيحى الراهب المبشر بدينه، والشيوعى الملحد الذى لا دين له، ولابد أن تختلف مواقف هؤلاء جميعا تبعا لانتمائهم الفكرى والعقائدى،  ولكن على سبيل العموم كان أسوأ هؤلاء جميعا هم المستشرقون اليهود، فمنهم من يتهم الإسلام بأنه دين فرضه محمد وأتباعه بقوة السيف والحروب.

وفيهم من ينكر نبوة محمد ويرى أن ما جاء به من تعاليم قرآنية أخذها عن أحبار اليهود وكهنة النصارى.

ومن المستشرقين من يتهم إله المسلمين بأنه متعال جبار  ؛ بينما إله النصارى عطوف ودود متواضع ظهر للناس فى صورة واحد منهم وهو عيسى ابن مريم، ولا يكاد يخلو كتاب استشراقى يتصل بالإسلام ونبيه إلا وهو يقطر سما وحقدا على الإسلام والمسلمين، ويفصح بعض المستشرقين عن هذا الحقد المعلن فى تعليق صريح له، على الحملات الصليبية فيقول: وهكذا تقهقرت قوة الهلال أمام راية الصليب، وانتصر الإنجيل على القرآن وعلى ما تضمنه من قوانين الأخلاق الساذجة.

وقد يطول بنا المقام لو أردنا التفصيل فى موقف المستشرقين من الفكر الإسلامى وعلمائه، ولكننا سوف نقصر دراستنا هنا على نقاط محددة أراها أكثر مناسبة للمقام حسب المساحة المحددة لنا فى هذا المؤتمر.

1- موقفهم من النبى والقرآن الكريم

يرتبط موتف المستشرقين من القرآن الكريم بموقفهم من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنهم يقفون من النبى موقف الإنكار المطلق، وقد ينكر بعضهم أصل النبوة أساسا ولا يعترف بها إطلاقا، لأى من أنبياء الله ورسله، وهذا الإنكار يترتب عليه القول بأن محمدا  ليس نبيا وبالتالى فإن القرآن حسب زعمهم لا يكون وحيا من السماء، وإنما هو من عند محمد ومن وضعه هو، وليس كتابا إلهيا ولا وحيا سماويا.

ومعلوم أن الإيمان بالنبى والنبوة أصل من أصول الاعتقاد التى لا تقبل الشك  يؤمن بها كل مسلم إيمانا جازما كإيمانه بالله وهى المفتاح الحقيقى لتقبل كل ما جاء به الوحى والإيمان به .

والنبوة فى جوهرها إنباء الله عبدا من عباده بشرع ما، فإن أمره بتبليغ هذا الشرع إلى الناس كان رسولا نبيا، وإن لم يأمره بالتبليغ كان نبيا فقط، والنبوة فى جوهرها اصطفاء ووهب وعطاء من الله، وليست كسبا ولا اجتهادا كما يرى بعض الفلاسفة. وما بلغه الرسل إلى الناس من شرائع وعبادات ليس من عند أنفسها، وإنما هي وحى من الله نزل به الروح الأمين على قلب محمد وغيره من الرسل ليكونوا من المنذرين به ،  فنزل القرآن بالعربية، والإنجيل بالسريانية، والتوراة بالعبرية، تحقيقا لمعنى قوله تعالى: ( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ) (1) وهذا الوحى ليس فيضا من العقل الفعال كما تدعى الفلاسفة، وليس إلهاما ولا إبداعا لعبقرية محمد كما يقول بعض المستشرقين، وإنما هو وحى من الله على قلب الرسل بواسطة ملك الوحى جبريل- عليه السلام- فهو من عند الله بلفظه ومعنا..

والمستشرقون يرون القضية عكس ذلك تماما، فهم أولا لا يؤمنون بنبوة محمد ولا يعترفون بها.

1- فهو عند البعض أحد عباقرة العالم العشرة.

2- وعند البعض الآخر أحد الأبطال العظماء.

3- وعند آخرين ناقل ذكى من كتب الأولين..

4- أو متعلم من رهبان النصارى قد أجاد فى تعلمه عنهم.

5- أو أحد المشعوذين وطلاب الرياسة والزعامة.. هكذا يقولون فى حق نبى الإسلام عليه الصلاة والسلام، وإذا أرادوا شيئا من الإنصاف قالوا إنه جاء ليدعو إلى الاشتراكية وليس إلى عقيدة دينية جديدة.

أ- يقول هويرت جريمى" مستشرق ألمانى" فى كتابه " محمد " (2) لم يكن محمد فى بادئ الأمر يبشر بدين جديد بل إنما كان يدعو إلى الاشتراكية، ثم يقول: فالإسلام فى صورته الأولى لم يكن يحتاج إلى أن نرجعه إلى ديانة سابقة تفسر لنا تعاليمه.. بل هو محاولة للإصلاح الاجتماعى تهدف إلى تغيير الأوضاع الفاسدة، وعلى الأخص إزالة الفوارق الصارخة بين الأغنياء والفقراء، لذلك نراه يفرض ضريبة معينة لمساعدة المحتاجين، وهو يستخدم فكرة الحساب فى اليوم الآخر كوسيلة للضغط المعنوى وتأييد دعوته.

ب- بينما يرى المستشرق الإنجليزى " جب" فى كتابه : " المذهب المحمدى" أن محمدا ككل شخصية مبدعة قد تأثر بضرورات الظروف الخارجية المحيطة به من جهة ثم هو من جهة أخرى قد شق طريقا جديدا بين الأفكار والعقائد السائدة فى زمانه، والدائرة فى المكان الذى نشأ فيه.. ومحمد نجح لأنه كان واحدا من المكيين، ومعارضة المكيين له لم تكن من أجل تمسكهم بالقديم، أو بسبب عدم رغبتهم فى الإيمان وإنما كانت لسبب سياسى أو اقتصادى، فالمستشرق " جب، يفسر موقفه من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيرى أن الظروف المكية هى التى جعلت من محمد زعيما سياسيا وأعطته الفرصة لكى يظهر فى وسط قومه المكيين بهذه الصورة وأن يلتف حوله فقراء مكة طلبا للإنصاف من الأغنياء، وإنما كانت لسبب سياسى أواقتصادى.

جـ وهناك نمط آخر من المستشرقين يرون أن محمدا صلى الله عليه وسلم  قد حلت به حالة نفسية أدت به إلى نوع من التأمل الذاتى فى السماء وما فيها من نجوم، وساعد على تألق هذا النوع من التأمل جو مكة وما تتركه من رهبة فى القلوب، خاصة إذا خلا الإنسان بعالمها الطبيعى الموحش من الجبال وما حولها،  وما تثيره  فى النفوس من حالات الهلع والتأمل الذاتى.

وعلى مثل هذا النحو من الفهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم  . كان موقف المستشرقين من النبى فهم ينكرون رسالته جملة وتفصيلا، وهذا  بالطبع سوف ينسحب على موقفهم من القرآن الكريم ومن مصدره  الإلهى.

2- المستشرقون والقرآن:

ومن يقرأ نصوص المستشرقين وأقوالهم عن القرآن، ودعوى أنه بشرى المصدر، ويقارن بين هذه الاتهامات وما حكاه القرآن الكريم عن مشركى مكة قديما، وعن موقفهم من الرسول والقرآن لا يجد شيئا جديدا عند المستشرقين، فإن رأيهم ودعاواهم فى القرآن قد سبق إليها مشركو مكة وأهل الكتاب فى المدينة، ولقد بلغ حرص النصارى على هذه الاتهامات وتكرارها من جيل إلى جيل أن بعضهم قد أفردها بمؤلفات مستقلة، كما فعل  يوحنا الدمشقى وبولس الأنطاكى فى رسائله عن النصرانية والإسلام.

 وقديما قال المشركون عن القرآن: ( إن هذا إلا سحر يؤثر * إن هذا إلا قول البشر ) (3).

وقالوا عنه: (  أساطير الأولين اكتتبها فهى تملى عليه بكرة  وأصيلا ) (4).

وقالوا عن الرسول: ( إنما يعلمه بشر) (5).

وقالوا له: (  وقالوا يا أيها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون)  (6).

وقالوا له: لست مرسلا.. وقالوا غير ذلك الكثير عن القرآن وعن الرسول مما حكاه القرآن عنهم،  فلا غرابة- إذن- أن تتردد هذه الاتهامات على السنة أحفادهم فى كل جيل من المستشرقين والمبشرين بالنصرانية ومن دار فى فلكهم من أبناء ملتنا.

وكذلك الذين اتهموا الرسول  صلى الله عليه وسلم ، بأنه عبقرى أو أحد العظماء العشرة فى العالم، أو أنه طالب رياسة وزعامة، أو مصلح اجتماعى.. أو.. أو.. إلخ، لا نجد لديهم جديدا عما حكاه القرآن عن أهل الكتاب بالمدينة أو مشركى مكة، ولا يتسع المقام هنا لتفصيل القول فى ذلك ولكن نود الإشارة إلى أمور:

أولا: لقد قال المشركون عنه: إنه معلم، شاعر، وساحر، وأن القرآن إفك افتراه،  ولعل مجيء القرآن مشتملا على هذه  الاتهامات- ذاكرا لها- أكبر دليل على أن القرآن الكريم ليس من عند محمد ولا من بنات أفكاره.

فإن من له صلة بالقرآن وتلاوته يدرك تماما سقوط  هذه الدعاوى الظالمة ويعلم يقينا أن القرآن كان أمينا فى عرض هذه الاتهامات على ألسنة المشركين وأمينا فى الاحتفاظ  بها تتلى ضمن آياته، ويتعبد بها المسلم كما يتعبد بتلاوة غيرها من الآيات. ليكون القرآن نفسه حاملا معه أدلة نفى هذه الاتهامات الكاذبة، وحاملا معه دلائل مصدره الإلهى فإن من له حظ من العقل والحكمة يعلم تماما  أن هذا القرآن لو كان من عند محمد لجاء خاليا تماما من ذكر هذه الاتهامات الموجهة إليه، ولكان أولى به أن يأتى بشهادات تأييده وصدقه  بدلا من ذكر الاتهامات التى وجهها المشركون إليه فى أول عهدهم بالدعوة، إن تسجيل القرآن الكريم لهذه  الاتهامات يدل على أمرين مهمين جدا في شأن الدعوة الإسلامية.

الأمر الأول: دلالته على صدق النبى وأمانته فى النقل عن ربه، لأنه ليس من صالح أصحاب الرسالات أن ينقلوا إلينا هذه الاتهامات التى تحمل معنى التكذيب والافتراء، بل كان الأولى بهم لو لم يكونوا رسلا صادقين أن يخفوا ذلك تماما عن الأتباع ، ولجأوا بدلا منها بشهادات تأييد وتصديق، كما يحدث فى عهدنا هذا فى كثير من  المناسبات، ولكنهم الرسل، وحاشا لواحد منهم أن يكون غير ذلك فالله أعلم حيث يجعل رسالته.

أما الأمر الثانى: فهو دلالة هذا النص القرآنى على ألوهية مصدره ودلالته على أنه من عند الله وليس  من قول البشر، والذى له صلة بالقرآن يعلم تماما أن ذلك هو حق اليقين.

ثانيا: إن القران يشتمل على كثير من مواقف اللوم والعتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك فى أمور كان يتصرف فيها الرسول من واقع بشريته الخالصة، فكان ينزل القرآن معاتبا للرسول على ما فعل، حدث ذلك فى موقفه صلى الله عليه وسلم  مع ابن أم مكتوم، حين انصرف عنه الرسول إلى غيره فنزل قوله تعالى:

(  عبس وتولى * أن جاءه  الأعمى * وما يدريك لعله يزكى * أو يذكر  فتنفعه الذكرى  ) ... إلخ الآيات (7).

وحدث ذلك فى شأن أسرى بدر، حين أوشك الرسول أن يأخذ الفدية من الأسرى ويطلق سراحهم، فنزل الوحى مخالفا لرأى الرسول ومعاتبا له بقوله: ( ما كان لنبى أن يكون له أسري حتى يثخن في الأرض  تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة   والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم ) (8).

وجاء مثل ذلك فى سورة الكهف حين اهتم الرسول ببعض وجهاء مكة أملأ فى إسلامهم وأعرض عن بعض أتباعه فنزل قوله تعالى: ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة   والعشى يريدون وجهه ولا تعد  عيناك  عنهم تريد زينة الحياة  الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن فكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا )  (9).

وحدث نظير ذلك فى مواقف عديدة ذكرها القرآن الكريم حين قالت قريش للرسول أقبل على بعض أمرنا ونحن نقبل على بعض أمرك، فنزل قوله تعالى: ( وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره وإذا  لاتخذوك  خليلا * ولولا أن ثبتناك  لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا  لأذقناك  ضعف الحياة  وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ) (10).

ونظائر ذلك في القرآن كثير يتلوها المسلم ويتعبد بها كما يتعبد بتلاوة الأوامر والنواهى ، فهل يكون ذلك اللوم وذلك العتاب من عند محمد؟.. أليس من الأولى لو كان القرآن من عند محمد كما زعموا أن يكون خاليا من مثل ذلك اللوم الموجه إلى شخصه، وهل يكون القرآن من عند محمد ويكون مشتملا على مثل قوله تعالى:  ( إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات )؟ إن القرآن نفسه قد احتوى  على ألوهية مصدره كجزء ذاتى فيه وليس خارجا عنه من ذلك مثلا :

1- ما أشرنا إليه أنفا وهو إشارته لمواقف العتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم  فى الأمور التى كان يتصرف فيها بمقتضى بشريته ، والتى ذكرنا أمثلة منها.

2- إشارته إلى مواقف المشركين وأهل الكتاب وإنكارهم لألوهية مصدره ودعواهم أنه من عند محمد تارة أو أنه قد اتخذه من أهل الكتاب أو..... أو .....إلخ.-

2- إشارته إلى اتهام المشركين لمحمد بأنه (ساحر أو شاعر أو معلم أو مجنون) إذ لو كان من عند محمد لما جاء مشتملا على هذه الاتهامات، وكان أولى به أن يأتى بشهادات تؤيد صدقه.

وينبغى أن نعلم أن القرآن الكريم عندما ذكر هذه الإشارات لم يذكرها إلا مقرونة بدليل إبطالها وبيان فسادها، فأحيانا يذكر الفرية ثم يتبعها بقوله:

( إن يتبعون إلا الظن ) لينفى أن يكون معهم دليل على كذبهم كما فى قوله:  ( قل هاتوا برهانكم ) ، وقوله: ( إن عندكم من سلطان بهذا )،.... إلخ،  ليبين أن كلامهم متهافت فى ميزان المنطق لافتقاده دليل صدقه. وأحيانا يذكر الفرية ثم يتبعها بالقضية الجازمة بأن القرآن من  عند الله. كما فى قوله تعالى: ( قل أنزله الذى يعلم السر فى السموات والأرض،، وأحيانا  ينفى عنهم صفة العلم أصلا بمستوياته المختلفة كما فى قوله تعالى: ( قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ) (11). ولعل القرآن كان يلفت نظر المسلمين إلى جنس هذه الافتراءات وأن أدعياءها لا يملكون دليلا على صحة دعواهم وإن هى إلا ظنون وأوهام أنبتتها بذور الحقد والكراهية لهذا الدين ولنبيه.

ثالثا: ومن معجزات القرآن الكبرى أنه صالح لكل زمان ومكان وأن أدلته وبراهينه التى تحدى بها كفار مكة وأهل الكتاب فى المدينة هى بعينها مازالت مصدرا للتحدى لكبار المستشرقين ومن سار فى فلكهم، ذلك أن أهل  الكتاب بالمدينة وقبلهم مشركو مكة لما قالوا إن القرآن من عند محمد وأنه  إفك افتراه ، تحداهم القرآن على لسان الرسول بحجة سهلة وميسورة لكل عربي، فقال لهم: إذا كنتم عربا ومحمد عربى مثلكم وقد أتى بهذا القرآن من عند نفسه، فأتوا  بآية  من مثله، أو بسورة، أو بعشر سور مثله مفتريات، وهذه حجة فى غاية الإقناع  والإفحام فى نفس الوقت، إنها ملزمة للخصم فهو إما أن يأتى بمثل القرآن إن كان بشريا تصديقا لدعواه ، أو يسلم بأنه من عند الله فيؤمن به. فإذا أصر على موقفه بعد ذلك فإنه بذلك يكون خارجا عن مجال الحوار العلمى إلى مجال العناد والاستكبار، وهذا هو شأن المشركين قديما والمستشرقين حديثا ، كما قال القرآن حاكيا عنهم ( فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ).

ومن تمام نعم الله على عباده ومن كمال حجته على خلقه، أن آيات النبوة وبراهين رسالته الخاتمة معلومة لكل الخلق، وفى استطاعتهم العلم بها، وقد يكون عند بعضهم من دلائل نبوته ما لا يوجد عند البعض الآخر، وقد يظهر لكل قوم من الآيات والدلائل النفسية والأفقية ما يتبين به أن القرآن حق، وإذا ظهرت هذه الدلائل ووضحت  وأعرض الإنسان عنها أو أعرض عن النظر  الحق الموجب للعلم بها، كان موقفه عنادا واستكبارا، وكان فى شقاق مع الله

 و رسوله.

رابعا: والله تعالى قد شهد للقرآن بنفسه تارة وبملائكته تارة، وبآياته البينات تارة، وأخبر عن هذا القرآن بقوله: ( قل لئن اجتمعت الإنس  والجن. على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ) (12)، وقد أخبر الرسول بذلك فى أول أمر الدعوة فى مكة، وإخبار الرسول عن هذا وبهذا النفى العام الشامل للإنس والجن فيه آيات لنبوته. لأن مثل هذا المخبر، لا يقدم عليه من يريد من الناس أن يصدقوه ، إلا وهو واثق أن الأمر كذلك في نفسه ، ولو كان عنده شك فى ذلك لجاز أن يظهر كذبه فى هذا الخبر، ويفسد عليه قصده ، وهذا لا يقدم عليه حكيم ولا عاقل.

خامسا : ولم يثبت أن واحدا من العرب عارض القرآن، والذى حاول ذلك منهم أتى بأشياء فضحت أمره بين قومه، ومعلوم أن توفر الدواعي المعارضة للقرآن كانت موجودة لدى المشركين، ولما عجزوا عن معارضته مع توفر الدواعى عندهم، ومع الحرص الشديد على محاربته وإبطاله بكل وسيلة ممكنة، دل ذلك على العجز المطلق، وهذا فى حد ذات برهان تام على صدق القرآن، وصدق أنه آية على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم  ، وهذه آية ظاهرة وباقية إلى يوم القيامة، وليس القصد بنا الحديث عن إعجاز القرآن، فإن ذلك له مجال  آخر، ولكن الذى أود الإشارة إليه أن دلائل ألوهية المصدر القرآنى متنوعا ومتعددة وكلها من أوجه إعجاز القرآن وكل وجه منها دليل على صدق النبى ، وفى نفس الوقت دليل على أن القرآن من عند الله، ولما قص القرآن علينا موقف مشركى مكة ودعواهم الكاذبة فى أن القرآن من عند محمد قال لهم ( أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ) .

فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون  (13 )، وقال سبحانه: ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة بشهدون وكفى بالله شهيدا ) (14) 0 أى كفاك يا محمد أن الله وملائكته يشهدون بما أنزل إليك ثم أعاد التحدى فى المدينة مع أهل الكتاب بعد الهجرة، فقال فى سورة البقرة: ( وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم  من دون الله إن كنتم صادقين ) ثم قال: ( فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة   أعدت للكافرين ) (15). فدلت الآية على أمرين الأول: قوله: ( فإن لم تفعلوا ) يعني إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حق، وينبغى أن تعترفوا بذلك وتؤمنوا به.

الثانى: قوله: ( ولن تفعلوا ) ولن تفيد تأييد النفى فى المستقبل، فثبت بالخبر أن البشر لن يأتوا بمثله فيما يستقبل من الزمن، فكان القرآن بذلك قد أخبر بعجز الإنس والجن أن يأتوا بمثله ولو تعاون على ذلك أهل الأرض قاطبة.

وكان الكفار فى مكة من أحرص الناس على إبطاله ومعارضته مجتهدبن فى ذلك بكل الوسائل، تارة يسألون أهل الكتاب عن أمور غيبية  ليسألوا عنها محمدا ليظهروا بذلك عجزه، كما سألوهم عن قصة يوسف، وأهل الكهف، وذى القرنين، وحاولوا أن يختبروا الرسول فى ذلك.

وتارة يجتمعون المرة بعد المرة ليتفقوا على أمر يسألون عنه محمدا بقصد إعجازه، فكان ينزل القرآن بالإجابة الشافية لأمراضهم، فكان هذا شأنهم معه، حرص تام على المعارضة المرة تلو المرة، ولو كانوا قادرين عليها لفعلوها، لأنه إذا وجدت الدواعى التامة وامتنعت الصوارف وكانت القدرة حاصلة، وجب وجود المطلوب، وهذا شأننا مع المستشرقين الآن، وهذا التحدى من أبلغ المواقف القرآنية التى يتحدى بها أهل الأرض قديما وحديثا وكل من ادعى بشرية القرآن. فعليه أن يأتى بمثله. آية، أو سورة، أو عشر سور، فإن لم يستطع أحد أن يفعل ذلك فعليه أن يؤمن به، ومعلوم لدى أهل العلم بالقرآن وعلومه أن أوجه الإعجاز القرآنى من جهة معانيه، وإخباره عن الغيوب الماضى منها والمستقبل كثر واكثر من جهة إعجازه اللفظى،  ولكن أردنا بذلك أن نضع بين يدى القارئ نماذج منها على وجه التمثيل فقط وليس على وجه الاستقصاء أو الحصر، لأنه من  ذا الذى يستطيع حصر أوجه إعجاز القرآن؟، ومن أراد تفصيل القول فى ذلك فليراجع كتب علوم القرآن، كالإتقان فى علوم القرآن للعيوطى أو دقائق التفسير لابن تيمية خاصة الجزء الأول منه (مقدمة فى إعجاز القرآن).

سادسا: ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن الذين تأملوا القران بعين الإنصاف من المستشرقين لم يلبثوا أن أعلنوا إسلامهم واعتناقهم للإسلام دينا وللقرآن دستورا، وأعلنوا ندمهم الشديد على ماضى أيامهم التى قضوها على الكفر والعناد، يقول مورسى بوكاى الطبيب الفرنسى الذى أسلم وألف كتاب " القرآن الكريم والتوراة والإنجيل والعلم، لقد أثارت دهشتى هذه الجوانب العلمية التى يختص بها القرآن، والتى كانت مطابقة تماما للمعارف العلمية الحديثة.

 ولقد درست هذه النصوص بروح متحررة تماما من كل حكم سابق وبموضوعية تامة، بيد أنى لا أنكر تأثير التعاليم التى تلقيتها فى شبابى ، حيث لم تكن الأغلبية تتحدث عن الإسلام، وإنما عن المحمديين لتأكيد الإشارة إلى أن هذا الدين أسسه رجل، وبالتالى فهو ليس بدين سماوى فلا قيمة له عند الله، وكان يمكن أن أظل محتفظا بالكثير من هذه الأفكار الخاطئة عن الإسلام، وهى شديدة الانتشار، ولما تحدثت مع بعض المستنيرين من غير المتخصصين، عرفت أنى كنت جاهلا قبل أن تعطى لى صورة صحيحة تختلف عن تلك التى تلقيتها فى الغرب عن الإسلام، وكان هدفى الأول هو قراءة القرآن ودراسة نصه آية آية.. وانتهيت إلى دقة الإشارات الخاصة بالظواهر الطبيعية ومطابقتها للمفاهيم التى نملكها اليوم، والتى لم يكن لمحمد ولا لأى إنسان فى عصر محمد أن يكون عنها أدنى فكرة.. وعلى حين نجد فى التوراة أخطاء علمية فادحة. فإننا لا نجد فى القرآن أى خطأ.. وقد دفعنى ذلك إلى أن أتساءل لو كان مؤلف القرآن إنسانا بشرا، فكيف استطاع فى القرن السابع المسيحى أن يكتب ما اتضح اليوم أنه يتفق مع العلم الحديث؟، ففى مجال القضايا التى تخضع للملاحظة، مثل تطور الجنين يمكن مقابلة مختلف المراحل الموصوفة فى القرآن مع معطيات علم ا لأجنة  الحديث ،.

هذه شهادة مستشرق هداه الله للإسلام، لأنه بحث عن الإسلام، وفى الإسلام، بمنهج علمى متحرر من العصبية، بروح متجردة إلا من البحث عن الحقيقة، وصدق الله العظيم ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) .

3- بين الاستشراق والاستعماريعتبر الاستشراق من أهم الوسائل التى مهدت للاستعمار العسكرى وغزو الشرق ثقافيا وعسكريا، والاستعمار الحديث يعتمد على المستشرقين بصورة فعالة فى دراسة نفسية الشعوب، وعاداتها، وتقاليدها، وأفضل الرسائل للسيطرة عليها بأقل قدر ممكن من التكاليف، والذى يتابع أحداث القرن التاسع عشر والقرن العشرين (وهما أكثر القرون فى النشاط  الاستعمارى) يعلم مدى الصلة القوية بين الاستعمار والاستشراق، ومن هنا فإننا نجد فى كثير من سفارات الدول الاستعمارية مستشرقين عاملين بها، ويقع على عاتق هؤلاء المستشرقين مهمة الاتصال بالعقول المفكرة فى البلاد التى يريدون السيطرة عليها ثقافيا أو عسكريا وكذلك الاتصال بكبارالعاملين فى المناصب القيادية فى مجالات الثقافة والإعلام والتعليم العام والجامعى ، ولا تنقصهم الوسائل المناسبة فى محاولة احتواء هذه الشخصيات عن طريق الصداقة أو المشاركة فى أعمال ثقافية أو تقديم الخبرة لهم، أو.. أو.. إلخ، وعن طريق هذه الشخصيات يستطيعون تنفيذ خططهم فى غزو البلاد فكريا ثم عسكريا إذا اقتضى الأمر، وقد استطاع الاستعمار الحديث أن يغزو معظم البلاد الإسلامية فكريا وثقافيا عن هذا الطريق، كما استطاع أن ينفذ خططه فى السيطرة على عقول كثير من المفكرين فى بلادهم ليكونوا هم الأداة لتنفيذ برامج الاستعمار فى هذه البلاد. وبلغ الأمر فى ذلك مبلغا خطيرا، حتى إن كثيرا من المشتغلين بالثقافة جعلوا أنفسهم بمثابة وكلاء عن المستشرقين فى توزيع أفكارهم والدعوة إلى تبنى آرائهم فى الفكر الإسلامى وقضاياه، فهذا مندوب عن ماركس والشيوعية، وذاك مندوب عن الوضعية والوضعيين، وثالثهم مندوب الوجودية والوجوديين، وأخر يدعو إلى القول بتأنيس الأله أو تأليه الإنسان.... إلخ  وامتلأت المؤسسات الثقافية فى- مصر والشام وشمال أفريقيا بوكلاء معتمدين لتوزيع الفكر الاستشراقى على المؤسسات العربية، وشحذ الوجدان العربى بمفاهيمهم تحت مقولات مضللة كالتنوير والتقدمية و النهضوية..إلخ.

ولقد عمد هؤلاء إلى إثارة الفتنة حول بعض القضايا الخلافية فى الفكر الإسلامى وعملوا على إحياء الخلافات حولها .

فلقد أثاروا فتنة كبيرة حول ما أسموه بقضايا المرأة فى الإسلام، مثل قضية الطلاق، وتعدد الزوجات والعصمة. وتعدد زوجات الرسول.. إلخ، ونقلوا إلى العالم الإسلامى مشكلات دخيلة لا وجود لها أصلا فى الإسلام وإنما هى موجودة فى الغرب بحكم ثقافته وديانته،. وشغل المسلمون أنفسهم بهذه المشكلات، وبالبحث عن حلول لها، وكان هذا مجالا واسعا للفرقة والتعصب والتحزب للرأى ضد الرأى الآخر ومازال المسلمون يكتوون بنار هذه الفرقة إلى الآن.

وكان من الآثار الخطيرة التى ترتبت على إثارة هذه القضايا أن فريقا كبيرا من المثقفين العرب قد انقادوا وراء هذه الضجة وأخذ البعض يتولى نيابة عن المستشرقين- إثارة هذه الفتن بين صفوف المسلمين، ويتبنى آراءهم ويدعو إلى الآخذ بأفكارهم، وبدلا من أن يكون الخلاف دائرا بين المسلمين كوحدة متماسكة والمستشرقين كجبهة مضادة انتقلت المعركة إلى أرض المسلمين أنفسهم لتفرق صفوفهم وتمزق وحدتهم، فأصبحوا جبهات متعارضة بين مؤيد ومعارض، وبين رافض للفكر الاستشراقى وموقفه من الإسلام، ومؤيد ومبرر له تحت دعوى التنوير والتقدمية، وهذه الفرقة فى الصف الإسلامى هى فى حد ذاتها تمثل هدفا وغاية سعى المستعمر لتحقيقها خلال جهود المستشرقين فى ذلك، وكان شغل المسلمين بعضهم بعضا حول هذه الخلافات التافهة واستنفاد وقتهم وجهدهم فى ذلك وانشغالهم عن قضايا مستقبل أمتهم الذى يعبث غيرهم به كان ذلك كله تحقيقا لأهداف سعى المستشرقون من ورائها إلى السيطرة على عقول نخبة كبيرة من المشتغلين بالثقافة العربية فى بلادنا، واستطاعوا من خلال السيطرة على هذه العقول أن ينفثوا سمومهم فى حاضر الثقافة العربية بالتشويه أحيانا وبالتشكيك أحيانا أخرى، وسوف أعرض بإيجاز شديد لبعض النماذج  الفكرية التى تبنت هذا الفكر الاستشراقى ودعت إليه.

1- ففى مطلع هذا القرن نادى سلامة موسى بوجوب التخلص من الغيبيات حتى نستطيع أن ننهض كما نهضت أوروبا ".. أى النظر إلى هذه الدنيا كأنها الغاية التى ليس وراءها غاية تخدم، وأننا نحن البشر يجب أن تكون لنا آداب وفلسفات وعلوم لا تمت بأى صلة إلى الغيبيات، إن علينا أن نعتمد على أنفسنا فى تحقيق السعادة على هذه الأرض نفسها وألا نزهد فيها إيثارا عليها للعالم الثانى كما هى النظرة الغيبية.. والنهضة الأوروبية التى أخرجت أوروبا من ظلمات القرون الوسطى لا تعنى شيئا آخر غير ذلك (16).

 ثم يصرح فى موضع آخر بضرورة التخلص من العقائد الدينية والاعتماد كليا على العقل ".. إذ ليس فى الكون كله ما يعتمد عليه سوى العقل، وليس للإنسان خلاف هذا العالم عالم آخر يمكنه أن يطمع فى تحقيق سعادته فيه.. وأن الانحطاط لم يعن فى القرون الوسطى، وهو لا يعنى الآن فى الشرق أو

الغرب سوى قصر الذهن البشرى على خدمة ما وراء الطبيعة ونشدان السعادة والهناءة فى غير هذه الأرض) (17).

ولا يألو سلامة موسى جهدا فى تكرار القول بوجوب محاكاة الحضارة الأوروبية حتى نحيا حياة كريمة " إذ لا يمكن لأمة أن تحيا إذا خالفتها.. ولا أستطيع أن أتصور نهضة عصرية لأمة شرقية ما لم تقم على المبادئ الأوروبية للحرية والمساواة والدستور مع النظرة العلمية الموضوعة للكون) (18). 

 2- وكتب قاسم أمين قبل ذلك كتابه عن تحرير المرأة أثار فيه مشكلات لا وجود لها إلا فى زهن المستشرقين ونادى فيه بوجوب أن تحذو المرأة المسلمة حذو المرأة فى أوروبا، وفرنسا بالذات شبرا بشبر، وأن ترفع صوتها رافضة قضية تعدد الزوجات، وحقها فى الطلاق.... إلخ.

3- أما على عبد الرازق، فألف كتابه عن " الإسلام وأصول الحكم" ليعلن فيه أن الإسلام دين لا دولة. عقيدة لا شريعة، وحى لا دستور، وليس فى الإسلام نظام لسياسة الدولة (19)، والكتاب من أوله إلى آخره يعرض الآراء التى استقاها المؤلف من كتابات المستشرقين عن الدين دون أن يدركوا الفوارق الأساسية بين مفهوم كلمة الدين المسيحى كما عاشوه فى أوروبا والدين الإسلامى كما هو فى الكتاب والسنة، وقد أثار هذا الكتاب ضجة كبيرة بين علماء الأزهر الشريف، حيث قرر الأزهر منع تداول الكتاب وعدم طباعته، وفصل صاحبه من سلك القضاء الذى كان يعمل به.

4- كما سار على نفس النهج طه حسين فى كتاب عن "الشعر الجاهلى" الذى حاول فيه أن يطبق مقاييس منهج ديكارت فى الشك على نصوص القرآن الكريم، وطبقا لهذه المقاييس النقدية فإنه لا يكون هناك شئ مقدس فوق النقد، ومن خلال تطبيقه لهذا المنهج النقدى، قال بأن قصة إسماعيل الذبيح الذى ينتمى إليه العرب قصة خيالية حيث " كانت قريش مستعدة لقبول هذه الأسطورة، وأمر هذه القصة واضح قبل الإسلام واستغلها الإسلام لسبب دينى وقبلتها مكة لسبب دينى وسياسى ".

كما صرح بما هو أخطر من ذلك حيث يقول: ليس من الممكن أن نصدق أن القرآن كان جديدا كله على العرب، فلو كان كذلك لما فهموه ولما وعوه، ولا آمن به بعضهم، ولا ناهضه وجادل فيه بعضهم الآخر (20).

كما صرح طه حسين فى كتابه " مستقبل الثقافة فى مصر " بضرورة محاكاة الغرب فننام كما ينامون.. ونأكل كما يأكلون، ونتكلم بلغتهم كما يتكلمون. وهذا ما نادى به سلامة موسى وغيره.. وهذه قضية كبيرة لا تحتاج فى مقامنا هذا إلى تفصيل ولكن أردت من ذكر هذه النماذج أن أضعها أمام القراء حتى لا نخدع أنفسنا بشعارات زائفة تحت شعار التنوير والتقدمية.

وهناك نماذج أخرى كثيرة لم يكن لديها قدر كاف من المعرفة الدقيقة بالثقافة الإسلامية وخصائصها لأنه بدأ حياته على موائد الغرب الثقافية واكتفى بعضهم بأن يكتب- ساخرا- عن تطبيق الشريعة الإسلامية وتنفيذ الحدود فى السارق والزانى وشارب الخمر، ويقول على سبيل السخرية: من الذى يتولى قطع يد السارق الجزار أم رئيس الجمهورية؟، وحاولوا من خلال مراكزهم الاجتماعية فى وسائل الإعلام أن يكتبوا المسرحيات والمسلسلات التلفزيونية التى تسخر من رجل الدين ورجال اللغة العربية وتنال منهم كرموز للفكر الإسلامى والقائمين على حراسته، وكم من مسرحيات أو مسلسلات كتبها أصحابها لهذا الغرض وكان أثرها فى نفسية المجتمع أشد وأعظم من وقع الحسام على الرقاب، وترتب على ذلك أن تغيرت نظرة المجتمع إلى معلم الدين ومعلم اللغة العربية وتراجعت مكانة كل منهما عن الصدارة الاجتماعية ليحل محلها الرجل (المودرنيزم) الذى صنعه الاستشراق على عينه وتعهده وكلاء الاستشراق فى بلادنا بالمناصب القيادية المؤثرة فى توجيه الرأى العام فى المجتمع.. ليقول للناس: ما أريكم فى وسائل إعلامكم إلا ما أرى.

ولقد كان للبلاد الإسلامية نصيب موفور فى هذا الشأن، وكانت الوسائل الاستعمارية التى نادى بها الاستشراق فى العالم الإسلامى تهدف كلها إلى إضعاف الروح الإسلامية بين الشعوب، وتعمل على بث الفرقة بين أبناء الشعب الواحد ليسهل بعد ذلك السيطرة عليها، كما روج المستشرقون كذلك لبعض القضايا التى كان لها أخطر النتائج فى ازدياد عوامل الفرقة بين صفوف المسلمين، فمن ذلك مثلا:

العمل على إحلال العاميات محل اللغة الفصحى فى مصر وغيرها بدعوى  أن الفصحى ليست قادرة على مسايرة الكشوف العلمية المتطورة، وكان أول من نادى بها فى مصر المستشرق الألمانى (ولهلم سبيتا) وكان يعمل مديرا لدار الكتب المصرية خلال الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، ووضع كتابه (قواعد اللغة العربية العامية فى مصر) سنة 1880 م مجد فيه اللغة القبطية فى مصر، ودعا دول العالم العربى إلى الأخذ بالعاميات بدلا من الفصحى، ولا يخفى ما فى هذه الدعوى من الخطر على الإسلام ولغة القرآن.

ثم تابع نفس القضية (اللورد دوفرين) فى تقرير وضعه سنة 1882 م

أعلن فيه أن العامية هى سبيل النهوض والتقدم فى مصر، وجاء بعده المستشرق الألمانى (كارل فولرس) مدير دار الكتب المصرية بعد " ولهلم" فوضع كتابه (اللهجة العامية الحديثة) دعا فيه إلى هجر الفصحى وحث العرب على استخدام الحروف اللاتينية بدلا من العربية، ثم تتبع القضية فى مصر سلامة موسى النصرانى فى مطلع هذا القرن، ومازلنا نسمع صداها إلى الآن ونقرأ ذلك فى كتابات بعض المشتغلين بالشئون الثقافية و التربوية.

المراجع

(1)  إبراهيم : 4 .

(2) ص 565، 592، 41 1،3.

(3) المدثر: 24، 25.

(4) الفرقان: 5.

(5)النمل:103.

(6)الحجر:6.

(7) عبس : 1-4

(8) الأنفال : 67 68.

(9) الكهف : 28 .

(10) الإسراء : 73 75 .

(11) النحل:101.

(12) الإسراء: 88.

(13) هود:13-14.

(14) النساء: 166.

( 15)البقرة: 23- 24.

(16) سلامة موسى، ما هى النهضة، ص 15 بتصرف.

(17) نفس المرجع، ص 16.

(18) نفس المرجع، ص 90.

(19) راجع الإسلام وأصول الحكم، على عبد الرازق، ط . القاهرة، سنة 1925 م.

(20) راجع فى الشعر الجاهلى لطه حسين، ص 18- 30.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع