الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر التاسع : الإسلام والغرب : الماضى - الحاضر - المستقبل
 
رصرلى اك مكءإلكل أفى رربا

وصول الإسلام إلى أوروبا

ظروفه وطبيعته وأثره

فى عصر النهضة الأوروبية

الدكتورة/ كليلا سرانيللى تشركو

مدير المعهد الجامعى للدراسات الشرقية

نابولى- إيطاليا

عندما أردت أن أختار موضوعا لمحاضرتى هذه فكرت فى أن أتكلم عن علاقة الإسلام بالغرب فى الماضى ، وخاصة عن وصول الإسلام إلى شمال إفريقيا ، ومنه إلى الأندلس وجزيرة صقلية وجنوب إيطاليا، تلك البلدان التى أصبحت نقطة انطلاق الحضارة العربية الإسلامية وانتشارها، ومن ثم تأثيرها على النهضة الأوروبية، وذلك لأن دخول الإسلام فى تلك البقعة من العالم القديم والتى أطلق عليها فى القرن التاسع اسم أوروبا يمسنى شخصيا كأوروبية ويستأثر باهتمامى منذ سنوات طويلة لاسيما للنتائج المهمة لتلك اللقاءات والصدامات التى حدثت بين أجناس وعناصر متباينة كانت قبل ظهور الإسلام متباعدة تماما.

والإسلام  - هو ثالث الأديان السماوية الموحدة- نظام دينى وسياسى ذو طابع عالمى دفع بالمسلمين الأوائل إلى الخروج من شبه الجزيرة العربية لفتح أقاليم جديدة ولنشر الرسالة السماوية الأخيرة (فإن المؤرخين المسلمين يستعملون دائما مصطلح " الفتوحات " الذى يعنى الدخول أو الفتح) وتعريف جميع الناس على وجه البسيطة بتلك الرسالة وترسيخ الإيمان فى قلوب جميع الأفراد مما دفعهم إلى اكتساب أراض واسعة مترامية الأطراف وذلك فى أقل من قرن.

وبدون أدنى شك فإن الحافز الذى دفع بهؤلاء الفاتحين- إضافة إلى الحماسة الدينية- هو أملهم فى الحصول على الغنيمة والعيش برفاهية.

أكرر، فأقول إن الإسلام- حسب اعتقادى- مكنهم من الثبات فى مساحات واسعة من الأراضى المنتشرة فى ثلاث قارات، وتأسيس إمبراطورية من نوع جديد قدر لها أن تعيش لقرون طويلة وأن تمثل حقيقة تاريخية رائعة، لسرعة تشكيلها، ولطول حكمها، والنتائج الممتازة التى تم تحقيقها، وهذه ظاهرة استثنائية لا شبيه لها فى العصور القديمة ولا فى اللاحقة لها.

والعرب (وهى تسمية يمكن إطلاقها أيضا على جميع المسلمين فى ذلك الوقت ومن غير العرب أيضا الذين شاركوا فى الفتوحات) لم يستولوا على أراضي واسعة فقط، بل إنهم قاموا بتوحيدها وإعطائها طابعا ثقافيا جديدا، فلقد نجحوا فى توحيد مزيج من شعوب مختلفة وتقاليد ولغات وحضارات عديدة، وذلك بفضل الدين الذى ينظم جوانب متعددة من الحياة اليومية، ويمثل رابطة قوية لوحدة متماسكة منحت الاستقرار للفتوحات الإسلامية.

وكما هو معروف فإن الفتوحات العربية الإسلامية بدأت فى سنة 12/ 633  وفى فترة قصيرة وفى أقل من قرن انتشرت وتوسعت طارقة أبواب بلاد ما وراء النهر وفرغانة والسند شرقا وأسبانيا غربا مع غارات متواصلة على بلاد الإفرنج.

وجانب مهم لتلك الفتوحات هو أنه بعد أن تمكن العرب من فتح بلاد فارس والشام توجهوا إلى مصر وفى هذه البلاد وكما قد حدث فى الأقاليم الشرقية واجه العرب مشكلة الدفاع من جهة البحر أيضا ومواجهة القوة البحرية البيزنطية، ولذلك كان من الضرورى توسيع الميناء فى الإسكندرية وإنشاء دار لبناء السفن وهكذا حدث تباعا فى موانئ عديدة على طول المنطقة الساحلية لشمال إفريقية باستمرار موجة الفتوحات الإسلامية. وكما ذكرنا فإن اهتمام العرب بالبحرية كان فى بادئ  الأمر لغرض دفاعى ولكنه تطور بسرعة نتيجة لحاجتهم للسيطرة على البحر المتوسط، وطبقا للسياسة التى اتبعها الخلفاء الأمويون فى توسيع نفوذهم نحو الغرب ولذلك اكتسبت دور صناعة السفن الكثيرة أهمية كبرى.

وتلك الدور لم تكن لبناء السفن فقط وإنما كانت أيضا مراكز لتجنيد رجال البحرية وإعدادهم عسكريا، وكان ذلك فى الشام وفى مصر ثم توسع إلى الساحل الشمالى لإفريقية بفضل خبرة المهنيين والبحارة وأغلبهم من السكان الأصليين ورثة التراث القديم والخبرة الطويلة فى مجال البحرية وبناء السفن  ( ويكفى أن نتذكر الفينيقيين والمصريين القدماء) وبجانب الأسطول الحربى تطور الأسطول التجارى تدريجيا والذى مكن من تحقيق التبادل التجارى   وساعد على ازدياده مستخدما موانئ عديدة منتشرة على طول المسيرة من بلاد الأندلس إلى الشام.

وبعد أن تمت السيطرة على مصر- الولاية الأغنى فى الإمبراطورية البيزنطية- استأنف العرب تقدمهم نحو الغرب حيث لم يلاقوا مقاومة تذكر من جانب البيزنطيين ولكن المقاومة كانت من جانب البربر الذين كانوا يستقرون فى مساحات واسعة غرب مصر من بداية الألف الأول قبل الميلاد، وكان أغلبهم قد اعتنق الديانة المسيحية التى تعمقت وثبتت على وجه الخصوص فى الأراضى الخصبة الشمالية جنبا إلى جنب مع الحاكمين (البيزنطيين). لقد قاوم البربر جيوش المسلمين أكثر من نصف قرن قبل استسلامهم واعتناقهم للدين الإسلامى وبشكل نهائى.

استبدلت اللغة اللاتينية والثقافة والديانة المسيحية فى تلك الأراضي التى كانت موطنا لتيرتوليانو (ولد فى 60 1م ) والقديس تشبريانو أسقف قرطاجنة (210-   258 م ) وعلى الخصوص القديس أغوسطينو العالم باللاهوت الذى ولد فى نوميديا (354- 430 م)  استبدلت تدريجيا بلغة وثقافة الفاتحين الذين قاموا بتسمية تلك الأراضى بإفريقية والمغرب.

وفى سنة 705 / 86 هـ أصبحت إفريقية والمغرب ولاية تتمتع بالحكم الذاتى فى ظل الخلافة الأموية فى دمشق يحكمها الوالى القائد موسى بن نصير الذى كان يقيم فى مدينة القيروان التى أسسها عقبة بن نافع فى سنة 50 / 670 قاعدة حربية مهمة ومركزا لنشر الإسلام إلى آخر الزمان.

وبعد أن انتهت الفتوحات، وكما حصل فى البلدان التى كانت قد دخلت فى دار الإسلام بدأت مشكلة تنظيم الأراضى الجديدة وفق مبادئ الإسلام، مما أدى إلى تغيير أساسى وشامل ليس من الناحية السياسية فحسب ولكن من الناحية الدينية والاجتماعية والاقتصادية أيضا، وتحقيق تلك التغييرات فى تلك المناطق كان بدون شك أصعب بكثير من فتحها.

وكانت المدن مراكز للسلطة والأعمال التنظيمية العربية الإسلامية ولذلك شعر المسلمون بضرورة ملحة للاهتمام بنموها والعمل على ازديادها على السواحل كما فى الداخل وحتى فى أعماق الصحراء عند مراكز الالتقاء بين القوافل التجارية. وكانت تلك المدن تشكل الهيكل الأساسى لدار الإسلام وبمرور الزمن أصبح الكثير منها مدنا رئيسية ومهمة فى تاريخ الإسلام القديم.

كانت المدن منارات للإسلام ومراكز للاستقرار، حيث كان من الممكن تطبيق نظام الحياة فيها وفق مبادئ القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة كركائز للسلطة وقواعد للأعمال الحربية التوسعية، وفى الوقت نفسه كمراكز للقاءات وتبادل الأفكار والنشاط التجارى والأعمال الفنية والصناعية الواسعة.

كانت المدن الإسلامية فى كل مكان قلوبا نابضة بالحياة الدينية والسياسية والحربية والاقتصادية والثقافية للأمة وكانت قيمها الاجتماعية والثقافية هائلة، وكانت تلك المدن مأهولة بالسكان من مختلف الأجناس الذين قدموا إليها يجذبهم التبادل وحرية التنقل الواسعة فى الأراضى الإسلامية. إن ازدياد المدن وبشكل تدريجى وتطورها الاستثنائى ساعد على زيادة النشاط التجارى الذى بفضل وحدة الأراضى المتباينة فيما بينها ولد سيطرة اقتصادية قوية موحدة وأسواقا واسعة تتصف بتنوع وتعدد وجودة المنتجات والبضائع، وكانت تنتقل الأفكار مع البضائع ومعها تنتشر الثقافة الجديدة المركبة، وأصبحت اللغة العربية هى اللغة الوسيطة.

وقد ساعد التعريب على نمو وانتشار الثقافة العربية الإسلامية التى اعتمدت- ومنذ بداية القرن الأول الهجرى/ السابع الميلادى- على مساهمة أفراد ينتمون إلى أديان وشعوب مختلفة ومستوعبة مآثر متباينة ولاسيما من البيزنطيين وبلاد فارس والهند، تلك الحضارة التى تكونت على أسس عربية ويهودية ومسيحية بنيت على بقايا حضارات سابقة بطريقة أضفت عليها صفات ومميزات مركبة وعالمية، وواسطة للعلوم الواسعة والفلسفة القديمة الكلاسيكية وتلك الحضارة تكونت تدريجيا بتوازن متناسق بين الجديد والقديم، قدر لها أن تؤثر فى الغرب المسيحى،  وكانت صقلية والأندلس مركزين لإشعاع تلك الحضارة.

ومنذ فتح صقلية 212 /827 حصل تقارب وانجذاب ثقافى بينها وبين إفريقية، حيث نزلت على شواطئ (مازارا دل فالوا) فرق حربية يقودها الأديب المعروف الفقيه أسد بن الفرات، ووصل معه كثير من رجال الثقافة وتبعهم بعد ذلك الكثيرون الذين قدموا من أرجاء مختلفة من العالم الإسلامى،  وشارك أولئك فى تكوين طبقة من الفقهاء والعلماء والفلاسفة واللغويين والنحويين، أسهمت مساهمة قيمة فى تطوير نموذج خاص من الحضارة.

وقد امتزجت وتلاحمت الثقافة الإسلامية مع ثقافة جزيرة صقلية بتأثيرات لحضارات سابقة تعاقبت عليها محلية كانت أم فينيقية- إغريقية- لاتينية-  بيزنطية- يهودية.

دام الاندماج الاجتماعى والثقافى فى جزيرة صقلية لقرنين ونصف تقريبا

الاجتماعية  212 484 / 827 -1091   وترك آثارا خالدة ماثلة للعيان ليومنا هذا فى  الأعراف الاجتماعية وفى العقلية وكذلك فى الأسماء ومسميات الأما كن وفى المفردات المتداولة وخاصة تلك المستعملة فى الحقل الزراعى فإنها تشهد لروعة فترة الحكم الإسلامى.

ولكن إطاحة النورمانديين بالحكم العسكرى السياسى الإسلامى فى صقلية 453-591 /1062 - 1194  لم تتمكن من إزالة الحضور الإسلامى فى الجزيرة وبقيت الحضارة التى كانت قد وصلت إلى درجة كبيرة من التقدم فى كل المجالات حية مستمرة بتأثيرها على الحياة فى الجزيرة لمدة قرنين من الزمن تقريبا، وذلك فى فترة الحكم النورماندى 453 591 / 1062 - 1194 وفترة حكم السفيفى ثم591 665 / 1194 - 1266 .

وكنتائج لذلك التزاوج الحضارى إلى جانب ما تبقى من الأعمال والآثار الفنية الرائعة يكفينا أن نتذكر فى الحقل العلمى والثقافى أكبر الجغرافيين فى القرون الوسطى، الشريف الإدريسى الذى ألف كتابه الجغرافى الشهير (نزهة المشتاق فى اختراق الآفاق) لروجيرو الثانى النورماندى 1130 1154  م والمعروف أيضا بكتاب روجر.

والطبعة الكاملة للنص العربى لهذا المؤلف ئشرت ولأول مرة بين سنة 

1390 1405 / 1970 - 1984 من قبل المعهد الجامعى للدراسات الشرقية فى مدينة نابولى ومعهد الشرقين الأوسط والأقصى فى مدينة روما.

وقد تعاون كثير من الباحثين الإيطاليين والأجانب ومن بينهم ثلاثة من المصريين هم الأستاذ الدكتور حسين مؤنس، والأستاذ فؤاد السيد، والأستاذ عبد الله التلبانى.

وفيما يتعلق بالروح والمشاهد الشرقية فى بلاط النورمانديين أذكر على سبيل المثال الصفحات الجميلة للجغرافى الشهير ابن جبير المتوفى سنة  614 / 1217 وكذلك أشير إلى استعمال اللغة العربية إلى جانب الإغريقية فى الشهادات والنقوش والزخارف وعلى النقود.

وفى مجال الفن أقتصر على الإشارة إلى مصلى القصر الملكى  للنورمانديين (القرن التاسع الميلادى) فى مدينة بالرمو المزين بالفسيفساء البيزنطية، وقد زخرفت السقوف بكتابات ورسوم لفنانين مسلمين، كثمرة رائعة لتزاوج بين الثقافتين فى جزيرة صقلية، توجتها القابلية الفذة للنورمانديين. أما فى حقل الفن المعمارى فتكفى الإشارة إلى بعض أبنية وعمارات مدينة بالرمو،  منها مثلا قصر العزيزة والمكعب، وقصر الفقارة (من كلمة فوارة العربية) وكاتدرائيه مونرياله،  وكلها تظهر وتبرز العلاقة القوية بالتراث الإسلامى فى مجال الفن المعمارى.

ونرى أيضا عناصر إسلامية فى المؤسسات المدنية وكذلك فى نمو وتكوين مراكز الاستقرار الإيطالية والتى هى الآن مدار بحث دراسى وتنظيمى فى دورة تاريخ فن تنظيم أمور المدن فى كلية الهندسة المعمارية فى مدينة بالرمو.

إن صقلية وشمال إفريقيا وكذلك بلاد الأندلس وبعض الجزر فى البحر الأبيض المتوسط دخلت فى دار الإسلام وأصبحت قواعد لغزوات عديدة فى شبه الجزيرة الإيطالية " الأرض الكبيرة " أو " الأرض الطويلة" كما كان يسميها العرب فى القرون الوسطى.

وبقيت وثائقنا ومعلوماتنا عن تلك الأحداث مقتصرة على مصادر لاتينية وبيزنطية لأن المؤرخين والجغرافيين العرب فى القرون الوسطى أشاروا إليها بشكل عابر، كما اعتادوا على ذلك عند الكلام عن غزوات وإقامات مؤقتة.

كانت  " كالابريا " - قلورية- الأرض الأولى التى تعرضت لغزوات المسلمين وذلك لموقعها الجغرافى كما حدث فى سانتا سفيرينا، أمانتيا، ورجو وفى تلك الأخيرة بنى مسجد صغير، والمحاولة الوحيدة لفتحها كانت للأمير الأغلبى إبراهيم الثانى فى سنة 289/902 الذى وصل إلى أسوار مدينة كوسنتسا حيث توفى هناك وعاد أتباعه إلى صقلية.

وفى سنة 220 /835  طلب دوق مدينة نابولى اندرية الذى كان على صراع مع سيكاردو أمير بينفنتو المساعدة من عرب صقلية، ومن ذلك الحين بدأ التحالف مع المسلمين واستمر لسنوات عديدة. وفى سنة 223 /838  حدثت أول محاولة للاستقرار فى محافظة (بوليا) وكانت تسمى انكوباردا بهجمات على مدينة برندزى.

ولكن المحاولات التى حالفها الحظ كانت تلك التى أثمرت عن تكوين إمارتين الأولى فى مدينة ترنتو (226  - 266 / 840 880 ) والثانية فى مدينة بارى (232-  257 / 847 - 871) والأخيرة مثلت ظاهرة فريدة من نوعها فى تاريخ المسلمين فى شبه الجزيرة الإيطالية، وفى الواقع كانت الإمارة الوحيدة التى حصلت على الاعتراف الرسمى من قبل الخليفة العباسى فى بغداد.

ونذكر أيضا الجالية الإسلامية فى مدينة لوتشيرا حيث قام الإمبراطور فردريك الثانى السفيفى فى العشرة الأولى من القرن الثالث عشر بتجميع ما تبقى من عرب صقلية بعد استعادة المسيحيين لتلك الجزيرة حيث بقى هؤلاء على ارتباط بسلالة السفيفى يقدمون لها الخدمات فى حالتى السلم و الحرب.

إن الحضور العربى الإسلامى فى شبه جزيرتنا حتى وإن لم يكن بشكل مستمر غير وحور فى مسيرة الأحداث، وطبع آثارا خالدة فى الحياة اليومية والأعراف والتقاليد وخاصة فى جنوبنا ، فبالإضافة إلى العدد الكبير من المفردات التى تعود إلى أصل عربى، هناك التأثير العربى الإسلامى على الفن وخصوصا على الفن المعمارى فى المدن الصغيرة والكبيرة من بوليا. ولكن الأرض التى تركت فيها الحضارة الإسلامية مشاهد خاصة ووصلت إلى مرحلة عالية من التقدم الرائع هى بلاد الأندلس، ففى خلال الخمسة قرون التى كانت تحت الحكم الإسلامى،  بل السبعة إذا أضفنا إليها فترة حكم ملوك بنى الناصر فى غرناطة  ، كانت الأندلس بوتقة تنصهر فيها الثقافة العربية الإسلامية ذات الطابع العالمى مع حضارة ذات جذور عميقة تعود إلى العصر الرومانى، وعدد كبير من عناصر وأجناس مختلفة من عرب وبربر وأسبان ورومان ويهود عملوا على إغناء تلك الثقافة وطبعها بمميزات خصوصية، وتركيبة كفسيفساء متناسق وذلك بفضل التفاعل الثقافى بين العالمين الشرقى والغربى.

وبعد سقوط الخلافة الأموية فى قرطبة سنة 031 1م تمزقت وحدة بلاد الأندلس إلى طوائف عديدة لامركزية سياسية تبعتها لامركزية ثقافية. فإذا كانت للأولى نتائج سلبية على سلطة المسلمين فإن الثانية أعطت الفرصة

لازدهار ثقافى وفنى تميز به القرن الحادى عشر، تلك النهضة الثقافية الرائعة كانت ثمرة لتعايش الإسلام (الأسبانى) مع مسيحية القرون الوسطى واليهودية والتى قدر لها أن تشرق على بلاد الغرب التى كانت تعيش فى ظلام القرون الوسطى.

و أصبحت قرطبة- اشبيلية- غرناطة- حويسكا- سكوفيا- طليطلة - برشلونة أصبحت مراكز لنشاطات ثقافية وفنية مركزة حيث استطاع الفكر  النهوض بمختلف فروع المعرفة.

وكانت مساهمة الأندلس فى تاريخ الحضارة فعالة وكييرة. ففى حقل الأدب- على سبيل المثال- ومنذ القرن العاشر ظهرت الموشحات- شكل جديد وأصيل فى الشعر- وانتشرت أيضا فى الشرق، وفيما بعد ظهر الزجل، وهو أشعار عربية باللهجة الأندلسية قدر لها أن تؤثر وبشكل ملحوظ على الشعر القصصى الغنائى (الرومانسية).

ومن بين أهم الأعمال التى جرت فى الأندلس نذكر تنقيح المؤلفات المتعلقة بالعلوم والفلسفة الإغريقية التى كانت قد ترجمت فى الشرق ما بين القرن السابع والقرن التاسع من الإغريقية إلى الآرامية إلى السوريانية ( وهى لغة الثقافة فى سوريا والعراق فى ذلك الوقت) ومن ثم إلى العربية فى مراكز دراسية مهمة جدا (انتوكيا ومن ثم  راحة- حران- كوندى شابور) وبشكل خاص فى مدينة بغداد حيث أسس الخليفة المأمون 198 218 / 813 - 833  ولهذا الغرض (بيت الحكمة) المشهور فى سنة  217 / 832 .

ولم يقتصر علماء المسلمين على نقل أفكار من سبقهم من العصور الغابرة

كما يشير البعض إلى ذلك أحيانا، ولكنهم أكملوا مسيرة السابقين بمساهمات جديدة وأصيلة وذلك بتطبيق الطرق الاختبارية  فى مختلف المجالات والحقول العلمية.

أعود الآن إلى أعمال تنقيح المؤلفات المترجمة فى الشرق إلى اللغة العربية. وأذكر أن علماء الأندلس من يهود ومسيحيين ومسلمين قاموا بترجمتها إلى اللغتين اللاتينية والكاستليانية بعد تنقيح دقيق وبفضل تطور المفردات العلمية.

ولذلك كانت الأندلس حلقة للاتصال ومركزا للبث ونقطة لانتقال العلوم الإغريقية الفارسية الهندية من الشرق إلى الغرب.

وقد تطورت الأبحاث فى الأندلس ولا سيما فى مجال الرياضيات وعلم الفلك والطب. وفيما يتعلق بالرياضيات وكما هو معروف فإن العرب قاموا بإعادة تقييم وتعميم استعمال الأرقام والتى قيل إنها عربية ولكنها فى الواقع هندية الأصل من بينها الصفر، التى أعطت دفعا قويا فى نهوض وتطور علم الرياضيات مما ساعد على إمكانية تسهيل وتوسيع العمليات الرياضية.

ولعلماء الرياضيات العرب مساهمات كبيرة أيضا فى علم المثلثات وبالتالى فى علم الفلك، وحظى هذا العلم الأخير باهتمام  المسلمين الكبير لأنه كان من الضرورى تحديد اتجاه القبلة خاصة بعد تواجدهم فى أماكن مختلفة ومتباعدة، وكذلك معرفة موعد حلول شهر رمضان الكريم ومواقيت الصلاة اليومية. وهذا ما دفعهم إلى إتقان (الزيج) وظهر- وكما هو معروف لأول مرة- فى مدينة بغداد بين القرنين الثالث والرابع للهجرة/ التاسع والعاشر الميلادى ، وتستعمل بمساعدة الإسطرلاب والربع والرخامة (الساعة الشمسية) وهى آلات عمل العرب على إتقانها وإغنائها بخصوصيات ومميزات جديدة وذلك بفضل خبرتهم وحساباتهم الدقيقة جدا.

وبعد التعمق فى البحوث والدراسات فى حقل علم الفلك تم إنشاء المراصد التى أصبحت فيما بعد مراكز للتدريس وأماكن للالتقاء بين أشهر الدارسين فى ذلك العصر.

وكان اسم المرصد الإسلامى الأول هو الشماسية الذى أسس فى مدينة بغداد فى عهد الخليفة العباسى المأمون (198-  218   /  813 -833) وعلى نفس نمط هذا المرصد بنيت مراصد أخرى فيما بعد فى بلاد الأندلس التى كان لها تأثير كبير على الغرب المسيحى.

ولنذكر فى هذا الصدد عالم النجوم والفلك أبو معشر البلخى المعروف فى بلاد الغرب باسم البومسار المتوفى سنة  273 هـ / 886 م  مؤلف الكتاب الشهير " المدخل العظيم إلى علم أحكام النجوم " الذى ترجم مرتين إلى اللغة اللاتينية فى سنة    525 / 1130من قبل جوقانى دى سيفيليا، وفى سنة 545 / 1150 من قبل إرمانو دى كارينتسيا، والترجمة الأخيرة كانت قد نشرت سنة 899 / 1489  وكان له تأثير هائل على علم الفلك الغربى. وفى يومنا هذا يعتز معهدنا بشرف الأولوية بإصدار النشرة النقدية الكاملة للنص العربى لذلك الكتاب الذى لم ينشر من قبل.

وكذلك نشر النصين المذكورين المترجمين إلى اللاتينية بعناية وإشراف البروفسور ريتشارد ليماى من جامعة نيويورك مع الأخذ بنظر الاعتبار الأهمية العلمية للمؤلف.

وكان للعرب دور كبير فى ميدان الطب، فبعد فتحهم لمصر والعراق جرت اتصالات مع المراكز الكبرى للعلوم الطبية فى ذلك الوقت، وعلى سبيل المثال الإسكندرية المشهورة بالطب الإغريقى،  وكوندى شابور التى تقع فى أطراف الأهواز فى إيران وهى مركز نشيط لتدريس الطب ونقطة لالتقاء وتجمع الباحثين الإغريق والفرس والسوريانيين واليهود والهنود، وانتقل مركز كوندى شابور إلى بغداد فى زمن الخلفاء العباسيين الأوائل حيث تخرج منه أوائل الأطباء المسلمين المشهورين ومن بينهم الرازى

" رزس " (250-  313 / 854 925 ) وهو مؤلف أعمال علمية كثيرة جدا منها: الإنسكلوبيديا المشهورة فى علم الطب فى ذلك الوقت (الحاوى فى الطب) التى ترجمت إلى اللاتينية بعنوان (  Continens ) فى 279 وطبعت فى إيطاليا فى برشيا ولأول مرة فى سنة 486 1م، وكاتب آخر كبير فى علم الطب هو الفيلسوف ابن سينا   370 - / 980 1037  وقد اشتهر بكتابه " القانون فى الطب " الذى يحتوى على كل المعلومات الطبية المعروفة فى ذلك الوقت إضافة إلى ملاحظاته، ذلك الكتاب الذى استعين به لسبعة قرون فى تعليم وتطبيق الطب ترجم إلى اللاتينية فى القرن السادس الهجرى/ القرن الثانى عشر الميلادى،  وطبع لمرات عديدة واستمر يهيمن على تدريس الطب فى أوروبا إلى القرن العاشر الهجرى/ القرن السادس عشر الميلادى. ومن أشهر الأطباء المسلمين فى الأندلس اقتصر على ذكر أبى القاسم خلف ابن عباس الزهراوى 401-/937-  1010 تقريبا والمعروف فى الغرب باسم " البوكاسس " وكتب إنسكلوبيديا طبية فى ثلاثين جزءا ، وهو كتاب " التصريف لمن عجز عن التأليف " المشهور باعتماده على الطريقة العلمية والقدرة النقدية ودقة الملاحظات البارعة.

وقد ترجمت هذه الإنسكلوبيديا إلى اللغة اللاتينية من قبل جيراردو دا  كريمونا وساهمت فى نمو مدرستين طبيتين رئيسيتين فى إيطاليا أو بدقة أكثر فى أوروبا، وكانتا فى سالرنو وبولونيا واستعملت أيضا فى فرنسا فى مونتبيلير.

وبفضل الزهراوى تم  تجديد الطب الجراحى فى العالم الغربى وذلك باتباع الطريقة الاختبارية التى كان يستعملها الأطباء العرب والتى أصبحت الطريقة النموذجية فى القرون اللاحقة.

ونظرا لضيق الوقت، لا أستطيع الإطالة فى الحديث عن جميع الميادين  الأخرى التى برع فيها المسلمون كالفلسفة والعلوم الطبيعية والفيزياء وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم المعادن.... إلخ

وإذا كان وكما يقال إن الفضل يعود إلى المسلمين فى نقل العلوم من الشرق ومن العالم القديم إلى الغرب بعد أن طوروها وأغنوها بخبراتهم الذاتية، فإن الفضل يعود لهم أيضا فى توسيع العلوم المذكورة بعد أن كانت مقتصرة على نفر  قليل ومحدود إلى طبقات أوسع من الناس وقد أصبحت تقريبا فى متناول الجميع وأصبح ذلك ممكنا بفضل عوامل عديدة من بينها: الانتشار الكبير للغة وحيدة وهى العربية، وتعدد وكثرة المدارس والمؤسسات للثقافة العالية فى كل أرجاء دار الإسلام  ، وتوافد المدرسين من كل جانب الذين ساهموا فى إنتاجات علمية محلية ، والعلاقة الخصوصية بين الأساتذة والطلاب، أولئك الطلاب الذين كانوا على علاقة روحية أيضا بمعلميهم وهذا عامل مهم جدا لبث الأفكار، وكذلك العدد الكبير للأسواق حيث كانت تباع فيها المخطوطات، تلك المخطوطات  التى كان يتم أيضا استنساخها وتجليدها عند الطلب. كل ذلك أصبح ممكنا بفضل استعمال الورق الذى جلبه العرب من الشرق ليحل وبشكل تدريجى محل البردى والرق.

إن العلاقات الثقافية المثمرة بين العالم العربى الإسلامى وبلاد الأندلس وإيطاليا كان لها أهمية عظيمة لأوروبا فى القرون الوسطى وعصر النهضة، تلك الأهمية كانت كبيرة لدرجة تدفعنا إلى اعتبار تاريخ الثقافة فى أسبانيا وصقلية المسلمة، ليس فقط فصلا من الحضارة العربية، ولكن كأساس جوهرى  فى الحضارة الأوروبية نفسها.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع