الإسلاموالمشاركة
الحضارية
الأستاذة الدكتورة/ نعمات
أحمد فؤاد
الأستاذ بجامعة الأزهر
بداية أقول إن الإسلام أقر الأديان
السماوية قبله وهى ميزة انفرد بها ونبعة تسامح تحفظ عليه بشره وقوته وسط كل
الظروف.
إن اعترافه بالأديان الأخرى، قفل باب
الردة عنه.. إذ فيم الرجوع وإلى أين؟ إلى المسيحية؟ إنه
يعترف بها، إلى اليهودية؟ انه يعترف بها.
ولعل هذا سر تمسك المسلم تمسكا غريبا
بالإسلام، حتى ليستحيل تحوله إلى دين أخر، بينما يدخل أهل الأديان الأخرى فى
الإسلام بما يعلمون عن تآخيه وبساطته وصدقه، إن الإسلام لا يرفض إلا الإلحاد…. وهو حين اعترف بالكتب السماوية قبله فى
صورتها الأولى، كما أنزلت، قبل أن يمسها تغيير من أى حجم وصفة، كان يعلن فى الوقت
نفسه رفضه، الإلحاد فالملحدون فى رأيه وتعبيره لا يساوون عند الله، جناح بعوضة ( إن
الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، وإن يسلبهم الذباب شيئا
لا يستنقذوه منه، ضعف الطالب والمطلوب) (الحج 73).
وغير هذا عنصرية اليهود... إنها قبلية هابطة، فأن يكون الله إلههم وحدهم، وأن يكونوا هم
شعبه المحتار، وغيرهم شعبه المختار نظرة طبقية قبلية منافية للإنسانية... بينما الإسلام دين الفطرة... والمسلم
كل من أسلم وجهه لله وهو محسن ومن هذا المنطلق اعتبر الإسلام كل من سبقوه... كل من سلمت فطرتهم وأعمالهم، مسلمين ( ومن أحسن دينا ممن
أسلم وجهه لله وهو محسن ) (سورة النساء الآية 125).
يقول كارليل "Karlyle" فى كتابه "الأبطال " ( لو لم يكن محمد فيه جانب
صدق، لما استطاع دينه أن يعطى هذه الحضارة كلها).
وقبل أن أتناول الإنجازات العلمية لهذه
الحضارة، أقول إنها حضارة إنسانية حتى حين اضطر إلى الحرب دفعا لظلم أو درءا
لعدوان كان يحوطها بالتشريع ويضع لها من التقاليد والحرمات ما يليق بدين الشرائع
المثلى... فهو يحرم التمثيل بالميت أو قتل النساء والأطفال أو بقر البطون، مما
ترتكبه الحروب الحديثة على الرغم من التشدق بحقوق الإنسان ومبادئ السلام.
حضارة إنسانية حين توهج بحب الحياة
فاعترف بمتاعها ومتعتها، أقر زينتها وطيباتها وطيبها فلا انطوائية ولا قوقعة ولا
زهد زهادة اختيار، وأسلوب شخصية.
الإسلام أنيق
يحب الجمال والزينة والنظافة... أوجب طهارة الجسم كالروح... وزكى الطيب والخضاب،
وأباح التزين، وأتاح المتعة فى غير حرام، وأوجب الوضوء والاغتسال.. فكان نظاما
جامعا للدين والدنيا. ويفرض هذا نصا... وطقسا.. ثم
بالإيحاء أو الاقتداء حين يبثه فى ثنايا أقوال ومعان كثيرة، ولكن بدون سرف.
إنه دين الفطرة وقد شرح ابن طفيل
المسألة عقلانيا، ولكن التجربة الدينية بصيرة... انفتاح...
التجربة الدينية لا تعادى العقل، ولكنها أبعد منه مدى...
إن الخلد عندها لايعنى استمرار الزمن، ولكن يعنى ما وراء الزمن.. إن التوحيد فى
الإسلام سر البطولة فالقول "لا غالب إلا الله " ليست تميمة ولكن
عقيدة... فيه سمو على الأشياء، وعلو على الصفات.. يصفه
العابدون مايصفون، ثم يظل أكبر... ( ليس كمثله
شىء).
التوحيد الإسلامي هو المحور الثقافى
انه.
توحيد الذات فلا انفصام ولا تشقق.
توحيد المجتمع فيبرأ من التشيع والتطاحن.
توحيد العالم نحو القيمة الكبرى أى
الله.
ومن هنا يأتى التدين فى الإسلام، تفسيرات
وجدانية ارتفعت على لغو الكلام وعقم الجدل وأترعت بسلام وطمأنينة، هى حكمة قلب حقق
عمليا معنى التوحيد ومعانى الرحمة والبناء وعز الكلام والإتقان ونعيم البر بالحرفة
وأبهة الخلق المتطلق والمطلق، وصمت الخاشع المستمع، وهناءة
المستمرىء السعيد.
إن التنزيه فى الإسلام، إفراد الله
بالقدرة والجلال، فكل ماعداه صغير مهما انبعج.
قارون غنى... الله أكبر
هولاكو طاغية... الله أكبر
سليمان ملك... الله أكبر
لقمان حكيم... الله أكبر
حضارة إنسانية أن يستهل الإسلام فاتحة
كتابه الأكبر بما بين الله والإنسان دون سائر الموضوعات الكبرى، متوجا هذه العلاقة
بالرحمة تظلل الإنسان بالطمأنينة من لدن الرحمن الرحيم.
بينما التوراة قلما
ذكرت الرحمة... حتى حين ذكرت الرحمة، وردت فى سفر التثنية "السفر الخامس
" الذى يعزو الدكتور فؤاد حسنين، وضعه الى محاولة إنقاذ مملكة يهوذا، أى أنه
مستحدث لغرض، ولهذا يخالف الأسفار السابقة حتى الوصايا العشر، عرضها عرضا جديدا
يخالف العرض الآخر الذى ورد فى "سفر الخروج ".
والرحمة فى المسيحية تلتمس من الله،
ولكنها فى الإسلام وعد من الله، أى أمر محقق كما يقول الدكتور كامل حسين فى كتابه
(الذكر الحكيم)، أمل مطروح ومفتوح، وهو شعور يزيد فى طمأنينة النفس المسلمة.......
الإسلام حضارة يوم انتهج أسلوبا فى الحياة هو نمط سلوك من
أبسط الأشياء إلى أعلى الأشياء... فجعل "الإتقان " فى العمل، قربى إلى
الله ( إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه ). ( فاطر 10).
الإسلام دين الإتقان تجويدا للقرآن
وتجريدا للخط العربى حتى غدا تسعين قلما.
الإسلام حضارة إنسانية يوم ركز على
المساواة حارب الإسلام العلو فى الأرض... فالمساواة دعوته (إن أكرمكم عند الله
أتقاكم) (الحجرات 13) بينما الأمم المتحدة اليوم تعترف بشريعة الغاب يوم أن
أعطت الدول الكبرى (حق الفيتو) لمجرد أنها قوية أى مرخص لها بالبطش والافتراس، ومن
يعترض تستعمل "حق الفيتو" أو استثناء الفيتو بتعبير أصح...
فرض الإسلام المساواة، ثم تقررت ضمنا
مرة أخرى حين أخى بين المسلمين وتقررت ضمنا حين سوى بينهم فى الحقوق والواجبات
وتقررت فى روعة بالغة حين قال )
يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم )
(الحجرات 13).
وهكذا رفع الإسلام راية الحرية والإخاء
والمساواة، قبل الدساتير الحديثة فى الغرب بعدة قرون.
الإسلام حضارة إنسانية يوم ترفق
بالإنسان فلم يكلف نفسا إلا وسعها حتى الوحدانية، اكتفى فيها بإشارة السبابة إلى
السماء، ولم يحطها بتعقيد أو التواء . الصلاة اكتفى فيها بالإيماء إذا شق على المؤمنين القيام والقعود..
الصوم أباح الإفطار فى حالتى المرض والسفر... بل أباح المحظورات عند الضرورات.
كيف التقت البساطة فيه بالعمق؟ أنها سره.
الوضوء فى الإسلام وضاءة نفس قبل أن يكون غسل الأطراف، والصلاة صلة بين
المحدود "الإنسان وبين الكمال المطلق
"الله،. ولعل هذا السر فى فرض الصلاة خمس مرات فى اليوم، لعل واحدة منها تنجح
فى تحقيق هذا المعنى.
الصلاة فى الإسلام تطهير للذات، وانفتاح
بها للنور وعلى النور... ورفع اليدين فى الصلاة استشراف إلى العلا... إلى التسامى
فى عملية مجاهدة وخلوص والسجود، سجود القلب حين يتجرد من الصلف ويقول الساجد
(سبحان ربى الأعلى) ولو كان ملكا أو إمبراطورا... بينما فى الركوع يقول سبحان ربى
العظيم.
حرص الإسلام على "الخلوص " تمكينا
لحواس النفس الداخلية أن تمنح من الأعماق.
الإسلام صلاته صلة...
وبره محبة.. وزكاته تكافل مشروع وحق معلوم وحنان على اليتامى وعتق الرقيق والوفاء
بالعهد والصدق فى القول والعمل (ليس
البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر
والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفى الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا
عاهدوا والصابرين فى البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم
المتقون
) (سورة البقرة 177) حتى النواهى فيه أنفع ما يمكن من قيود الحق والمصلحة العامة
والخاصة المشروعة حفاظا على الشخصية الإنسانية. (ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض
مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد فى مشيك واغضض من صوتك) (لقمان 18-
19).
وقوله جل شأنه ( ولا تقف ما ليس لك
به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا، ولا تمش فى الأرض مرحا
إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا). (الإسراء 36- 37 ) ومن إنسانية
الإسلام أن الآيات فى بذل المال تشمل الإنسان مسلما أو كتابيا يقول أبو يوسف صاحب
كتاب الخراج الذى يفسر الآية ) إنما الصدقات للفقراء
والمساكين
) (التوبة 60) بأن الفقراء هم فقراء المسلمين والمساكين هم فقراء أهل الكتاب، ثم
حث على العطف عليهما معا حبا وكرامة فقال تعالى: ( وآتى المال على حبه ذوى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل
والسائلين وفى الرقاب ). (البقرة 177)
الإسلام حضارة إنسانية يوم احترم
الإسلام الإنسان حتى فى آخر السلم الاجتماعى يقول سبحانه وتعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هى، وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو
خير لكم) (البقرة 271).
الإسلام حضارة إنسانية يوم حنا على الخطأ ففى
الحديث الشريف: "من عمل فأخطأ فله أجر ومن أصاب فله أجران".
وهى دعوة للمحاولة والاجتهاد مع جواز
خطأ التجريب.
الإسلام حضارة إنسانية بل
ثورة إنسانية حين جعل العبادة لله وحده مما أطلق حرية الإنسان مادام لا إله إلا
الله.هذا المعنى يجب أن تلتفت إليه التربية فى البيوت والمدرسة لتستقيم النشأة
ويستقيم الإنسان. لأن المرء حين يتخوف من المعنى، أو يتخوف من مخلوق مثله، أو
يتخوف من القيمة فهو خاو خاب ولا تستوى الظلمات
والنور.
لقد غلبت الفرس والروم
لا بالسيف، فما عند الروم والفرس من السلاح أكثر ولكن بالتوحيد.. وليس التوحيد
كلمة تقال ولكن رؤية رائعة.. المؤمن عندما يعتقد أن لا
إله غيره، ولا قوى غيره ولا سلطان غيره فلا يخشى غيره.. وماعداه صغير وضعيف ومقدور
عليه.. ولولا هذا لتهيبوا الإمبراطوريات ولخافوا الأباطرة.
الله أكبر
هزمت الروم والفرس فى القديم وهزمت
إسرائيل وأمريكا فى الحديث.. قالها جنودنا مسلمين ومسيحيين عند بداية العبور. إن
انتشار الدعوة الإسلامية من جنوب الصين إلى جنوب فرنسا، يقف أمامها
الذهن بمنطقه وقياسه مشدوها.. سيف؟ لا يمكن أن يصنع
السيف هذا، فى إندونيسيا كم مليون مسلم؟هل فتح الإسلام إندونيسيا بالسيف؟
لقد فتح هولاكو بالسيف، ولم تقم له
قائمة ولم يدم له ذكر، ولم يحبه قلب ولم يقتنع به عقل
إذن ليس السيف
إن الأمور تقيم بالجذور لا بالقشور...
الإسلام حضارة إنسانية فى موقفه من
المرأة موقفا متحضرا واسع الأفق إنسانى النزعة والفكر والشعور... وضعها فى إطار
واحد مع الرجل فى التكليف المسئولية والإرادة والتصرف. بل
أمر الله الرسول أن يبايع النساء وهذه المبايعة من فروع استقلال النساء. فى
المسئولية والرأى والاختيار حدث هذا فى القرن السابع الميلادى حين تكافح المرأة
الحديثة للحصول على حق الانتخاب فى الشرق والغرب.. وعد حصولها عليه فى البلاد التى
أقرته، تقدما ورقيا.
أعطى الإسلام المرأة حقا البيع والشراء
وحرية التصرف فى مالها
وجعل موافقتها شرطا فى صحة الزواج ونوه
بدورها فى التاريخ، وسدادها فى الرأى وقدرتها على التفكير والتدبير.. أعطاها حق
الاحتفاظ باسمها بعد ا لزواج.
لقد منح الإسلام المرأة
من الحقوق ما لم تسلم لهابه أوروبا حتى اليوم.
الإسلام حضارة إنسانية يوم دعا إلى
التفكير والتأمل، ليس فيه ضعف يخيفه ويخفيه بتحريمه المناقشة.
الإسلام حضارة إنسانية فى وقفته الواعية
بالخلفية الروحية بالوجود تلك الخلفية التى غابت عن الوعى المعاصر.
ترى الله حياة الحياة، أى السر الأسمى
لها.
وترى إبداع الكون، فى اتساقه الغريب.
ومن ثم حققت هى الاتساق فى أسلوبها.
كانت المدارس الدينية " الشافعية- المالكية- الحنفية" تدرس مع علوم الدين: الفلك-
الهندسة- الموسيقى... وهى رؤية فى العلاقات المتجانسة بين العلم والدين والفن
يسمونها " العلاقات الفاضلة".
وانطلاقا من هذا الأفق، حفظ المسلمون
الحضارة القديمة حفظ القرآن الكريم الذى ينمى ويضيف.
الإسلام حضارة حين ربط الإنسان بالكون
الرحيب ولم يحصره فى ركن واحد تحت اسم العلم أو المادة أو العصرية "يقول
جيرالد هيرد فى كتابه " The Third Moralityالقيمة الخلقية
الثالثة": إن الغرب تعس ومتخلف بتحكيمه القانون العلمى فى كل شىء حتى غدا
الإنسان آلة قابلة للتحكيم والتحكم. ومادام كل شىء (ماكينة) فكل شىء لا هدف له ولا
أخلاق له ولا قيم له).
الإسلام حضارة إنسانية يوم احترم
الإنسان منذ أربعة عشر قرنا حين سحب الغرب أو العصر الحديث، السجادة من تحت
قدميه... إن أزمة الإنسان المعاصر، أنه أبعد من الصورة. أصبح
إنسانا نمطيا، حين لا يميز- إنسانا عن آخر إلا صفة فريدة فيه.
الإسلام موهبته انه مضاد للعقلية
الحشرية والحشدية، إن اعتماد الإنسان على الله يشد المرء إلى سلطة أخرى غير سلطة
الدنيا وبدون مسئولية الفرد أمام الله تصير الأخلاق أمورا تواضعية
سئل "يونج " عن سر أزمة
أوروبا فى كتابه
The
Undiscovered Self فقال: (هى ضياع الفرد).
ولم يكن "يونج " وحده ممن
نقدوا الحضارة الغربية "برناردشو" فى كتابه (دليل المرأة الذكية)...
و"ديوى" فى كتابه عن الفردية القديمة والحديثة Individualism Old and new
وقد أشار فيه إلى التشقق فى النفس
الأمريكية و Alexes Karelle الفرنسى فى كتابه
(الإنسان ذلك المجهول).
مرة أخرى أشير الى "يونج "فى
قوله (نحن الأوروبيين نتمنى أن نتسلق قمة ديانة فلسفية ولكننا عاجزون لأننا حديثو
عهد بالتحضر.. قصارى ما نصل إليه، أن ننمو إليها.. ننمو
فى اتجاهها).
ويتساءل فلهلم Vellhilm
لماذا نترجم عن الشرق ونتعرف على الشرق؟ إنها
حاجة الأوروبى إلى الجانب الروحى فى نفس الإنسان.
إننا إذا ضممنا آيات الشورى فى القرآن
الكريم إلى آيات المجادلة الحسنه فأننا نلمح حض القرآن الكريم على وجوب دور الرأى
العام... وان الرأى العام كما يقول الشيخ محمد أبو زهرة فى كتابه (التكافل
الاجتماعى فى الإسلام) له رقابة نفسية.
ومعنى هذا أن الرأى العام له رقابة
نفسية، إنه إذا صلح، هذب الآحاد والجموع، وإذا فسد وتقاعس، فسد المجتمع.
جهلوا الإسلام فهاجموه والناس أعداء ما
جهلوا حتى لقد اعترفت وثيقة الفاتيكان التى تم طبعها إثر اجتماع مجمع الفاتيكان
الثانى والتى طبعت للمرة الثالثة 1970.
Orientations Pour un Dialogue
entre Chretiens et Muslums
التى تناشد العالم المسيحى أن يقيم
حوارا بينه وبين المسلمين.
اعترفت وثيقة الفاتيكان بمظالم الماضى
التى ارتكبها الغرب ذو التربية المسيحية فى حق المسلمين- وكأنه لم يستوعب سماحة
نبى الله عيسى عليه السلام.
ودعت الوثيقة فى روح إنصاف، إلى استبعاد
"تلك الصورة البالية التى ورثنا الماضى إياها أو شوهتها الافتراءات والأحكام
المسبقة،.
لقد قوى الإسلام بعد
الحرب المادية، على حرب معنوية لم يواجهها دين آخر... ولكن الحرب هنا من التقدير
المعكوف أو المدح الملفوف كما يقول الأستاذ العقاد فى العداوة.
إن "دانتى" على شدة عداوته
للإسلام من منطلق عصره الوسيط والحروب الصليبية- التى تمسحت باطلا فى المسيحيين،
والمسيحية السمحة منها براء.
دانتى مع إقرار الكثيرين من الباحثين
بتأثره بالتراث الإسلامى، بل بالإسراء والمعراج فى ملحمته "الكوميديا الإلهية" دانتى هذا لم
يقوَ على إنكار تقديره للفلسفة الإسلامية وفلاسفتها خاصة ابن سينا، وابن رشد
اللذين أنزلهما منزلة فكريه عالمية تركت بصمتها على الفكر الإنسانى.
ومن الطريف، انه حين أقر فلسفتهما أنكر
عقيدتهما حتى ادخلهما الجحيم، ولكن فى
أولى مراحله حيث لا عذاب ولا دموع، ولكن زفرات وحسرات ويظل الإسلام بعد هذا كله،
دينا وحضارة، شعائر وشرائع، دين العقل الحر والإنسانية الكاملة.
إن عبقرية الإسلام فى اعترافه بالحضارات
كالأديان... لم يكن موقفه الرفض بل القبول... وهو علاقة قوة ووثوق وتفتح وانفتاح.
لقد خرج الإسلام من بيئة بدوية بدائية
ثم انتقل إلى بيئات حضارية معرقة فى المدنية كمصر وفارس... فلم
يدع ولم يهدد ولم يبدد بل حفظ وصان وأضاف وأذاب رهبة الخوف أو التهيب أو التحفظ
على اقل تقدير... بل من سماحته وعالميته انه اعتبر نفسه دولة عامة يقوم بها
المسلمون جميعا حتى عاصمته السياسية سرعان ما انتقلت من موطنه الأصلى إلى الأوطان
الأخرى فهى دمشق وهى بغداد وهى القاهرة.
مهما اختلفت الآراء فى الحضارة
الإسلامية أو أصالتها فمن المؤكد أنها كانت الشعاع الذى بدد ظلمات أوربا ففتحت
عينيها على معالم جديدة للحياة الخصبة المزدهرة، بمجد العلم وآيات المدنية، تقول
الكاتبة الألمانية سيجريد هونكه فى كتابها: (شمس الله على الغرب): (لم يعد سراً أن
مصر هى الوطن الذى بزغ فيه فجر الضمير ومنها أخذ اليهود ما أخذوا، وأن العرب ظلوا
ثمانية قرون طوال يشعون على العالم علما وفنا وأدبا وحضارة... وأخرجوا، أوروبا من
الظلمات إلى النور).
أقول مهما يكن من أمر فإن أشد الناس
تعصبا لا يمكنه الإقلال من شأن النتائج الحضارية الخطيرة التى حدثت فى تاريخ
البشرية وترتبت على ظهور الإسلام.
ولايمكن مقارنة هذا الحدث بأى حدث آخر
فى تاريخ البشرية.
مهما اختلفت الآراء فى الحضارة
الإسلامية فإن هناك حقيقة ثابتة لايمكن إنكارها وهى أنه لولا العرب ما عرفت أوروبا
اليونان، الذين نقلت علومهم من العربية لا اليونانية أو غيرها من اللغات
الأوربية.. العربية التى عكف عليها الأسبانيون يتدارسونها ولاسيما بقرطبة عاصمة
الملك العربى بالأندلس، حتى هال أسقفها.. الفارو الامر، فكتب يشكو أنه لا يجد بين
الألوف من أبناء طائفته من يستطيع أن يكتب رسالة باللاتينية المقبولة، بينما يتقن
الكثيرون "العربية".
وعن العربية نقلّت أوروبا كتاب (ألف
ليلة وليلة) منذ أوائل القرن الثامن عشر إلى كل لغة حتى قال "فولتير": إنه
لم يزاول فن القصص إلا بعدأان قرأ ألف ليلة وليلة أربع عشرة مرة. وتمنى القصصى
الفرنسى "استندال " أن يمحو الله من ذاكرته ألف ليلة وليلة حتى يعيد
قراءته فيستعيد لذته. وكتاب "ألف ليلة وليلة" سجلته دوائر المعارف فى
حقولها.
وقد أفرد "فيكتور شوفان "
جزأين فى كتابه (تاريخ المؤلفات العربية) لكتاب ألف ليلة وليلة سرد فيهما مخطوطاته
ومطبوعاته وترجماته كما خصص جزء ين آخرين لخص فيهما طائفة كبيرة من حكاياته، وعكف
على الكتاب، كتاب السينما فاستخرجوا رواية (لص بغداد) و(قسمت) أو القضاء والقدر،
كما اقتبس منه رجال التعليم فى فرنسا وألمانيا وإنجلترا أدبا للأطفال فاختصروه
وصوروه .
كليلة ودمنه:
نقل الى الأسبانية واللاتينية والفرنسية
وإليها رجع "لافونتيه، وتمت القصة الأسبانية الساحرة "بيكارسك " picaresque بنسب واضح إلى المقامة العربية
وما اتصفت به من حلى الأسلوب ومارمت إليه من مغزى أدبى يستخرج من سرد
مجازفات بطل القصة.
ولولا صناعة الورق البلدية فى الأندلس،
وهى أهم ما أسداه الإسلام إلى أوروبا، لما راجت سوق الكتب إلى هذا الحد.
وقد اقترنت بموضوعات الأدب العربى،
أسماء طائفة من عباقرة الشعر فى أوروبا بأسرها خلال القرن الرابع عشر وما بعده
منهم بوكاشيو ودانتى وبتراك الإيطاليون، وشوسر الإنجليزى وسرفاتش الأسبانى وهم
دعائم التجديد تجديد الآداب القديمة.
بوكاشيو كتب 1349 حكاية (الصباحات العشر
محتذيا الليالى العربية) أو ألف ليلة وليلة ضمن مائة حكاية من طراز ألف ليلة
وليلة. وشاع كتابه فى أوروبا فاقتبس منه شكسبير موضوع مسرحيته (العبرة بالخواتيم)،All is well that ends well واستفاد
دانتى من رسالة الغفران.. ووصف الجنة عنده يشابه أوصاف الجنة فى كلام محيى الدين
ابن عربى.
و"دون كيشوت " لسرفانتس، فيها
طابع العبارات العربية والأمثال العربية وقد جزم برسكوت Prescot بأن فكاهة دون كيشوت فى صميمها أندلسية. وأهم من هذا كله أن شيوع
التعليم بالعربية كان له أكبر الفضل والأثر فى إحياء اللغات الشعبية الأوروبية
ونهضة اللغات الأوروبية الحديثة وارتقائها إلى مقام الأدب والعلم بعد إهمالها
طويلا بسبب الكتابة باللاتينية والإغريقية.
وقد تأثرت القصة الأوروبية بالمقامات
وأخبار الفروسية العربية حتى ليقول "ابانيز" : "إن أوروبا لم تكن
تعرف الفروسية وآدابها المرعية ونخوتها الحماسية قبل وفود العرب إلى الأندلس
وانتشار فرسانهم فى أقطار الجنوب".
كما تأثر بالعرب الشعراء
الجوالون Trou badour
الموسيقى: كان الأوروبيون يتعلمون
الأنغام على يد العرب فى الأندلس حتى ظلت أسماء الآلات العربية فى اللغات
الأوروبية إلى اليوم فكلمة لوت Lute
من العود وكلمة Naker من النقارة وكلمة
Cle و المفتاح الموسيقى من إقليد وكلمه Re bec من الرباب.
جاء فى موسوعة مكملان للموسيقى
والموسيقيين أن نيقولارمسكى كورساكوف قد أنشأ جماعة لدراسة ربع المقام منذ نيف
وعشرين سنة فى لننجراد.
ووضع الكندى (801- .870
)، وهو من علماء الرياضة، أسسا نظرية للأصوات الموسيقية العلم: تشهد دائرة المعارف البريطانية فى مادة
الضوء أن بحوث العرب قد هدت العلماء إلى اختراع المنظار.
إن معظم أسماء النجوم فى اللغات
الأوروبية عربية الأصل أمثال "
العقرب "
Acrab والجد ى Algadi
والطا ئر
Altair والفرقد Phercad بل إن كثيرا
من مصطلحاتها الفلكية يرجع إلى ألفاظ
عربية أمثال "السموت " Azimuth و (النظير) Nadir
.
وكان الشيرازى أول من فسر قوس قزح
واخترع الفازارى "الاصطرلاب " وهو جهاز فلكى قديم وتنبأ بمواقيت كسوف
الشمس وخسوف القمر واخترع "الروضانى" 1627- 1683 آلة كروية لقياس الزمن
يمكنها العمل عند أى خط طول أو عرض.
إن الجبر يعرف باسمه العربى فى جميع
اللغات الأوروبية، وقد ذكر "جوستاف لوبون إضافاتهم فى العلوم ووصفها بأنها فى
وقتها كانت ثورة علمية بعيدة الآثار.
ووصف "كار ساخاو، أستاذ اللغات
السامية بجامعة فينا، "البيرونى" بأنه أعظم العقول التى ظهرت فى
العالم.. كما نوه "يسلر" فى كتابه (الحضارة العربية) بابن حزم، وابن
خلدون.
ولعل من أهم اختراعات علماء المسلمين
(الصفر) فباستخدامه مع الأرقام التسعة الأخرى يمكن تكوين أعداد ذات قيم لانهائية
كما اخترع "ابن الهيثم " 965- 1069 الهندسة التحليلية وهو أبو البصريات
الحديثة.. وقد أثبت فى كتاب (المناظير) قوانين انكسار الضوء وقد وصف ابن الهيثم
جراحات العيون وأطلق الأسماء على أجزاء العين مثل الشبكية والقرنية والسائل
الزجاجى وكانت أوصافه دقيقة كما كان عمله فى العدسات، تمهيدا لاستخدامها فى تصحيح
عيوب النظر.
وقد نقلت اوروبا كتاب (القانون) لابن
سينا فى القرن الثانى عشر وهو موسوعة طبية.
وكان كتاب "الزهراوى" فى
الجراحة وتجبير العظام مرجع الجراحين الأوروبيين بعد القرن الرابع عشر الميلادى
كما يقول جوستاف لوبون. وكتب الطبيب المصرى يحيى بن عيسى بن جزلة 1080 دائرة معارف
فى علم الأمراض هو كتاب (تقويم الأبدان).
وكان (ابن النفيس) أول من وصف الدورة
الدموية فى الأوعية الصغيرة وصفا صحيحا وهو ما نسب إلى الأطباء الأوروبيين بعد ذلك
بثلاثة قرون فى عبارات ترجمت حرفيا من كتاب (ابن النفيس).وفى ميدان الحضارة
"ابن حيان، فى الكيمياء و "الإدريسى، فى الجغرافيا و
"البيرونى" و
"المسعودى".
وكان شهاب الدين أحمد بن ماجد1433-
1536، حجة فى جغرافيا المحيط الهندى، وقد قاد سفينة فاسكو دى جاما عبر المحيط
الهندى.
وقد كان Radeurigo de lob أحد أعضاء رحلة كولمبوس، أول أوربى يضع قدميه على ارض العالم
الجديد (أمريكا) متاثرا بالمسلمين فى الأندلس حتى انه بعد عودته إلى أسبانيا، أعلن
إسلامه على الرغم من وجود محاكم التفتيش فى ذلك الوقت.
واصطلاحات الملاحة الأوروبية تشير إلى
أصلها العربى فكلمة Admiral من أمير البحر وكلمة Arsenal من دار الصناعة وكلمةrisk بمعنى المغامرة من رزق وغير هذا كثير خاصة فى
اللغة الأسبانية.
إن الغرب اليوم يسلك الدول العربية
والإسلامية فى عداد العالم الثالث إلا أن عدد المؤهلين فى العلوم الهندسية الذين
هاجروا من الدول الإسلامية إلى أمريكا وأوروبا يقدر بنحو ثلاثين ألفا وصل بعضهم
إلى مراكز قيادية فى أعمال البحوث والتطوير فى بيئتهم الجديدة وهناك 754 من هؤلاء
المتخصصين ظهرت أسماؤهم فى الطبعة الأخيرة من كتاب (رجال ونساء العلم الأمريكيون)
منهم 321 من الدول العربية و167 من الهند وباكستان و106 من إيران وأفغانستان و76
من تركيا وهى دول إسلامية.
مما يعد امتدادا لعطاء الإسلام حضارة
وشعوبا....