الإسلام وتكامل
الحضارات
إعداد الدكتور: حامد بن
أحمد الرفاعى
الأمين العام المساعد
لمؤتمر العالم الإسلامي
الأستاذ بجامعة الملك عبد
العزيز بجدة
الحمد لله رب العالمين
والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد ابن عبد الله وعلى آله وصحبه وصلوات
الله وسلامه على أنبياء الله ورسله أجمعين.. وبعد:
إن الإسلام دعوة للناس جميعا ومن خصائصه
الشمولية والتأكيد على وحدة الأصل البشرى والتعايش وتحقيق المصالح البشرية، وإن
موقع العالم الإسلامى يمثل نقطة ارتكاز هامة فى حركة التوازن والاستقرار الدولى،
لذا لابد أن يدرك المسلمون أهمية وفعالية مكانتهم ودورهم على الساحة العالمية، مع
إدراك واجب التكليف الربانى لهم باعتبارهم الآمة الوسط التى بوأها ربها مهمة
الشهود الحضارى بين الناس، ولتحقيق هذه الغاية لابد من الانفتاح بكل موضوعية وحكمة
باتجاه العالم لتحسين وتقوية العلاقات بين مجتمعاتنا والمجتمع الدولى من خلال
تقديم منهجنا الإسلامى العالمى، وتـصوراتنا وقيمنا فى التعايشى الإنسانى، وتخفيف
التناقضات الثقافية والمنهجية بين نظرة المسلمين وتصورهم للعلاقات الدولية
والمشاركة فى إقامة نظام عالمى عادل ونظرة الآخرين وتصوراتهم تجاه هذا الأمر،
ولتحقيق ذلك لابد من:
أولا: العمل على وحدة الخطاب الحضارى
الإسلامى على أساس من تصور موضوعى وعلمى لمفاهيم المنهج الحضارى الإسلامى، الذى
يرتكز على ثوابت قيمية ربانية، تشكل أساس التصور الإسلامي للسير الحضارى فى الأرض،
وتحدد الأهداف العليا والمقاصد الكلية للشريعة الإسلامية التى جاءت لتحقق مصالح الإنسان وتسهيل مهمته
وطموحاته وغاياته وهو يؤدى مهمته الأساسية فى عمارة الأرض، التى استخلفه ربه جل
شأنه فى الأرض من أجلها.. ويمكننا ان نستعرض ثوابت المنهج الحضارى الإسلامى على
النحو التالى:
1-
كرامة الإنسان:
الإنسان وكرامته هما من أبرز ثوابت المنهج
الحضاري الإسلامى.. فإنسانية الإنسان وآدميته أمر مقرر فى الشريعة الإسلامية..
فالإنسان أعلى مراتب المخلوقات فى الأرض، فهو أحسنها خِلقة وخلقاً لقول الله تعالى
( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم) (التين 4) وهو مكرم لذاته ولآدميته
بصرف النظر عن ثقافته وهويته السياسية وذلك لقول الله تعالى ( ولقد كرمنا بنى
آدم ) (الإسراء 70)، لذا فان حفظ النفس البشرية واحترام آدميتها هو المحور
الذى تدور حوله قيم المنهج الحضارى الإسلامى، فالإسلام هو المنهج الوحيد الذى جعل
قيمة حياة الإنسان الحفاظ على وجوده تعدل الكل الإنسانى تعظيما للذات الإنسانية
وكرامتها وهذا واضح بين فى قول الله تعالى ( أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد
فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا( ... الآية
(المائدة 32)، بل إن كثيراً من أحكام الحلال والحرام تواجه بأحكام استثنائية يوم
تتصادم مع آدمية الإنسان وسلامة حياته وتحقيق مصالحه.. وهذا فى قوله تعالى ) فمن اضطر غير باغ
ولا عاد فلا إثم عليه) (البقرة 173)، فتهديد حياة الإنسان وانتهاك
سلامة الإنسان وكرامته أخطر وأشد عند الله تعالى من انتهاك محرماته.. فتلك
التحريمات ما كانت أصلا إلا من أجل مصلحة حياة الإنسان وسلامته وكرامته.. فيوم
تتصادم وتتعارض مع ذلك فإنها تستباح بأمر الله الذى سنها وشرعها.. إكراما للإنسان وتعظيما لحياته وسلامتها.. وذات يوم مرت جنازة
برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام لها تكريما و إجلالا فقيل له: إنها جنازة
يهودى فقال عليه الصلاة والسلام "أليست نفسا " فالنفس الإنسانية مقدرة
لذاتها معظمة لآدميتها بصرف النظر عن هوية انتمائها الدينى أو العرقى أو الجنسى أو
اللونى.
2-
الاستخلاف فى الأرض:
الإنسان مستخلف فى الأرض باعتباره سيد
المخلوقات وأقدرها كفاءة واكملها خصائصا حيث كلفه ربه جل شأنه بمهمة عمارة للأرض
لقوله تعالى:
) إنى جاعل فى الأرض خليفة( (البقرة 30 ) وهذا الاستخلاف هو تأكيد على تكريم الإنسان والرفع
من شأنه ومكانته عند خالقه.. وقد فطره على خصائص وخصال وسمات تؤهله لهذه المهمة
العظيمة والمسئولية الخطيرة.. من أهمها حب الخير والرحمة والمودة.. وعشق الحرية
والمساواة والأمن والاستقرار والارتباط بالأرض وحنانه للالتصاق بتربتها وأجوائها..
فالأرض موطنه الأكبر وميدان طموحاته وأماله.. فهى وطن إنسانيته وأدميته التى
تحتضنه مع إخوانه من بنى أدم مما يولد عنده نزعة "المواطنة الإنسانية، التى
يؤكدها المنهج الحضارى الإسلامى بقول الله تعالى ( هو الذى جعل لكم الأرض ذلولا
فامشوا فى مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (الملك 15)، فالأرض موطن
الإنسان مسخرة له ليتعايش فى مناكبها مع غيره من بنى أدم متعارفين متعاونين على
أساس من معايير احترام قيم الإنسان وكرامته التى قررها خالقهم وربهم كما يقول جل
شأنه ( يا أيها
الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند
الله أتقاكم ) (الحجرات 13)
3- عالمية
منهج لاستخلاف:
إن الله سبحانه وقد كرم بنى آدم
واستخلفهم فى الأرض فقد شرع جل شأنه للإنسان منهاجا يحقق به مهمة الاستخلاف
الربانى فى الأرض... وجعل قيم هذا المنهج عالمية الخطاب
والمقصد إنسانية القيمة والمضمون.. ومنهج الاستخلاف الربانى لعمارة الأرض يقوم
بالفهم الحضارى الإسلامى على مرتكزين اثنين.. أولهما "مرتكز القيم
والسلوكيات" وثانيهما "مرتكز العاديات والمهارات " والتعامل الصحيح
والإيجابى مع منهج الاستخلاف الربانى لعمارة الأرض يتحقق بالتكامل والتوازنية
الدقيقة بينهما، وأى خلل يصيب هذا التكامل أو ينتهك هذه التوازنية إنما هو خروج
وتعطيل لمنهج الاستخلاف الربانى، مما يولد سلبيات ومخاطر على ثمرات الجهد الانسانى
الحضارى فى الأرض.. وأساس مرتكز القيم والسلوكيات.. الإيمان بالله خالق الإنسان
والسموات والأرض وما بينهما وبرسله.. وأساس مرتكز
الماليات والمهارات.. الإيمان بأن الأرض والسماوات وما
فيهن إنما هو مسخر للإنسان وخير الإنسان وسعادة الإنسان وأمن الإنسان.. والناس فى
ذلك شركاء وأصحاب حق مطلق لايحق لأحد أن
يستأثر بذلك دون غيره من الناس أو على
حساب غيره من بنى البشر.. وهذا لا يلغى الخصوصيات الإقليمية والقومية أو
التفوق على أساس المنافسة فى الإبداع والمهارات.. فهذا
أمر مطلوب ومرغب فيه كما هو فى التوجيه من رسول الله محمد بن عبدالله عليه أفضل
الصلاة والتسلم "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه " ولكن الأمر
غير المرغوب فيه والمرفوض هو ان طغى الخصوصيات وتتسع على حساب حق الآخر والبر
بالآخر وحب الآخر والتعايش بأمن وسلام مع الآخر.. فهذا إن حصل فهو يتناقض ويتصادم
مع قيمة من أبرز قيم عالمية المنهج الحضارى الربانى.- قيمة حب الخير للناس كما هو
فى توجيه سيدنا رسول الله محمد ابن عبدالله صلى الله عليه وسلم- "خير الناس
من أحب الناس " بل يتعارض مع خطاب التوجيه الربانى لرسول الله صلى الله عليه
وسلم ( و ما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ) (الأنبياء 107 ).
4- فى إطار هذه المقومات الثلاث
"كرامة الإنسان، وطنية الإنسان، حضارة الإنسان " التى يقوم عليها المنهج
الحضارى الإسلامي.. لابد ان توحد مفاهيم وصيغ الخطاب الحضاري الإسلامي ونحن نتعامل
مع الآخرين فى السعى لإقامة نظام عالمي عادل. تتعايش فى ظلاله وعلّى أساس من قيمه
المجتمعات البشرية التى تجمعها هموم مشتركة وطموحات مشتركة من أهمها: الحرية،
العدل، الأمن، الرخاء، السلام.. فهذه الكليات الخمس
جديرة بأن تكون منظومة حضارية إنسانية.. يتعاون الناس جميعا على تحقيقها ومحاربة
كل مايعيق الوصول إليها والتمتع بفضائلها وادبياتها مع إعطاء الفرصة الكاملة
للخصوصيات الإقليمية والعرقية والدينية والقومية التى لا تتصادم ولا تتعارض مع هذه
المنظومة ومقاصدها الإنسانية العليا، وبذلك تكون هذه المنظومة الحضارية منظومة
تكامل لا منظومة تصادم كما يريدها "صموئيل هانتفتون " ولا منظومة هيمنة
واستعلاء بمعايير خاصة لجهة ما فى الأرض كما يدعى "فرانسيس يوكوهاما".
ثانيا: إن المنهج العملى والموضوعى
للتعريف بقيم ومفاهيم المنهج الحضارى الاسلامى يتطلّب ما يلى:
1- تقديم دراسات عميقة وموضوعية خول
مفاهيم وقيم ومبادىء الإسلام العالمية، وتقديم دراسات حول المناهج التطبيقية
التاريخية والمعاصرة التى تؤكد جدية النهج الإسلامى وصلاحيته فى الدعوة إلى تعايش
بشرى عالمى، مع اختلاف الأديان والأعراق والأجناس.
2- التعرف على التيارات الكبرى فى
العالم وموقفها من الإسلام سواء تلك المنصفة أو المتطرفة لإجراء حوارات بمبادئ
للتعريف بناءه الإسلام وقيمه، مع تنبيه إلى خطورة معاداة العالم الإسلامى وإبراز
الآثار السلبية لهذه الظاهرة على الأمن والاستقرار الدولى، والتأكيد بأن تجاهل
القدرات الإسلامية وتجاوزها يشكل عقبة كبيرة فى طريق إقامة أى نظام عالمى مستقر وعادل.
3- إرسال وفود من الفعاليات الإسلامية
المتنوعة رسميا وشعبيا لزيارة المسئولين فى الدول الكبرى فى العالم وكذلك المنظمات
الدولية للتعريف بالإسلام وقيمه ومبادئه للتعايش الإنسانى وتقديم مشروع حول التصور
الإسلامى فى إقامة نظام عالمى عادل.
4- الدعوة إلى مؤتمر عالمى لبحث
أخلاقيات البث الإعلامي المباشر ومخاطره على تربية الأجيال والمطالبة بعقد اتفاقية
دولية لحماية القيم الدينية والفضائل الإنسانية ومنع بث برامج الجنس والعنف
والرذيلة.
5- تشجيع قيام معاهد ومراكز وجمعيات
ونواد للحرار الفكرى فى العالم بين المسلمين وغيرهم مع بذل الجهد لوضع منهج واضح
للتنسيق بينها.
6- التأكيد على القواسم المشتركة
والموضوعية فى الحوار والجدال بالتى هى أحسن والتركيز على تطلعات الإنسان وآماله
فى السلم والعدل والرخاء.
7- تكوين الدعاة من المناطق التى تسكنها
الأقليات الإسلامية ليقوموا بتبليغ بنى قومهم ودعوتهم إلى الإسلام والتركيز على
قيمه العالمية.
8- عرض التصورات الإسلامية الأصلية عن
قضايا الحياة كحقوق الإنسان والعلاقات الدولية وحقوق المرأة والنظام
الاقتصادى وإزالة الشبهات التى تلصق
بالإسلام فى الأذهان عبر الكتب ورسائل الإعلام.
9- المساهمة فى تحمل أعباء المشاكل
الإنسانية الطارئة الناتجة عن الكوارث دون تمييز أو تفرقة.
10- العمل على تشجيع الدراسات الإسلامية
فى الجامعات العالمية مع توفير الإمكانات المطلوبة لتحقيق ذلك.
وختاما نؤكد على أن المنهج الحضارى
الإسلامى يدعو الى التكامل بين الحضارات على أساس من القيم الإنسانية الربانية
وعلى أساس من الترشيد والتصحيح الحضارى المشترك.. وفى المقابل فأن المنهج الإسلامى
يرفض ويمقت الدعوة إلى التصادم الحضارى والصراع الحضارى ويعتبر ذلك من الفساد فى
الأرض حيث يؤكد ذلك فى قول الله تعالى: ( ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا
فى الأرض مفسدين.. ) (الشعراء 183)، كما يؤكد المنهج الحضارى الإسلامى على أن
قضية العدل والإحسان إلى الناس هى مهمته فى الأساس فهى أم الفضائل ومرتكز كل خير
ومبعث الأمن والرخاء والاستقرار والسلام.. وذلك فى قول الله تعالى: (إن الله
يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذى القربى ) (النحل 90
)
كما يؤكد المنهج الحضارى الإسلامي على
أهمية وضرورة التعاون والتنافس بين
المجتمعات من أجل إقامة الخير فى الأرض وصرف الفساد عن ربوعها وذلك فى قوله تعالى:
( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)
(البقرة 251)
كما يؤكد المنهج الحضارى والإسلامي احترام
المواثيق والعهود بين الناس حيث يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا
بالعقود) (المائدة 1 ) ، هذه هى بعض مقومات الخطاب الحضارى الإسلامى.. التى
نمد يدنا على أساسها ووفق معاييرها الإنسانية العليا لكل الناس من أجل حياة
إنسانية كريمة يشيع فيها العدل والأمن والاستقرار والرخاء والسلام للجميع.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .