بيان القاهرة
من أرض مصر الطيبة التى عرفت التدين منذ فجر التاريخ، ومن القاهرة قلعة
الإسلام والعروبة التى استشعرت مخاطر إبعاد الدين عن ترشيد معطيات الحياة المعاصرة
مع ما له من أهمية قصوى لتصحيح المسار وهداية الإنسان كانت المبادرة المصرية
للّدعوة إلى الحوار بين الحضارات والتى انطلقت من المجلس الأعلى للشئون الإسلامية
لعقد هذا المؤتمر فى الفترة من 8- 11 ربيع الأول 1417 هـ الموافق 24- 27 يولية
1996م.
وشارك فيه ممثلو أكثر من سبعين دولة من جميع أنحاء العالم الذين أمضوا أيام
المؤتمر فى حوارات ومداخلات كان حصادها التأكيد على قيمة الحوار وأهميته كعامل
فعال فى. إقرار السلام وتخفيف حدة التوتر والاستقرار فى العالم.
لقد دعت مصر إلى هذا المؤتمر العالمى بقلوب مفعمة بالصفاء وعميق الود،
وبعقول أكثر انفتاحاً وأقوى عزماً على تحقيق المزيد من التفاهم والتعاون بين أتباع
رسالات السماء جميعاً لحماية الإنسان فى عصرنا من نفسه ومن ضعفه ومن طغيان نزواته
وشهواته حتى يكرس كل طاقاته وإمكاناته فى التعمير والبناء وتوسيع فرص الأمن
والسعادة له وللأجيال القادمة فى ظل تعاليم الأديان السماوية ووصاياها.
إن عالمنا فى القرن العشرين- ومنذ انتهاء الحرب العالمية الثانية قد عانى-
وما يزال يعانى- الكثير من المحن والفتن والحروب الصغيرة والصراعات علّى الحدود أو
على الموارد أو الرغبة فى التسلّط مما كلّفه أفدح الأثمان من أرواح أبنائه ومن
طاقات شعوبه. وقد ساعد ذلك علّى ترسيخ أسباب التخلف من الفقر والجهل والمرض فى
كثير من بلاد العالم الثالث وانتشار ظاهرة التطرف والعنف والإرهاب فى العديد من
مناطق العالم.
وإذا كان هذا هو
حال عالمنا المعاصر وكانت هذه صورة واقعة، فلا مخرج منها إلا باستلهام رسالات
السماء لما للأديان من أثر عظيم فى ضبط التوازن النفسى والفكرى و السلوكى للإنسان.
من هنا كان من
الضرورى بعث وتنشيط أسباب التعاون بين أتباع الأديان جميعاً بالدعوة إلى الحوار
البناء بين أتباعها ليحددوا معاً معالم الطريق لحماية الإنسان من الأخطار التى
تهدد مستقبل الإنسانية كلها.
ولقد نشأت فكرة
هذا المؤتمر انطلاقا من عدة حقائق أساسية:
الحقيقة الأولى:
تتمثل فى أننا
نعيش الآن فى عصر انهارت فيه الحواجز الزمانية والمكانية بين الأمم والشعوب بدرجة
لم يسبق لها مثيل بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات، فلم تعد الشعوب تعيش فى جزر
منعزلة عن بعضها بل أصبح هناك تداخل حضارى وتشابك ثقافى بشكل لم تعرفه البشرية من
قبل.
أما الحقيقة
الثانية:
فإنها تتمثل فى
أن الإسلام منذ ظهوره قد تبنى الدعوة إلى الحوار بين الأديان والتعايش السلمى بين
البشر. فقد تحاور النبى- صلى الله عليه وسلم- مع أهل الأديان الأخرى، ونادت تعاليم
الإسلام بالتعارف والتآلف والتعاون المشترك بين الناس أجمعين.
أما الحقيقة
الثالثة:
فهى أن مصر كانت
منذ فجر التاريخ مهد الأديان والحضارات وهى فيما
بعد بلد الأزهر
الشريف مركز الإشعاع الحضارى للعلوم الإسلامية،و الذى تحمل منذ أكثر من ألف عام
الدعوة إلى قيم الإسلام وتعاليمه السمحة فى المحبة والإخاء والتسامح والسلام
والاعتدال والوسطية.
وانطلاقا من هذه
الحقائق كان اختيارنا لموضوع مؤتمر هذا العام هو (الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى)
فالإسلام من حيث هو دين قد اشتملت دعوته على جوهر القيم الإنسانية النبيلة، وهو فى
الوقت نفسه دين حضارة وعلم وتقدم.
وقد توزعت محاور المؤتمر
لتغطى هذا الموضوع الهام. فكان لابد فى البداية من طرح التساؤل حول ما يجرى الآن
فى عالمنا: أهو حوار بين الحضارات أم صراع بينها.
وهنا كان من
الضرورى أن يتضح موقف الإسلام من هذه القضية، وهو موقف يجعل الصراع استثناء من
القاعدة. فالقاعدة التى تحكم العلاقات بين الشعوب من وجهة النظر الإسلامية هى
قاعدة التعارف والتآلف والتعاون لا قاعدة الصراع والمشاحنات.
وعندما يكون
الحديث عن الحوار بين الحضارات فإن الحوار. بين الأديان
يعد محورا رئيسيا لا يمكن تجاهلّه. فالدين يشكل العنصر الأساسى فى كل
حضارة. ومن هنا كان لابد أن يكون هذا المحور هو المحور الرئيسى فى الموضوع كله من
حيث الأهمية. وذلك لما للدين من تأثير عميق فى النفس البشرية.
والأديان فى
جوهرها وفى ختامها الإسلام، تدعو جميعا إلى المحبة والإخاء والسلام بين جميع
البشر، ومادام السلام هدف كل الأديان وكان الحوار بين الأديان ضرورة لابد منها
لبلّوغ هذا السلام فقد كان الأمر فى حاجة إلى التمييز الدقيق الواضح بين رسالة
الأديان وموجات التطرف التى تجتاح الكثير من بلاد العالم.
فالتطرف فى الفكر
أو فى فهم الدين وما يتبع ذلك من تعصب وانغلاق وإرهاب أمور لا صلّة لها بالدين حتى
وإن وصف مروجوها أنفسهم بصفات دينية ورفعوا لخدمة أهدافهم شعارات براقة خادعة. ومن
هنا كان موضوع المحور الثالث حول الحوار والتطرف. فالحوار أسلّوب حضارى، والتطرف
أسلوب معاد للحضارة والتقدم.
ونتيجة طبيعية
لذلك يأتى التعايش بين البشر كمحور أخير لتوضيح أن هذا التعايش هو الضرورة الحتمية
التى لا مفر منها إذا أريد لهذا العالم أن يستمر، وإذا أريد له المزيد من التحضر.
ومن خلال هذه
المحاور وما دار حولها من بحوث ومناقشات يوجه المؤتمر رسالة إلى العالم أجمع
قوامها التأكيد علّى الحوار بوصفه اللغة الحضارية الوحيدة التى تؤدى إلى ما ينشده
العالم من تقدم وازدهار، والتأكيد على أن التطرف والعنف والإرهاب ظواهر شاذة لا
صلة لها بالأديان وينبغى أن تتكاتف جميع الجهود لمواجهتها والوقوف فى وجه انتشارها
لأن الأديان جميعا تدعو إلى التعايش الإيجابى المشترك بين البشر جميعا.
وهذه كلها أمور
من شأنها أن تشد من أزر محبى السلام فى العالم لتوحيد الجهود وتنسيق المواقف ووضع
الخطط المشتركة من أجل إنقاذ عالمنا
الذى نعيش فيه
مما يتهدده من أخطار، وما يؤدى إليه ذلك من انتكاسة حضارية.
إن الآية
القرآنية التى كانت شعار هذا المؤتمر والتى تقول:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من
ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) (1).
إن هذه الآية
تلفت نظرنا إلى أن الناس جميعا ينحدرون من أصل واحد، وهذه حقيقة ينبغى أن تستقر فى
الأذهان. فليست هناك شعوب أسمى مرتبة وأرفع مكانة من شعوب أخرى، فكلها مخلوقة لله
الواحد الذى وهبها العقل ومنحها الكرامة وفضلها على بقية الخلّق.
ومما لا شك فيه
أن عالمنا الذى نعيش فيه فى أشد الحاجة إلى الوعى بهذه المعانى وترجمتها إلى أرض
الواقع حتى نحمى عالمنا من الانهيار.
وإن
من الواضح لكل إنسان عاقل ومسئول أن الحروب والعدوان
والرغبة
فى التوسع على
حساب الآخرين، وكذلك السلبية وعدم الاكتراث لما يحدث فى العالم، أمور من شأنها أن
تزيد من تدمير عالمنا. ونحن جميعا مطالبون بوضع حد لهذه العملية التدميرية لهذا
العالم.
وإن العلم الحديث
والتكنولوجيا إذا كانا يهدفان إلى معرفة الموضوعات المادية وتحليلها والتحكم فيها،
فإن العقل الإنسانى يريد أن يرشد الإنسان إلى عالم الحقيقة التى يحتاج فى معرفتها
إلى الدين سعيا وراء إقرار مبدأ العدالة وبلوغ السلام. فالسلام
لا يمكن أن يقوم إلا على أساس من العدل.
وكما أن الأرض فى حاجة إلى الماء لكى تنبت الزرع
وتؤتى ثمارها فإن الإنسان كى يستطيع أن يعيش ويبدع وينتج فى حاجة كبرى إلى السلام
والعدل.
إن المؤتمر يوجه
نداء إلى كل العقلاء فى العالم للّوقوف صفا واحدا من أجل السلام. وإذا
أردنا أن نقيم السلام فى العالم فلا يجوز لنا أن نعيد الحياة من جديد إلى عدا وات
الماضى البعيد أو القريب وما سببته من عقد مختلفة وعواقب وخيمة. ومن ثم نناشد
العالم أن يتجه إلى بناء المستقبل بفكر إيجابى من أجل تحقيق السلام ، ودعم
التنمية، والأخذ بيد البشرية إلى مستقبل جديد من الإخاء والوئام.
والسلام عليكم
ورحمة الله وبركاته.
المراجع
(1) الحجرات :13