الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثامن : الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى
 
الرخيم " الحمد لله رب العالمين، والصلافى والسلام على نبيه سيد المرسلين، وبعد: الى ملك انجلترا وايكوسيا واسكنديناوة الأجل، لقد اطلعت على

دور الإسلام والأديان

فى تعزيز التعاون الدولى

للسفير نبيل محمد بدر

أود فى البداية أن أعبر عن تقديرى للتوفيق فى اختيار عنوان هذا المؤتمر عن "الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى"  وهو الموضوع الذى يحوز اهتماما ملحوظا على الساحتين الإسلامية والخارجية معا، ويحظى بحضور وثقل واضح، خاصة وقد تراوحت الآراء التى أثيرت حوله ، فبينما التزم بعضها بالموضوعية الواضحة والمرجعية السليمة، اشتط الآخر فى التناول والاستدلال لأسباب وعوامل شتى سوف نتناولها من خلال هذا العرض.

ومهما كان الأمر فمما لا شك فيه أن آفاق الموضوع على الساحتين الإسلامية والعالمية تغطى مساحات واسعة من الاهتمامات والمصالح المتشابكة وهو الأمر الذى يلقى بظلاله أيضا على مجالات التعاون الدولى ومن هذا المنظور سوف نتعرض للموضوع من حيث النظر إلى الظواهر السائدة وأثرها، وما يمكن بذله فى مجال العلاقات الدولية لوضع الأمور فى نصابها، ودفعها لمساراتها الإيجابية والبناءة، ونشير اتصالا بذلك إلى ما يلى:

أولا:

إننا لا يمكن أن نغفل أن العالم يمر بتطورات متسارعة ذات دلالات عميقة تتداخل من خلالها أحداث منها ما يجعل بعض البشائر الطيبة وأخرى واضحة السلبية.

ثانيا:

إننا لا يمكن أن نغفل- ونحن نتحرك بهذا التوجه- دور الدين ودور الثقافة الإنسانية وحوار الحضارات. ونعتقد أن الفهم السليم لهذه الأمور هو عنصر ضرورى  ولازم لا ينفصل عن السعى الدؤوب لتحقيق نظام عالمى أفضل.

ثالثا:

إننا نلاحظ أيضا أن التطورات المتلاحقة عالميا، والسرعة التى تمت بها تحولات تاريخية تجعل توجيه عناية خاصة لعقد جديد يوفر فهما أفضل للأديان، وقيام احترام متبادل بينها، والبعد عن النظرة الفوقية أو الانعزالية أو العدوانية، أمراً حيويا بدلا من استقطاب العداء ضد عدو متصور يروج له البعض..

رابعا:

اتصالا بما سلف فإنه إذا كانت التطورات السياسية والاقتصادية والأمنية قد استحوذت على جانب كبير من الاهتمام الدولى، فإننا لا نشعر أن موضوعات تطرح نفسها بقوة على الساحة، مثل تحقيق فهم أفضل للأديان وما يتصل بذلك من توعية مناسبة وثقافة وتعاون وسلوك وتعاون دولى معبر عنها ومعايير عادلة واحدة لإصدار الأحكام، قد نالت نفس الاهتمام.

صراع أم وفاق؟

إن المتابع لبعض روافد الفكر والاتجاهات العالمية لا يغيب عن نظره إرهاصات تتواتر خلالها دعاوى تبتعد تماما عن مسارات الحوار والتعاون. ويتأسس الفكر السلبى الذى نتحدث عنه على فلسفة تصنف العالم إلى مجموعات وتكتلات دينية ثقافية حضارية تتباعد بينها المسافات ويشتعل أوار الصراع . والخطورة هنا أن الأمر بالنسبة لأصحاب هذا الرأى ليس تفاوتا طبيعيا وقائما كما أنه ليس جديدا أو دخيلا على الحضارات والثقافات، إنما هو تأسيس المصالح والعلاقات بين البشر على أساس قيام هذه التكتلات المتنافرة المتصارعة، وبالتالى فسوف يطغى ويعلو ضجيج التنافر بين هذه الكتل الدينية الحضارية الثقافية لا التآلف لما عداه من اعتبارات، وسوف تتشكل الحركة الدولية والتعاون الدولى عاكسة لذلك، حيث تسعى هذه التكتلات لفرض رؤيتها تبعا لمصالحها وقدراتها ضاربة عرض الحائط بالآخرين، فى إطار يضم محاور الصراع، محاذرة من الآخرين ومتحفزة لإدارة صراع دولى، ينبنى على هذه الرؤية وتداعياتها، بدلا من حوار وتعاون دوليين.

وبداية فمن الواضح أن هذه النظرية تقوم على رؤية "فوقية" للأمور خاصة أنها حددت سلفا ما تعتبره "نمطا مثاليا" أو "نموذجا عالميا" يحتذى به حضاريا وثقافيا، كما أنها تقيس على هذا الأساس الآخرين  بصرف النظر عن العوامل التى تحيط باختيارها، أو أثرها على التعاون الدولى. بل إنها تشتط فى الأمر حيث تربط بين صراع الثقافة والحضارة وصراع المصالح أيضا فى حدود رؤيتها ونظرتها للأمور، بحيث يصبح التأثير المتبادل المعتمد على الاختلافات الحضارية وتبادل المصالح وترتيبها تبعا لذلك لاعبا رئيسيا فى توسيع مساحات التضاد والانعزال، لا دافعا لإقامة الحوار أو البحث عن فلسفة مغايرة وقواسم مشتركة. ونتيجة لهذه النظرة، واستطرادا من هذه الرؤية يصبح التمييز وازدواجية المعايير من وجهة نظرها أمرا طبيعيا ومنطقيا، اتساقا مع عملية "التكتيل، والتجميع " بناء على التصنيف الذى تتبناه، وهى تحصر أواصر التعاون الدولى ضمن إطار ومنظور ضيقين ومتحيزين، فهى تحذر من حضارات الآخرين وتحث الغرب على مواجهة ما تعتبره أخطارا تهدده وترفع شعار "الغرب والآخرين "

   THE WEST AND THE REST ” ، باعتبارهما مختلفين متناقضين دائما.

ويصبح بالتالى معنى ما يبشر به من وصل بهم الأمر إلى حد "تنظير" فكرة صراع الحضارات مبشرين بمستقبل من الصدام المحتوم والدائم، الذى يمتد فى صوره المختلفة والمتشعبة إلى كافة المجالات والمصالح، استمرارا لهذه الظاهرة طالما استمر التمايز الطبيعى والبشرى بين الثقافات والحضارات. وبدلا من تعاونها وحوارها فهناك البديل المطروح وهو صراع دائم أو ذوبان كامل فى النمط والنموذج الذى يعرفونه ولا يرغبون فى معرفة غيره.

إن هذه التكتلات تدفع العالم ليصبح جزرا قائمة بذاتها تفصل بينها والآخرين هوة الاختلاف. وعادة ما تقترن هذه النظرة برؤى أحادية أو فوقية واستعلائية تميل إلى وضع الأمور فى قوالب تتسم بالجمود ولا تتسع للتنوع.

وفى المقابل نقول: إن العالم يتسع لكثير من الألوان والظلال والتنوع حتى فى ظل الخصوصية أو حتى الاختلاف فى إطار من الانسجام والفهم المتبادلين. إن تمايز المجتمعات والثقافات أمر قائم  ووارد، وليس ظاهرة جديدة أو مستحدثة على التعاون الدولى وأطره، وليس فى ذلك تناقض بين طبيعة الأمور أو النظرة إلى التعاون والسلوك الدوليين الذى ينبغى أن يتسع إطاره للقبول والفهم والحوار الجاد والبعد عن حملات التشكيك، أو دعاوى العنصرية، وبث الفرقة والاختلاف بين أبناء المجتمع الإنسانى،  بسبب الدين أو الثقافة. كما لا ينبغى افتراض وحدة العادات والتقاليد، أو أن تتحكم النظرة التى تتصور أن المجتمع الإنسانى المثالى ينبغى تشكيله فى قالب واحد يعتبر قياسا وحيدا للحكم على الأمور. بل إن المتصور أن تتسع النظرة للتعدد مع الانسجام والسلام، وتأسيسا على القيم الإنسانية المشتركة. بل إن الملاحظ أن الحاجة إلى ذلك تزداد وتتعاظم نظرا لسيولة النظام الدولى حاليا، وإننا نعبر مرحلة انتقالية، ينبغى أن نعمل كمجتمع بشرى دولى على اختيار لبناتها بعناية، حيث إنها سوف تشكل بناء المستقبل.

وأقتبس لكاتب يتبنى فكرة الصراع فيقول: "إنه من مصلحة الغرب على المدى القصير أن ينمى تعاونا ووحدة متزايدة فى إطار الحضارة الغربية وبخاصة بين عناصرها فى أمريكا الشمالية وأوروبا، وأن يضم إلى الغرب المجتمعات فى شرق أوروبا وأمريكا اللاتينية التى تتقارب حضاراتها مع الغرب، وأن ينمى ويحافظ على علاقات تعاون مع روسيا الاتحادية واليابان، وأن يمنع تصعيد صراعات داخل هذه الحضارات أو تحولها إلى حروب حضارية عظمى، وأن يسعى لتحديد توسع القوى العسكرية الكونفوشوسية والدول الإسلامية، وأن يعتدل فى تخفيض القدرات العسكرية الغربية، وأن يحتفظ بتفوق عسكرى فى شرق وجنوب شرقى آسيا، وأن يستثمر الخلافات والصراعات بين الدول الإسلامية والكونفوشوسية وأن يدعم التجمعات والمؤسسات الدولية التى تعكس المصالح الغربية وتقننها وكذلك قيمها، وأن يسعى إلى إشراك  الدول غير الغربية فى هذه المؤسسات ".

دور المفكرين والإعلام فى دعم ثقافة التعاون الدولى:

ولعلكم توافقوننى الرأى على أهمية تفنيد هذه الدعاوى والترويج لأفكار بناءة للحوار والتواصل الحضارى بديلا عنها وللظروف التى أشرنا إليها.

 كما أنه مما يزيد من الضرورة الحتمية لذلك أن ثورة الاتصالات التى يمر بها العالم ينبغى أن تكون عاكسة لرؤى إيجابية داعمة لقيم الحوار والتعاون الدولى داحضة لدعاوى الاستقطاب، بحيث تسهم فى تحقيق فهم متعمق بين الشعوب والحضارات.

لقد كان من الواضح- إعلاميا- كم استثمرت أخطاء من بعض المنتسبين للإسلام، وأحيانا سادت المبالغة فى عرض الأمور كما أن عدم دقة العرض قد أتاح للبعض تجسيم ما يسمى "بالخطر الإسلامى  " أو "الخطر الأخضر" بصورة أو بأخرى ، من أجل مصالح معينة، أو لصالح أطراف بذاتها ترفع رايات الخطر، بينما تمارس أبشع صور الاعتداء على استغلال وحرية وإنسانية قطاعات من الشعوب الإسلامية وتسعى إلى تكثيف رأى عام مساند لها مستخدمة وسائل الإعلام وانتشارها على نحو لا يجوز للإساءة والتشويه.

إن الصراحة تقتضينا أن نذكر أنه مما أسهم فى ذلك أخطاء وقعت من بعض المنتسبين إلى الإسلام أو رسالات سلبية من بعض نظم تحمل تصرفاتها على هذا الدين، وبنفس القدر فإنه ينبغى أن نشير أيضا وفى هذا السياق إلى أنه لا ينبغى تحميل الدين ذاته هذه التجاوزات، فضلا عن ضرورة فهم الحقائق الأساسية بالنسبة للإسلام كدين، وكذلك ظروف وتطورات تاريخية تمر بها العديد من الدول الإسلامية، كما تمر بها أيضا مجتمعات غير إسلامية فى إطار التطورات العالمية الجارية. ولا يجوز أن يحمل الإسلام كدين بتصرفات لا يقرها، ولا تنبع من فهم سليم لمقاصده، كما أعتقد أنه لا ينبغى من حيث المبدأ، إسقاط أخطاء يقع فيها أتباع الأديان على الأديان ذاتها.

ولا شك أن عددا من المتخصصين والمستشرقين الغربيين قد بذل جهدا وافرا للتعمق والتفهم، يستحقون عليه الثناء والتقدير، لدورهم المدقق. وأورد هنا بعض أسماء ليس على سبيل الحصر بطبيعة الحال منها:

 JACQUES, MAXIME RADINSON..ANNAMA RISCHIMEL BERQUES

ومراد هوفمان وأخرين، وكذلك  بعض الكتاب والمعلقين الصحفيين الذين حرصوا على التعمق عند تناولهم لموضوعات تتعلق بالمسلمين والعالم الإسلامى. وكذلك مشاركة الأستاذ JOHN ESPOSITO الذى يبذل جهدا  كبيرا مستمرا فى فهم الظواهر الإسلامية التى تسود عالمنا المعاصر وممن لاحظوا نقص المعلومات وأن ثمة خللا فى التحديد والتفريق  أحيانا، أرجعه لطبيعة التنوع التى كثيرا ما تصاحب بعض الظواهر المعاصرة.

وكمثال يذكر الأستاذ ESPOSITO  أنه بينما تطنب بعض التعليقات فى وصف ما يسمى  " بالغضب الإسلامى "  إلا أنها تميل للتعميم بين ما هو قائم فى أجزاء متفرقة من العالم، وبين الشعوب الإسلامية، وظروفها الاجتماعية ومنظماتها الإسلامية ومن ثم تنحو مرة أخرى إلى الوقوع فى براثن فكرة "الأنماط " الواحدة التى تحيل كل الأمور إلى تسمية "بالأصولية الإسلامية".

 يشير الأستاذ  ESPOSITO أيضا إلى أنه: "كما يحلم البعض والملايين فى شمال إفريقيا والشرق  الأوسط ووسط آ سيا وجنوبها الشرقى فى إيجاد نظام عالمى جديد ويتطلعون إلى دور أكبر من التحرر السياسى والديمقراطى فإن استمرار حيوية الإسلام والتحركات الإسلامية لا تمثل تهديدا بل تحديا. إن الإحياء الإسلامى بالنسبة لكثير من المسلمين أمر اجتماعى أكثر منه تحركا سياسيا يهدف إلى توجيه تفكير المجتمع على نحو إسلامى وليس بالضرورة قيام دولة إسلامية.... ومهما كان الأمر فإن معظم التحركات الإسلامية ليست بالضرورة ضد الغرب أو ضد الولايات المتحدة أو ضد الديمقراطية وإذا كانوا يمثلون تحديا لبعض الفرضيات التى استقرت عليها نظم معينة أوتوقراطية إلا أن هذه التحركات ليست بالضرورة تهديدا للمصالح الأمريكية. إن التحدى الذى يواجهنا هو أن نفهم بطريقة أفضل تاريخ وحقائق العالم الإسلامى وأن نتعرف على تنوعه ووجوهه المختلفة بدلا من أن نتصور صورة تمثل تهديدا إسلاميا...”

 دور الإسلام  والمسيحية كنموذج فى دعم التعاون الدولى:

إن الإسلام والمسيحية بصفة خاصة ديانتان سماويتان عالميتان، وهما بطبيعة انتشارهما وتواجدهما فى قارات العالم جميعا لهما وزنهما الواضح. وبالتالى فإن عالمية الإسلام وكذلك المسيحية تتجاوز فى حقيقة الأمر نظرة محدودة إلى منطقة جغرافية واحدة. وإذا كنا نشير لذلك، إلا أن الأمر لا يعنى بحال استبعاد ديانات أو حضارات أخرى، إنما لعلنى أود أن أعبر داخل هذا المحفل الكريم، عما أعتقده أمرا واردا وهو النموذج الذى يمكن أن يقدمه التعاون الإسلامى المسيحى الذى ينبنى على الفهم والاحترام، والتقدير لخصوصية كل دين، بحيث يكون نموذجا له قيمته فى دعم مسيرة التعاون الدولى.

والحقيقة أن القرآن الكريم قد أشار إلى الإيمان بالله الواحد وهو يشير إلى أهل الكتاب.

قال الله تعالى ( ولا  تجادلوا أهل الكتاب إلا  بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) (العنكبوت:46).

كما أن القرآن الكريم يقول بالنسبة لبنى البشر جميعا ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل  لتعارفوا ) (2) وهذه الآية هى فى الواقع شعار هذا المؤتمر.

كما يقول القرآن( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة) (3) والمعانى التى تتضمنها الآيات واضحة جلية.

 ويحفل القرآن بالقدر الأوفر من معانى الأخوة والتعاون والبر بين البشر وحسن المعاملة، وأداء الأمانات، وغير ذلك كثير كثوابت مؤكدة وهى تشكل مرجعية إسلامية بالنص الواضح الصريح. لقد خلق الله تعالى الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا، وكيف يتعارفوا إذا لم يتحاوروا؟ إن الدعوة للحوار واضحة جلية ومعاييرها قائمة ثابتة.

بل إن القرآن يدعو للتبصر والتدبر وهو نوع من حوار الإنسان مع ذاته، تعميقا لمعانى الإيمان والتعرف على قدرة الخالق جل وعلا، يقول الله تعالى ) سنريهم آياتنا فى الآفاق و فى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لما يكف  بربك أنه على كل شئ  شهيد  (  (4) والمجتمع الإسلامى اعتمد على نص واضح وصريح أيضا (و كذلك جعلناكم  أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ( (5).

ومن ثم فروح الحوار إيجابية معتدلة لا تقوم على إكراه، أو عنف أو مغالاة.

وإذا كنت فى هذه العجالة قد ضربت بعض الأمثلة من الحوار ومرجعيته، فإنما لأوكد على من يتشككون فى الأمر، بأن الأمر بالحوار فى الإسلام ثابت، وأن الاختلاف فى البشر والدين هو من سنن الله فى خلقه وأن هذه التعددية هى للتعارف أى للحوار.

السيدات والسادة:

وضمن هذا السياق أيضا اسمحوا لى أن نسترجع معا العبارة المسيحية  العظيمة "الدين محبة" كما نسترجع أيضا ما أورده البابا يوحنا بولس السادس فى كتابه ” فوق أعتاب الرجاء”

ON THE THRESHOLD OF HOPE عندما أشار إلى الديانات التوحيدية العظيمة وبدأها بالإسلام، وأورد نصا من وثيقة NOSTRA AETATE من أن الكنيسة تكن احتراما كبيرا للمسلمين" الذين يعبدون الله الواحد الحى القيوم، الرحيم، القادر على كل شئ، خالق السموات والأرض،  وأن المؤمنين بالله بسبب إيمانهم بالوحدانية هم قريبون منا بصفة خاصة ”

كما يشير فى نفس الكتاب "على أعتاب الرجاء" إلى دعوة المجلس المسكونى إلى حوار مع أتباع النبى صلى الله عليه وسلم وأن وثيقة NOTSTRA AETATE ورد بها " أنه حتى عبر القرون فإنه لم يختلف المسلمون والمسيحيون أو يتعاركوا إلا مرات قليلة وأن هذا المجمع المقدس يحث الجميع لأن ينسوا الماضى وأن يعملوا نحو تحقيق تفاهم متبادل وأيضا باتجاه الحفاظ على تنمية العدالة الاجتماعية والرقى الأخلاقى والسلام لمصلحة البشرية جمعاء”.

كما يقول البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية فى كتابه "كلمة منفعة" كل إنسان عامل يبحث بكل جهده عن كلمة المنفعة، والكلمة كما أنها للمنفعة، هى كذلك للمسئولية فالكتاب يقول: من يعرف أكثر.. يطلب منه كثير" (لوقا  12:18) الذى لا يعرف، ربما تكون خطيئته جهلا أما الذى يعرف فخطيئته عن قصد وبنية خاطئة، ولذلك فمسئوليته تكون أكبر، ولهذا فإن خطيئة الوعاظ والمعلمين والكهنة، هى أكبر من خطيئة أفراد الشعب، والكاهن يقول فى مقدمة القرابين: (عن خطاياى وجهالات شعبك) هى بالنسبة إليه خطايا وبالنسبة لغير العارفين جهالات... كما يقول أيضا عن علاقة الإنسان بالخير:

1- أن تعرف ما هو الخير

2- أن تريده وتحبه.

3- أن تحوله إلى حياة.

ولكن غالبية الناس تقف أمامهم عوائق من طباع وعادات وأيضا عوائق من تأثيرات خارجية، ويحتاجون إلى صراع من أنفسهم من الداخل، وصراع مع الحروب التى تأتى من الخارج.

ولعلنى أذكر فى هذه المناسبة أيضا ما أورده أسقف كنتربرى  فى المحاضرة التى ألقاها فى جامعة الأزهر: "والمسيحيون والمسلمون تقع على عاتقهم مسئولية عظيمة تجاه المجتمع الإنسانى فالمسيحية والإسلام هما أكبر ديانات العالم ومازالت كلتاهما محتفظتين بكامل عنفوانهما... ويستطرد: لقد أدى كل من الإسلام والمسيحية مآثر جليلة للمجتمعات الإنسانية عن طريق التعليم والتكافل الاجتماعى وزرع القيم الأخلاقية السامية من أجل خير البشرية" واقترح فى سياق محاضرته أنه يرى لإنشاء علاقات جديدة فإنه يجب التوجه "للصداقة لا العداء والتفهم لا الجهل والانفتاح لا الانغلاق والتعاون لا المجابهة".

المضمون والرسالات هنا واضحة بما فى ذلك، أهمية دور رجال الدين فى إيضاح الأمور.

إن ثمة  ظواهر تسعى لإلصاق العدوان والإرهاب بالدين الإسلامى، وأنه يعادى غيره من الحضارات وأنه يكبت الانطلاق نحو التقدم .. وإلى  دعاوى أخرى مشابهة، ومن أسف  أن مثل هذه العروض تطغى عليها نظرات خاطئة تتأسس على ظواهر شاذة وليست من الإسلام فى شىء، وتعممها تعميما، أو تنطلق من دوافع تخدم أهدافا معينة. كالخلط بين مقاومة "الاحتلال والإرهاب" وأين هذا من تكريم المحاربين والمجاهدين ضد الاحتلال النازى فى أوروبا مثلا خلال الحرب العالمية الأخيرة؟!

ولا ينطبق المثال السابق كما أنه لا علاقة للإسلام بحوادث ترويع المواطنين وقتل الأبرياء والاعتداء على الحقوق والحرمات والإسلام أول من يدينها.

دور الأديان فى دعم المواثيق الدولية:

أذكر هنا بأن ميثاق الأمم المتحدة يراد به ما يؤكد حق كل دولة فى الدفاع الشرعى عن نفسها:

ليس فى هذا الميثاق ما يمنع حق كل دولة فى الدفاع الجماعى فى حالة تعرض عضو للأمم المتحدة لهجوم مسلح وذلك حتى يتخذ مجلس الأمن الإجراءات اللازمة للحفاظ على الأمن الدولى والسلام".....

لقد كان واضحا أمام منظمة المؤتمر الإسلامى أن ثمة رسالة جماعية ينبغى أن توجه للعالم للعمل على التعريف الصحيح بالإسلام ومبادئه وعقيدته وشريعته السمحة  ولإزالة التصورات الخاطئة التى ترسبت "لسبب أو لآخر تجاه الإسلام والمسلمين بسبب سوء الفهم، وما ألصق به من شبهات ".

وقد أكدت الوثيقة الصادرة عن منظمة المؤتمر الإسلامى على " نبذ وإدانة المسلمين للإرهاب والعنف فى أى مكان، وأن كرامة الإنسان وحقوقه تحفظها الشريعة الإسلامية وتدعو الدول الأعضاء لحمايتها وصيانتها... ولا يجوز الكيل بمكيالين عند معالجة قضايا حقوق الإنسان.

وقد أوصت نقس الوثيقة فى أحد بنودها "بتهيئة الأرضية المناسبة لتفاعل الحضارات وتشجيع التفاهم الفكرى والثقافى فى العالم " ولا ذنب للإسلام فيمن يخالف ذلك.

واذكر هنا بأن هذه التوصيات أقرتها لجنة كلفت ببحث الموضوع تنفيذا لقرار القمة الإسلامية السابعة التى عقدت فى الدار البيضاء فى ديسمبر 1994. ولعل هذا يعكس مدى ما يعلق على الموضوع من أهمية. كما أصدر المؤتمر أيضا "مدونة السلوك لمكافحة الإرهاب الدولى" وتتضمن:

إعلانا بأن الإرهاب ليس له ما يبرره تحت أى ظرف من الظروف وتدين بشدة جميع الأعمال والسبل والممارسات الإرهابية.

كما تعرب عن التزامها القوى بمقاومة الإرهاب.

كما تعيد تأكيد الالتزام بعدم القيام أو الشروع أو الاشتراك بأى شكل من الأشكال فى تمويل أو تحريض أو تقديم الدعم بصورة مباشرة أو غير مباشرة للأعمال الإرهابية.

وتؤكد ضرورة اتخاذ جميع التدابير اللازمة لمنع استخدام أراضيها لتخطيط تنظيم وتنفيذ أو المشاركة فى تنفيذ أية نشاطات إرهابية.

وتدعو إلى تعزيز التعاون فيما بين الدول الأعضاء، وفقا للقوانين الداخلية والاتفاقيات والترتيبات الدولية فى هذا الشأن، فى مجال مقاومة مكافحة الأعمال الإرهابية.

كما تؤكد على أهمية إدخال القيم الإنسانية النبيلة ومبادئ وأخلاقيات الإسلام التى تحظر ممارسة الإرهاب، ضمن المناهج التعليمية للدول الأعضاء.

إن تجربة تحقيق التعاون الدولى تؤكد أهمية دور الأديان فى دعمها ورعايتها خاصة ونحن على مشارف مرحلة تتسم بتراكم خبرات دولية وتعددية تجعل من هذا الأمر موضوعا هاما.

الخلاصة:

إن تجربتنا فى التعاون الدولى تثبت الحاجة إلى دور إيجابى ومستنير للدين داخل المجتمع البشرى فإن قضايا كالعنصرية والجريمة والمخدرات وحقوق الإنسان والحفاظ على الأسرة والتكافل الاجتماعى بل وقضايا الإنتاج والتنمية بصفة عامة كأمثلة تستدعى فهما سليما للأديان. كما تثير الحاجة إلى توفير مناخ للفهم والتعاون والحوار فهى مشاكل أصبحت تمتد على مستوى العالم تستدعى تعاونا دوليا تقوم فيه الأديان بدور لا ينكر من حيث ممارسة دورها البناء والحميد فى استنفار النوازع البشرية الخيرة مما يمثل رصيدا هاما مضافا على كافة ما يبذل من وسائل أخرى، بل أن هناك قضايا عن حقوق المرأة والطفل وعن حقوق الجوار وحقوق البشر جميعا دون تفرقة أو عنصرية، وقضايا التصدى للعدوان ولاستمراء غطرسة القوة فللأديان دور أساسى فى التصدى لها وتوفير مناخ ورأى عام داعم للقوة والمحبة والسلام والتعاون والبناء. والإسلام يحقق المساواة بين الناس جميعا دون تفرقة من خلال وحدة الأصل البشرى وصيانة الكرامة الإنسانية وهو ما يتفق أيضا مع نظرة الأديان السماوية الأخرى فى تكريم الإنسان: يقول الله سبحانه وتعالى: ( ولقد كرمنا بنى أدم )* ونعتقد أن مؤتمرنا فى إطار دعم التعاون الدولى والدور الإسلامى والأديان الأخرى سوف يضع فى اعتباره عناصر نتصور أنها سوف تحوز خاصة على اهتمامه من خلال هذا اللقاء وما يدور فيه من مداولات.

أولا:

ضرورة توافر الفهم والسلوك الدوليين المعبرين عن احترام الأديان  وعدم إشاعة مناخ من التشويه أو التشكيك.

ثانيا:

الفاعلية الدولية فى اتخاذ خطوات حازمة ضد المعتدين فى إطار الشرعية الدولية وتوفير الاحترام والإقناع بها بالنسبة لقضايا حيوية وحساسة تتعرض فيها القرارات الدولية لازدواجية المعايير وعدم التكافؤ فى التناول والمعالجة بما يؤثر على مصداقيتها ويشد فى نواياها.

ثالثا:

تشجيع الحوارات الجادة كأسلوب يدعم التوجهات السابقة. وما نقصده بالحوارات الجادة هى التى تتوافر لها مقومات الإعداد المناسب بهدف دعم الوعى والاهتمام بأهدافها.

رابعا:

دور المنظمات الدولية بصفة عامة واليونسكو بصفة خاصة باعتباره معنيا بالثقافة والعلوم وبدعم من الجميع لرعاية أنشطة الحوارات الجادة والتحرك نحو عقد من الوئام سوف يكون له مردود إيجابى ومطلوب داعم لهذه التوجهات.

خامسا:

دور المجامع الدينية والهيئات الأكاديمية بصفة خاصة باعتبارها تجمعات متميزة تضم المفكرين والأكاديميين  فى التصدى للأفكار السلبية وطرح رؤى ومقترحات عملية تساعد فى تحقيق هذا التوجه.

الهوامش

(1) سورة العنكبوت (46).

(2) سورة الحجرات (13).

(3) سورة المائدة (48).

(4) سورة فصلت (53).

(5) سورة البقرة (143).

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع