الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثامن : الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى
 
أ*: أسعى ا

طلائع العلاقات الإسلامية الأوربية

صورة نموذجية للإخاء الإنسانى فى الإسلام

الأستاذ/ الدكتور إبراهيم أحمد العدوى

كلية دار العلوم - جامعة القاهرة

أولا: أسس العلاقات الإسلامية الأوربية

تمثل طلائع العلاقات الإسلامية الأوربية صورة نموذجية للإخاء الإنسانى فى الإسلام بمعالمه المشرقة وقيمه الرفيعة. واكتسب الإخاء الإنسانى فى الإسلام تلك السمة المميزة لأنه استند إلى قواعد راسخة حدد القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة مفاهيمها وأبعادها فيما يلى:

1- الأخوة البشرية

تعتبر عالمية الإسلام من القيم السامية التى تنبثق عن هذا الدين الحنيف وشريعته الغراء وتستند تلك العالمية إلى قاعدة إسلامية راسخة وهى أن الاجتماع فطرة إنسانية، والمحافظة عليه محافظة على تلك الفطرة، ولن تتم تلك المحافظة إلا بالمسئولية العامة. فإذا كانت مسئولية الإنسان عن ذاته تهدف إلى تحقيق ذات الإنسان فى أدق معانيها، فإن مسئولية الإنسان عن الذوات الأخرى تهدف إلى تحقيق ذات الإنسان فى أجل معانيها وأشمل صورها. ولا عذر للإنسان فى التحلل من تلك المسئولية، فكل إنسان مسئول حسب وضعه فى مجتمعه، لا فرق بين رجل وامرأة ولا بين خادم وسيد. عن ابن عمر- رضى الله عنهما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته":

الإمام راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع فى أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية فى بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع فى مال سيده ومسئول عن رعيته، فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته.

وهذه المسئولية تحفظ للإنسان حريته الفردية فى نطاق روح الأخوة الشاملة، بحيث صارت حرية الإنسان فى منع الأذى مقدمة على حريته فى تحقيق النفع على فرض التسليم بأن هناك نفعا حقيقيا يجلب الأذى. عن النعمان بن بشير- رضى الله عنهما- عن النبى- صلى الله عليه وسلم- قال: "َمَثل القائم فى حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، وكان الذين فى أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا فى نصيبنا خرقا، ولم نؤذ من فوقنا. فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا".

وغرست هذه المسئولية فى نفس الإنسان حب أخيه الإنسان، فيعاونه على الخير، ويدفع عنه الشر. قال تعالى: ) وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان، واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) (المائدة 2) وعن ابن عمر- رضى الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: "من كان فى حاجة أخيه كان الله فى حاجته " وغدا إنسان الإسلام مسئولا عن غيره، لأن هدا الغير أخوه، وأن هذه الأخوة تقتضى وحدة الجنس. فوحدة إنسان الإسلام ليست وحدة عددية، ولكنها وحدة جنسية، وهذه الوحدة بينها وبين المسئولية الإنسانية تلازم، يتضح بالنظر إليهما معا. فإن إنسان الإسلام الذى يعرف علاقته بمن يعيش معه من بنى الإنسان، ويظهر له أن هذه العلاقة إن هى إلا علاقة أخوة توالدوا من ذكر وأنثى وُجدَا فى الأصل، يشعر بأنه مسئول عن أخيه هذا مسئولية متبادلة، وتضمن للجميع السيادة والسعادة.

وأوضح القرآن الكريم هذه الأخوة الإنسانية فى قوله تعالى: ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) (الحجرات 13) فتعدد الإنسان شعوبا وقبائل لا يلغى حقيقة وحدته لأن هذا التعدد من لوازم الحياة الإنسانية فى الأرض، إذ بواسطة هذا التعدد يتم بين الإنسان- على الأرض- التعارف، أى تعرّف الإنسان على أسرار الأرض وكنوزها، لأن تعدد الشعوب والقبائل يعدد الأعمال والمساعى، ويعدد الأفكار والحيل للوصول إلى ما تحتويه الأرض من خيرات تختلف من مكان إلى مكان، ومن بيئة إلى بيئة، فينشأ عن ذلك تعدد الحضارات، واختلاف الثقافات، وعندئذ تزداد الإنسانية معرفة بأسرار خلقها، ومعرفة بخالقها، واقترابا فيما بينها، حتى تشعر بحتمية هذا الاقتراب، وأنها مضطرة إليه اضطرارا، لما تحسه من اشتباك منافعها وسريان الضرر من قاصيها إلى دانيها، ومن دانيها إلى قاصيها.

وأوضح القرآن الكريم هذه الحقيقة فى قوله تعالى: ( و من آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن فى ذلك  لآيات للعالمين ( (الروم 22) وقال تعالى: ( ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم، فاستبقوا الخيرات ( (المائدة 48).

وصحح هذا المفهوم الإسلامى عن الأخوة البشرية المفاهيم الخاطئة التى وقعت فيها الإنسانية بكبار مفكريها قبل الإسلام، حيث خدع الإنسان نفسه قرونا فى علاقته بغيره من الناس، فاصطنع الحدود، وأقام الفواصل، وميز جماعة عن جماعة، وفضل واحدة على الأخرى، متوهما أنه بذلك يضمن السعادة ويحوز الاستقرار. وكان من أول من وقع فى ذلك الوهم فلاسفة اليونان وحكماؤها، فادعوا أن اليونانيين أرقى الأجناس، وأن من عداهم أقل منهم رقيا، مما أغراهم باستعبادهم واستذلالهم، حتى إن الفيلسوف اليونانى أفلاطون أقر الاسترقاق، لأن لبعض الناس عقولا ممتازة، وبعض الناس ذوو العقول الممتازة فى نظره هم أهل أثينا وزاد الفيلسوف اليونانى أيضا وهو أرسطو هذا الوهم خطورة حيث اعتبر الرقيق آلة تحتاج إليها الحضارة التى يبنيها أبناء اليونان، ولذا فالرق- على رأيه- ضرورة إنسانية، تدفع إليها حاجة الإنسان.

وشرح نبى الإسلام- صلى الله عليه وسلم- أهمية هذه الأخوة البشرية فى خطبة الوداع، حيث قال: "أيها الناس إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب. إن أكرمكم عند الله أتقاكم، وليس لعربى على عجمى، ولا لعجمى على عربى، ولا لأحمرعلى أبيض، ولا لأبيض على أحمر فضل الا بالتقوى، ألا هل بلغت اللهم فاشهد، ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب ". وكرر الرسول الكريم هذا المعنى فى قوله: "الناس سواسية كأسنان المشط الواحد، لا فضل لعربى على عجمى إلا بالتقوى"، وهى كلها نصوص صريحة تقرر المساواة فى القيمة الإنسانية المشتركة التى فرضها الدين الإسلامى. وجعلها نبراسا لهداية البشرية وأساسا متينا لإقامة العلاقات بين بنى البشر. وعززت آيات القرآن الكريم وكذلك الأحاديث القدسية وأحاديث الرسول الكريم أصول الأخوة البشرية بدعم أواصر المودة بصفة عامة بين بنى الإنسان، ورسم أمثل السبل للحفاظ على تنظيم تلك الأواصر. ففى حديث قدسى إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: "يا ابن آدم مرضت فلم تعدنى! فيقول ابن آدم: يارب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: أما علمت أن عبدى فلانا مرض فلم تعده؟ أما إنك لو عدته لوجدتنى عنده. يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمنى! فيقول: يارب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ فيقول الله: أما علمت أن عبدى فلانا استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندى. يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقنى، فيقول كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول: استسقاك عبدى فلان فلم تسقه، إما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندى "فهذا المعنى السامى فى هذا الحديث يؤكد قيام الإخاء الإنسانى على أسس من أرفع الأسس الإسلامية. وهو البر بالناس والوقوف إلى جانبهم فى كل صغيرة وكبيرة وسد حاجاتهم.

وتؤكد الأحاديث النبوية الشريفة معانى هذا الإخاء الإنسانى، ومن ذلك قول النبى- صلى الله عليه وسلم: "حب لأخيك ما تحب لنفسك" وقوله- صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه ". ولما تمكنت دعوة الإخاء فى النفوس مَنَّ الله بها على المؤمنين باعتبارها أعظم نعمة فقال تعالى   ) واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا (.(آل عمران: 103)  وامتدت دعوة الإخاء إلى غير المسلمين بحيث صارت دعوة عامة، فقال تعالى: ) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله  ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا  من دون الله ( (آل عمران: 64 ) فالدعوة الإسلامية قامت على رسالة للناس كافة لعبادة الله وحده وليكون الناس أمة واحدة، والأخوة فيها هى أخوة العقيدة، لا تفرق بين الشعوب والقبائل، والأبيض والأسود والأصفر، ولا الغالب ولا المغلوب ولا الأراضى والأوطان، بل تدعو إلى أخوة حدودها البشرية، تحرم الاعتداء، وتدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى فى حالة النزاع مع المعتدين وردهم عن عدوانهم بالحرب، فالأخوة الإسلامية تتمسك بقوله تعالى :)  لا إكراه  فى الدين قد تبين الرشد من الغى(  (البقرة 256).

وتدعو الأخوة الإسلامية أيضا إلى الترابط والمودة مع غير المسلمين ، حيث يتجلى ذلك بأروع صورة فى قوله تعالى: ) اليوم أحل لكم  الطيبات وطعام الذين أ وتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم  إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخدى أخدان(  (المائدة 5).

2- حقوق الجوار

توجب الأخوة البشرية التى قررها الإسلام على مجتمع المسلمين ألا يقطع الصلة بينه وبين الذين لا يدينون بالإسلام ما داموا لا يحاربونه، ولا يمنعون دعوته أن تبلغ للناس، ولا يفسدون فى الأرض، ولا يعتدون على ضعيف وأتاحت هذه الأسس العالمية للإسلام القيام بالتعاون الإيجابى مع غير المسلمين عن طريق المعاهدات التى يقرها ويحترمها الإسلام كل الاحترام، وكذلك قيام كل مظاهر العلاقات معهم: دبلوماسية وتجارية وثقافية كذلك قال الله تعالى : ) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم  أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين، إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم فى الدين وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على  إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون(  (الممتحنة 8- 9) ففى ظل الإسلام تقوم علاقات المودة والبر بين المسلمين وغير المسلمين سواء جمعتهم أرض واحدة أو نأت بهم الديار.

واستندت هذه الظاهرة من التعاون البشرى فى ظل الإسلام على حقوق الجوار التى رسمتها أيضا وحددتها ودعمت من أركانها التعاليم الإسلامية السامية، التى جعلت ضمير المسلم لا يستريح إذا طعم وجاره ومن حوله قد عجزوا عن القوت، وحضته حضا قويا على البذل لهم، حتى لقد أمرت أن يطعم السيد الخادم مما يطعم ويكسوه مما يكتسى. ويوضح ذلك قول المعرور بن سويد: "رأيت أبا ذر- رضى الله عنه- عليه حلة وعلى غلامه مثلها، فسألته عن ذلك فقال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "هم إخوانكم وخولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم  فأعينوهم عليه" وأوضح الرسول حقوق الجار وعمق أبعادها فى  قوله صلى الله عليه وسلم: " مازال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ، فقالوا: وما حقوق الجار يارسول الله؟ قال: "ان استعان بك أعنته وإن استقرضك أقرضته، وإن مات تبعت جنازته، وإن غلى قدرك فاغرف لبنيه مما فيه ". وفى حديث آخر قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم- "الجيران ثلاثة، جار له حق واحد، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق: فالجار الذى له ثلاثة حقوق الجار المسلم ذو الرحم، له حق الجوار وحق الإسلام وحق الرحم، وأما الذى له حقان فالجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وأما الذى له حق واحد فالجار المشرك ".

وامتدت الدعوة الإسلامية لدعم حسن الجوار إلى حث المسلمين على إيثار المودة على العداوة حتى مع من يعادونهم- إذا ضمن كفهم بالحسنى عن العدوان استبقاء للمودة الإنسانية، وتوثيقا للروابط البشرية، قال تعالى: ) ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى  بينك وبينه عدواة كأنه ولى حميم ( (فصلت 34) وقال تعالى: ) عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم ( (الممتحنة 7) وصاحب هذه المودة فى إقرار حسن الجوار وعقد معاهدات الأمان وعدم الاعتداء، التى أوضح الإسلام أنها لا تستمد قوتها من نصوصها، بل من عزيمة عاقديها على الوفاء، ولذلك حث القرآن الكريم على الوفاء، واعتبر الوفاء بالعهد والميثاق قوة، والنكث فيه أخذا فى أسباب الضعف، وأن من يوثق عهده بيمين الله فقد أخذ الله كفيلا بوفائه،  فإذا غدر بعهده فقد اتخذ عهد الله للغش وزيف القول، وأنه لا يصح أن يكون الباعث على الغدر بين الدول هو الرغبة فى أن تكون أمة أقوى مالا وعدة وأكثر عددا وأوسع رقعة من أمة أخرى، وأشار الله سبحانه وتعالى فى بعض نصوص القرآن الكريم إلى أن الوفاء بالعهود هو المقصد الأسمى الذى يتجه إليه المؤمن لتحقيق معنى الوحدة الإنسانية بإرادته واختياره، ويتحقق ما أراده الله سبحانه وتعالى الذى لو شاء لجعل الناس لا يختلفون أبدا، ولكن كان الاختلاف ليختبر الله الإرادات الإنسانية فى تنفيذ ما يأمر به سبحانه وتعالى.

وورد هذا النص الإسلامى الجامع للوفاء بالعهد فى توله تعالى:

) وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا  إن الله يعلم ما تفعلون، ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هى أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدى من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون، ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم ( (النحل 91- 94).

 ومعنى قوله تعالى ) ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ( أن من ينقض عهده من الدول يكون كتلك الحمقاء التى تغزل غزلها وتقويه، ثم تنقضه، وفى هذا إشارة إلى أن العهد قوة، ونكثه إزالة لهذه القوة. ومعنى قوله تعالى ) تتخذون أيمانكم دخلا بينكم ( أن تتخذ العهود للغش والخديعة، وما هذا يرضاه الله. ومعنى قوله ) أن تكون أمة هى أربى من أمة )  أن تكون أمة أكثر عددا ونماء وسعة فى الأرض من أمة أخرى فإن القوة التى تكون من نقض العهود مآلها الزوال، ومعنى قوله تعالى ) فتزل قدم بعد ثبوتها(   أن نقض العهود يؤدى إلى ضعف القوة والنقض فى ذاته زلل للأمم.

ثانيا: دائرة العلاقات الإسلامية الأوربية ومجالها

يلمس الناظر إلى دائرة العلاقات الإسلامية الأوربية اتساق معالمها وترابط أجزائها ترابطا دقيقا، وذلك على النحو التالى:

1- مركز الدائرة للعلاقات الإسلامية الأوربية:

يتكون مركز الدائرة للعلاقات الإسلامية الأوربية من السفارة التى بعث بها نبى الإسلام- صلى الله عليه وسلم- فى السنة السابعة من الهجرة- بعد صلح الحديبية مع قريش فى مكة إلى أعظم حكام أوربا آنذاك، وهو هرقل إمبراطور دولة الروم البيزنطيين، التى اشتملت أرجاؤها على بلاد شرق أوربا، وتخومها المجاورة لجزيرة العرب، حيث دولة الرسول الكريم وعاصمتها المدينة المنورة. وحمل سفير النبى إلى هرقل، وهو دحية بن خليفة الكلبى كتابا جاء فيه:

"بسم الله الرحمن الرحيم- من محمد رسول الله، إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى أما بعد: أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن تتول فإنما عليك إثم اليريسيين (أى رعية هرقل)، ) قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون  ( (آل عمران: 64)

وقد تلقى هرقل امبراطور الروم سفير النبى بقبول حسن، وأخذ يجمع المعلومات عن الدين الإسلامى الجديد ورسوله الكريم، وكان الإمبراطور هرقل فى طريقه- حين استلم رسالة نبى الإسلام- إلى بيت المقدس، ومن ثم أمر باستدعاء إحدى الشخصيات العربية التى تتردد على بلاد الشام فى رحلات الصيف، ليستفسر منها عن الدين الإسلامى وصاحبها استفسارا من منابعه الأصيلة. وتصادف وجود أبى سفيان فى بلاد الشام إذ ذاك، حيث كان قد حضر للتجارة، منتهزا الهدنة التى قررها صلح الحديبية بين الرسول الكريم وبين قريش فى مكة. وبعثت السلطات البيزنطية فى بلاد الشام بأبى سفيان- ولم يكن قد أسلم إذ ذاك- إلى هرقل، حيث دار بينهما الحوار التالى:

هرقل: أخبرنى عن هذا الرجل الذى خرج بين أظهركم ويدعى ما يدعى؟

أبو سفيان: أيها الملك ما يهمك من أمره؟ إن شأنه دون ما يبلغك.

هرقل: أنبئنى عما أسالك من شأنه ولا تزد.

أبوسفيان: سل ما بدا لك .

هرقل: كيف كان نسبه فيكم؟

أبو سفيان: هو فينا ذو نسب.

هرقل: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟

أبو سفيان: لا.

هرقل: فهل كان لآبائه ملك؟

أبو سفيان: لا.

هرقل: فأشراف الناس يتبعونه أم الضعفاء؟

أبو سفيان: ضعفاؤهم .

هرقل: أيزيدون أم ينقصون؟

أبو سفيان: بل يزيدون .

هرقل: هل يرتد أحد منهم سخطه: لدينه بعد أن يدخل فيه؟

أبو سفيان: لا .

هرقل: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

أبو سفيان: لا .

هرقل: هل يغدر؟

أبو سفيان: لا، ونحن منه فى مدة (وهى هدنة صلح الحديبية) لا ندرى ما فاعل فيها (قال أبو سفيان: ولم أتمكن من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة).

هرقل: فهل قاتلتموه؟

أبو سفيان: نعم .

هرقل: فكيف كان قتالكم إياه؟

أبو سفيان: الحرب بيننا سجال، ينال منا وننال منه.

هرقل: فماذا يأمركم به؟

أبو سفيان: يقول اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، يأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

والتفت الإمبراطور هرقل إلى ترجمانه وقال له: قل لأبى سفيان: سألتك ، نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث فى نسبه قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله، فلو قلت نعم لقلت رجل يتأسى بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم عن  تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على ناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم الضعفاء فذكرت أنهم ضعفاؤهم وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمى هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم فلو أنى أعلم أنى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت قدميه، انطلق لشأنك ".

 قال أبو سفيان: فخرجت من عند هرقل وأنا أضرب إحدى يدى بالأخرى وأقول، لقد بلغ من أمر هذا الرجل حتى أصبح ملوك بنى الأصفر (يعنى الروم) يهابونه فى سلطانهم . ولقيت دعوة الإسلام بذلك فى أوربا آذانا صاغية، واهتماما بحقيقة الإسلام حتى قامت الفتوحات الإسلامية على عهد الخلفاء الراشدين والأمويين، وامتدت إلى أوربا حيث جاورت فى شرق أوربا بلاد إمبراطورية الروم البيزنطيين، وفى غرب أوربا صارت ديار الإسلام بالأندلس مركزا لعلاقات واسعة النطاق مع الممالك الجرمانية الوليدة بتلك الجهات الأوربية.

2- المحور الشرقى للعلاقات الإسلامية الأوربية:

يتشكل المحور الشرقى للعلاقات الأوربية من الصلات الدبلوماسية والتجارية والثقافية التى قامت بين الدولة الإسلامية، على امتداد عهد الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين وبين إمبراطورية الروم البيزنطيين، التى كانت تسيطر من عاصمتها القسطنطينية على ضفاف البسفور، على بلاد شرق أوربا. امتدادا من البلقان إلى شمال البحر الأسود وعلى امتداد بلاد القوقاز بشمال أوربا واتخذت تلك العلاقات معالم تكون ما نسميه اليوم بالقانون الدولى، وذلك على نحو ما يتضح فى العلاقات التالية:

(أ) العلاقات الدبلوماسية:

وتتمثل فى إرسال السفراء والوفود أو استقبالها فى مهمات محدودة، حربية أو سياسية أو عسكرية، مما جعل بلاد شرق أوربا على صلة وثيقة بدار الإسلام، على اختلاف عواصمها، فى المدينة المنورة ببلاد العرب، وفى دمشق ببلاد الشام، وفى بغداد بالعراق، وأخيرا فى القاهرة على ضفاف النيل وجرى تبادل السفراء المسلمين والأوربيين وفق قواعد مقررة تضمن لأولئك السفراء حسن الاستقبال، وتأمين وسائل النقل اللازمة، هذا فضلا عن توفير الأمن والأمان وتحقيق المهام التى وفدوا من أجلها واستطاعت تلك السفارات الإسلامية الأوربية أن تحد من ويلات الحروب التى كانت تنشب بين الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم البيزنطيين، وأن تبرم المعاهدات طويلة الأجل بين الطرفين، فضلا عن أمور الفداء وهى تبادل أسرى الحرب من الجانبين ومن أشهر الأمثلة على هذا التبادل الدبلوماسى ونشاطه ما حدث سنة 231 هـ/846 م حين أرسل إمبراطور الروم ميخائيل ابن ثيوفيل رسله إلى الخليفة العباسى الواثق بالله يسأله أن يفادى بمن فى يده من أسرى المسلمين، وقد أوفد الخليفة العباسى المتوكل سنة 246 هـ/ 860 م سفارة على رأسها أحد كبار رجال الدولة الإسلامية وهو نصر بن الأزهر للتفاوض مع إمبراطور الروم فى الفداء. واستقبل إمبراطور الروم السفير العباسى وبين يديه ثلاثة من التراجمة، مما يدل على عمق المعرفة باللغة العربية واحترامها. وكان السفراء عامة من الطرفين يحرصون على أن يظهروا فى أبهى وأضخم مظهر، كما كانوا يختارون من أكبر شخصيات الدولة الدينية والسياسية.

(ب) التبادل التجارى

وجدت العلاقات الإسلامية الأوربية قوة وازدهارا فى التبادل التجارى بين الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم البيزنطيين المسيطرة على شرق أوربا. فجاءت السفن الأوربية إلى موانى المسلمين بشواطئ البحر المتوسط- أى الإسكندرية ودمياط وطرابلس- للحصول على منتجات الشرق الأقصى وغيرها مما تحتاج إليه من منتجات البلاد الإسلامية، وقامت إمبراطورية الروم البيزنطيين بدور العميل الأول مع الدولة الإسلامية، مما دفع بالعلاقات الإسلامية مع شرق أوربا خطوات واسعة إلى الأمام. إذ كانت تلك الإمبراطورية تستورد من الدولة الإسلامية المتاجر وتتولى تصريفها إلى سائر بلدان أوربا الغربية، وتحمل من منتجات أوربا الى المسلمين وقتذاك كميات كبيرة من الفراء والعسل والجلود والأسلحة. وحرصت إمبراطورية الروم البيزنطيين على استمرار سيطرتها التجارية علّى دول أوربا باحتكار الصناعات المعتمدة على الواردات من العالم الإسلامى، مثل صناعة الحرير وصقل الجواهر والنقش على العاج، وأشرف التجار اليهود على ما تبقى بعد ذلك من تجارة دول أوربا مع المسلمين.

ثم تطورت وسائل اتصال شرق أوربا بالمسلمين والشرق الأقصى منذ بداية القرن الرابع الهجرى/ العاشر الميلادى، أى منذ أخذت المدن الإيطالية التابعة أسميا لإمبراطورية الروم البيزنطيين تسعى للاستقلال بشئونها التجارية، وتعمل للاتصال مباشرة مع الدولة الإسلامية. ولم يأت القرن الخامس الهجرى/ الحادى عشر الميلادى حتى تخلصت المدن الإيطالية بشرق أوربا من سيطرة البيزنطيين على تجارة الشرق مع المسلمين، وحلت هذه المدن، ولا سيما البندقية محل القسطنطينية فى المركز الرئيسى للتبادل التجارى مع المسلمين وصارت العلاقات التجارية الإسلامية مع شرق أوربا عنصرا هاما فى بناء الاقتصاد الأوربى بصفة عامة.

(ج) التبادل العلمى والثقافى

وهو يمثل الجانب الودى فى العلاقات الإسلامية الأوربية، والمظهر الحيوى للإخاء الإنسانى فى الإسلام. ذلك أن خلفاء الدولة الإسلامية حرصوا على الحفاظ على التراث العلمى القديم لأوربا وهو ما خلفه اليونانيون القدامى من الفلاسفة والعلماء، ودأبوا على الاتصال بإمبراطورية الروم البيزنطيين باعتبارها القائمة على تراث اليونان القدامى الثقافى، والعمل على الإفادة من العاملين فى هذا الميدان الثقافى.

وبلغ هذا التبادل الثقافى الإسلامى الأوربي أوجّه فى عهد الخليفة العباسى المأمون حيث كتب إلى إمبراطور الروم البيزنطيين يسأله الإذن فى إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم فأجاب إلى ذلك بعد امتناع. فأخرج المأمون لذلك جماعة منهم: الحجاج بن مطر وابن البطريق وصاحب بيت الحكمة وغيرهم فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل. وقد قيل إن حنا بن ماسويه (وهو من كبار المترجمين المسلمين من اليونانية) ممن نفذ إلى بلاد الروم.

ولم يكتف الخلفاء المسلمون باستحضار الكتب من أوربا، وإنما حرصوا أيضا على استدعاء كبار العلماء من شتى التخصصات ومن ذلك أن الخليفة العباسى المأمون بعث رسالة شخصية إلى إمبراطور الروم تيوفيل (829- 842 م) يطلب فيها السماح لعالم الرياضة البيزنطى ليو بزيارة بغداد ولو لوقت محدود، وقال إنه يعتبر ذلك عملا وديا ويعرض فى مقابل ذلك الصلح الدائم وألفى قطعة ذهبية إلا أن الإمبراطور رفض العرض ومنح ليو وظيفة فى إحدى الكنائس ومرتبا دائما. 

وأدى التبادل الثقافى بين قادة المسلمين والأوربيين إلى ظهور كثير من أوجه الشبه بينهما، وذلك على نحو ما قام بين الخليفة المأمون وإمبراطور الروم البيزنطيين ثيوفيل، الذى ظل معاصرا لهذا الخليفة العباسى أربع سنوات فالاثنان اهتما بالمسائل الدينية، وأثاروا المعارضة بالتجديد فى الدين. وكلاهما اهتم بالشعر. وازدهرت فى عهد ثيوفيل- كما ازدهر فى عهد المأمون- العلوم والبناء وجعل هذا الإمبراطور لنفسه- كما فعل المأمون حلقة من العلماء الذين كان منهم ليو الرياضى ويوحنا النحوى. ولم يكن القصر الصيفى الذى بناه إمبراطور الروم سوى محاكاة لقصر من قصور الخليفة المأمون بسبب تعلقه بالثقافة والفن العربيين.

وكان يحلو لإمبراطور الروم البيزنطيين ثيوفيل أيضا أن يقلد الخليفة العباسى هارون الرشيد، ويعتبره المثل الأعلى فى الحكام. فكان يطوف مثله أحياء العاصمة، متصلا بالفقراء، مستمعا إلى شكاوى الضعفاء، متفقدا أحوال الرعية ومن ثم صار ثيوفيل- مثلما كان الخليفة الرشيد- محببا إلى قلوب الناس، كما نسجت من حوله الأساطير والحكايات بدوره كالرشيد. وصار عهد الإمبراطور ثيوفل العهد الذى بلغ فيه التأثير الإسلامى على شرق أوربا ودولة الروم البيزنطيين به ذروة قوته ووضوحه.

3- المحور الغربى للعلاقات الإسلامية الأوربية:

ترتب على فتح المسلمين لبلاد الأندلس قيام علاقات وثيقة مع ممالك غرب أوربا التى اشتهر منها آنذاك: الإمبراطورية الغربية الألمانية، التى اشتملت على ألمانيا الحالية وأجزاء من بلجيكا وهولندا والنمسا والمجر، وهى التى صار اسمها الرسمى الإمبراطورية الرومانية المقدسة، واشتهر أعظم حكامها وهو الإمبراطور هنرى الرابع (1056- 1106م) بعلاقاته الطيبة مع المسلمين فى بلاد الأندلس. وقامت فى فرنسا مملكة قوية كذلك تولى عرشها ملوك من أسرة هيو كابيه، التى اشتهر منها فى علاقاته مع المسلمين الملك فيليب الأول (1060- 1108 م) وفى إنجلترا أسس النورمانيون مملكة قوية تولى عرشها الملك وليم الثانى صاحب العلاقات الوثيقة مع المسلمين.

واهتمت هذه الدول الأوربية الغربية بإرسال بعثات علمية إلى ديار المسلمين بالأندلس لدراسة العلوم والفنون والصناعات فى معاهده الكبرى نتيجة لذيوع شهرة الأندلس وحضارتها الزاهرة فى إنجلترا وفرنسا وهولندا وتوسكانيا وكان الملك فيليب البافارى من أوائل حكام غرب أوروبا الذين عمدوا إلى الإفادة من العلاقات الإسلامية الأوربية. إذ بعث إلى الخليفة الأموى بالأندلس، وهو هشام الأول يسأله السماح له بإيفاد هيئة تشرف على حالة بلاد الأندلس ودراسة أنظمتها وشرائعها وثقافة مختلف الأوساط فيها، ليتمكن من اقتباس المثمر المفيد من ذلك لبلاده. ووافق  الخليفة على طلبه، وبعث هذا الملك الجرمانى وفدا برئاسة وزيره الأول الذى اشتهر باسم وليم الأمين لأنه كان أمينا فى نقل ما رآه من حضارة الأندلس وعظمتها إلى الملك، وحثه على الاستمرار فى إنفاذ البعثات العلمية لاقتباس معالم الحضارة الإسلامية.

وتوالت البعثات على الأندلس، فأرسل ملك إنجلترا، جورج الثانى، ابنة أخيه الأميرة "دوبانت " على رأس بعثة من ثمانى عشرة فتاة من بنات الأمراء والأعيان إلى أشبيلية ببلاد الأندلس يرافقهن رئيس موظفى القصر الملكى، وهو النبيل "سفليك "، الذى كان يحمل كتابا من الملك إلى الخليفة هشام الثالث جاء فيه:

"من جورج الثانى ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين فى مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقدام: بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقى العظيم الذى تتمتع بفيضه الصافى معاهد العلم والصناعات فى بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداءة حسنة فى اقتفاء آثركم لنشر أنوار العلم فى بلادنا التى يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة. وقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة "دوبانت، على رأس بعثة من أشراف الإنجليز لتتشرف بلثم أهداب العرش، والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم وحماية الحاشية الكريمة، وجدب من لدن اللوائى سيتوفرن على تعليمهن. وقد أرفقت الأميرة الصغيرة بهدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب الخالص- من خادمكم المطيع: جورج"

وكانت هدية الملك جورج عبارة عن شمعدانين من الذهب الخالص، طول الواحد ثلاثة أذرع، مع أوان ذهبية أخرى للطعام، عددها اثنتين وعشرين قطعة، نقشت بأبدع وأروع النقوش السكسونية، وكلها من صنع  بلاد الإنجليز، وتعد من التحف النادرة التى لا تقدر بثمن.

ورد الخليفة هشام على ملك إنجلترا بالرسالة الآتية: "بسم الله الرحمن الرحيم و الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه سيد المرسلين، وبعد: إلى ملك إنجلترا وإيكوسيا وإسكنديناوة الأجل، لقد اطلعت على  التماسكم، فوافقت بعد استشارة من يعنيهم الأمر على طلبكم، وعليه فإننا نعلمكم بأنه سينفق على هذه البعثة  من بيت مال المسلمين دلالة على مودتنا لشخصكم الملكى. أما هديتكم فقد تلقيتها بسرور زائد، وبالمقابلة أبعث إليكم بغالى الطنافيس الأندلسية، وهى من صنع أبنائنا، هدية لحضرتكم، وفيها المغزى الكافى للتدليل على التقائنا ومحبتنا. والسلام، خليفة رسول الله على ديار الأندلس: هشام ".

وقدمت بعثات أخرى من فرنسا وإيطاليا الأراضى الواطئة، وامتلأت بها معاهد غرناطة وأشبيلية، ونهلت من الحضارة العربية الإسلامية، وتأثرت بالأخلاق العربية الإسلامية. ولم يعد بعض هؤلاء المبعوثين إلى بلادهم، سواء من الفتيان أو الفتيات تحت تأثير عوامل شتى، كان من أهمها إعجابهم بالحياة العربية وتقاليدها وثقافتها، أو نتيجة صلات عاطفية نشأت بين بعض الفتيات الأوربيات وأبناء سراة العرب الذين كانوا يزاملون أفراد البعثات فى مختلّف المعاهد العربية، حيث انتهت معظم هذه العلاقات بالزواج بعد اعتناق الإسلام. وقد اشتهر من بين الفتيات اللواتى ربطت الأقدار حياتهن بالأسر العربية الكريمة كثيرات، أبرزهن الأميرة "مارى غويبة"، وهى بلجيكية الأصل، أحبها الأمير "حسن بن المهدى" وتزوجها، ومنهن "روبيكا ستارت " من بنات العائلات الأرستقراطية الجرمانية، والراهبة "جانيت سمبسون " المرافقة لإحدى بعثات البنات الإنجليزيات، ؤشونا " ابنة الكونت "سيرجاك" من أشراف البلاد الواطئة (هولندا).

وغدت هذه الطلائع للعلاقات الإسلامية الأوربية تكون نماذج خالدة للإخاء الإنسانى فى الإسلام، ونماذج عملية رفيعة لقدرة هذا الإخاء الإنسانى فى الإسلام على إخراج أوربا وأهلها من الظلمات إلى النور، والمنارة الإسلامية الشامخة التى مازالت قادرة على أن تقدم لأوربا وأهلها اليوم ما يبصرهم بحقيقة الإسلام، وأن الأخذ بتعاليم هذا الدين الحنيف سبيل لإقامة علاقات معاصرة من حسن الجوار مع سائر أرجاء العالم، والتعاون مع المسلمين فى النهوض بما يرجوه العالم من أمن وسلام، فى ظل التعاليم الإسلامية الحنيفية السمحاء.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع