الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثامن : الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى
 
هذا فى نطاق السلم

 

 

   "القانون الدولى والشريعة الإسلامية"

للأستاذ الدكتور/ مفيد شهاب

رئيس جامعة القاهرة

إن كانت الجذور القديمة لقواعد القانون الدولى ترجع إلى عصر الرومان.

حيث كان الأجانب يخضعون فى داخل الإمبراطورية الرومانية لقانون خاص يسمى بقانون الشعوب ( Jus Gentium  )، يختلف عن القانون المدنى ( Jus Civile) الذى يخضع له الرومان. وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد تضمنت تنظيماً لكثير من المسائل التى يحكمها القانون الدولى الحديث، إلا أن الأصول الحديثة لهذا القانون الدولى ترجع إلى منتصف القرن السادس عشر. ففى هذه الفترة، ظهرت بين دول أوروبا المسيحية الكاثوليكية قواعد هذا القانون. لتسرى على هذه الدول باعتبارها تشكل وحدها الأسرة ا لدولية.

وتعد معاهدات وستفاليا فى عام 1648، من وجهة نظر غالبية الفقهاء، أساس القانون الدولى الحديث، باعتبارها قد قررت السيادة والمساواة بين الدول الأوروبية المسيحية الكبرى والصغرى، كمبدأ أساسى فى العلاقات الدولية. وقد جاءت المعاهدات فى أعقاب الحرب الثلاثينية بين الدول الكاثوليكية والدولة البروتستانتة مستندة إلى قاعدة التوازن الدولى ( The balanc of  Power) كركيزة لصيانة السلام فى أوروبا .

وإذا كانت هذه المعاهدات قد قامت بتدوين بعض قواعد العلاقات الدولية،

فقد بدأت تنشأ تدعم قواعد عرفية أخرى بين الدول الأوروبية، حتى أصبح للقانون الدولى قواعد ثابتة، تنفرد الدول الأوروبية المسيحية بإنشائها وتطبيقها على أنفسها.

وقد ظل القانون الدولى ينمو ويتطور خلال القرون الثلاثة الماضية،

حيث تم ابرام العديد من. الاتفاقيات الدولية فى مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية وغيرها، مثل اتفاقيات البحار

     لعامى58 19 ، 1960

واتفاقية العلاقات الدبلوماسية والمبعوثين الدبلوماسيين لعام 1961 ، وقانون المعاهدات لعامى 1968 , 1969 .

 هذا فى نطاق السلم. أما فى نطاق الحرب. فقد انعقدت معاهدات لاهاى سنة 1907م، الخاصة بكيفية استخدام أسلّحة القتال، والأحكام التنظيمية للحرب فى البر والبحر والجو. وانعقدت اتفاقيات جنيف الأربع لسنة 1949م بشأن تحسين حال الجرحى والمرضى من أفراد القوات المسلحة فى ميدان القتال، وفى مجال معاملة الأسرى وحماية المدنيين، والبروتوكولين الإضافيين الصادرين سنة 1977م، وغير ذلك..

ومما يلاحظ على نشأة القانون الدولى أنها تمت فى أوروبا الكاثوليكية، ويكاد الباحثون يجمعون على أن القانون الدولى نتاج أوروبى مسيحى خالص، كما أنه نشأ كحركة فكرية، لا كتقنين مدون، وأنه لم يدخل فى طور التدوين الحقيقى إلا حديثا، وخاصة فى أعقاب نشأة الأمم المتحدة عام 1945م.

 كذلك فإن القانون الدولى قد انطبع بظروف الدول الأوروبية التى نشأ وتطور فيها. فظهر- فى البداية- أن أحكامه مسودة لا سائدة، بل إنه يسوغ تصرفات الدول، ولا يحكم عليها.

أمر آخر، هو أن نشأة القانون الدولى فى أوروبا بالذات قد طبعه بطابع المحدودية، التى تقتصر علّى الدول الأوروبية وحدها. لذلك انطبع القانون الدولى- منذ ظهوره- بالطابع الإقليمي والطائفي، ولم يهدف أصلا أن يكون قانونا عالميا تنتفع بأحكامه كل دول العالم. وعلّى اختلاف أديانها. أو تباين شعوبها، أو تباعد أقاليمها.

وقد ظل الحال على ذلك مدة طويلّة، وفى بداية النصف الثانى من القرن التاسع عشر، حدث تطور على درجة كبيرة من الأهمية. فقد قررت الدول الأوروبية المسيحية العظمى حينئذ (وهى: فرنسا والنمسا وبريطانيا وبروسيا وروسيا) أن تقبل تركيا الإسلامية بمقتضى المادة السابعة من معاهدة باريس سنة 1856م، ثم قبلت بعد ذلك اليابان، وهى أيضا غير مسيحية. وبدخول تركيا واليابان فى " الأسرة الدولية " تحرر نطاق القانون الدولى من رابطتي الدين والإقليم الأوروبي.

والواقع أن القانون الدولى لم يصبح عالميا بحق إلا بعد إنشاء الأمم المتحدة، وبصفة خاصة. بعد حسم مشكلّة العضوية بها فى سنة 1956م، وانتهاء عصر الاستعمار الأجنبى، حتى بلغ عدد الأعضاء فيها الآن (184) دولة.

أما عمليات تدوين أحكام القانون الدولى، فقد بدأت على اسنحياء ابتداء من أواخر القرن الماضى، إلا أنها لم تدخل حيز الانتشار إلا ابتداء من سنة 1958م، عندما دونت الأحكام القانونية الخاصة بالنظم القانونية للبحار، ثم تتابع بعد ذلك تدوين سائر أحكام القانون الدولى، فعقدت معاهدة فيينا سنة 1961م لتدوين أحكام التنظيم الدبلوماسى، ثم عقد مؤتمر فيينا سنتى 968 1، 1969 لتدوين أحكام المعاهدات الدولية.

ونخلص من هذا العرض التاريخى السريع إلى أن القانون الدولى فرع حديث النشأة، وأنه لم يأخذ طابع العالمية الا ابتداء من القرن العشرين، كما أنه مازال حتى اليوم ينمو ويتطور تبعا للظروف والمستجدات التى تطرأ على العلاقات بين الدول، وأخيراً باعتباره قانوناً وضعياً، ولا يهتم كثيراً بالتكوين الأخلاقى للدول- وبالتالى للشعوب- التى تطبق أو ينطبق عليها أحكام هذا القانون.

فإذا استعدنا ظهور الإسلام فى القرن السابع الميلادى، أى قبل نشأة فكرة القانون الدولى بأحد عشر قرنا، نجده قد جاء للإنسانية كلها بآخر رسالة سماوية، وبالتالى أكمل تشريع إلهى. وما أسرع أن تقبلته العقول، واطمأنت إليه النفوس، ووجدت فيه الشعوب نظاماً يحقق لها العدالة والمساواة، ويمنحها ا لأمن والاستقرار.

عندما ظهر الإسلام، كان العالم المعروف حينئذ يكاد يكون محصوراً فى إمبراطوريتين كبيرتين، لكنهما كانتا متهالكتين، هما إمبراطورية الفرس، وإمبراطورية الروم، بالإضافة إلى شبه الجزيرة العربية التى كان لها شرف استقبال الدين الجديد، الذى أخرجها من جاهلية الشرك إلى نور التوحيد، وألف- لأول مرة- بين قبائلّها المتناثرة والمتناحرة، فجعل منها دولة ذات كيان سياسى واضح، وما لبثت هذه الدولة، التى قامت على مبادئ الإسلام وتعاليمه، أن امتدت، واتسع نطاقها، حتى ورثت معظم المناطق التى كانت خاضعة لسلطان الإمبراطوريتين المتهالكتين.

إن الإسلام- كما نعلم- دين صالح لكل زمان ومكان. وهو موجه للبشرية كلها، لذلك فإن النظام السياسى الذى أقامه المسلمون فى المدينة تحت قيادة الرسول صلى الله عليه وسلم، اتسم منذ اللحظات الأولى بطابع العالمية والدبلوماسية معاً. وقد تجلى ذلك واضحاً فى الرسائل التى بعث بها الرسول صلى الله عليه وسلم، إلى رؤساء العالم حينئذ: كسرى الفرس وقيصر الروم، ونجاشى الحبشة، ومقوقس مصر وغيرهم. ومن المعروف أن هذه الرسائل قد حملها مبعوثون دبلوماسيون على مستوى عال من الكفاءة. وأن بعض هذه الرسائل كان لها أثرها الإيجابى، كما هو الحال فى مصر والحبشة، بينما قوبل بعضها الآخر بصورة غير متحضرة بالمرة، كما فعل كسرى حين مزق الرسالة.

كذلك كان للّمعاهدات التى وقعها الرسول صلّى الله عليه وسلم، مع القبائل العربية، أو اليهود، نماذج عالية من السياسة الحكيمة التى تحفظ لجماعة المسلمين حقوقها، وترد عنهم كيد المعتدين. وفى هذا المجال ينبغى أن نتأمل معاملة الرسول- صلى الله عليه وسلم- لمبعوثى أعدائه، وحاملى رسائلهم، وممثليهم السياسيين، وهى معاملة يحق لنا أن نقول فيها إنها سديدة ومستقيمة، فالإسلام فوق ما يكفله لهم من صيانة وأمن على الأرواح، يمنحهم نوعاً من الحصانة الاجتماعية التى تضمن لهم حرية العودة إلى أوطانهم متى شاءوا، ولا يدع سبيلاً إلى احتجازهم فى بلاد المسلمين بحجة أنهم من الأعداء.

يلى ذلك طريقته عليه السلام، فى الاستماع لهؤلاء المتفاوضين، وحسن استعداده للتفاهم أو التعاقد معهم. والقرآن الكريم يحض الرسول صلى الله عليه وسلّم، على قبول مبدأ الصلح، متى وجد من العدو ميلاً إليه:

 )وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ( (الأنفال: 61).

أما شروط الصلح وطرائقه، فقد رأينا فى هدنة الحديبية، كيف أن روح المسالمة، التى كانت تعمر قلب رسول الإسلام، قد جعلته يضحى بكثير من التفاصيل المتعلقة بألقابه الأدبية،وبالسمعة الحربية لجيشه، وببعض الحقوق الفردية لأتباعه، على أن ذلك لا يعنى قبول كل اقتراح من جانب العدو مهما كان شاذاً، أو ضاراً بحقوق الأمة والأجيال المقبلة. فقد رأينا هذا الرسول الرحيم نفسه حين عرض عليه مسيلمة الكذاب تقسيم الأرض بينه وبينه، يرفض ذلك العرض رفضاً صارماً، ويجيبه بتلك الجملة الحكيمة التى يقتبسها من القرآن الكريم:

) إن الأرض لله، يورثها من يشاء من عباده ( (الأعراف: 128).

ولعل أبسط العقود السياسية هو التصريح الذى يصدر من جانب واحد،ولا يلزم إلا الطرف الذى أصدره، كإعلان دولة ما أنها تلّتزم الأمن والحماية لدولة أخرى. ونحن نجد من هذا النوع مثالاً واضحاً فى العهد الذى أعطاه الرسول صلى الله عليه وسلم، لأهل سوريا ومن معهم فى أثناء غزوة تبوك. وضمن لهم فيه حرية انتقالهم، وأمن قوافلهم البرية والبحرية، بشرط ألا يثيروا شغباً على المسلمين.

لكن المعاهدة بالمعنى الصحيح تتطلب اتفاقاً وتبادلاً للمنافع يقبله طرفا العقد جميعا. وأقل ما يتحقق فى هذا النوع من العهود هو التعاقد الذى لا يتضمن إلا التزامات سلبية تنحصر فى امتناع كلا الطرفين عن كل فعل ضار بالآخر. وقد نقل لنا المؤرخون أمثلة لمواثيق من هذا النوع عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم، والتزم فيها الطرفان- إما لمدة غيرمحصورة، وإما إلى أجل معلوم- ألا يهاجم أحدهما الآخر، ولا يحالف عدوا له، ولا يساعد معتديا عليه. ومن ذلك على سبيل المثال: ميثاق الهدنة التى عقدها الرسول صلى الله علّيه وسلم، مع قريش، فى السنة السادسة من الهجرة، لمدة عشرة أعوام.

على أن الحقوق والواجبات المتبادلة إنما تبرز فى أكمل مظاهرها فى عهود الحلّف. ومن أمثلة ذلك تلّك المحالفتان اللتان تعهد بهما صلح الحديبية، حيث سمح لكلا الفريقين أن يختار حليفا له من بين القبائل العربية، فاختارت قبيلة (خزاعة) أن تحالف محمداً، واختارت قبيلة (بنى بكر) أن تحالف قريشاً.

لقد كانت من نتائج تطبيق هاتين المحالفتين أن نهض المسلمون فى السنة الثامنة لنجدة خزاعة، حين نقضت قريش عهدها معها. وينبغى أن يلاحظ أن هذا النقض لم يكن بقتال مباشر موجه علانية لخزاعة، وإنما كان معاونة سرية بالمال والسلاح لبنى بكر عليها. ومن هنا نعرف وجهة نظر الإسلام فى هذه النقطة القانونية.

وهناك مثال طريف لنوع من المواثيق لا نجده إلا فى العصر الحديث،وهو ذلك العهد الذى أعطاه الرسول صلى اللّه عليه وسلم، لنصارى نجران باليمن، يلّتزم لهم فيه بحرية عقيدتهم ما داموا مسالمين، ويلتزمون له بمساعدات مالية. وهو إن كان عهداً محلياً أكثر منه عهداً دولياً، إلا أن فيه شرطاً يذكرنا باتفاق الإعارة أو التأجير الذى عقدته الولايات المتحدة الأمريكية مع بريطانيا، لتمويل الجيوش الإنجليزية فى الحرب العالمية الثانية.

ونخلص من إيراد هذه الأمثلة والنماذج إلى تقرير حقيقة ناصعة، وهى أن كثيرا من مبادئ القانون الدولى وصوره التى لم تتوصل إليها الإنسانية إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين، نجدها قد وردت فى صورة مبادئ وتعاليم فى القرآن الكريم، وفى صورة تطبيقات فى السنة النبوية الشريفة وقد أتى فقهاء المسلمين بعد ذلك لكى يتناولوا هذه المبادئ والتعاليم والتطبيقات بالمزيد من الشرح والتفسير. ومما يدعو إلى الإعجاب بحق أن أول دراسة لما يسمى الآن بالقانون الدولى قد كتبها الإمام عبد الله محمد بن الحسن الشيبانى بعنوان (السير الكبير) فى القرن التاسع الميلادى. وهو كتاب يكاد يكون كاملاً من حيث موضوعه، ومـن حيث الأحكام الخاصة بتنظيم العلاقات الدولية فى السلّم والحرب. ولعلنا لا نجد ما يقارن به فى الفكر الأوروبى إلا كتاب " جرسيوس " (الفقيه الهولندى- أب القانون الدولى) بعنوان " فى قانون الحرب والسلم " الذى وضعه فى القرآن السابع عشر، أى بعد ظهور كتاب الشيبانى بثمانية قرون.

إن فكرة سبق الشريعة الإسلامية للّقانون الدولى تفتح مجالاً واسعاً للدراسات المقارنة بينهما، لكننا ينبغى عند إجراء مثل هذه الدراسات أن نأخذ فى الاعتبار أن مهمة الشريعة الإسلامية هى فى الدرجة الأولى مهمة حضارية، آمرة وشاملة، فى حين أن مهمة القانون الدولى مهمة تنظيمية، قائمة على الاتفاق، ولا يتعدى أثرها نطاق المتفقين. فالشريعة الإسلامية تتضمن أحكاماً مدونة مصدرها القرآن الكريم، وعادات أو أحكام عرفية ثابتة مصدرها السنة، كما تتضمن المصادر التى تكفل لها النمو والتطور الدائمين كى تتلاءم مع عنصرى الزمان والمكان وهى الإجماع والاجتهاد. وهى تهدف- كما نعلم- إلى إيجاد تنظيم يشمل المعمورة وشعوبها، على أساس أخلاقى يتميز بالسمو والامتياز مما لم يتسن لأحكام القانون الدولى بلوغه حتى الآن. ومن الجدير بالذكر أن الأحكام الإسلامية لم تكن غايتها على الإطلاق أن تنظم مجتمعا مغلقا، بل إن أحكام الإسلام تهدف أساساً إلى تنظيم العلاقات فى مجتمع مفتوح الأبواب، يشمل كل شعوب الأرض دون تمييز يقوم علّى أساس الدين أو اللغة أو.اللون. يضاف إلى ذلك أنها تهدف إلى إيجاد تنظيم للّجماعة الإنسانية، كلها على أساس العدل والشورى والمساواة، فى ظل حياة كريمة يسودها الأمن والاستقرار.

لقد حررت الشريعة الإسلامية الإنسان- الفرد- فى علاقته بالله تعالى،من أى سلطة كهنوتية يمكنها أن تفسد صفاء هذه العلاقة، كما حررته فى نطاق تعامله مع الدولة من أى ظلم أو استبداد، وكفلت له مجموعة الحقوق الأساسية بالحفاظ على (النفس والعقل والدين والعرض والمال). أما على مستوى الشعوب، فقد حررتها من علاقات السيطرة وفرض النفوذ، وتكبيل الحريات، وفتحت لها طريق المفاوضات والمعاهدات السلمية، من أجل حمايتها من ويلات الحرب، وأخطار العدوان.

وإذا كنا اليوم فى مجال القانون الدولى نسعى إلى أن تسود بين الدول علاقات الوئام والسلام وتبادل المنافع، انطلاقاً من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، فإننا مازلنا بحاجة شديدة إلى ضمان تطبيق هذه المعاهدات بنصها وروحها، وكذلك ضمان استمرارها وعدم التحايل عليها، نتيجة رغبة خاصة أو نزوة طارئة من إحدى الدول.

وإذا كان التنظيم الدولى للعلاقات الدولية قد توافر له سند قوى تمثل فى هيئة الأمم المتحدة، وفروعها الرئيسية المتمثلة فى الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمجلس الاقتصادى والإجماعي، ومجلس الوصاية، ومحكمة العدل الدولية، والأمانة العامة- فإن هذه الفروع لم تنجح حتى الآن فى تحقيق المبدأ الذى أعلنته فى ميثاقها، وهو " مبدأ المساواة فى السيادة بين جميع الأعضاء. ويكفى أن أشير هنا إلى أن نظام التصويت فى مجلس الأمن (المادة 27) يمنح كل دولة من الدول العظمى (جمهورية الصين ، وفرنسا، المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية) حق تعطيل أى قرار يتفق عليه سائر أعضاء مجلس الأمن فى المسائل الموضوعية بمجرد التصويت بالاعتراض عليه. وحق الاعتراض هذا يشمل أيضاً موضوع أى تعديل على أحكام الميثاق فى المستقبل، كما يشمل دخول مثل هذا التعديل فى دور التنفيذ بواسطة إجراء التصديق.

ويكفى هذا المثال للدلالة على أن المنظمة الدولية المنوط بها حفظ السلام والأمن الدولى، وإنماء العلاقات الودية بين الأمم، على أساس احترام المبدأ الذى يقضى للشعوب بحقوق متساوية- أقول إن هذه المنظمة الدولية لا تحقق فى أليات العمل داخلها أهم المبادئ التى نص علّيها ميثاقها.

مثل هذه السلبيات لا تعنى التهوين من شأن منظمة هيئة الأمم المتحدة،ولا من أهمية فروعها، وإنما تعنى بالدرجة الأولى ضرورة إعادة النظر فى.قوانينها، وطريقة- صياغتها، ومتابعة تنفيذها، على أساس من احترام حق شعوب العالم كلها، وتقدير رغباتها فى العدالة والسلام.

لقد كانت مصر من أهم الدول المساهمة فى تأسيس هيئة الأمم المتحدة. وهى اليوم باعتبارها قوة عربية وإفريقية، ولها مكانتها المتميزة فى العالم الإسلامى كله، مؤهلة تماماً للإسهام من جديد فى مراجعة أحوال هذه المنظمة الدولية الكبرى. وذلك بفضل ما يتوافر لديها من كفاءات متخصصة فى القانون الدولى والشئون الدولية، وكذلك بفضل ما يزودها به الإسلام الحنيف من مبادئ وتعاليم، من حقها أن تسود العلاقات الدولية. وأنا على ثقة من أن الإسلام فى صفاته وعالميته يمكنه أن يقدم الكثير فى هذا المجال، وخاصة فيما يتعلق بإضفاء طابع إنسانى وأخلاقى على تلك العلاقات، وهذا ما يجعلها تنتقل من علاقات مؤقتة ومرتبطة بمصالح مادية فقط، إلى علاقات أكثر استمراراً وإنسانية، تتفق مع تطلعات الشعوب فى التعارف، ورغبتها فى التلاقى وتبادل المنافع والثقافات.وفى تصورى أن العمل فى هذا الاتجاه أصبح ضرورة تمليها علينا ظروفنا من ناحية، والمشكلات والأزمات الدولية التى يعانى منها العالم من ناحية أخرى، ويجدر فى هذا الصدد أن أقرر أن جوهر الإسلام الصحيح يحتاج منا إلى بذل جهود علمية وإعلامية صادقة لجلاء مفهوم الإسلام الصحيح والمتكامل، والكشف عما يحتويه من مبادئ عالمية يحتاج إليها الإنسان فى كل زمان ومكان. ولا شك أن هناك الكثير من السحب التى مازالت تحجب الرؤية، من أهمها الفهم الناقص أو التصور الخاطئ، أو غلبة العادات المحلية واعتبارها أحياناً من جوهر الإسلام.

وحسبى فى هذا الصدد أن أشير لمبدأ الجهاد الذى صوره بعض المسلمين على أنه جوهر الدين الإسلامى، وأساء الغرب فهمه حتى جعل الإسلام عبارة عن عقيدة حربية، يعتنقها المتعصبون، ولا يوجد لها هدف سوى الحرب والتوسع، وإجبار الآخرين على اعتناق دينهم.وما أبعد ذلك كله عن الحقيقة. فالقرآن الكريم يقرر فى وضوح أنه  ) لا إكراه فى الدين  (  البقرة: 256. وأن الحرب المشروعة للمسلمين هى الحرب الدفاعية، التى ينضوى تحتها نوعان، أشار القرآن أيضاً إلى كل منهما:-

الأول: هو الدفاع عن النفس، وفيه يقول الله تعالى:

] أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير. الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا أن يقولوا ربنا الله ) (الحج: 39-40).

الثانى هو الإغاثة لشعب مسلم أو حليف عاجز عن الدفاع عن نفسه، وفيه يقول القرآن الكريم: ( وما لكم لا تقاتلون فى سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها  ( (النساء: 75). من هنا نرى أن الحرب فى نظر الإسلام شر لا يلجأ إليه إلا المضطر. بل إن التطبيق النبوى للمبدأ القرآنى يطلعنا على أن المفاوضة التى تؤدى إلى صلح مجحف بشئ من حقوق المسلّمين، ولكنه فى الوقت نفسه يحقن الدماء، خير من انتصار باهر تزهق فيه الأرواع. (وصلح الحديبية يظل نموذجا يحتذى به فى هذا المجال). أجل، ما أحوج القانون الدولى المعاصر، والعلاقات الدولية نفسها إلى أن تتشبع بروع الإسلام، وأن تستهدى بمبادئه السامية، ومثلّه العليا. وعندما نقول ذلك فإننا لا نعنى رسم صورة خيالية لنظام يصعب أو يستحيل أن يوجد فى الواقع (كما فعل أفلاطون فى جمهوريته)، وإنما نقصد إلى مبادئ يمكن- وقد أمكن بالفعل- ترجمتها إلى الواقع التاريخى. ويكفى أن أشير فى هذا المقام إلى النظام السياسى الذى أقامه المسلمون، والذى استطاع أن يضم العديد من الأمم والشعوب المختلفة فى الجنس واللغة، ناشراً فيها حضارته، باسطاً عليها جناحه. وصحيح أن هذا النظام قد نشأ وتطور فى ظروف معينة، وارتبط ازدهاره وانهياره أيضاً بعوامل محددة، ولكن الذى يبقى هو أن عوامل نجاحه وازدهاره تظل مقاييس هادية لنا حتى الوقت الحاضر. ويحضرنى هنا ما كان يقوم ب العلماء والتجار من رحلات حرة، وبدون قيود أو عوائق، بين سائر أرجاء الدولة الإسلامية، من الأندلس والمغرب حتى العراق وإيران وما وراءهما. ومن الواضح أن فتح الحدود الإقليمية لأمثال هذه الرحلات كان ومازال سبقا تميز به النظام السياسى لدى المسلمين. يضاف إلى ذلك ما تميزت به علاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى من احترام للعهود والمواثيق. ويحدثنا التاريخ أنه من النادر أن كان المسلمون ينقضون العهد، أو يخونون الميثاق، بل على العكس، كان هذا النقض يأتى من جانب الأطراف الأخرى، مما كان يؤدى إلى توتر العلاقات، وفتح باب الصراع.

وأنتهى من هذا البحث الموجز إلى أن الإسلام لديه الكثير جداً لكى يقدمه للعالم فى ظروفه الحالية، بل إن لديه حلولاً جذرية للكثير من المشكلات الراهنة، شريطة أن ينهض أبناؤه بجهد استخراجها واستنباطها من قواعدها الكلية،- وأن يبذلوا الجهد اللازم من أجل عرضها- بصورة مقنعة وحضارية- فى المحافل الدولية، دون أن يفقدوا أبداً النظرة للإسلام، باعتباره دينا نزل لهداية الإنسانية كلّها، إلى طريق الخير والطمأنينة والسلام.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع