تأملات
فى فكر التطرف
ما بين الحربين
للأستاذ
الدكتور إبراهيم المقدود - إيطاليا
1/1
إن كثيراً من الناس كتبوا فى
افتراق الناس فى دياناتهم ومقالاتهم كتباً كثيرة جدا فبعضهم أطال وأسهب، وأكثر
وهجر، واستعمل الأغاليظ والشغب، فكان ذلك شاغلا عن الفهم قاطعاً دون العلم وبعض
حذف وقصر وقلل واختصر، وأضرب عن كثير من قوى معارضات أصحاب المقالات فكان فى ذلك
غير منصف لنفسه فى أن يرضى لها بالغبن فى الإبانة وظالماً لخصمه فى أن لم يوفه حق
اعتراضه، وباخساً حق من قرأ كتابه إذ لم يغنه عن غيره وكلهم.. عقد كلامه تعقيداً
يتعذر على كثير من أهل الفهم وحلق على المعانى من بعد، ينسى أخر كلامه أوله و أكثر
هذا منهم ستائر دون فساد معانيهم فكان هذا منهم غير محمود فى عاجله وأجله "
(1) هكذا تحدث ابن حزم الأندلسى فى كتابه "الفصل فى الملل والأهواء
والنحل" عن المنهج الذى يجب السير عليه فى دراسة الظواهر الفكرية وهذا من
القواعد التى التزمها المسلمون فى الدراسات المقارنة للملل والنحل، تتميز بالحيدة
التامة فى عرض وجهة نظر الآخرين دون آية محاولة للرد عليها أو إظهار بطلانها أو
تهافتها قبل إتمام العرض ونراه جليا فى كثير من الأعمال مثل كتاب "مقالات الإسلاميين
" لأبى حسن الأشعرى وكتاب "الملل والنحل" للشهر ستأتى و"مقاصد
الفلاسفة" للغزالى، فقد بدأ المسلمون بدراسة الظواهر الفكرية والعقائد
المذهبية مبكراً وكانوا أول من وضع بعض قواعد المنهجية لدراسة الملل والنحل وأن
غيرهم ممن اشتغل بهذه العلوم اتبع قواعدهم واستفاد من محاولاتهم (2)، ولم تكن
الدراسات مقتصرة عن الظواهر الفكرية والدينية فى دار السلام فقط فدراسات البيرونى
عن معتقدات الهند "من مقبولة فى العقل أو مرذولة" رغم البعد الجغرافى فى
الهند فقد قام المسلمون بدراسة العقائد والملل والظواهر الفكرية خارج دار الإسلام
أيضاً لفهمها واستيعاب إيجابياتها وسلبياتها بما يوضح معالم الطريق التى تمكن دراسة التيارات الفكرية المختلفة المآرب، تجنبا
لتطبيق الأنماط الجاهزة والمفاهيم التقليدية والتعليلية وفك وتحرير كل مفهوم من، المضامين الجامدة المضمنة فيه بحيث
يتحمل المفهوم التعيين ثم الطرح بكيفية إشكالية وفتح طرق جديدة للبحث والتنقيب حتى
لا تسد الأبواب أمام تقاليد البحوث الإسلامية العلمية العقلانية(3).
التزم ابن حزم مبدأ الوضوح
فى الطرح، والدقة فى إبداء الرأى واجتناب التعقيد فى الفكر، واستيفاء حجج الصوم
عند العرض كما تتميز عقلانيته عند تفسير الظواهر عند قوله: "بأن العلم
والمعرفة اسمان واقعان على معنى واحد، ويكون ذلك إما بشهادة الحواس "التجربة
العلمية" وأول العقل "العقلانية" و إما ببرهان راجع من قرب أو من
بعد إلى شهادة الحواس..-. ورد الروايات التاريخية التى تصادم مقررات العلوم على ما
وصلت إليه فى عصره من الحساب والهندسة والجغرافيا والحيوان والنبات والمعادن،
وبالجملة كل ما يتعارض مع القوانين اليقينية الثابتة المطردة التى يسير العالم
والمجتمع الإنسانى حسب مقتضياتها أو هذه "الروايات " تعد عند ابن حزم
كذباً ، ومحالا من باب ما يتسلى به العجائز من الخرافات والأسمار (4) وفى تباين
اختلاف الصور، واختلاف الهيئات وتباين الأخلاق إنما يقال هذا الشئ كا يشبه هذا على
إن ذلك فى أكثر أحوالهما لا فى كلها.... وقد علمنا بالمشاهدة أن كل ما يتكرر عليه
ذلك الشيئان المتشابهان تكرراً متصلا بأنه بدلا أن يفصل بينهما، ويميز أحدهما عن
الآخر، لا يشبهه فيها (5) إذا ما توفر القاسم المشترك للظاهرة فحتماً يكون التشابه
فى جزئية الظواهر لا فى كليتهما.
1/2
عندما تستتب أمور
الحياة بتوفر الأمن والراحة النفسية فى فترة تاريخية ما، يقوم الإنسان السياسى
بوضع الحدود والإدارة والتشريع للدولة، قائمة على أمل خلق بيئة خالية من العنف،
ولكن عندما تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن، يكون من سوء الحظ وشؤم الطالع أن تعيش
الأمة فترة تهدد بانحلال الأسس التقليدية للوطن، وفى المجتمع وفى بناء العلاقات
الإنسانية، ذلك عندما تصبح حرية فرد أو أفراد معدودين تهدد حرية وأمن الآخرين، هنا
تكون السيادة للعنف، هذه الملاحظة قدمها ميرليو بونتى merleau ponty فى
مقدمة كتابه "الإحياء الثقافى والعنف " مشيراً إلى الكارثة الأوروبية فى
فترة ما بين الحربين! فذكر بشكل مثالى الشروط والأوضاع و الخلفيات السياسية
والبسيكولوجية التى نما فيها وانفجر
التطرف بالمفهوم الحديث، متمثلا فى فكر الفاشية حيث يكون ظاهريا نتاجاً
وخلاصة لتغيرات كبيرة فعلت فعلها فى العلاقات بين الناس. وشكلا سياسياً يجنح إلى
الشمولية بإقحام جميع مظاهره ووضعية الحياة الإنسانية وإخضاعها إلى تفسيرات ذلك
الفكر والتعبير عنها على مستويات متعددة تتميز بالحدة والشطط، حاملة بها إلى أقصى
درجات التطرف كما تشتمل تفسيراتها، المتناقضات والاتجاهات الفكرية الأخرى والجديد
الذى لم تتضح معالمه بعد فى عالم السياسة والاجتماع فى اقتران متباين، وهو الوضع
الذى كانت عليه أوروبا فى النصف الأول من القرن العشرين، وهذا يحتم إعطاء الظاهرة
شكلا مشبعاً و مركزاً باعتبارها مرحلة تاريخية هامة على مستوى المعانى والمفاهيم
(6) فإذا ما اعتبرنا أن تحديد فترة تاريخية، معينة يميزها الصراع السياسى والتواتر
السريع للإحداث ، ما يعطى شكلا جديداً للظواهر فإنه لا مجال من التنصل من تسمية
فترات الحرب الكونية بزمن "التطرف الفكرى"، فالتطرف الفاشى، التقت فى
بؤرته وعلى مستويات مختلفة العديد من خطوط الأزمات الناتجة عن خلل فى التوازن
الاجتماعى و السياسى والاقتصادى، ترجع جذورها إلى القرن السابق لنمو الظاهرة حيث
أخذت الأزمات تنمو لتصل إلى مستوى النضوج فى العشرينات والثلاثينات، مستقطبة حولها
حالات الاكتتاب والانكسار وعدم الرضى المتفشى فى ثنايا الشرائح الاجتماعية التى
تعيش أزمة النظام الذى كان قديماً جديداً فى نفس الوقت، و الذى شهد إقحام الناس فى
مرحلة التحول الرأسمالى العالمى فى تجربة للانتقال إلى مرحلة أكثر تطوراً فبدأ
الحجم الحقيقى للعالم الموضوعى ، بصرف النظر عن العقلانية الإنتاجية أكثر تعتيمأ
ومشوباً بالظلال التى صعب معها تحديد معالمه.
فى القرن الثامن عشر بشرت
نخبة المثقفين والمفكرين والكتاب والفنانين بمستقبل عملية التحول الاجتماعى
والإنتاجى الضخمة التى أقحمت فيما بعد وزجت عموديا بكامل منظومة حركة العلاقات
الإنسانية والاجتماعية بإثارة جذور القيم فيها، وتحريكها من الأعماق محطمة الوحدة
الروحية والثقافية التى كانت تميز ذلك القرن، فكان الدعوة، إلى مناهضة العالم
التاريخى وواقعيته وشن حرب شعواء ضد القيم الجمالية التقليدية (7).
فإذا كان هذا هو الدور
الفكرى التخمينى المبشر بمستقبل تغير واقع
واتجاه التفكير إلى إعادة قراءة التاريخ فإن العلم بدوره قد أخذ فى استعمال
أدوات جديدة (8) و وسائل قائمة على العقلانية الجديدة والتنظيم العلمى للإنتاج،
مما أدى إلى إحياء حركة تجديدية قلبت نظام الرأسمال العالمى القديم رأساً على عقب.
أدى ظهور هذه المفاهيم
الجديدة فى الفكر وفى عالم الإنتاج وقيادتها للتحولات الكبيرة، إلى خلخلة النظم
نفسها، والى نشوء فراغ وجد الفكر المتطرف فيه كوة يدخل منها وينمو داعياً إلى
القديم فكان تطرفاً ناتجا عن عملية التحول يهدف إلى إغلاق أبواب المتناقضات التى
فتحت فى عمق النسيج الاجتماعى فطرح فكر التطرف نفسه على أنه .
"الفكر والتنظيم الذى يمكنه الحد من التحول
السريع وربما إيقافه، والفصل بين المستوى السياسى ومظاهر الحياة الأخرى، على أن
يحتل بشكل كامل و شمولى تنظيم العلاقات الإنسانية، فصعد بذلك إلى أعلى مستوى
الأزمات التى أثارتها عملية التحول والتحديث الكبرى مقدما "شكلا جديدا قديما
للتحديث، يخفى وراءه أصوليته وتطرفه ليصبح باطنيا إلى حد ما، والإيحاء ببرنامج
لتنظيم كافة مظاهر الحياة العملية والروحية، وهذا يتفق مع المصطلح الذى غالبا ما
وصف به المفكر المتطرف الفاشى وهو أنه "فكرا تدخليا" فى كامل مجالات
الحياة بما فى ذلك العلاقات الشخصية الفردية وصيغ السلوك، وكل هذا قصرى بمنظور
أحادى الاتجاه ويؤكد على "شخصية الساسة" بوضعها فى مصدر وضعى واحد
للتشريع والتنفيذ و تسييس التصرفات والسلوك من خلال أيديولوجية متطرفة ونشطة تتصف
بالتميز "والاختيارية" فنجد عنصرية العرق وسمو الفرد/ الفرقة/ الجماعة
(9). والحرص على استعمال الطرق التقليدية فى مجال التصرف السياسى والدينى وفى نفس
الوقت استغلال ما تمنحه "التكنولوجيا" ونمو قوى الإنتاج خاصة فى مجالات
الاتصالات، وطرق تطويع الرأى العام وممارسة العنف والإرهاب بشكل شامل منظم ودقيق.
عنى الكثير من
الباحثين بـ "تفسير" سمات الظاهرة "الفاشية" كنظرية للتطرف
الفكرى (10) فالحديث عن النظرية بالذات من حيث مجالها الشمولى ، لا يسعنا الوقت
إيفاء الحديث حقه بالتطرق إلى تحديد خصوصية الظاهرة، وسنحاول طرق باب النموذج
العام للتحليل، الذى تعرض إلى المتغيرات
الهامة وعبر عن الكيفية السائدة التى تعاملت مع ظاهرة تميزت بالجرأة، فالتفسير
يعنى افتراض وجود موقف تحدده القيم والفكر بشكل أو بآخر، فإذا كان الإنسان سيد
فضائه كما يقول لوكاش يحكمه العقل وتسيره القيم، فن ترتيب المادة الوثائقية
المعقدة، يحتم أن يكون للثقافة المعاصرة الشكل السيادى لفهم معضلات العصر، ولترتيب
مبادئ نظريات التطرف كى يكون هناك مجالا للمقارنة بينها والوصول إلى "المحتوى
النقدى المتكامل " لها، وهذا ضرورى حيث تبعثر وتعدد التحليلات، فقد أدت
شمولية وعمق الظاهرة إلى التمحور على أسس العلوم التقليدية التى اهتمت بالمظهر
التاريخى السياسى، ولكن التسجيل التاريخى أظهر محدوديته فكانت الدعوة إلى مساهمة
جميع فروع العلوم والإنسانية من علم الاجتماع إلى علم النفس الاجتماعى
والأنثروبولوجيا " والفلسفة، والإقتصاد وعلوم اللغة وعلم الكلام، فأدلى كل
بدلوه وأنجز مادة التحليل مفسراً على ضوء علمه ولغته وجدليته، وكان من الصعب إيجاد
أرضية موحدة لها بالمقابلة مع تفسيرات الآخرين، نشير هنا وبشكل مقتضب إلى بعض من
نتاج التحليلات الغربية للظاهرة فيرى إ. نولت
E. NOLTE إنها "ظاهرة عصر
تتعدى السياسة(11) وأغلب الكتابات التى تعرضت للناحية النفسية و البسيكولوجية
الفردية والجماعية "تعبير سلوكى طبيعى للإنسان يتصف بالإثارة والغريزية
ويتميز بعدم القدرة والعجز(12) و"جنون شيطانى "(13) والاستمتاع برثاء
الذات ( 14) و المركسيون يرونها "تعبير عن الرأسمالية التى وصلت إلى أقصى
مداها والمتمثلة فى الإمبريالية (15).
- النظرية الاجتماعية الاقتصادية لدى كروشانو تقول:
"هبوط مستوى الضمير النازع إلى الحرية(16) و"نزوع سينروقراطى أى نزوع
إلى النفسية الطفولية التى ترى الحقائق الخارجية بشكل كلى بدل التمييز وتعيين
الخصوصيات،. ويصفها لوكاش بأنها "أفكار غير عقلانية تعبر عن الانحطاط حيث
أنها "إيديولوجية" رجعية عدائية" وتجمع غير متجانس " لا شك أن
هناك نوعاً من عدم التجانس بين التفسيرات المختلفة ولكن فى نفس الوقت هناك الكثير
من نقاط الالتقاء ، عند المقابلة بينها مما يجعل من الضروى تحديد أسس منظمة يمكنها
تجاوز محدودية مختلف العلوم عندما يوضع كل منها على حدة، والدخول إلى مركز مجالات
التفكير بحيث نكون فى وضعية تسمحلنا بتقابل ومقارنة مختلف التفسيرات، وفى أسسها
وكيفيتها.
فالزخم والتشبع
السياسى الذى يدفع به الفكر المتطرف الناشئ عن ارتباطه بالخطوط الأساسية للحركة
السياسية وأهميتها فى الغرب المعاصر "سواء من حيث مفهوم الدولة والدستور
والرقابة الاجتماعية والعلاقات بين القوى السياسية والاقتصادية وبين الحرية
والمركزية... الخ " يجعل مادة التفسير متراكمة الجوانح مما يفرض ترتيب نوعى
قادر على احتواء الحركة التاريخية والسياسية وتحديد دورها كعامل رئيسى بين عوامل
أخرى لا تقل أهمية.
2/3
بعد أن وضعت
الحرب العالمية الأولى أوزارها وانقضت، كان لابد للحرب أن تتواصل بصيغ أخرى فى
إيطاليا فقد كانت فترة مليئة بالأحداث، فالحماس الذى أثير فى مرحلة الحياد اللاحرب
واللاسلم ومن بعد حالة الاكتتاب التى رافقت العمليات العسكرية وخيبة الأمل فى
الدبلوماسية والآمال التى لم تتحقق، والوعود التى لم يوف بها وارتفاع حرارة النفوس
والتغيرات فى الطبقات الاجتماعية إضافة إلى أزمة اقتصاد ما بعد الحرب، والمشكلات
المالية، والتناقص والانفصام الروحى، كل هذا أدى إلى حرب بوسائل مغايرة، هذا
التفسير الذى يعطى الحرب، أهمية كبيرة فى الصياغة التاريخية لنشاط بؤر التطرف
يعتبر من الأسس الهامة التى توحى بما تكون عليه الحال فور انتهاء الحروب فمحاولة
استقطاب الأسباب الخارجية فقط حول المحور السياسى و الاجتماعى التقليدى بإعطاء
الحرب "القوة المحركة
DEUS EX MACHINAفيه شىء من المبالغة.
وإن كان هذا التبسيط يوحى بشىء من راحة البال.
إن إضفاء الشرعية
على الدولة الليبرالية كشكل سياسى مجد يحتاج إلى زمن موضوعى يفترض إرجاع الأزمات
إلى عوامل وقتية وإلى ضرورات، ما أن تنتهى حتى يعود النظام السياسى و الاجتماعى
القديم وبذلك يكون الفكر السياسى المتطرف عبارة عن "وقفة فى الزمن " حيث
كانت الحرب الفرصة السانحة لفرض نفسه، وبلوغه ما بلغ.
فقد استغلت الفرق
المنتمية إلى الأفكار الفاشية المتطرفة أحداث ما بعد الحرب العالمية الأولى
والانتفاضات العمالية والشعبية والصراع الاجتماعى حول أسس الدولة والدستور، شاهرة
مبدأه القيم " و النظام، لتدخل المعمعة السياسية كحكم بين القوى السياسية
التى كانت تحلل الظاهرة دون إعطائها البعد
الحقيقى (17) فمن قائل ا بأن التطرف فى المدن مغاير لمماثله فى المجتمعات الفلاحية
، ومن أخذ يضع الفروق، مشعبا ومميزا، بين التطرف الرجعى الثورى ، وبين المستقبلى
وقرينه التقليدى، وقد عبر عن هذه المواقف رجال السياسة والفكر ورجال الدين من
مختلف الاتجاهات، إن كان ذلك التركيز على عدم تجانس الحركة كظاهرة من قبل الجميع،
لم يكن ذلك سوى تكتيكا مرحليا لتحديد التناقضات و ترسيم الاختلافات والفروق بين
مختلف القوى البرلمانية لإضعاف مواقف الخصوم السياسيين، واتخاذ مواقف تلائم الرغبة
لكسب واستقطاب الناخبين، وربما كان القصور ناتجا عن الصعوبة البالغة فى فهم وتقدير
الظاهرة الجديدة ، التى ضمت مختلف الشرائح الاجتماعية، معبرة بشكل ما عن إئتلاف
اجتماعى لم يكن له نظير فى السابق، ولم يكن من اليسير استقراء الظاهرة من وجهات
نظر التحليلات والتعليلات السياسية التقليدية السابقة.
فى الثلاثينات
أدت الأزمات الاقتصادية ونشوء الفكر المتطرف النازى
فى ألمانيا إلى
تفاقم الظاهرة التى أصبحت تهدد النظم الديمقراطية الليبرالية فى أوروبا كلها فلم
يعد التطرف هامشيا بل أدى إلى مضاعفات على المستوى الدولى، وكانت التفسيرات
والمواقف فى معظمها تعبر عن الإدانة وتوجيه الرأى العام الديمقراطى إلى وجهة مضادة
للتطرف ومعادية للنازية والفاشية، وكان هناك إلتزامأ سياسيأ كبيرأ من هذه الناحية
فتجددت أنماط التحليل و التقويم التاريخى حتى لا يكون الحكم على المراحل السابقة
جزافيا أو مؤطرا فنشأت نظريات جديدة لها هويتها محاولة تكثيف الجهود لمواجهة الخطر
الداهم فنظريات "ردة الفعل الشعبى" و الوقفة التاريخية،
"والتبوء" التى أشرنا إليها صارت تهدف إلى كشف النقاب على الظاهرة متفقة
جميعها على أنها "مرض تاريخى" له من المضاعفات ما أدى إلى نشوب الحرب
العالمية الثانية" فاتحدت بذلك وجهات النظر متفقة على القاسم المشترك
للظاهرتين، الفاشية والنازية دون النزوع إلى التفصيلات اللغوية، وهكذا كان اليقين
ورسوخ فكرة ضرورة مناهضة التطرف الفكرى بما يسمى بالنضال ضد الفاشية ودحرها.
مصطلح "إشكالية
الأزمة" الذى طغى على التيارات الفكرية لمواجهة الفاشية، فى الأدب وعلم
الاجتماع والاقتصاد، أدى إلى ظهور حركة
تجديدية لأدوات الفهم والتفهيم للحقائق، بما يتعدى الأرضية السياسية، فكسرت
الأطروحات الجديدة وأمواج الفكر السياج متعدية الميدان التاريخى السياسى وعالجت
وجهات عامة مرتبطة بأزمة الهيكل الاجتماعى فى مجمله، ومكافحة الظاهرة بالحكم إلى
العقول فى مقابل اللاعقلانية الضاربة أطنابها على كافة المستويات فى المجتمع وكانت
المهمة شاقة حيث "عقلنة الغير معقول (18) كان الهدف الرئيسى فى تلك المرحلة
التى كانت فيها التصرفات الإنسانية خارجة عن ميدان العقل (19) وعن عقلانية الحساب
الاقتصادى للفائدة والمصلحة وعن القيم السلوكية الأخلاقية والروحية مما أدى بدوره
إلى نشوء أزمة العلوم والتعليم، فعلم الاجتماع
كـ "علم للتوافق الاجتماعى" وعلم الاقتصادي كـ "علم الاتزان
الاقتصادى" ونشأ علم أخر هو "علم الأزمة" الناتج عن "التراكم
" وحصيلته، مما يفرض الرجوع إلى علم النفس الاجتماعى لتحديد معالم العلاقة
بين الفرد والمجتمع فى فترة لا يمكن فيها توقع المفاجآت السلوكية.
نموذج
"ليبست" 1960م، يعتبر مرجعأ هاماً لدراسة ظاهرة التطرف الأوربى فهو يؤكد
بأن: "من الأمور المعقولة وجود علاقة تربط بين القاعدة الاجتماعية والفكر
التنظيرى " الايديولوجية" "فالحركات السياسية تنقسم فيما يصفه
" إلى "يسار يدعو إلى المساواة، إلى التغيير والتجديد، تسانده الطبقات
الدنيا، وإلى "يمين " معتدل ومحافظ تدعمه طبقة الملاك والأرستقراطيين،
ثم " الوسط" تعضده الطبقات الوسطى، فعندما يكون هناك هدوء اجتماعى تعبر
كل طبقة عن إرادتها وأفكارها بالطرق الديمقراطية سواء كانت اشتراكية نهضوية ، أو
معتدلة محافظة ليبرالية، ولكن ما أن تظهر الأزمات والخلل الاجتماعى والاقتصادى حتى
يطفو على السطح الجزء المتطرف لكل منها، فالشيوعية إلى اليسار والدكتاتورية
المحافظة إلى اليمين أما الفاشية فهى "التطرف الوسط، فقد أخذ ليبست فى
الستينات بعين الاعتبار التفسيرات السابقة له متحققا من أن فوضى عدم الثقة وغياب
الأمان والاستقرار فى مرحلة تركيز التصنيع هو العامل الرئيسى فى تغيير معالم
الشرائح الوسطى فى المجتمع ويدفع بها فى اتجاه متراجع مع أن هذه الشرائح كانت
مثالا فى النضال ضد الاستعمار وكان لها السهم الأوفر فى تقدم الحركات العقلانية فى
مراحل سابقة، ولكن ما أن يستجد ما يهدف إلى التغيير ومسابقة الزمن (20) وبسرعة
كبيرة حتى ترى جزءا كبيرا منها يتعلق بأفكار أصولية جذرية متطرفة وغير عقلانية
تسير فى اتجاه مضاد لسير التاريخ فى محاولة للاستيلاء على السلطة لبناء ذلك الأمان
والاستقرار التقليدى وإيقاف سير التحديث " الحقبة الصناعية، وبذلك تنمو حركات
مناهضة للمنطق وتتجاوز فهم العقل.
الخاتمة:
- سيماء التطرف الفكرى ظاهرة مرتبطة بالتاريخ
الإنسانى، تبرز كإحدى سمات المجتمع عندما تتوافر الظروف الموضوعية السياسية
والاجتماعية حيث تعبر عن نفسها فى مظهرى السمو والفوقية من جهة والعنف من جهة أخرى
وكثيرا ما يكون هذا التعبير نتيجة للتطورات الناتجة عن فكر تحديثى أو فلسفة جديدة
للنمو وبذلك يأتى هذا التطرف متسترا بأثواب متعددة الألوان، مختلفة الأشكال
وجميعها يفسر الماضى بأدوات قد تكون دينية أو قومية أو مادية وفى معظمها ترنو إلى
بناء الماضى فى حاضر تغيرت فيه العلائق ولغة الخطاب، كما أن عشوائية الفعل
وديماغوجية الطرح قد تتناسب فى بعض الأحيان مع المفاهيم السائدة ورخوية الضمير
السياسى فى المجتمع والانفصام الذى يعيشه الفرد نتيجة ما يتلقاه فى المعاهد
التعليمية من مبادئ وإيحاءات خالية من الدقة متناقضة فى التفسير ومع السلوك اليومى
الذى يعيشه بين الآخرين.
- "فى فترة ما بين الحربين العالميتين برزت
ظاهرتان للتطرف الفكرى جديرتان بالبحث والتمعن مرتكزتان على الفكر الفاشى وتابعه
النازى ، ظاهرة السمو والفوقية والتعالى التى أدت بدورها إلى العنف ثم إلى كارثة
الحروب الكونية. فما هى القيم والقاسم المشترك بينها وبن أفكار التطرف فى الشرق
اليوم؟. وما هى السبل الفكرية الكفيلة المؤدية إلى انبعاث جديد ونهضة دون اللجوء
إلى أدوات وأساليب تنبذها الأديان والطرف الخير من الطبيعة الإنسانية"؟.
المصادر والمراجع
1- مالك بن نبى: شروط النهضة، دار الفكر لبنان 1979م.
2- جامعة الدول العربية- المنظمة العربية للتربية
والثقافة والعلوم- ندوة ابن خلدون والفكر العربى المعاصر- الدار العربية للكتاب،
تونس 1980م.
3- ابن حزم أبو محمد على بن أحمد- الفصل فى الملل
والأهواء والنحل، دار الجيل، بيروت بدون تاريخ.
4- حسن صادق- جذور الفتنة فى الفرق الإسلامية- مكتبة
مدبولى، القاهرة 1991م.
5- عبدالله العروى- ثقافتنا فى ضوء. التاريخ العربى-
الدار البيضاء بيروت 1983م.
6- عبد القادر عودة- الإسلام وأوضاعنا السياسية،
مؤسسة الرسالة بيروت 1986م.
7- محمد عمارة- الإمام محمد عبد.، مجدد الإسلام- المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 1981.
8- أدونيس محمد سعيد- الثابت والمتحول، 3 صدمة
الحداثة بيروت 1983م .
9- الغزالى أبو حامد محمد، إحياء علوم الدين، الدار
المصرية اللبنانية بدون تاريخ.
10- سميح عاطف الزين- حركة التاريخ فى المفهوم
الإسلامى، دار الكتاب المصرى/ اللبنانى القاهرة بيروت 1991م.
11- كمال دسوقى ذخيرة علوم النفس، الدار الدولية
للنشر والتوزيع القاهرة ، 88 19م .
الهوا مش
(1)
ابن حزم، الفصل فى الملل والأهواء والنحل، بيروت (د. ت).
(2)
محمد إبراهيم نصر وعبد الرحمن عميرة: مقدمة الفصل فى الملل والأهواء والنحل 17.
(3)
عبدالله العروى. ثقافتنا في ضوء التاريخ ص 193. انظر أيضا عبد المجيد مزيان:
التوازن بين الفكر الديني والفكر العلمي عند بن خلدون ، فى ابن خلدون والفكر
العربى المعاصر تونس 1980 م ص 223 و ما يليها .
(4)
محمد محفوظ ابن حزم وابن خلدون/ مجلة الفكر 42/48 عدد 1/1983 م تونس.
(5)
ابن حزم. الفصل... (س!) ص 168 الجزء الأول.
(6)
انظر نولت: النظم الليبرالية والحركات الفاشية بولونيا
1970م ص 12 وما يليها
E.NOLTE LA CRISI DEI REGIMI LIBERRALE
E IMOVIMENTI FASCISTI BOLOGNA .1970 PP 12 SGG 6
(7) المقصود بالقيم الجمالية
قيم التناغم والاتزان فى الشكل والموضوع انظر صورة الإنسان الجديد في البيان
المستقبلي FUTURISTA 11 MARIFESTO و
الاتجاهات الفكرية لتيار الدادائية
والانطباعيين في مجلة المستقبليين " ص
LACERBA 1,M 20,1931 ص 221
(8) مفهوم العقلانية
المتوافق مع تفسير ابن حزم: التجربة العملية الحسية وما يقبله
العقل.
(9) تقوم نظرية السمو
والفوقية علي فكر نيتشه الذي نادي بالرفع من شأن ما تحتويه النفس الإنسانية من
اندفاع حيوى جاعلا إياه فى مرتبة أرقي من العقل مناديا بإعادة النظر في جميع القيم
الإنسانية مبشراً بالإنسان الفوقى الجديد، الأعلى و المثالى ، ولا يبعد هذا عن سمو
الفرد/ الفريق/ الجماعة فى الفكر المتطرف المعاصر من حيث سمو الفريق وكفر من دونه،
انظر حسن صادق: جذور الفتنة فى الفرق الإسلامية القاهرة 1991 م ص 349. وكذلك شكرى
مصطفي: كتاب الخلافة وأيضا صالح سرية فى في كتابه الفريضة الغائبة.
(10) من أهم ما كتب فى هذا
المجال مؤلفات مؤرخ الفترة الفاشية رينز دى فيليتشى أنظر: الفاشية: تفسير
المعاصرين والمؤرخين، وأيضا حوار حول الفاشية وموسوليني الأسطورة ومختارات عن
الفاشية 1: الحكم عليها سياسيا والحكم عليها تاريخيا (انظر المراجع والمصادر).
(11) تعرض نولت إلى النظرية
الفاشية فى أكثر من عمل قيم نذكر منها زجزه الفاشية الثلاث: 1967، ونظرية الفاشية
1968م " أو أزمة النظم الليبرالية والحركات الفاشية 1970م .
(12) انظر مالك بن نبى مقياس
القيم النفسية والاجتماعية الدالة علي أحوال التطور لدى ابن خلدون فى شروط النهضة بيروت 1979 م ص66 .
(13)
اقتحامات تلقائية لاستمرارية العملية اللاشعورية من جانب المركبات "العقد،
اللاشعورية، وجذبة التجلي انظر كمال دسوقى. ذخيرة علوم النفس المجلد الأول القاهرة 1988م ص 369
(14)
انظر الهروب من الحرية FRO ESCAPE FROM FREEDOM MILANO
ص92 و
ص 118
وويليام ريخ السيكولوجية الجماعية للفاشية ودراسة
متقاطعة في فكر الحركات، كامبريدج 1965م .
(15) انظر مالك بن بنى فى
شروط النهضة فصل توجيه راس المال والثروة ص 113,109 وأيضا ابن خلدون عن الملك والانحطاط ونتائج تراكم
رأس المال والاقتصاد في د وريه السلبى والإيجابى فهو "يعتبرها أدوار متناقضة
فى حركة تطور المجتمع والدولة فى إطار الجدلية الاجتماعية "محمد زنيير الحكم
والاقتصاد عند ابن خلدون في "ابن خلدون والفكر العربى المعاص ص ص 205,199,179.
(16) مفهوم الحرية فى
الإسلام ضمان حرية الفرد و بالتالى شعور المسلم وتوقه إلى الحرية، أنتونينو
بيلليتيرى بعض الأمثلة عن فكرة الحرمة فى حركة التحديث الإسلامى. انظر أيضا،
بيانكا ماريا أموريتى مفهوم الحرية فى ما كتب عن الاقتصاد الإسلامى مجلة ألف باء
عدد 7/6
باليرمو 1986
(17)
جولينى رئيس الحكومة الديمقراطية فى ذلك الوقت، كان يصر
على أنها ظاهرة غير جديرة بالاهتمام فهى كفقاعة الصابون. انظر محاضر البرلمان
الإيطالى عام 1921
فى مجلة المحاضر البرلمانية، السياسة الداخلية بين الاشتراكية والفاشية روما 1921