الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثامن : الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى
 
الحوار فص المجتمكانة الأجنبية النانية

التطرف الفكرى أسبابه وأبعاده

إعداد : الأستاذ الدكتور عبد الرحمن عباد

(U.N.A.R.W.A )

الحوار والتطرف:

العناصر:

أ- التطرف الفكرى، أسبابه وأبعاده ..

ب- الإرهاب ظاهرة عالمية.

ج- موقف الدين من الإرهاب والتطرف.

التطرف الفكرى هو إحساس المرء بأنه يمتلك كل الحقيقة، مما يخلق عنده قناعة تامة بصواب ما عنده ، وخطأ ما عند الآخرين ، يستوى فى ذلك الشخص الواحد أو الجماعة، سواء كانوا دولة أو مؤسسة.

واعتقاد المرء أنه على صواب، يدفعه إلى التصرف فى اتجاه تصويب الآخرين و إقناعهم بوجهة نظره، فإن اقتنعوا فيها ونعمت، وإن لم يقتنعوا لجأ إلى العنف، وهو الممارسة العملية للتطرف الفكرى، والمحصلة المرثية له. وهو سمة اعتبارية يتسم بها الأفراد للتعبير عن آرائهم ومشاعرهم ومعتقداتهم بطريقة تخلو من التوازن الانفعالى (1).

 والتطرف الذى أتحدث عنه هنا يبتعد عن مفهوم التطرف السياسى، لأن السياسة بمعناها (البراجمانى) النفعى تبيح الوسائل كافة من أجل الوصول إلى الغاية، أو الغايات.

والتطرف جنوح عن الاعتدال وتجاوز لمفهوم الوسطية، وهو نوع من الشذوذ السئ ، لأنه يعادى الجماعة ويقف بعيدا عن أفكارها ومبادئها، ومعتقداتها، بل إنه يذهب إلى حد تسفيه رأى الأغلبية والسخرية منها. وبهذا بشكل التطرف الفكرى ظاهرة مرضية داخل المجتمع وخارجه أيضا، لأن الأفكار تنتقل وتتسرب كما تنتقل عدوى الأمراض دون حدود.

والتطرف الناجم عن قناعات عقلية هو أخطر أنواع التطرف، لأن أثره لا ينحصر فى النظرية التجريدية البحتة، والخاصة بالقناعة، بل يتخطاها إلى جملة من السلوكيات البادية فى المأكل والملبس والملعب والحديث والتعامل بيعا وشراء، وسكنا وسيرا، بحيث ينسحب على فجمل أسباب الحياة.

وقد عرف العالم نماذج لهذا التطرف الفكرى الذى غذاه التثقيف التربوى المؤسسى، مدارس وحكومات، فجاء الجيل كله يحمل فكرة أحادية الجانب، ترى الصواب إلى جانبها والخطأ ملك سواها، فتعمل على رده إلى الصواب بالقوة، وما مثال دولة إسبارطة إلا النموذج الصارخ لهذه التربية المتطرفة. وما النماذج الفاشية والصهيونية والنازية الحديثة إلا النماذج المكملة للنموذج الاسبرطى القديم. فالطفل الذى يتلقى مثل هذه التربية لا يمكن أن ينشأ نشأة سليمة متناغمة مع غيره من الأجناس ، لأنه تلقى تربية قبلية معرفية جعلت من الآخرين أعداء، وبهذا تخلق التربية العدو كى تستفز احساسات الناشئة وتستثمر جهودهم لأغراضها ، لان التلقين عند الصغر أفعل فى النفس وأدوم حتى لو كان مبنيا على التزوير والكذب، فالطفل لا يستطيع أن يحاكم الحقيقة، و إنما يقدر على تقبلها، وبخاصة إذا قدمت له شكل قصة أو قطعة أدبية أو حادثة تاريخية مشوقة (2)، فهذه الأبيات هى التى تشكل الأفكار المتطرفة مستقبلا وتجعله ثوابت سلوكية تتحكم فى النشأ، ويصعب عليهم التخلص منها، لأنها تتحول إلى مبادئ و تحشد لنفسها من أسباب القوة كى تقهر الآخر وتنتصر عليه، لأن السيطرة تصبح هدفاً

وهناك أسباب اقتصادية وراء ظاهرة التطرف كالفقر، وأخرى تتعلق بالقيم السائدة كالشرف والثأر، وعوامل عضوية وراثية كوجود اختلال معين فى الغدد، وعوامل تتعلق بالبيئة (3).

وتلعب القيم السائدة دورا مهما فى التطرف، وبخاصة تلك الجماعة المنظمة القائمة حول فكرة معينة، لأنها تؤلف حولها الأنصار وتجمع لها المؤيدين، بعد إجراء التثقيف والتلقين المطلوب لهم، وما الأحزاب المختلفة الكثيرة إلا مظهر من المظاهر الدالة على الخلافات، أو التعديات، وإن  جاءت تحت عنوان كبير يسمى الديمقراطية، ففى ظلال الديمقراطية تنتعش الحريات وتزدهر الأفكار وتسمح لها أن تسير إلى أقصى حدودها- أعنى التطرف.

وهذا الاستنتاج لا يحمل اتهاما للديمقراطية بأنها تنجب التطرف، ولكنها تتهم التطرف نفسه، بأنه لم يستطع أن يتناغم مع جو الحرية المسئولة الذى وفرته الديمقراطية.

ولا ينسحب هذا القول على الديمقراطيات الحديثة فقط، فقد شهدت الخلافة الإسلامية خروجا على قواعد العدل الإسلامى التى وفرها نظام الحكم، مثل الحركات المتطرفة الهدامة كالراوندية و البابكية (4).

ومما لاشك فيه أن التطرف الفكرى يتسبب فى الأفعال الهادمة التى تتبعه فالتطرف مقدمة طبيعية للإرهاب، لانه يحيا ويتقوى بفعل الفلسفة الفكرية المتطرفة التى تغذيه وتحوله من تنظير مقول إلى تطبيق مفعول، وبهذا يكون الإرهاب وجه العملة الفعلى للتطرف وهو موضوع الفقرة الآتية من هذه الورقة.

الإرهاب ظاهرة عالمية

تعريفه:

يقول أندروبير (ANDREW PIERRE) أنه يعنى بصفة عامة التهديد، بالعنف واستغلال عامل الخوف لجذب انتباه الرأى أو كسبه أو تحريضه أو الضغط عليه... وهو البديل عن الحروب التقليدية عند (د. جلال عز الدين) بهدف الإخلال بالنظام وتهديد سلامة المجتمع، وهو استراتيجية عنف منظم ومتصل بهدف تحقيق أهداف سياسية، والإرهاب الموجه ضد المجتمع لا يكون الفرد فيه هدفا فى حد ذاته، وإنما يكون الهدف، خلق جو من الذعر، لإحراج نظام الحكم، وإظهاره بمظهر الضعيف غير القادر على توفير الأمن للموا طنين (5).

وقد شاع استعمال كلمة الإرهاب فى الاصطلاح السياسى فى العقدين الأخيرين لتدل على المقاومة المسلحة التى تخوضها الشعوب المقهورة للتخلص من الاستعمار أو الاحتلال، وهو ما يطلق عليه اسم (النضال التحررى) وهو المقاومة (6).

وهذا الفهم المتعمد للإرهاب، الذى يخلط بين الفعل الإرهابى القصدى (العدوانى) ورد الفعل المقاوم للإرهاب المتمثل فى الاستعمار بأشكاله، والاحتلال بأنواعه، إنما يبتغى فرض هيمنة على العالم، من خلال نظرة أحادية الجانب، تتبناها دولة قوية واحدة أو منظومة متحدة من الدول القوية، لتمنع الدول الأخرى من التحرر والبقاء تحت نير النفوذ والتأثير الاستعمارى.

من هذا التحليل يمكن الاطمئنان إلى القول، بان الحركات التحررية الاستقلالية التى تخوضها الشعوب المغلوبة، للخروج من دائرة السيطرة والتبعية، تخرج عن دائرة الإرهاب، لأنه لا يمكن وضع المعتدى والضحية فى سياق حكم قانونى واحد، وإلا استوى القاتل المجرم مع القتيل.

إن الإرهاب سبب، والاحتلال سبب، والاستعمار سبب، لكن المقاومة نتيجة.. فهذه المقدمات الإرهابية تخلق نقيضها وهو المقاومة، وهى رد عدوان، لا مباشرة له، وهى قائمة على العدل والحق، لا على الباطل و العد وان.

لهذا كانت كل الحروب الاستعمارية وحروب الغزو، بقصد الاحتلال أو الاستغلال حروبا إرهابية، مثل الحروب الإفرنجية المسماة بالصليبية على الشرق، وحروب التتار والمغول وسواهم، ممن كانوا يهدفون إلى التوسع وزيادة رقعة الأرض أو استرقاق الآخرين ونهب خيراتهم.

أنواع الإرهاب:

لا يتمثل الإرهاب فى صورته الحربية فقط و إنما ينسحب على جملة من السلوكيات يمكن التأشير إليها بالآتى:

أولا: إرهاب الأفراد:

ويتبدى فى السطو المسلح، وقطع الطريق وأعمال الثأر والانتقام للشرف، والاختطاف من أجل الفدية أو التهديد به، والابتزاز وما إلى ذلك من الأعمال التى يقوم بها أفراد معينون منحرفون، سواء كانوا منضوين تحت مظلة عصابة صغيرة أو يقومون بها وحدهم.

ثانيا: الإرهاب المؤسسى:

ويتمثل فى غيبة القوانين والأنظمة التى تحمى العاملين من العقاب، كالفصل التعسفى، أو النقل إلى مكان بعيد، أو الحرمان من الترقية، أو الزيادة السنوية، أو حقوق نهاية الخدمة، من تقاعد ومكافأة، فيتحول الموظفون العاملون إلى عبيد، وتسود سطوة صاحب المؤسسة أو مديرها، سواء كان على صواب أو خطأ. ولا يكون للعاملين فيها رأى، وإنما يكونون أدوات تنفيذية جسدية فقط، ويصير التزلف والنفاق وسائل مشروعة، بل مستحبة، ويحل الخوف والقلق على المصير ويعيش العاملون فى رعب مستمر وتوتر دائم.

ثالثا: إرهاب الجماعات المنظمة (المافيا):

لا تدخل أعمال الجريمة المنظمة التى تقوم بها (المافيا) ضمن دائرة الأفراد، لأن (المافيا) تعمل وفق تخطيط مبرمج هادف، ويقوم على تسييرها مجموعات من المتطرفين فكريا تدعمهم مؤسسات رأسمالية وعسكرية وقانونية واقتصادية، وينتشر خطرها ليشمل مناحى الحياة كافة، ولهذا غذت المافيا دولة داخل الدولة! وبسبب قوة تأثيرها، واستغلالها للعالم السرى (تحت الارض) مجالا لتنفيذ مخططاتها، مستعملة المخدرات بأنواعها والجنس، والإغراء والتهديد والقتل وكل الوسائل المرذولة سبيلا للوصول إلى غاياتها الهادفة إلى السيطرة والتحكم.

إن أعمال المافيا كلها تدخل فى دائرة الإرهاب والعنف، "لأنها تعد الإنسان سلعة، وكفا لا قيمة له مطلقها إلا بقدر الفائدة المادية التى تجنى من ورائه " (7).. ولهذا كان ضمن أعمالها " الإرهابية"، اختطاف أشخاص بغية استعمال أعضائهم طبيا حيث يجرى اقتلاع أعين المخطوفين أو أكبادهم، أو كلاهم، كى يستفيد منها ثرى هنا أو هناك، مما يفقد المواطن إحساسه الكامل بالأمن، ويجعله دائم القلق على مصيره ومصير أبنائه إضافة إلى الخطف واستعمال المخدرات من أجل الوصول إلى الهدف.

رابعا: الإرهاب الدولى:

وهو أفدح أنواع الإرهاب وأعمه خطرا لأنه يشمل الكون بأسره شعوبا وحكومات، ويتمثل هذا الإرهاب فى محاولة فرض الذات على الآخرين بالإكراه  أو الإغراء ، وكان من نتيجة هذه الفلسفة بروز قطبين متناحرين بعد الحرب العالمية، أدى سباق التسلح بينهما إلى قيام ما سمى بالحرب الباردة، التى عاشها العالم مرعوبا من الأسلحة الذرية والبكترية وسواها عشرات السنين، والتى نشبت خلالها عشرات الحروب الساخنة وبخاصة فى قارات العالم الثالث: آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، دفع الناس خلالها ملايين القتلى والجرحى والمشوهين والمعاقين، وجرى تدمير اقتصاديات تلك البلدان لعقود طويلة قادمة، وما فيتنام، وغانا، وغينيا، والصومال، ولاوس، وكوريا، والأرجنتين إلا أمثلة قليلة لما جرى من محاولات السيطرة على العالم واقتسامه بين الغرب الرأسمالى والشرق الشيوعى أو الاشتراكى.

لقد رأت الدولة القوية لنفسها حقا فى الدفاع. ممن حدودها الفكرية أو الأيديولوجية وليست الجغرافية، بمعنى أن لها حق الدفاع عن أنصار ما فى الفكر أو العقيدة، وتحت غطاء هذه الحدود الأيديولوجية جرى التدخل فى فيتنام ولاوس وسواهما من البلدان، وجرى نقل العساكر والمعدات من قارة إلى أخرى، لحماية الديمقراطية، أو الاشتراكية أو سواهما من التسميات ، وقد دفعت الشعوب ملايين الضحايا بسبب هده الأفكار.

إن الدول الكبرى تعتقد أن العالم لها وحدها، ومن حقها أن تحمى أملاكها أو مصالحها فى هذا العالم بغض النظر عن قبول الآخرين لهذه الحماية أو رفضها، ولهذا يعيشون فى رعب مستمر خوفا من تدخل هذه الدول.

أما الأعمال الإرهابية التى يمكن إدراجها تحت مظلة العنف الدولى فيمكن إجمالها فى الآتى:

(1) المؤامرات الانقلابية: بقصد تغيير أنظمة الحكم غير الموالية، حيث تلجأ بعض الدول إلى نشر عملائها وجواسيسها وبثهم فى مؤسسات الدولة المنوى الإطاحة بنظام الحكم فيها عبر "سلسلة من الدعايات المغرضة الهادفة إلى خلق بلبة فى الرأى العام وتهيئته لقبول التغيير القادم، وما حدث فى الأرجنتين من قتل للمواشى وإتلاف لمزروعات الفلاحين، (8) يعد مثالا من هذه المؤامرات والدسائس التى تبتغى قلب الحكم ووضع نظام بديل ينفذ سياسة الدولة الكبرى.

ويدخل ضمن هذه الوسائل الضاغطة على الحكومات ما تجريه الدول الكبرى من مناورات عسكرية واسعة وتحريك للأساطيل والقطع البحرية الكبيرة أو المناورات المشتركة مع الدول الحليفة، حيث تجرى هذه الأعمال قريبا من حدود الدولة المقصودة.

كما يندرج تحتها خلق أجسام ومؤسسات عسكرية غرضها إرهاب الآخرين مثل إنشاء وحدات التدخل السريع، وهى تحمل اسما دالا على طبيعة عملها وهو التدخل فى شئون الآخرين، رغم أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على عدم التدخل فى هذه الشئون ولكنه المنطق الإرهابى المسنود بنظرية البقاء للأصلح، بمعنى الأقوى.

ب- الإرهاب الإقتصادى :-

ويتمثل هذا النوع من الإرهاب فى فرض الحصار الاقتصادى على بلد

ما بغية إجباره على الإذعان للدولة القوية وقبول شروطها أو إملاءاتها، أو اللعب بميزان المدفوعات أو دفع الحكومات لطلب قرض مالى مشروط يجبر الموقعين على مثل هذه القروض على اتخاذ مواقف سياسية تتماشى ومصالح رأس المال (9) حتى تتكرس التبعية الاقتصادية والمالية للبلد الموقع ويصبح رهينة للدولة المانحة، ومع الزمن تتحول المرافق الحيوية الموجودة فى البلد ملكا خالصا لتلك الدولة الغريبة عن طريق الأسهم كما كانت عليه حال قناة السويس. وكثير من الشركات البترولية والمعدنية والغذائية والكسائية فى العالم، حيث إن الشركات (صاحبة الامتيازات) تستولى على خيرات البلاد تحت طائلة التطوير أو الاستثمار، وهى فى الحقيقة تمارس أقصى أنواع النهب، الذى لا يترك خلفه سوى التبعية والتخلف، ويجر إلى إلحاق البلد اقتصاديا بالدولة المانحة، لتصير سوقا استهلاكيا لمنتجاتها، ومصدرا للحصول على الخامات والأيدى العاملة الرخيصة.

ويضمن هذا النوع من الإرهاب ما تقوم به بعض الدول المحتلة من فرض طوق على المناطق التى تحتلها، حيث يتم منع العمال من الوصول إلى أعمالهم والموظفين و الزراع من الوصول إلى أماكن شغلهم ومنع المنتجات المحلية من الخروج للتصدير، حتى تكسد، أو تفسد، وقد جرب أبناء الشعب الفلسطينى هذه السياسة التى مازالت متبعة حتى اليوم، ودفع بسببها ثمنا فادحا من الجوع والخوف والقلق ومازال.

ويدخل ضمن هذا النوع من الإرهاب منع دولة ما من إنجاز مشاريع تنموية معينة تخرجها من دائرة التبعية الاقتصادية وتحررها من قبضة الأقوياء، إذ تعد الدول القوية مثل هذه الإنجازات اعتداءات صارخة على مصالحها الحيوية يجب منعها بالقوة، لأن تحرر هذا البلد من التبعية الاقتصادية، يعنى خسارة للدولة العظمى، ولهذا لا تسمح هذه الدول أن تقوم فى بلدان العالم الثالث صناعات ثقيلة، أو صناعات منافسة فيجب أن تكون لها اليد الطولى فى كل المجالات، حتى فى تحديد الأسعار رفعا أو خفضا (وفق مصالحها) وبخاصة فى المواد التموينية والملابس ومستلزمات السكن.

ومن الوسائل المستخدمة لبقاء التبعية الاقتصادية للبلدان الفقيرة دون نماء أو تقدم ملحوظ، وضعها تحت الرقابة التجسسية للدول الكبرى، المالكة للتقنية المعلوماتية المتطورة، التى توفرها التكنولوجيا المعاصرة، والتى تتيح لها معرفة تفصيلية بالنظام المالى الدولى، مما يوفر لها إمكانية القيام بعمليات شاملة علّى حساب دول العالم الثالث، لافتقار هذه الدول للمعلومات المتطورة باستمرار (10)، وذلك بسبب كلفتها العالية، التى تزيد من تبعية هذه الدول للدول المتطورة إذا أرادت الحصول علّيها، لأن كل شىء تقدمه الدول الكبيرة يكون مشروطا، حتى وان كان مدفوع الثمن.

(ج) الإرهاب الفكرى :

وهو نوع من أنواع التسلط المعروفة تاريخيا، عرفه العرب المسلّمون مثلما عرفته الأمم الأخرى، وما محنة (خلق القرآن) التى تبناها المعتزلة وحاولوا عرضها على الآخرين سوى مثال صارخ على هذا النوع من التسلط، ويزداد الأمر سوءا عندما تتبناه  الدولة وتحاول إكراه الآخرين على تبنيه وإلغاء عقولهم وحريتهم فى التفكير المستقل. وكما فعله الصينيون حديثا خلال الدورة الثقافية، وما تفعلّه الدول ذات الأيديولوجيات المختلفة. ويتمثل الإرهاب الفكرى فى مصادرة حريات الآخرين فى قول آرائهم أو التعبير عنها، سواء من خلال الإعلام، صحافة وإذاعة وتلّفازا أو منعهم من نشر كتبهم وأبحاثهم، أو مشاركتهم فى المؤتمرات والندوات أو تأسيس الأحزاب أو الجمعيات، وكل ما له شأن من قريب أو بعيد بموضوعات الفكر أو الثقافة.

ولا يكتفى الإرهاب الفكرى بمحاولة تجميد فكر الآخرين من خلال الإجراءات السابقة، بل انه يكرس كل وسائل الإعلام المتاحة لديه، وكل العقول والأدمغة ووسائل البحث الحديثة: كى يهاجم الأفكار الأخرى واضعا فيها كل المفاسد، فالمهم أن يهدمها ويهزمها، بأية وسيلة كانت، ومن هنا كان التزوير وتلفيق المعلومات أسلوبا مباحا عند صانعى هذا النوع من الإرهاب.

ويهدف الإرهاب الثقافى الذى تمارسه دولة ما ضد أخرى إلى طمس شخصية الأمة وحضارتها وفكرها عن طريق ما يسمى بمراكز الأبحاث العلمية، حيث تلجأ هذه المراكز (المأجورة) إلى إخراج أية نتائج تريدها الدولة لسلب الخصم كل ما يفخر به من لغة وتراث، وإنجازات، وتاريخ مشرق، وتحويل كل ذلك إلى عمليات سالبة وبهذا تفقد الأمة شخصيتها وتصبح هامشية بدون جذور (11).

وهذا الرفض لحضارة الآخرين يحمل فى بذوره فرض حضارة الدولة المستعمرة ولغتها وثقافتها، كما حصل لكثير من دول أفريقيا، حيث محيت لغاتها وحروفها لتسود لغة المستعمر وأبجديته ونمطه الفكرى، وهذا أقصى أنواع الإرهاب الفكرى.

(د) إرهاب العزل والمقاطعة والحرمان:

وهو أسلوب قديم عرفته الأمم السابقة ومنه عزل وحصار ومقاطعة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين الأوائل فى شعب بنى هاشم من قبل قريش وأشياعها، وهو أشد من الحصار الاقتصادى لأنه يشمل حركة السفن والمطارات والمواصلات البرية، والتعاملات التجارية بأنواعها و النواحي الطبية والعلاجية، وتعيش الدولة تحت طائلة العقوبات والتهديدات بالاجتياح أو التقسيم أو من استعمال المرافق الحيوية التابعة لها كالموانئ والمطارات، مما يعطل كل نبضات الحياة فى شرايين المجتمع عن العمل فيهلك آلاف، بل مئات الآلاف من الضحايا وما مثال القطر الليبى والعراقى والمصري فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر ببعيد.

ويهدف هذا النوع من الإرهاب أدى الضغط على أنظمة الحكم كى تعدل عن سياساتها المناوئة للدول المستعمرة، فان أفلح هذا الضغط فبها، مالا جرى تجريب محاولات أخرى تصفوية يتم بها اغتيال شخصيات من رجال النظام خارجيا وداخليا وفى كل مكان.

ومن هدا النوع الإرهابى العقابى ، قطع العلاقات السياسية والدبلوماسية وسحب السفراء المعتمدين التجاريين والعسكريين والثقافيين ، وطرد المحتلين وإغلاق السفارات والقنصليات و المفوضيات كافة إلى ما يتبع ذلك من عقوبات مالية كالمنح والقروض.

وبعد.. فان هناك أنواعا كثيرة من الإرهاب كالإرهاب السياسى والنفسى والإرهاب المتمثل فى سباق التسليح بغية التفوق على الخصم، مع ما يلازمه من رعب متبادل وخوف على المصير، إضافة إلى ما تسببه هذه السباقات من تلوث بيئى فى الجو والبر والبحر، بحيث تترك آثارا مدمرة تهدد حياة البشرية بالفناء، وبخاصة كهوف الموت التى تختبئ فيها أسلحة الدمار الشامل من صواريخ ذرية وقنابل وأسلحة أخرى شديدة الفتك... وهذه الأنواع من الإرهاب تتعاون جميعها وتعمل فى خطوط مشتركة بغية تحقيق هدف واحد، وهو فرض السيطرة على الآخر وإملاء الهزيمة عليه، كى يسود منطق الدولة القوية المستعمرة (12).

نخلص من هذا الموضوع إلى القول أن الإرهاب ظاهرة فاشية فى العالم كله، وليس حصرا بشعب دون آخر أو أمة دون أخرى، وأنه يتمثل فى الممارسة التى قد تتسبب عن شعور جنس ما بالتفوق، أو عقيدة ما بذلك، لكن دمغ شعب أو جنس بالإرهاب لا يستقيم مع الفهم السليم.

موقف الدين من الإرهاب والتطرف:

اتهمت الأديان بالتطرف وبخاصة الدين المسيحى قديما، فيما سمى بالإرهاب الكنسى ، حيث تم سحب الإرهاب على الدين، لا على رجال الدين، فهو نسبة الفعل إلى غير فاعله الأصلى، ولاشك أن أعمال رجال الدين المسيحى قد اتسمت بالتطرف والإرهاب. وتم نسبة ذلك إلى المسيحية الغراء وهى منه براء.

ويجرى اتهام الإسلام حاليا بما اتهمت به المسيحية سابقا، إما لعزل الدين نهائيا عن الحكم، أو توجيه الأنظار إلى خطر وهمى ، كى ينشغل به عن الخطر الحقيقى المتمثل فى مؤسسات النهب الاستعمارى المنظم، !فالدين ليس طريقا إلى التطرف أو تكفير الآخرين "، انه عباءة منسوجة بمكارم الأخلاق التى تدعو إلى البر والتقوى والتعاون ضد الإثم والعدوان، والتى لا يتحقق إيمان المرء بغير التخلق بها (13).

وقد استعمل القرآن الكريم كلمة (رهب) ومشتقاتها ثمانى مرات، لم يستعملها مرة واحدة فى الدعوة إلى العنف أو العدوان على الآخرين أو إخافتهم أو ترويعهم، وإنما استعملها فى مجال ردع العدوان قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم) (14)، فالسياق اللغوى لكلمة ترهبون جاء فى مجال شن الهجوم بل من ردع العدوان لا ممارسته، فالإعداد ليس من أجل منع هجوم الآخرين أن يحدث.

والإسلام فى تربيته يخلق الحوافز المانعة للإرهاب ، و يحض الناشئة ضد الجريمة وأعمال العنف، يكرهها إلى المسلم، من خلال التشديد على عدم العدوان وإرهاب الآخرين، أو السطو على ممتلكاتهم، أو حقوقهم أيا كان نوعها، كما يقوى ويعزز ملكة النقد عند المسلم، من خلال التربية الحرة التى لا تعترف بعبودية إنسان لآخر، وترى فى الجنس البشرى بشرا متساويا كأسنان المشط، مخلوقا من أب واحد هو آدم وأم واحدة هى حواء. لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة إلى العالمين، لأنه حمل إليهم رسالة السلام والمرحمة وما الإسلام إلا السلام بعينه، فلا يكون المسلم لعانا ولا شتاما ولا عنيفا. قال تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم فى الأمر) (15). فالفظاظة والغلظة ليست من صفات المسلم، إنما هو عفو غفور سمح الطالع، لهذا كان من تمام كمال المسلم أن يسلم الناس من أذى يده ولسانه أى من القول والعمل معا. وفى هدا المعنى يقول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام: "إن الله رفيق يحب الرفق ويعطى على الرفق ما لا يعطى على العنف وما لا يعطى على سواه) (16) ويقول أيضا: "إن الرفق لا يكون فى شىء إلا زانه ولا ينزع من شىء إلا شانه) (17). فهذان الحديثان يشيران صراحة إلى كلمة العنف و كراهتها والتنفير منها ويقابلها بكلمة الرفق الطيبة التى تؤتى أكلها الطيب كل حين كى يدفع المسلمين إلى العمل بها ليكون جنيهم مقبولا من الله سبحانه.

وقد وردت عشرات بل مئات الآيات القرآنية الكريمة التى تكره الفعل السيئ والرد القبيح إلى المؤمن، لأنه ليس فى خلق المسلم عنف أو فحش فى قول أو عمل، فالمسلم يدفع السيئة بما هو أفضل، ويقول الله تعالى مربيا: (ادفع بالتى هى أحسن، فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم) (فصلت 18)، ويقول تعالى فى وصف المسلمين المؤمنين الذين حسنت أخلاقهم وصفت نفوسهم: (ويدرأون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار) (19).

وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام كما حرص الخلفاء من بعده

على توصية الجيوش الإسلامية بعدم إراقة الدماء، واجتناب المثلة والإرهاب، وتخويف الآمنين، وبعدم العدوان، فمن وصاياه عليه الصلاة والسلام لقادة هؤلاء الجند قوله: "اغزوا على اسم الله ، فى سبيل الله تعالى، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا (ألا تخونوا) ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا) (20).

فالإسلام يكره القتل ويكره المسلمين به، ولهذا لم يجز قتل أسرى الحرب من جنود العدو، كما لا يجوز الإساءة إليهم، كنوع من رد الفعل على ما يقوم به الأعداء وما يفعلونه بأسرى المسلمين، لأن كرامة الإنسان محفوظة فى الشريعة الإسلامية (21).

إن الإرهاب والتطرف يدخلان فى جملة الإفساد فى الأرض، وهو من الأمور المنهى عنها فى الشريعة الإسلامية، لأنها من الطغيان، قال تعالى: (الذين  طغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد) (22). لأنهم بفسادهم هذا يحاربون منهج الله سبحانه، قال تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا ) (23)، ولهذا وصف القرآن الكريم: قوم يأجوج و مأجوج بالمفسدين لما اتسم سلوكهم من عدوانية وإرهاب (24)، فقد نهى الله نهيا قاطعا عن الفساد حين قال: (ولا تعثوا فى الأرض مفسدين ) (25).

لقد كان الدين ومازال عصمة من الوقوع فى الزلل والفساد وأعمال العنف، وتخويف الآخرين، لأن الدين يريد بالناس اليسر لا العسر، والأمن لا الخوف، والسلامة لا السقامة ، ومن هنا كان التمسك به وتطبيق مبادئه قولا وعملا هو الطريق الأقوم لتجنب الفساد والخطأ والرذيلة، التى يندرج التطرف والعنف والإرهاب تحت ألويتها.

لقد عاشت البشرية بسعادة غامرة عندما طبقت مبادئ الدين الحنيف وجانبها الأمن عندما تنكبت طريقا غيره، فتاهت، ولا سبيل لعودة التوازن إليها إلا بالعودة إلى الله، خالق التوازن، والمقدر لكل شىء، وما الإسلام إلا هذا الميزان، من استمسك بحبله استعصم، ومن تركه ترك، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الهوامش

1-من ورقة مخطوطة للدكتور محمد عصران، كلية العلوم التربوية. رام الله (W.N.R.W.A).

2- انظر كتاب د. يونس عمرو وغانم مزعل ، العربى فى أدب الأطفال العبرى، منشورات مركز البحث العلمى، جامعة الخليل، 1988 م .

3- عاصم الدسوقى، مجلة ابد اع ، عدد 6 حزيران، القاهرة، فى التفسير الاقتصادى لظاهرة التطرف، ص 9

4- انظر كتاب د. قحطان عبد الرحمن الدورى ، الحركات الهدامة فى الإسلام، ط، بغداد 1989 م.

وكتاب محمد عبد الله عنان، تاريخ الجمعيات السرية والحركات الهدامة فى الشرق،

أم البنين للنشر القاهرة، د. ت.

5- زبيدة محمد عطا، الإرهاب الفكرى بين تنظيمات الباطنية وتنظيمات الأصولية الحديثة، مجلة إبداع، عدد حزيران 969 1 م، ص 16- 31

6- مجلة إلى الأمام، العدد 5 85، 21 ك 2، 984 1 م، ص 31،

7- مجلة القاعدة، العدد السنوى، دمشق، 17 ك 2، 985 1 م، ص 105.

8- رضوان أبو شويشة ،  السلفادور من القمع إلى الثورة، 932 1- 1982م، المنشأة العامة للنشر والتوزيع والإعلان، ط. 1، طرابلس 983 1 م، ص 141- 142.

9- الإرهاب الدولى بين الواقع والتشويه، المركز العربى للنشر والتوزيع والدراسات باريس، الطبعة الأولى، شباط 1983 م ص 147.

10- مجلة قضايا العصر، السنة الخامسة، شباط 1985، ص 176.

11- لمزيد من التفصيل انظر إبراهيم يحيى الشهابى، الشخصية العربية، مكتبة

الفتح، دمشق، طبعة 1، 1981 م، ص 41 وما بعدها.

12- انظر كتاب الرئيس الامريكى السابق جيمى كارتر، لماذا لا ننشد الأفضل، ترجمة د. أمية كامل، مكتبة الأنجلو المصرية، ط1- 975 1، ص 83- 5 9 ، 303-241.

13- د. عبد الرحمن العدوى، مجلة منبر الإسلام، عدد 8، سنة 54، ديسمبر 95، يناير 96 م.

14- سورة الأنفال، الآية رقم 60 .

15- سورة آل عمران، الآية رقم 159 .

16- لهاه الإمام مسلم فى صحيحه

17- المصدر نفسه

18- سورة فصلت، الآية 34

19- سورة الرعد، الآية 32.

20- سبل السلام للصنعانى ، ج 4، ص 46

21- محمد رأفت عثمان، الحقوق والواجبات والعلاقات الدولية فى الإسلام دار اقرأ، بيروت، ص 303.

22- سورة الفجر، الآية 11، 13.

23- سورة المائدة، الآية 33

24- سورة الكهف، الآية 94.

25- سورة البقرة، الآية 60.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع