الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الثامن : الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى
 
التعاون بين الأديان لحل مشاكل العصر

التعاون بين الأديان لحل مشاكل العصر

للأستاذ الأمين عثمان الأمين-أرتريا

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله  و اله وصحبه إلى يوم الدين.

سماحة الإمام الأكبر شيخ الأزهر فضيلة الدكتور/ محمد سيد طنطاوى  معالى وزير الأوقاف المصرية دكتور محمود حمدى زقزوق

أصحاب المعالى الوزراء وأصحاب الفضيلة العلماء

و أصحاب النيافة رجال الدين المسيحى

أصحاب السعادة رجال الفكر والعلم

السادة الحضور......

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

وبعد:

فنحن- وفد أرتريا- يسعدنا أن نتقدم بالشكر إلى سماحتكم شيخ الأزهر ومعالى وزير الأوقاف على توجيه الدعوة إلينا لحضور المؤتمر العظيم، والسماح لنا بالمشاركة فى حواره.-

كما نتقدم بالشكر والتقدير والعرفان لما تقدمه جمهورية مصر العربية ممثلة فى الأزهر الشريف ووزارة الأوقاف ووزارة التربية والتعليم للشعب الأرترى فى سائر المجالات وخاصة فى مجال التعليم عامة، كما نتقدم بالشكر والتقدير إلى الشعب المصرى وحكومته الرشيدة بقيادتها الحكيمة برئاسة فخامة الرئيس/ محمد حسنى مبارك من المساندة والتعاون للشعب الارترى فى جميع المجالات.

كما أرجو أن تسمحوا لى أن أتحدث حديثا موجزا وملخصا عن البحث المعد عن موضوع:

التعاون بين الأديان لحل مشاكل العصر

إن هذا الموضوع متفرع ومعقد على قدر تعقد مشاكل العصر وتعددهـا فالبحث لحلها يحتاج إلى تضافر الجهود، وتعاون الجميع بين كل الأفكار المستنيرة بنور العلم والإخلاص والمعرفة وحب الخير لكل الناس خاصة إذا كان هذا الحوار المقدم للبحث بين أهل الأديان فيلزم أن يضع أهل كل دين المبادئ الأساسية التى يتفقون عليها فيما بينهم ثم يمكن أن يضعوا الإطار العام الذى بموجبه يضعون المبادئ التى عليها يكون التعاون مع كل الأديان الأخرى.

وهذا أمر سهل لمن سهله الله عليه وأخلص النية، فعلى المسلمين أولا أن يستشعروا أنهم أمة واحدة وأن دينهم يدعوهم إلى ذلك وأن أفعال العبادات كلها من صلاة وزكاة وصوم وحج وغيرها كلها تدعو إلى هذه الوحدة وتستشعرها، ونعمل بما توحيه هذه العبادات من التعاون والمحبة والألفة وحب الخير للناس كافة، ثم نحاول أن ننقل هذه الأخلاق السامية إلى غيرنا بعد تخلقنا بها.

التعاون مع الأديان الأخرى:

إن الله تعالى جعل الدين لهداية الناس إلى طريق الخير والرشاد، وأنه ما من دين فى الدنيا إلا ويأمر بالخير وينهى عن الفساد، وأن الإسلام الذى هو دين الإنسانية الخالد الذى جعله الله آخر الأديان وخير الأديان.... (إن الدين عند الله الإسلام ) (آل عمران 19) ، (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو فى الآخرة من الخاسرين) (آل عمران 85 ).

فهذا الدين يأمر بالتعاون مع الناس جميعا، وهذا التعاون لا يكون إلا لخير الناس جميعا وسعادة البشرية.

ومن الحقائق المقررة أن الإنسان مدنى بطبعه، ومفطور على الاجتماع بغيره، ولا يستقيم هذا الاجتماع إلا إذا كان بين أفراده وبين جماعته تعاون وثيق فى شتى المجالات.

المجال الدينى:

أولا: العبادات

ففى المجال الدينى إن الله تعالى شرع كثيرا من الشرائع الاجتماعية التى تزيد فى قوة المجتمع ووحدته كالحج والزكاة وصلاة الجماعة فالإسلام حث معتنقيه على التعاون فيما بينهم... فحضور الجمع والجماعات مجال كبير ومظهر واضح جلى لفرص التعاون، فيقيمون صلواتهم مجتمعين يأتمون بإمامهم ويقتدون به ويتحركون بحركته كمظهر من مظاهر الانسجام الذى بين المسلمين، وكمظهر من مظاهر الوحدة، وأن ذلك سوف يسرى إلى سائر أعمالهم اليومية، وحياتهم الدائبة فتستقيم أمورهم، وتنتظم أحوالهم ويأخذون كل ما يعرض عليهم على هذا المظهر الرتيب، والنهج القويم بعد تأكدهم من المصلحة العائدة إليهم من العمل الذى يقدمون عليه، و الذى لا يتعارض مع مبادئ دينهم الحنيف، والصوم أيضا من مظاهر هذا التعاون لما فيه من العمل أو الترك لكل المفطرات بشكل جماعى على مستوى الشعب أو القطر أو العالم فتسرى فيهم روح الأخوة الصادقة التى تشعر المؤمن بوحدته مع أخيه فى كل مكان- يشعر بشعوره ويتألم لآلامه ويفرح لفرحه مما يدفعهم إلى التعاون بينهم فيما يعرض عليهم.

ففى الحديث الشريف عن أبى موسى الأشعرى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" سنن الترمذى ج2 ص 218.... والصوم مظهر من مظاهر حب الفرد للجماعة والصائم ينسى نفسه وينسى شهواته فيتحول تفكيره من الشعور بالذات إلى الشعور بالجماعة.

وكذا الحج فيه من الطاقات الفعالة بالشعور بهذه الوحدة التى تكون سببا فى التعاون بينهم (والكعبة التى يطوفون حولها).....

وهذه القبلة التى يتوجهون إليها فى صلواتهم أنى كانوا وحيث وجدوا

(ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) (البقرة 150)

وهذا القرآن الذى يتلونه بلفظ واحد، وأنهم أمة واحدة... (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء: 92)

إن هذه الملة التى هى ملتكم الصحيحة التى يجب أن تحافظوا عليها حال كونها ملة واحدة متجانسة لا تنافر بين أحكامها فلا تتفرقوا شيعا وأحزاب الخ

فإذا كان الإسلام يأمر بأن نكون متمسكين بهذه الملة الحنيفية السمحاء والتى تدعو إلى التكاتف والوحدة بين الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والتعارف فى كل ما يفيد وينفع هذه الأمم والشعوب فإن الله تعالى هو الذى  جعلها شعوبا وقبائل لترسيخ التعاون بين الجميع.

ثانيا: التعاون بين سائر الأديان:

وهذا التعاون لا يفرق بين دين وآخر. فكل أهل دين يتعاونون فيما بينهم،

ثم فيما بينهم وبين أهل الأديان الأخرى فى كل ما يفيد وينفع الجميع... فإن الله قد خلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف لا لنتشاكس وعندما يقترب بعضنا من بعض يرى الآخرون من شمائلنا ما يحببنا إليهم وما يوقفهم على كنوز الرحمة والسماحة التى يزخر بها ديننا وذلك ما يزيل السدود أمام إقبالهم عليه وإعجابهم به، فالواقع أن فضائل الصحابة والتابعين هى التى أغرت الشعوب باعتناق الإسلام.

فإذا اختلط المسلمون مع غيرهم من أهل الأديان، وظهر منهم للناس الأخلاق الإسلامية، والسلوك السليم، والخلق المستقيم، استفادوا آمرين مهمين جدا:

أولا: أنهم يعيشون مع مواطنيهم فى حب ووئام وتعاون تام.

ثانيا: أنهم يكونون دعاة إلى الإسلام بأخلاقهم هذه العالية، وترغب الناس فى اعتناق هذا الدين (الذى هو خلق أهله) أو على الأقل يبادلون المسلمين الحب والتقدير والتعايش معهم بسلام ووفاق وتعاون الجميع فى حل أى مشكلة تعرض لهم أو لبلدهم الذى يضمهم جميعا ويعيشون فى كنفه، فإذا لم يكن هناك تعاون بين أهل الأديان لحل مشاكلهم فسوف تتعقد الأمور ويعيش الناس فى دوامة من المشاكل التى لا نهاية لها (أما إذا كان تعاون بين أهل الأديان فلن تكون هناك مشاكل البتة، إذ لا تأتى المشاكل إلا من عدم التفاهم و الانسجام إن كان أهل كل دين يرون أنهم لا يمكنهم أن يتعاونوا مع أهل الدين الآخر، وهذا خطأ كبير يجر البلاد والعباد إلى أمور لا تحمد عقباها، ويؤدى إلى الدمار والخراب، والى الانهيار فى كل مقومات الأمة، وإذا سادت هذه الفكرة على فئة من الناس واستولت على عقولهم فإنهم لا يصدر عنهم ما يفيد دينهم ووطنهم، بل تكون كل أعمالهم للشر (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) (سورة الكهف آية 104) كما أن ذلك أمر مخالف لما رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عندما أصدر الصحيفة المعروفة بين المسلمين وبين يهود المدينة، وهو تعاون صريح بين المسلمين وغير المسلمين فى أمور الدنيا أو الوطن بعبارة العصر، والحفاظ  عليه أو صيانته من كل معتد، والنقاش بالحسنى بين أهل الوطن الواحد، وكان من بين نصوص الصحيفة: "وأن بينهم النصر على من دهم يثرب" وهى تعتبر نبراسا واضحا ورسما بينا للطريقة التى يتعامل بها المسلمون مع غيرهم من أهل الأديان الأخرى.

ويمكن أن يتصور المرء أى دين لا يتعاون مع الأديان الأخرى، ولو كان الأمر كذلك لسادت الفوضى وانحل عقد النظام فى حياة الناس لذلك دعا الإسلام إلى أن يكون الناس أخوة متحابين متعاونين فى الحياة، حتى يعيش الناس فى طمأنينة وتستقر الأمور، ويسود الحب والوئام، ويتفرغوا لتحسين أمورهم الدينية وتتطور أحوالهم الدنيوية، حتى تلحق الأمة الإسلامية التى أصبحت فى مؤخرة الركب بمن سبقها من الأمم فى العلو المفيد والصناعات المختلفة.

الخطأ فى أمور الدعوة:

من الناس من يرون أنهم يدعون الناس إلى التمسك بالدين ولكنهم يخطئون الطريق فالدعوة إلى الدين لها سبيل واحد بينها الله تعالى فى كتابه العزيز بقوله : - (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة) (سورة النحل آية 125) ولا سبيل إلى الدعوة إلى الله والتمسك بها إلا هذا السبيل الذى رسمه الله تعالى ومن يبتغ سبيلا آخر فقد ضل وغوى، وخالف كتاب الله فكيف يدعو إلى الله بغير السبيل الذى رسمه الله تعالى لعباده؟ فلا يمكن أن تكون الدعوة إلى الله بغير الحكمة والموعظة، ولا يمكن أن تكون الدعوة إلى الله بالشدة والعنف فمثل هذه الدعوة تفسد ولا تصلح تدمر ولا تعمر تنفر ولا تبشر تفرق ولا توفق بل تبعد عن الدين ولا تدعو إليه، ولا يمكن أن تحل مشكلة أو يصلح ما فسد بغير ما أمر الله تعالى من معالجة الأمور بالتى هى أحسن.

الدعوة إلى الله بالخلق الحسن:

لماذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم على هذا الخلق العظيم ولم كان خلقه القرأن؟

لأن الله تعالى أرسله رحمة للعالمين، ومن مستلزمات هذه الرحمة، الخلق العظيم، لأن الله تعالى أرسله للناس كافة بشيرا ونذيرا، فبهذا الخلق العظيم يدعو الخلق إلى خالقهم، فلو لم يكن له صلى الله عليه وسلم هذا الخلق العظيم لم يمكنه أن يدعو الناس إلى الله أو يقبل إليه الناس ويقبلوا منه ما يدعو إليه فمن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم متحليا بهذا الخلق العظيم. ( فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) (آل عمران 159) وبهذا الخلق العظيم أحبه الناس وائتلفوه ، والتفوا حوله واستجابوا لدعوته ووقر الإيمان الصادق فى قلوبهم، وبذلوا من أجل عقيدتهم النفس والنفيس وبذلك انتشر الإسلام فى أقصر زمن إلى أقصى بلدان العالم، ولم ينتشر قط بأسلوب القسوة والقوة.

الإسلام والسلام :

الواقع أن الذى يريد أن يفرض رأيه على الناس بأية وسيلة دون رعاية للنظام أو التقيد بالإسلام وإرشاداته لا يجوز له أن يدعى الإسلام أو يدعو إليه حيث أنه يتخذ الدين وسيلة تمويه لأهدافهم، استعطافا للجماهير، وان الناس لا تغتر بهذه التمويهات أو تنساق وراء هذه الادعاءات لأن الناس يدركون حقيقة أغراضهم التى يرمون إليها ويعملون من أجلها فالإسلام لا يقام بمثل هذه الأمور التى هى بعيدة عن الإسلام ومبادئه التى تدعو إلى السلام لكل الناس.

رفع الإسلام راية السلام للناس كافة ودعا إليه بكل السبل السليمة ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها ) (الأنفال 61) جاء الإسلام لإقرار السلام وترسيخ كلمة التوحيد فى قلوب الناس كافة فمن قبلها كان ذلك خيرا له ومن لم يقبلها لا يجبر ولا يكره على قبولها بل يترك على حاله بعد أن يبين له الحق والصواب ( لا إكراه  فى الدين قد تبين الرشد من الغى ) (البقرة 256) ولا يكره على اعتناقه لأن الإيمان مقره القلب، ولا يتصور إجبار القلب على قبول شىء ما بالإكراه، والإقناع سبيله الإرشاد بالحكمة وبالموعظة الحسنه التى تؤثر فى القلوب، وتقتنع بها العقول السليمة بعيدا عن التعصب الباطل والتمسك بالضلال (ولم يدع الإسلام قط إلى الحرب وما خاضها المسلمون إلا اضطرارا) جاء الإسلام لاقرار السلام واطمئنانا للناس أجمعين على اختلاف أديانهم وألوانها وأوطانهم فالخير للجميع والتعاون مع الجميع.

التعاون بين الأديان هو السبيل لاقرار السلام:

فالأديان تدعو دائما إلى السلام وحب إيصال الخير إلى سائر الناس

قال تعالى: ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب ) (المائدة 2) التعاون جعله الله أساسا للبر وهو كل فعل خير، والنهى عن التعاون على الإثم وهو كل سوء وشر، كما نهى عن العدوان والشرائع كلها تدعو إلى الخير والحب والسلام .

وإنما الناس هم الذين ابتعدوا عن الأخذ بأمر دينهم، واتبعوا الأهواء وما تمليه عليهم رغباتهم الشخصية أو النفع الذاتى المؤقت، ويتركون أو يتجاهلون ما يدعو إليه الدين، وهذا ما أوقع العالم فى مشاكل لا نهاية لها لا تنتهى مشكلة إلا وتبرز مشكلة أخرى أشد منها تعقيدا قد تؤدى بعضها إلى الحروب والدمار.

الدين هو الدواء الشافى:

النفس يسوقها الشيطان والهوى يقودها فيتردى الإنسان فى المهاوى والهلاك إذا لم يكن له وازع من الدين الراسخ فى القلوب يستشعر به عظمة ا لله  ويخاف عقابه ويرجو ثوابه، فمن اللازم الضرورى أن نعمل على تقوية هذا الإيمان فى نفوس الناس حتى تعمر القلوب بالإيمان و تهتدى إلى الفضيلة وتجنب الرذيلة ويتربى فيها نوازع الخير وينمحى عنها نوازع الشر ( وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد ) ( الحج 24) ( وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (الحج 54).

وعلى الأمة الإسلامية أن تنشر الوعى بين شبابها وشيبها حتى يكونوا على صراط مستقيم فلا تدفعهم الأهواء ولا تحبط بعزائمهم الأغواء فيتمسكوا بالصراط السوى بلا تفريط أو إفراط أو غلو  وإهمال وبذلك يكونوا قد أدوا واجباتهم نحو هؤلاء الشباب وغيرهم (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله )(سورة الأحزاب 39)

وإن أسباب نشر العلم أصبحت متعددة الوسائل سهلة الأساليب فبها يمكن أن ننشر الوعى الدينى بين الناس عامة، ليفهموا دينهم فهما صحيحا حتى يكون سلوكهم فى الحياة وفق تعاليم الدين القيم "الإيمان ما وقر فى القلب وصدقه العمل " الإيمان نظام للسلوك الإنسانى فى الخير من استقامة وصدق وتطبيق لمفاهيم الإسلام ومقاصده واتباع أوامر الله و نواهيه.

إننا ندعو المسلمين أولا إلى العمل بما شرعه الله لعباده وأن يرسخ فى نفوسهم أن الله تعالى مطلع على كل أعمالهم صغيرة وكبيرة ( مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها) (الكهف 49).

وأن يحبوا الخير للناس كافة مسلمين أو غير مسلمين، فإذا فعلوا ذلك فيما بينهم ثم فيما بينهم وبين أهل الأديان الأخرى، لا شك أنه سوف يسود الحب الجميع ويصلح ما أفسد وتتوطد العلاقات الصالحة والبناءة بين الناس و يختفى شبح الخلافات أو النزاعات أو الحروب.

وقبل كل ذلك يلزم أن يختفى اتباع الأهواء بين الأفراد والجماعات، وأن يسود حسن الخلق والتمسك بالدين، إننا حين ندعو إلى العمل بالأخلاق الإسلامية أو القرآنية إنما ندعو بسائر أخلاقيات الأديان، فنطلب من رجال الدين من أهل الأديان الأخرى أن يحثوا أتباعهم على حسن الخلق والأخلاق ونشر المحبة بين الناس والمجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة".

فلا يوجد السلام على الأرض ولا بالناس المسرة ما لم تتعاون الأديان على إزالة كل ما يقف حائلا دون السلام ودون المسرة، وهذا أمر ممكن جدا إذا صلحت النية وخالفت النفوس هواها واتبعت هداها، وعملت بتعاليم دينها وجعلت ذلك نصب أعينها فى كل أعمالها لأن فيه النجاة وفيه السعادة ( قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى ) (يوسف 108)

إن اختلاف الأديان لا يكون أبدا سببا للنزاع أو الشقاق، بل قد تجد بعض الأقطار بها أديان متعددة، وتجدهم متفقين يعيشون بسلام متعاونين إلى أقصى غاية التعاون وهى الأقطار التى تحترم الأديان، وتعطى كل دين حقه من التقدير من تلك الأقطار جمهورية مصر العربية وأرتريا وغيرهما. أرتريا:

إن من البلاد التى يسكنها مسلمون ومسيحيون متعاونين فيما بينهم دولة أرتريا التى استقلت حديثا فقد دخل الإسلام منذ هجرة الصحابة رضى الله عنهم فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة نحو عام 614 ميلادية ووجدوا هناك استقبالا طيبا، وترحيبا مما جعلهم يهاجرون إلى تلك البلاد للمرة الثانية، منذ ذلك العهد جعل الإسلام ينتشر فى مختلف الأقاليم، وكانت أرتريا أول موضع تطؤه أقدام الصحابة خارج الجزيرة العربية.

وأما بعد عودة الصحابة، فكان انتشار الإسلام بواسطة التجار ثم العلماء من أهل البلاد، ثم عن طريق مشايخ الصوفية الذين كان لهم دور فى نشر الإسلام فى بلادنا، ولا يمكن أن نتناسى دورهم خاصة فى العهود التى ساد فيها الجهل وعمت الأمية فكانوا يقيمون الخلاوى لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الدينية، وتعليم الناس مبادئ الدين الإسلامى وكانت لهم أساليب جذابة لجمع الناس، منها إقامة حلقات الذكر، التى تعقبها الموعظة الحسنة وترغيب الناس فى اعتناق الإسلام، وكان لأخلاقهم السامية ومعاملاتهم الحسنة مع الناس أثر عظيم لاستجابة الناس إلى ما يدعون إليه، فكانوا يدعون الناس بحالهم أكثر من مقالهم، فكان هؤلاء العلماء العاملون لم تبعثهم منظمة ولم تكلفهم هيئة وإنما كان عملهم خالصا لوجه الله، وقد كان لعملهم هذا ثماره الطيبة.

ونؤمل أن يكون الدعاة الذين تبعثهم المؤسسات أو الجامعات الإسلامية

أن يتحلوا بمثل أخلاق هؤلاء الكرام الأفاضل، هذه الأخلاق المستقاة من القرآن الكريم ومن أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح لهذه الأمة حتى تتحقق لدعوتهم استجابة لمجهودهم ثمرة صالحة.

حل الأديان للمشاكل فى إرتريا:

ففى إرتريا التى يوجد فيها دينان رئيسيان الإسلام والمسيحية التى اعتنق المسلمون فيها دين الإسلام برضا واقتناع يعيشون مع إخوانهم فى حب ووئام وتعاون ووفاق، فكل أهل دين لا يتعرضون للآخرين فى دينهم. ويتعاونون فى أمورهم الدنيوية، وقد ترى فى الأسرة الواحدة مسلمين ومسيحيين فى بعض المناطق، وعاشوا على ذلك منذ دخول الإسلام البلد فى عهد الصحابة حتى الآن وقد حاول الاستعمار أن يوجد بينهم الفرقة ليحدث بينهم الانشقاق والخلاف والنزاع، ويستطيع هو أن يسيطر عليهم بسهولة وأن المستعمر كان يرى فى الشعب الارترى الفريسة السهلة السائغة الابتلاع التى لا تستعصى عليه فى شىء مما يريده منها ببذر الشقاق والخلاف لما يراه فى الشعب الارترى من تعدد الدين والقوميات والأقاليم المتباينة المناخ.

فيظن أن كل ذلك عوامل ممهدة جدا لأن تجعل الشعب الارترى شعبا  ممزق الأوصال مشتت المشارب يمكنه أن يسلطه على بعضه فيتقاتل وينال منه مناله ويشفى غليله يستولى هو على أرضه ويتمتع بخيراتها بينما يظل الشعب الارترى فى تقاتله وتناحره أضعف من أن يرد كيد كائد أو يمنع اعتداء باغ ولكن الإرتريين أدركوا هذه الحيل والمؤامرات، منها التفرقة بالدين، وبدأ المستعمر محاولة أخرى وهى التفرقة بالأقاليم فباعت هى الأخرى بالفشل، وظل الشعب الارترى  متماسكا على اختلاف أديانه وأقاليمه وقومياته بل أن هذه المؤامرات زادت من وحدته وقوته، ونبهته إلى ما يريده المستعمر من تحطيم أهم مقوماته التى بها كيانه ووجوده، فاشتدت وحدته وقوته وبذلك أصبح وجود دينين فى ارتريا عامل قوة وليس عامل ضعف، عامل وحدة وليس عامل فرقة، عامل كفاح ونجاح وليس عامل تخاذل وفشل، عامل حل المشاكل وليس عامل إثارة القلاقل.

معاناة الشعب الإرترى:

الشعب الأرترى حارب متوحدا متكاتفا وحارب عدوا يفوقه عددا وعدة، وانتصر عليه، هذا الشعب عانى الأمرين من الحروب الطاحنة وصبر على كل ما أصابه من نيران تلك الحروب التى التهبت على ظهره ثلاثة عقود كاملة، وقتل تقتيلا شنيعا من الحرق بالنيران، أو موت تحت جنازير الدبابات إلى بقر بطون الحوامل، وتقطيع الناس بالسلاح الأبيض، تحمل كل ذلك وصبر عليه صبرا لا نظن أن شعبا فى هذه العهود المتأخرة صبر على مثله، وأخيرا وبعد كل هذه المعاناة كانت عاقبته النصر المؤزر- والحمد لله - ولكن أناسا أو أفرادا لم يعجبهم كل ما عانه هذا الشعب الوديع و الأبى فى نفس الوقت هذا الشعب الذى بدأ يذوق طعم الحرية والأمن والاستقرار لا يريدون له أن يتمتع بهذه الحرية التى ظفر بها بعد كل ما ذكر فجعلوا يثيرون الشائعات والأباطيل بغير الواقع للتقليل من شأن هذه الحرية.

لماذا لا تقام دولة إسلامية فى إرتريا؟:

إن الشعب الارترى مكون من مسلمين ومسيحيين وحاربوا العدو معا وقاتلوا وقتلوا معا، وحرروا البلاد فهم دائما على قدم المساواة فلا يمكن أن تسيطر طائفة على الأخرى لذلك لا يمكنهم أن يقيموا دولة إسلامية كما لا يمكنهم أن يقيموا دولة مسيحية، لذا فقد أقاموا دولة تحتضن الدينين أطلقوا عليها (علمانية) وليست علمانيتها إلحادية أو منكرة للأديان أو غير معترفة بها، بل هى دولة تعترف بالدينين معا، وتقرر لكل دين ميزانية لإدارة أمورهم الدينية كما أنها أقرت دراسة مادة الدين فى مدارسها، كل أهل دين يمارسون شعائرهم الدينية، ويقيمون مؤسساتهم المختلفة على قدر  إمكاناتهم دون أى عائق من أية جهة، بل هناك التشجيع: فمن ذلك الإعفاء عن الجمارك عن كل ما يرد للمؤسسات الدينية وغير ذلك من التسهيلات للأمور الدينية.

إن إثارة بعض الناس الذين لا يعرفون أحوال البلاد وتركيبة سكانها أو يتجاهلون ذلك لأغراض أنفسهم الخاصة مثل هذه النزعة فإن مآلها الفشل لأن الشعب يعلم عدم جديتها وجدواها، لأنها ستكون سببا فى إثارة قلاقل ومشاكل لا نهاية لها، وإلى عواقب وخيمة لا يعرف مداها إلا الله.

مرحلة البناء:

الشعب الارترى خرج على التو من مرحلة الكفاح المسلح التى دامت ثلاثين عاما وقد دمرت كل مقومات البلد، فالشعب الارترى الآن فى مرحلة إعادة بناء وطنه المدمر وجاد فى إقامة دولة دستورية ديمقراطية، وهذا واجب كل ارترى فى الداخل والخارج، ونحن ندعو الأخوة فى الخارج أن يساهموا فى إعادة بناء وطنهم ويشاركوا فى إقامة الدولة الحديثة الدستورية الديمقراطية، فإن فاتهم شرف التحرير فلا يصح أن يفوتهم شرف التعمير.

النتائج:

1- ومن ذلك كله تبين لنا أن مشاكل العصر قد تعددت وتعقدت وتشابكت.

3- إن هذه المشاكل لا يمكن حلها إلا بتضافر الجهود بين الناس جميعا.

3- إن الأديان تدعو إلى الخير والمحبة والسلام والتعاون على نفع البشرية.

4- هناك خطأ من بعض الناس فى طريق الدعوة إلى الله.

5- فهم الدين الصحيح هو الحل الصحيح لكل المشاكل.

القرار:

وعليه نرى أن يقرر المؤتمر من ضمن ما يقرره ما يراه مناسبا من النقاط التالية:

1- أن يتكاتف رجال الأديان على بذل الجهود لتوعية الناس بأهمية التمسك بالدين الصحيح وما يدعو من الأخلاق السامية.

2- وأن اختلاف الدين لا يكون وسيلة أو سببا للخلاف أو الشقاق وهناك أمثلة لذلك فى بعض الأقطار.

3- أن تركز هذه التوعية اهتمامها بالشباب خاصة، وأن تقرر مثل هذه التوعية فى المواد الدراسية.

4- وأن تتعاون على إزالة كل أسباب العنف.

5- أن ندعو إلى الله بالحسنى لا غير.

6- أن نحب الخير لجميع الناس، ونشيع التعاون والمحبة.

7- أن نظهر للناس جميعا صورة الإسلام الصحيحة حتى يعلم العالم أجمع، ما هو الإسلام.

8- أن نعد دعاة إلى الله علماء مخلصين صالحين يكونون قدوة للناس بأحوالهم قبل أقوالهم.

والله الموفق و الهادى إلى سواء السبيل والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

بعض المراجع

1- تفسير ابن كثير

3- سيرة ابن هشام

3- الجواهر الحسان

4- الإسلام دين الإنسانية الخالد

5- الجهاد فى الإسلام

6- الإسلام دين الهداية والإصلاح

7- الكتاب المقدس

 

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع