الحوار
فى المجتمعات الأجنبية النائية
الأستاذ
الدكتور: حلمى محمد نصر
مدير
مركز الدراسات العربية بجامعة سان باولو- البرازيل
أولا: مع غير
المسلم
ثانيا: مع أبناء
الأقلية الإسلامية
تمهيد
إذا كان الحوار
يهدف عادة إلى تحقيق التعايش السلمى بين فئات متباينة الأديان فإن هناك حوارا آخر
يختلف عن ذلك، وهو الحوار فى المجتمعات الأجنبية النائية، التى تجمع بين أكثرية
غير مسلمة، لا تكاد تعرف شيئاً عن الإسلام، وبين أقلية مسلمة يوشك أن يجرفها
التيار، فالحوار فى مجتمع الأكثرية يهدف إلى التعريف باللا معلوم، وفى مجتمع
الأقلية يهدف إلى إنقاذ الأجيال الجديدة من الذوبان.
وتجربتنا فى هذا
الميدان قمنا لها على أرض البرازيل، التى شاءت الظروف أن نعيش فيها أكثر من ثلاثين
عاماً- والبرازيل تقع فى النصف الجنوبى من الكرة الأرضية وتبلغ مساحتها أكثر من
ثمانية ملايين ونصف من الكيلومترات المربعة. أى أن مساحتها مثل مساحة الجزيرة
العربية كلها بحوالى أربع مرات. وهى وإن كانت تعتبر من الدول النامية إلا أنها
غنية بثرواتها الطبيعية وأرضها الخصبة. وقد حققت فى الثلاثين سنة الماضية تقدما كبيراً
فى كل المجالات وخاصة فى مجال الصناعة التى وصلت فيه إلى شغل الرتبة الثامنة بين
بلاد العالم وسكان البرازيل يبلغ عددهم مائة وخمسين مليونا. والدين الرسمى للبلاد
هو المسيحية الكاثوليكية وتعيش فيها أقلية مسلمة يبلغ تعدادها حوالى المليون ومن
الإنصاف أن نقول إن شعب البرازيل شعب مسلم بعيد عن التحزب والتعصب ولقد سمحت لنا
هذه الحقبة الطويلة أن ندرس بعض خصائص المجتمع البرازيلى وأن نلمس عن قرب اسلوب
التفكير، والحكم على الأشياء، سواء أكان ذلك فى الوسط الجامعى الذى مارسنا فيه
التدريس طوال هذه المدة أم فى وسط الأقلية الإسلامية التى عايشناها منذ وطئت
أقدامنا أرض هذه البلاد.
سنحاول عرض ما
توصلنا إليه فى هذه التجربة، آملين من هذا المؤتمر- وقد جمع كثيرا من السادة قادة
الفكر الإسلامى- التعاون فى تحقيق الحوار مع سكان هذه البلاد، إذ هم فى أشد الحاجة
إلى التزود بالأفكار الإسلامية، وقد تكون النتيجة كسب عدد من الأصدقاء فى مجتمع
الأكثرية، وإنقاذ مجموعة من التائهين فى مجتمع الأقلية.
مجتمع الأكثرية:
لنتكلم الآن عن
كيفية فهم الإسلام فى المجتمع البرازيلى ونترك مؤقتاً الكلام على الأقلية
الإسلامية إلى حين التحدث عنها فى النصف الثانى من الموضوع.
لقد كانت دهشتنا
كبيرة عندما أدركنا أن صدى الإسلام فى المجتمع البرازيلى يكاد يكون معدوماً ،
وخاصة فى عامة الشعب (الدهماء) فالأكثرية الساحقة من هذه الطبقة لا تعرف أن
الإسلام دين سماوى، وأنه ثالث الأديان التى تدعو إلى التوحيد، وأنه قاد ركب
الإنسانية إلى الحضارة طيلة عدة قرون. هذا القسم من المجتمع ليس لديه أية فكرة عن
تاريخ الإسلام، ولا عن عصوره الزاهرة ولا عن الشخصيات الإسلامية التى لعبت دوراً
هاماً فى التاريخ، ولعل مما يخفف الدهشة أن تلك الفئة من البرازيليين لا تعرف كذلك
الكثير عن دينها المسيحى، و إنما تتبعه بطريق التقليد والوراثة. ومما يؤكد غياب
الإسلام عن تفكير هذه الطائفة من الناس أنهم ليس عندهم القدرة على التعبير عن
الأشياء المعهودة لنا بمسمياتها الإسلامية فالمسجد يطلقون عليه "كنيسة،
والشيخ "قسيسا"، والصلاة "قداسا " وهكذا.
وليس من العسير
أن نفسر هذا النقص فى المعلومات فالكتب والصحف التى فى متناول هؤلاء الأشخاص لا
تتحدث مطلقا عن الإسلام، كما أنه ليس فى برامج الإذاعة أو التليفزيون ما يذكر بهذا
الدين.
فإذا ما انتقلنا
من هذه الطبقة الشعبية إلى الطبقة المثقفة فى الجامعة، وجدنا المناخ مختلفاً.
فالطالب الجامعى عنده فكرة عن الإسلام، ولكنها فكرة غامضة، لا صحيحة ولا مشوهة،
وهذا عكس ما نراه فى هذه الطبقة فى أوروبا، حيت غالباً ما تختلط عندها فكرة
الإسلام بكل ما يشوه صورته من إرهـاب وأفكار مسمومة.
إن الطالب
الجامعى يبدى استعداداً طيبا. لتحصيل كل جديد، مع مناقشات هادئة، لا للاعتراض ولكن
لطلب المزيد من المعلومات، وقد كان ذلك واضحاً بالنسبة للدراسات الإسلامية التى
تقرر. تدريبها فى أكبر جامعة فى البرازيل لأول مرة فى التاريخ- أقبل الطلاب على
هذه الدراسات بشغف كبير، دون خلفيات زائفة أو اعتراضات مغرضة. بل لم يقتصر الأمر
علّى التقبل بقبول حسن وإنما صاحب هذا التقبل مجهود مشكور فى القيام ببحوث ممتازة
تتبنى وجهة نظر الإسلام فى كثير من المسائل المدروسة.
لقد مارسنا
تجربتنا فى كلية الآداب بجامعة سان باولو حينما بدأنا فى قسم اللغة العربية بإدراج
دراسات إسلامية عن " التاريخ الإسلامى"، وتأثير الإسلام فى الكوميديا
الإلهية" ؤ القرآن والعلم الحديث " وطبعا كان لابد أن تتحدث عن نشأة
الإسلام وعن الجزيرة العربية وعن الرسول عليه السلام وأصحابه، وعن الشريعة
والعقيدة والخلق الإسلامى، وعن الفتوحات وما تبعها من حضارة وازدهار.
وعلى مر السنين
خرجنا بالانطباعات الآتية:
1- لم نصادف ردود فعل لكل ما كان يقال موضوعيا عن
الحضارة الإسلامية وازدهارها فى مراكزها الأولى: بغداد وقرطبة والقاهرة.
2- آثار دهشتنا أن الطلبة فى هذا الوسط الجامعى
يعرفون لأول مرة أن الإسلام يأمر بكل ما يضمن للإنسانية العيش الآمن والحياة
الطيبة: من الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والوفاء بالعهد، والتواضع، وأداء
الأمانة، والصلّح بين الناس، والعفو، وإذا ما حاورت الطلاب بطريقة مهذبة فقد لا
تجد عناء فى أن يعتنقوا أفكارك، وينتهجوا نهج الفهم السليم.
بعد هذا
الاستعراض الموجز، نجد أننا أمام ظاهرة جديدة تستحق الدراسة والتفكير: طبقة مثقفة
تكاد تكون خالية الذهن من الأفكار المشوشة عن الإسلام، وتبدى شغفاً كبيراً بالنسبة
للّدراسات الإسلامية فإذا تصورنا أن جامعة سان باولو واحدة من سبعين جامعة فى
البرازيل، وأن هذه الجامعات كلها لم تدخلها إلى الآن الدراسات الإسلامية فكيف يكون
مقدار مكاسب العالم الإسلامى من أنصار لو عممنا هذه الدراسات فى كل أو جل هذه
الجامعات. تم إذا كان هدا بالنسبة للبرازيل فقط وهى إحدى دول أمريكا اللاتينية،
فكيف سيتضاعف المكسب لو طبقنا هذا فى جامعات البلاد الأخرى من نفس القارة.
أليس من الغريب
أن يكون الإسلام غائباً عن هده الأجواء، ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين ؟
ليس من الواجب
علّى مؤتمرنا هذا أن يسارع بمد جسور الحوار إلى هذه الطبقات لا بقصد إبدال المسيحى
لدينه، ولكن بقصد التذكير برسالة هى من أعظم الرسالات. ومن يدرى لعل فى هذه الطبقات
من يريد الله أن يهديه فيشرح صدره للإسلام.
وفى ظننا أننا
إذا لم نلق بالأ إلى ملء هذا الفراغ فسوف يستغله الغير لتحقيق ميوله المغرضة،
وأذن- فعلينا أن ننتهز الفرصة قبل أن تتبلدا لأجواء.
وليس معنى هذا أن
الهدف سوف يتم فى يوم وليلة. إن الأمر يحتاج إلى تنظيم واع، وتخطيط محكم. ولا يمكن
أن يضطلع بهذه المسئولية هيئة واحدة أو بلد واحد و إما تتطلّب تعاون كل الهيئات
الدينية، وتضافر كل أو أكثر البلاد الإسلامية-
وهنا ينبغى أن
نشير إلى بعض الخطوات التى يجب اتخاذها لتحقيق الغرض المنشود:
1- يلّزم أن نبدأ من الآن فى إعداد أساتذة يتكلمون
بطلاقة لغة البلاد التى يرسلون إليها. فمثلا فى حالة أمريكا اللاتينية يلزمنا أن
نرسل مبعوثين إما إلى البرتغال وإما إلى أسبانيا ليحضروا دراساتهم العليا هناك.
وبذلك يمكن أن يؤدوا مهمتهم بعد ذلك فى جامعات أمريكا الجنوبية على الوجه الأكمل .
2- عند عقد معاهدات ثقافية بين البلاد الإسلامية وبين
دول أمريكا اللاتينية يلزم النص على أن يكون فى كل جامعة كرسى للدراسات الإسلامية.
فإذا حدث أن وجدت بعض الحساسيات بالنسبة لتدريس الدين، فمن الممكن أن يكون الكرسى
للدراسات العربية ومن خلالها تدرس المواد الإسلامية، كما كان الشأن فى جامعة سان
باولو.
3- أن تتعاون الهيئات الإسلامية: رابطة العالم
الإسلامى، والأزهر الشريف، ومنظمة الجامعات الإسلامية وغيرها، فى تكوين مكتبة
إسلامية بلّغات. هذه البلاد أما عن طريق التأليف أو عن الترجمة إذ أن النقص
فى هذه الناحية يمثل أكبر عقبة فى تحقيق
الحوار.
4- استغلال القنوات الفضائية لبعض الدول الإسلامية فى
بث برامج تليفزيونية بلغة هذه البلاد ولا مساحة فى الحصول على النتائج الإيجابية
لمثل هذه البرامج.
مجتمع الأقلية:
وإذا كان الحوار
لازماً بالنسبة إلى هذا المجتمع البرازيلى فإنه ألزم بالنسبة إلى الأقلية المسلمة
التى هاجرت إلى البرازيل فى أواخر القرن الماضى.
هذه الأقلّية
جاءت إلى تلك البلاد بحثاً عن فرص جديدة لتحقيق حياة أفضل. لقد تركت الوطن الأصلى
بسبب ظروف غير ملائمة من ناحية المعيشة والعمل. وكانت غالبيتها من سوريا ولبنان،
وقد ظل عددهم يزداد يوماً بعد يوم حتى أوائل القرن الحالى، ثم انضم إليهم فى
السنوات الأخيرة عدد لا بأس به من أبناء فلسطين وبلاد إسلامية أخرى، والجميع اليوم
يمثل الطائفة الإسلامية فى البرازيل.
جاء المسلمون إلى
البرازيل، وبدأوا يواجهون صعاب المحافظة على التقاليد الموروثة: فبعد المسافات بين
المدن التى تفرقوا فيها، والعمل الدائب المرهق لكسب العيش، وعدم توفر البيئة
الإسلامية فى الوطن الجديد، كل ذلك كان من العوامل المسئولة عن نقص العناية بتنشئة
أولادهم نشأة دينية عقب س ة وسلوكا، ومن ناحية أخرى أخذت البيئة الجديدة تؤثر بعض
الشىء على أولاد المسلمين، و تصوغهم فى قالبها الإجتماعى ، وبذلك بدأت الخطوات
الأولى فى البعد عن التربية الإسلامية.
من هذا يتبين أن الجيل الأول من المسلمين كان له من
ناحية العقيدة والسلوك أسس أمتن مما كان للأجيال الجديدة- ولم يقتصر هذا الفرق على
الدين فحسب و إنما أمتد إلى اللغة. فبينما كان الأوائل يستخدمون اللغة العربية فى
لغة الحديث فيما بينهم أصبحت الأجيال التالية لهم، والتى نشأت فى الأرض الجديدة
يتحدثون فيما بينهم باللغة البرتغالية- وأحيانا كان الأب يتكلم مع ابنه بالعربية
فيرد عليه الابن بالبرتغالية، بمعنى أنه كان يفهم العربية ولا يستطيع التحدث بها
وأخيراً انتهى الأمر إلى جيل لا يتكلم العربية ولا يفهمها.
هى زواج بعض
الفتيات المسلمات من أزواج غير مسلمين والمهاجر عادة فى الصباح الباكر ليبدأ جهاده
فى كسب العيش ثم يعود آخر النهار، وغالبا ما تكون عودته بعد أن نام أبناؤه وقد
يتكرر ذلك كل يوم بمعنى أن الأب قد لا يرى أولاده إلا فى آخر الأسبوع. ومن هنا
تضعف الرقابة ويضعف التوجيه الدينى، ويصبح الأولاد أقرب إلى البيئة البرازيلية
منهم إلى البينة الإسلامية. فإذا أضفنا إلى ذلك عدم وجود مدارس إسلامية أو عربية
أدركنا مدى الخطر الذى يهدد أبناء الأقلية.
لقد بنى المسلمون
المساجد حتى أصبح عددها فى البرازيل يزيد على الثلاثين، وكثرت الجمعيات الإسلامية
حتى جاوز عددها الأربعين وتبعث المملكة العربية السعودية بالمعونات المالية لبناء
المساجد، وتبعث حكومة مصر العربية بالأئمة والدعاة ومع هذا كله فهناك فراغ كبير.
ولتصوير هذا الفراغ نذكر بعض، المشاكل الأساسية:
التعليم: حالة
التعليم الدينى واللغة العربية لا تبعث على التفاؤل. إذ أن الظروف كلها غير ملائمة
لتحقيق الهدف. فلا توجد مدارس بالمعنى المتعارف عليه لتعليم الدين أو اللغة وإنما
هى- إن وجدت- فصول ملحقة بالمسجد يقوم بالتدرشى فيها بعض!! المتطوعين يوم السبت من
كل أسبوع وطبعا من الصعب على الأسرة البعيدة عن المسجد أن ترسل بأطفالها إلى هذه
الفصول. فإذا أضفنا لذلك النقص الكبير فى إعداد المدرسين المختصين. وعدم وجود
الطرق الحديثة لتعليم اللغة من وسائل سمعية وبصرية، وعدم وجود الكتاب المشوق
للصغار أدركنا مقدار الصعوبات التى تواجه هذه الأقلية فى تعليم أولادها، وأدركنا
الضياع الذى تتعرض له الأجيال الجديدة من ناحية الدين واللغة.
الزواج: زواج
الأبناء والبنات أصبح الآن مشكلة عويصة بالنسبة للآسرة المسلمة فالآباء، حسب
التقاليد الموروثة عليهم أن يزوجوا أبناءهم من أسر مسلمة وقد ظلت الأجيال الأولى محافظة على هذه
السنة، إذ كانوا يذهبون- عادة- إلى الوطن الأم للبحث عن زوجة مسلمة للأبن أو زوج
مسلم للبنت. أما الآن فقد تغيرت الأوضاع، وأصبح الجيل الجديد المولود فى أرض
البرازيل متشربا بلبان البينة التى يعيش فيها، بمعنى أن الشاب يريد أن يختار بنفسه
زوجته من فتيات الوطن الجديد. وإلى هنا يمكن أن نقول: "بعض الشر أهون من بعض
" ولكن المشكلة الكبرى التى استعصى حلها
وسائل الإعلام:
للأسف لا يوجد
للأقليات المسلمة فى البرازيل نوع من وسائل الإعلام بمعناه المتعارف. فليس لها
إذاعة مسموعة تزود الأسر فى البيوت بتعاليم الدين، أو تهدى البعيدين عن المساجد
لنور التشريع وليس للأقلية إذاعة مرئية، توضح العبادات، وتشرح العقيدة- كما أنه
ليس للأقلية مجلات دورية تنشر المقالات عن هدى السماء، أو ترد على افتراءات
المغرضين أو ترفع صوت الإسلام بين طبقات الشعب الذى يجهل ما هو الإسلام.
لأجل هذا كله
تفتقر الأقلية المسلمة فى البرازيل إلى الحوار الواعى، الآتى من موئل الإسلام.
علينا أن نمد
جسور الحوار إلى الآباء لتنمية وعيهم الدينى وإرشادهم إلى أن يعتنوا بشئون الدين
كما يعتنون بشئون الحياة. علينا أن نوضح لهم المعاملات المالية والقوانين
الاقتصادية الإسلامية، ولماذا أحل الله البيع وحرم الربا وحبذا لو أرسلنا إليهم
علماء متخصصين لقاء محاضرات لهذا الغرض .
علينا أن نضمن
وصول الحوار إلى الأمهات، اللاتى يقع عليهن تربية الأولاد. وإذا كان كل بيت الآن
لا يخلو من جهاز "الفيديو" أليس من المناسب إعداد أشرطة تليفزيونية تشرح
ما هو ضرورى من عقائد وعبادات، ثم إرسالها إلى هذه الأقليات ، وبذلك يسهل على الأم
فى بيتها وعلى البنت فى خدرها أن تكون على صلة مباشرة بمصدر معتمد فى التوجيه
الدينى.
وأخيراً علينا أن
نصل بالحوار إلى الشباب الذين هم أمل المستقبل، ولعل أنجح وسيلة للانتفاع بهم أن
نبعث طائفة منهم إلى البلاد الإسلامية ليتفقهوا فى الدين فى الجامعات الإسلامية
لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
خاتمة
نستخلص من العرض
السابق أن الحوار فى المجتمعات الأجنبية النائية، يختلف بعض الشئ عن المجتمعات
الأخرى. فالحوار فى أوروبا مثلا يستلزم- قبل الكلام على رسالة الإسلام- أن نصحح
الأفكار المدسوسة، وأن نفند الشبهات الزائفة، التى كثيراً ما تعلق بها المستشرقون،
أو التى تذيعها بعض وكالات الأنباء من وصف الإسلام ظلماً بغير علم، بالعنف
والإرهاب.
أما الحوار فى
البرازيل فهو من المبدأ عمل بناء وخاصة فى المجتمعات المثقفة، حيث نجد فيها المجال
ذا سعة، والنفوس مشرئبة، والعقول متفتحة لتلقى كل ما يقال عن الإسلام. فالأذهان
كإنما هى صفحة بيضاء من الممكن أن ينقش عليها كل جديد. وبالنسبة لمجتمع الأقلية،
فالمجهود محصور فى التذكير والإرشاد وإقامة بنيان جديد على أسس موجودة.
وقد رأينا كذلك
أن الإسلام يمكن أن يكتسب أرضاً جديدة و أنصاراً عدة ومكانة مرموقة إذا طبقنا
تجربة جامعة سان باولو فى غيرها من الجامعات فى البرازيل وغير البرازيل، ولكن لن
تتم هذه النتيجة الإيجابية إلا بشرط إعداد الأساتذة المتخصصين، والكتب المناسبة
واستغلال الوسائل الحديثة من قنوات هوائية وإذاعة مرئية وسمعية .
وأخيرا، يلزمنا
فى الحوار مع الأقلية الإسلامية، أن ندرس مشاكلها التى
تتلاحق
واحتياجاتها التى تتجدد، حتى يمكن أن ننقذها من براثن الضياع والذوبان،
مسترشدين بهدى كتاب الله الخالد الذى يقول:
( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدى به الله من
اتبع رضوانه سبل السلام) (المائدة: 15- 16).