الحوار بين الأديان
للأستاذ
الدكتور صوفى أبو طالب
رئيس مجلس الشعب الأسبق
ورئيس جامعة القاهرة
الأسبق
يطيب لى أن أسهم بهذا البحث الموجز
فى المؤتمر العام الثامن للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية المنعقد بالقاهرة فى
الفترة ما بين 24/7/1996 م و 26/7/1996م
عن الإسلام ومستقبل الحوار الحضارى.
أولاً: أهمية الحوار بين الأديان فى الوقت الحاضر:
يمر العالم اليوم- ونحن على أعتاب القرن الحادى والعشرين-
بمرحلة تطور هامة فى تاريخ البشرية بعد الإنجازات الكبيرة التى تحققت نتيجة لثورتى
المعلومات والاتصالات لدرجة أصبح معها العالم قرية صغيرة تتلاقى فيها الحضارات
المتباينة والثقافات المختلفة وتتفاعل فيما بينها
وتتصارع أحياناً أخرى. وصاحب هذا التطور ظهور اتجاهين عالميين متناقضين
يستهدف أحدهما إقامة تكتلات اقتصادية أو سياسية بين بعض الشعوب المتجاورة ذات
الأصول الحضارية المتقاربة. ويستهدف الاتجاه الثانى إحياء الصراعات الحضارية
والعرقية والدينية داخل الدولة الواحدة بغية الانفصال عنها، وكانت القوة المسلحة
هى وسيلة تحقيق هذه الغاية. كما صاحب هذا التطور انقسام العالم إلى دول متقدمة
غنية وأخرى متخلفة فقيرة، وازدادت الفجوة بينهما حتى تحولت إلى جفوة انتهت
باستعلاء الدول والشعوب المتقدمة والغنية وتمجيد حضارتها وما تقوم عليه من قيم
ومبادئ بل والعمل على فرضها على الشعوب الفقيرة النامية.
وكان من أهم آثار كل هذه التطورات إذكاء روح الصراع القومى
والعرقى والدينى فى معظم بلدان العالم شرقه وغربه، واستشراء الإرهاب والعنف
والتطرف. وساعد على ذلك أن الدول المتقدمة الغنية لا تكيل بكيل واحد فى الأحداث
المتماثلة وتنحاز إلى ما يحقق مصالحها
ويعلى من شأن حضارتها باعتبارها- فى نظرها- الأنموذج الأمثل لتقدم البشرية.
وكان للتطورات والظواهر سالفة الذكر آثارها فى العالم
الإسلامى، وزاد من خطورتها تعاظم وتنامى الصحوة الإسلامية التى تستهدف إحياء
التراث الحضارى الإسلامى والعمل بأحكام الإسلام فى تنظيم أمور المسلمين الدنيوية، سياسية
كانت أو اجتماعية أو اقتصادية. وبدأت بوادر التصادم بين الحضارتين الإسلامية والغربية بسبب تباين الأصول الحضارية. فالحضارة الغربية تعتمد على التراث الحضارى الكلاسيكى متمثلا فى
الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى كما أنها تنطلق من الفكر المسيحى الذى يفصل
بين الدين والدولة. أما الحضارة الإسلامية فهى تعتمد على التراث الحضارى المستمد
من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، كما أنها تجمع بين الدين والدولة لأن الإسلام دين ودولة.
فالشعوب الإسلامية ترفض الانسلاخ عن جلدها، وتقبل من الحضارة
الغربية ما يتفق مع الأصول الإسلامية وترفض ما يناقضها، والغرب يحاول فرض حضارته
بكل عناصرها على الشعوب الإسلامية معتمدا فى ذلك على قوته العسكرية إبان مرحلة
الاستعمار ثم على تفوقه الاقتصادى وتقدمه العلمى والتكنولوجى فى الوقت الحاضر.
وجند لذلك من المستشرقين وبعض أبناء الأمة
الإسلامية ممن بهرتهم الحضارة الأوربية. وفى الآونة الأخيرة أقامت الدول الغربية
عدة مراكز بحوث تنقب فى بطون كتب التاريخ لإبراز مظاهر الضعف فى الحضارة الإسلامية
فى فترات ركودها. وتتبنى آراء بعض المذاهب الشاذة فى الفكر الإسلامى وتتجاهل صورته
الصحيحة. وزاد الطين بلة لجوء وسائل الإعلام الغربية إلى استغلال تصرفات بعض نظم
الحكم فى البلاد الإسلامية والتفسيرات المغلوطة لبعض الأفكار الإسلامية بهدف تشويه
صورة المسلمين، بل امتد ذلك إلى الإسلام ذاته. كما دأبت على بث روح الكراهية لدرجة
العداء ضد الإسلام والمسلمين وصورت الصحوة الإسلامية بأنها الخطر الأكبر- وأطلقت
عليه الخطر الأخضر- الذى يهدد الحضارة الغربية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى الذى
كانت تطلق عليه الخطر الأحمر، وبعض ذلك يرجع إلى جهل الغرب بحقائق الإسلام أو
تجاهله له.
ووضعاً للأمور فى نصابها وتبصرة للعالم بحقائق الإسلام اهتم
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالحوار بين الأديان بهدف تحقيق التعايش والتفاعل
بين مختلف الحضارات والشعوب التى تدين بدين سماوى.
ثانيا: دور الدين فى المجتمعات المعاصرة:
من المعروف أن الديانة كانت تقوم بدورأساسى فى كل المجتمعات
القديمة، فرجل الدين والجندى كانا يتقاسمان الغلبة والسيادة فى كل المجتمعات
القديمة، وكانت الديانة هى التى تمد المجتمع بكل قيمه وأخلاقه، كما أنها كانت صمام
الأمان فيما يصيب المجتمع من أزمات، وهى مصباح الهداية فيما يحققه من تطور.. ويثور
التساؤل عن دور الدين فى المجتمعات المعاصرة حيث تسود النزعة المادية، إن واقع
الأمر يدل على أن الدين مازال يقوم بدور أساسى فى المجتمع المعاصر، غير أن دوره
يختلف تبعا لطبيعة الدين ومضمون أحكامه ونظرة المجتمع إلى الدين.
فالديانات السماوية الثلاث خرجت من مشكاة واحدة ومن ثم اتفقت
فى الأصول والجوهر وإن تباينت فى التفصيلات والجزئيات. فهى كلها تقوم على التوحيد
وتحض على الأخلاق الفاضلة وتنهى عن ارتكاب الكبائر، فالوصايا العشر التى وردت فى
التوراة رددها الإنجيل " أنا هو الرب إلهك. لا يكن لك آلهة أخرى أمامى. لا
تنطق باسم الرب إلهك باطلا. أكرم أباك وأمك. لا تقتل ولا
تزن ولا تسرق ولا تشهد على قريبك شهادة زور ولا تشته امرأة قريبك ولا تشته بيت
قريبك ولا حقله ولا عبده ولا أمته. ولا كل ما لقريبك.
" (تثنية: الإصحاح: 5) والإنجيل بعد ما ردد هذه الأحكام زادها إيضاحا وتفصيلا
(إنجيل متى الإصحاح :5) والقرآن الكريم والسنة النبوية أقرت كل هذه
الأحكام وزادت عليها. وتتماثل الديانات الثلاث فى أسس العبادة، فهى كلها تأمر
بالصوم والصلاة والزكاة وإن اختلفت فى مواعيد أدائها ومقدارها وكيفية هذا الأداء.
كما أنها تقترب من بعضها فى شئون العقيدة كالإيمان بالله الواحد وملائكته وكتبه
ورسله ويوم البعث..... إلخ ولكنها تختلف فى أن الديانات اللاحقة تعترف بما سبقها
من ديانات ولكن الديانات السابقة لا تعترف بما جاء بعدها. فالإسلام خاتم الرسالات
السماوية، يعترف بكل من المسيحية واليهودية كما سنرى، بينما المسيحية تعترف
باليهودية السابقة عليها " لا تظنوا أنى جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء،ما
جئت لأنقض بل لأكمل " (إنجيل متى. الإصحاح: 5).
ولكن المسيحية لا تعترف بالإسلام الذى جاء بعدها، واليهودية لا تعترف بالمسيحية
ولا الإسلام لأنهما جاءا بعدها.
ومن ناحية أخرى يختلف مضمون الدين ونوع وجنس المخاطبين به فى
الديانات الثلاث، فاليهودية خاصة ببنى إسرائيل ولذلك تميز فى الخطاب وما يتضمنه من
حقوق وواجبات بين اليهودى، وغير اليهودى. ومن أمثلة ذلك أنها تحرم الزواج بين
اليهودى وغير اليهودى وتبيح الاقراض بفائدة لغير اليهودى وتحرمه بين اليهود- ويزيد
من أهمية تمييز اليهودى على غيره أن الشريعة اليهودية كانت تنظم شئون الدين
والدنيا معاً، والجمع بين الدين والدنيا أدى إلى أن الديانة اليهودية تحيط بكل
أمور الناس فى المجتمع. كما أن تمييز اليهودى على غيره أدى إلى سيادة العصبية
الدينية. والمسيحية تقوم على مبدأ الفصل بين الدين والدولة إعمالا لقول السيد
المسيح عليه السلام " ردوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ومن ثم اقتصرت
على الهداية الروحية والأخلاقية وتنظيم شئون العبادة، ولذلك انحصر أثرها على هذه
الجوانب تاركة تنظيم الأمور الدنيوية للدولة، ولكن المسيحية، مثلها فى ذلك مثل
الإسلام وعلى خلاف اليهودية، تخاطب البشر أجمعين دونما تمييز بين شعب وآخر. ونتيجة
لذلك اختلفت النظم الدنيوية ، سياسية واقتصادية، فى المجتمعات التى تدين بالمسيحية
وإن كانت كلها تتلاقى فيما يخص شئون العبادة والجوانب الروحية والأخلاقية. أما الإسلام فهو يتلاقى مع
المسيحية من حيث كونه ديانة عالمية تخاطب البشر كافة دونما تمييز بسبب العرق أو
الدين أو اللغة.... إلخ ويتلاقى مع اليهودية فى أنه تنظيم لشئون الدين والدنيا
معاً ومن ثم أحاط بكل صور سلوك الناس فى المجتمع فكان أثره عميقاً فى النفوس.
ونتيجة لاعتراف الإسلام بكل من اليهودية والمسيحية فإنه أقر حرية العقيدة بقوله تعالى:
( لا إكراه فى الدين ) (البقرة:256 ).
كما قرر المساواة بين المسلمين وأهل الكتاب فى الحقوق
والواجبات، وهو مايعبرعنه العلماء بقولهم " لهم ما لنا وعليهم ما علينا
".
والعمل بما تأمر به الديانات الثلاث يختلف فى العصر الحاضر
تبعاً لنظرة المجتمع للدين. فهناك مجتمعات إلحادية تصف
الدين بأنه أفيون الشعوب ولذلك تنحيه جانباً بل وتحاربه. وهناك مجتمعات
علمانية ازداد عددها بعد الثورة الفرنسية. وهذه المجتمعات لا تتنكر للدين ولا
تحاربه ولكنها تتركه لدخيلة النفوس ولا تلزم الدولة نفسها بنشره والحفاظ عليه،
وناطت هذه المهمة بالكنيسة فى الدول التى يدين أهلها بالمسيحية، وفى هذه المجتمعات
مازال الدين منبعاً للقيم الرفيعة والأخلاق الفاضلة، والكنيسة ومعها الرأى العام
يتكاتفان فى غرسها فى النفوس وحمايتها. وهناك نوع ثالث من المجتمعات يندر وجوده
الآن، يكل أموره إلى حكومة دينية من الكهنة تستمد سلطتها من الدين وتطبق أحكامه،
والنوع الرابع من المجتمعات هى المجتمعات غير العلمانية، أى المجتمعات التى لا
تترك الدين لدخيلة النفوس بلى تلتزم الدولة بالحفاظ عليه، وهى فى نفس الوقت لا
تسلم أمرها إلى حكومة من الكهنة بل تقيم نظامها على أن الأمة مصدر السلطات مع
التزام هذه السلطات بالأحكام القطعية التى تأمر بها الديانة، وهذه الصورة هى
الغالبة فى المجتمعات الإسلامية. ولذلك نجد تشابها بينها يكاد يصل إلى درجة
التماثل فى توجهاتها الاجتماعية والأخلاقية والثقافية.
ثالثا:أهداف الحوار بين الأديان:
يهدف الحوار بين الأديان إلى التأكيد على القيم المشتركة بينها، وعلى رأسها الإيمان بالله، الأخلاق الفاضلة،
تكريم الإنسان والاعتراف بحقوقه. ويهدف من ناحية أخرى إلى التخفيف من حدة الخلاف
بينها، وهى كما سبق القول خلافات فى التفصيلات، والغرض النهائى من كل ذلك هو نبذ
ثقافة الكراهية بين الأديان والتعصب لبعضها دون البعض الآخر. والكراهية والتعصب يؤديان
إلى التطرف وهو يؤدى بدوره إلى العنف والإرهاب. وبذلك تتهيأ السبل إلى غرس
الاحترام المتبادل بين الأديان مما يحقق إمكانية التعايش بينها وحسن الجوار بين
أبناء الديانات السماوية، فتحل ثقافة المحبة والتآخى والتسامح الدينى محل الكراهية
والتعصب الدينى. وفى ظل انتشار موجة الإلحاد المعاصرة والابتعاد عن القيم الرفيعة
والأخلاق الفاضلة التى تأمر بها الأديان فى مناخ تسيطر عليه ثورة المعلومات وثورة
الاتصالات أصبح الحوار بين الأديان ضروريا لإنقاذ الإنسانية مما تتردى فيه من فساد
أخلاقى واضطهاد دينى وعنف وإرهاب. وقد دلت الأحداث على أن تكاتف الأديان فى الدفاع
عن القيم الرفيعة والأخلاق الفاضلة يعصم الإنسانية من شططها ويردها إلى صوابهـا،
وخير مثال لذلك ما حدث فى مؤتمر المستوطنات البشرية فى تركيا هذا العام، ومؤتمر
المرأة فى بكين فى العام الماضى، ومؤتمر السكان فى القاهرة فى العام قبل الماضى،
فقد نجح ممثلو الأزهر الشريف وممثلو الفاتيكان فى تغيير المقترحات التى كانت تهدم
الأسرة وتشيع الرذيلة تحت مسميات متعددة والحوار بين الأديان يقتضى من ناحية
التقريب بين المذاهب المختلفة داخل الديانة الواحدة، (مثل الاختلاف بين المذهب
الكاثوليكى والمذهب الأرثوذكسى والمذهب البروتستانتى داخل المسيحية، والمذهب
الشيعى ومذهب أهل السنة فى الإسلام) ويقتضى من ناحية ثانية تأكيد الاحترام
المتبادل بين كل الديانات السماوية.
والمشكلة التى تعترض ذلك تكمن فى أن الدين اللاحق يعترف بما
سبقه من أديان ولكن الدين السابق لا يعترف بما جاء بعده من ديانات، فاليهودية لا
تعترف لا بالمسيحية ولا بالإسلام، والمسيحية لا تعترف بالإسلام ولكنها تعترف
باليهودية، والإسلام يعترف بكل من اليهودية والمسيحية. ويخفف
من حدة هذا الاختلاف أن الديانات الثلاثة تتلاقى حول جوهر العقيدة، كما يخفف منه
إقرار المجتمع الحديث بحرية العقيدة وقسيمتها حرية الشعائر الدينية سواء فيما يخص
العبادات أو المعاملات. فالتعايش السلمى بين أبناء الديانات السماوية داخل الدولة
الواحدة وفى المجتمع الدولى كله لا يتحقق إلا بالتطبيق السليم لحرية العقيدة
وشقيقتها حرية الشعائر الدينية مع التسليم بحق الدولة فى تنظيم ممارسة حرية
الشعائر بما يتفق مع صالحها العام وقواعد النظام العام وحسن الآداب بشرط أن لا
يؤدى هذا التنظيم إلى القضاء على أصل هذه الحرية. ومقتضى ذلك ألا يقتصر الحوار على
ما تأمر به إلى الديانات الثلاث أو تنهى عنه بل يجب أن يمتد إلى ما تطبقه الدول
الحديثة من قواعد ونظم سواء كانت تتفق مع نظيرتها فى الديانات أو تختلف مع نظيرتها
فى إحدى الديانات أو معها كلها. ذلك أن التعصب الدينى من بين أسباب العنف والإرهاب
فى العصر الحديث، فتجاهل بعض الدول لأحكام الديانات السماوية أو لأحكام ديانة
بعينها يدفع بأبناء كل ديانة إلى التعصب لها ومحاولة فرض أحكامها بالقوة وتجاهل
أحكام الديانات الأخرى مما يولد لدى الآخرين الشعور بالظلم والاضطهاد فيكون رد
الفعل لدى أبنائها هو الالتجاء إلى العنف.
رابعا: موقف الإسلام من الديانات السماوية:
(1) تكريم الإنسان
بصفته إنساناً:
يكرم الإسلام الإنسان بصرف النظر عن دينه وأصله، وقد تعددت
الآيات القرآنية التى ترفع من شأن الإنسان وفضله على كثير من المخلوقات: (ولقد
كرمنا بنى آدم وحملناهم فى البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن
خلقنا تفضيلا) (الإسراء: 70).
( لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم ) (التين:4).
واستخلفه فى الأرض:
( وهو الذى جعلكم خلائف الأرض) (الأنعام: 165).
وسخر له ما فى الأرض وما فى السماء:
( ألم تروا أن
الله سخر لكم ما فى السماوات وما فى الأرض)
(لقمان:20).
وعلى الإنسان أن يتحمل مسئولية عمله ثواباً وعقاباً،
وعبر القرآن الكريم عن هذه المسئولية بحمل الأمانة:
(إنا عرضنا الأمانة على السماوات
والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) (الأحزاب: 72).
والخطاب فى كل الآيات السابقة وغيرها مما يدور، حول هذه المعانى
موجه إلى الإنسان من حيث كونه إنساناً دونما اعتبار للونه وعرقه ولغته وديانته لا
فرق فى ذلك بين مسلم وغير مسلم.
(2) اعتراف الإسلام بالرسالات السابقة عليه:
ينفرد الإسلام بخاصية الاعتراف باليهودية والمسيحية ذلك أن
الإسلام باعتباره خاتم الرسالات يخاطب البشر أجمعين، ويعترف برسالات السماء التى
سبقته، فهى كلها خرجت من مشكاة واحدة فجوهره لا يختلّف عما تلقاه الرسل السابقون،
وهو ما أكده القرآن الكريم بقوله تعالى:
(ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة وذو
عقاب أليم )
(فصلت: 43).
وتكرر نفس المعنى فى قوله تعالى:
(شرع لكم من الدين
ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا
الدين ولا تتفرقوا فيه) (الشورى: 13).
والقرآن الكريم فى هاتين الآيتين وغيرهما لا يعبر عن الدين
بصيغة الجمع بل دائماً أبداً بالمفرد تأكيداً لمعنى أنه دين واحد بالرغم من تعدد
رسله ورسالاته، وهذا التعدد هو سنة الله فى خلقه لابتلاء الإنسان واختباره.
(وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب
ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل
جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فى ما أتاكم ……) (المائدة 48).
والأحاديث النبوية
تؤكد معنى تتابع الرسل لدين الله، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: " الأنبياء
إخوة لعلات، أمهاتهم شتى ودينهم واحد وقوله أيضا: " إن مثلى ومثل الأنبياء
قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة فى زاوية، فجعل الناس يطوفون
به ويعجبون ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين"
وتعددت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التى تأمر بالإيمان
بالله الواحد وكتبه ورسله نجتزئ منها قوله تعالى:
( والذين
يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون) (البقرة: 4)
وقوله تعالى:
(ولقد آتينا موسى
الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى
ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم
استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) (البقرة: 87)
وقوله تعالى:( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل
إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتى النبيون
من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (البقرة: 136).
(3) حرية العقيدة:
إن حرية العقيدة تعنى عدم إلزام شخص على القبول بعقيدة لا يؤمن
بها أو الخروج من عقيدة دخل فيها، كما تعنى عدم جواز إكراه شخص على ممالأة إحدى
الديانات تحاملا على غيرها سواء بإنكارها أو ازدرائها أو التهوين من شأنها والحط
من قدرها.
وحرية العقيدة لا تنفصل عن حرية ممارسة شعائرها وما قضت به من
أحكام لأنهما قسيمان متكاملان ومتلازمان، فهذه الممارسة هى التى تنتقل بالعقيدة من
مجرد الإيمان بها إلى التعبير عن محتواها بتطبيقها، إذ الإيمان كامن فى النفوس
ومحفوظ فى الصدور، والممارسة هى مظهره الخارجى تكشف عنه وتدل عليه، فالتسليم بحرية
العقيدة دون حرية ممارسة أحكامها وشعائرها يعنى إعدام حرية العقيدة بحبسها فى
الصدور، وإذا كانت حرية العقيدة فى شقها الإيمانى الكامن فى النفوس من الأمور التى
يستحيل تقييدها أو وضع ضوابط لها ،فإنها فى شقها المتعلق بممارسة مظاهر الإيمان
تقبل التقييد والتنظيم مراعاة لصالح المجتمع وحماية للديانات الأخرى وحقوق الآخرين
وحرياتهم حتى يتحقق الاحترام المتبادل بين الديانات والحقوق المختلفة. وحرية
ممارسة ما تقضى به الديانة من أعمال وتصرفات يندرج تحتها حرية ممارسة الشعائر
الدينية فى أمور العبادات من صلاة وصوم.... إلخ ، وحريته فى ضبط سلوكه فى المجتمع
فى ضوء ما تأمر به ديانته أو تنهى عنه سواء فى ذلك مأكله وملبسه ومشربه وعلاقاته
الاجتماعية مع الآخرين من زواج وطلاق وبيع.... إلخ، ومن البديهى ألا يؤدى تقييد
الدولة لحرية ممارسة الشعائر الدينية سواء فى العبادات أوالمعاملات إلى القضاء على
أصل هذه الحرية.
ومن المعروف والثابت أن الإسلام قرر حرية العقيدة وكفلها لكل
الديانات السماوية بصورة قاطعة لا تحتمل لبساً ولا تأويلاً، فسبحانه وتعالى يقول:
( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغى فمن يكفر بالطاغوت
ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم) (البقرة:256).
وبذلك قضى الإسلام على التعصب الدينى الذى استشرى فى كل
المجتمعات وجر عليها ويلات كثير من الحروب ولم تتخلص منه البشرية إلا بعد الثورة
الفرنسية وما قررته المواثيق الدولية فى العصر الحاضر من حقوق للإنسان وعلى رأسها
حرية العقيدة.
وأكد القرآن الكريم هذا المبدأ فى عدة آيات منها:
( وقل الحق من
ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر… الآية) (الكهف: 29)
وقوله تعالى:
( ولو شاء ربك
لآمن من فى الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) (يونس: 99).
وإعمالاً لحرية العقيدة فى الإسلام كانت الدعوة إليه بالحسنى،
وهو ما أكده القرآن الكريم فى عدة آيات منها قوله تعالى:
(ادع إلى سبيل ربك
بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتى هى أحسن) (النحل: 125).
ولا يقف الإسلام عند حد تقرير المبدأ بل يمنع كائناً من كان أن
يحاسب الكفار على كفرهم فى الحياة الدنيا بل جعل ذلك من حق الخالق وحده يحاسب عليه
فى الحياة الآخرة، من ذلك قوله تعالى:( وإن ما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك
فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب) (الرعد: 40).
وقوله تعالى:
(ولو شاء الله ما
أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا وما أنت عليهم بوكيل)(الأنعام: 107).
ومن التجنى على الإسلام ما يروجه بعض الباحثين فى الغرب من أن
الإسلام انتشر بقوة السلاح فى أعقاب الفتوحات الإسلامية الكبرى، فوقائع التاريخ
تكذب ذلك. فالإسلام لم ينتشر فى هذه البلاد إلا بعد مضى عدة قرون على الفتوحات
وكانت أهم أسباب انتشاره سماحته ومخالطة المسلمين لغيرهم. والدليل القاطع على ذلك
أنه انتشر فى بلاد لم يفتحها المسلمون نتيجة لمخالطة ومعاشرة المسلمين من التجار وغيرهم، وهو اليوم ينتشر فى بلاد ليس
للمسلمين عليها سلطان. كذلك لا محل للقول بأن الإسلام انتشر بسبب إكراه غير
المسلمين على دفع الجزية فلا يستسيغ العقل أن يتحول غير المسلم إلى الإسلام هروباً
من دفع مبلغ تافه لا يتجاوز دينارين فى السنة. وتتجلى حرية العقيدة بأعلى معانيها
فى بعض العلاقات الخاصة مثل الزواج بين مسلم وكتابية، فبعض المذاهب الإسلامية
(كالشافعية) تحرم على الزوج أن يفاتح زوجته الكتابية فى أمر تحولها إلى الإسلام
ولو بمجرد النصيحة، وبعضها الآخر يحرم على هذا الزوج منعها من ممارسة شعائرها
الدينية بل تلزمه بأن يصاحبها إلى دور عبادتها لأداء هذه الشعائر.
وبعض الباحثين الغربيين ومعهم بعض العلمانيين فى العالم
الإسلامى يتهم الإسلام بالتعصب الدينى المخالف لحرية العقيدة ويتخذ من عقوبة الردة
المقررة فى الإسلام دليلاً على ذلك. وواقع الأمر أن الإسلام- مثله فى ذلك مثل كل
الديانات- يحمى نفسه ضد من يعتنقونه ثم يرتدون عنه. فالمسيحية توقع عقوبة على من
يرتد عنها هى عقوبة الطرد من رحمة الكنيسة ومن أهم آثارها عزله عن المجتمع المسيحى
وتحريم التعامل معه، والحال كذلك فى اليهودية إذ يعاقب المرتد بعقوبة الحرمان
الكبير بعد استتابته ثلاث مرات، وإجراءاته شبيهة بالإجراءات المتبعة فى الردة فى
الإسلام. والاختلاف بين المسيحية من ناحية واليهودية والإسلام من الناحية الأخرى
يرجع إلى أن عقوبة الحرمان تطبقها الكنيسة المسيحية دون تدخل من الدولة بينما
عقوبة الردة تطبقها الدولة فى كل من اليهودية والإسلام لأن طبيعة المسيحية الفصل
بين الدين والدولة ولكنهما يجتمعان فى اليهودية والإسلام.
وعقوبة الردة شبيهة من كثير من الوجوه بعقوبة إسقاط الجنسية
التى تطبقها الدولة الحديثة ضد مواطنيها الذين يرتكبون أفعالاً تمس سلامة المجتمع
وأمنه.
ومقتضى حرية العقيدة تمكين غير المسلمين من أهل الكتاب من أداء
شعائرهم الدينية فى دور العبادة الخاصة بهم والسماح بإقامتها وترميم ما يتهدم
منها، وكتب التاريخ خير شاهد على ذلك سواء فى ذلك ما كتبه المؤرخون المسيحيون
والمؤرخون المسلمون.
ولم يكتف الإسلام بكفالة حرية العقيدة وقسيمتها حرية الشعائر
الدينية فى خصوص العبادات بل تمتد هذه الحماية إلى أحكام المعاملات الواردة فى
الديانات السماوية السابقة على الإسلام كما سنرى.
(4) المساواة بين المسلمين
وأهل الكتاب (لهم مالنا وعليهم ما علينا):
جرى العلماء فى الإسلام على استعمال تعبير العدل للدلالة على
المساواة اشتقاقاً من المعنى اللغوى لكلمة العدل التى تعنى التسوية فى المعاملة،
ويتحدثون عن
العدل بمعانيه العديدة، سياسية
واجتماعية واقتصادية.
وقد تقرر مبدأ المساواة فى عديد من الآيات القرآنية والسنة
النبوية لأنها شريعة سماوية تخاطب البشر أجمعين دونما تمييز بسبب الدين أو اللغة
أو الأصل أو الحرفة أو الطبقة الاجتماعية، ولذلك أمرت بالعدل ونهت عن نقيضه وهو
الظلم، من ذلك قوله تعالى:
( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم
بين الناس أن تحكموا بالعدل) (النساء:58) .
والحديث الشريف يقول: " أحب الخلق إلى الله إمام عادل،
وأبغضهم إليه إمام جائر ".
وإعمالاً لهذا المبدأ أجمع
العلماء على أن جور الحاكم من بين أسباب عزله بل إن بعض المذاهب تجيز الخروج عليه
والثورة ضده بسبب جوره.والأمر بالعدل والنهى عن الظلم
خطاب عام للمسلمين وغيرهم ولذلك حرص الإسلام على أن يفرد بالذكر العدل مع الأعداء،
من ذلك قوله تعالى:
( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا
يجرمنكم شنأن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. 000) (المائدة: 8).
ويمتد الحكم بالعدل إلى المشركين من غير
أبناء دار الإسلام لقوله تعالى:
( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم
أبلغه مأمنه) (التوبة: 6).
وحسن المعاملة ينصرف أيضا إلى أسرى
الحرب لقوله تعالى:
( ويطعمون
الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ) (الإنسان:8).
ومن جماع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية سالفة الذكر صاغ
الفقهاء مبدأً عاماً يقول فى خصوص أهل الكتاب "لهم ما لنا وعليهم ما علينا"
وفى هذا الصدد يفرق العلماء بين العبادات والمعاملات، ففى العبادات يخضع أهل
الكتاب لما يأمر به دينهم ولو كان مخالفاً للإسلام تطبيقا لمبدأ لا إكراه فى
الدين. أما فى المعاملات فإنهم يخضعون لذات الأحكام التى يخضع لها المسلمون
باستثناء ما كان منها مرتبطاً بالدين وهى ما تعرف اليوم بالأحوال الشخصية من زواج
وطلاق وغيره إذ أجاز الفقهاء خضوعهم لما يأمر به دينهم، وكذلك الحال فى أحكام بعض
المعاملات التى يأمر بها دينهم رغم مخالفتها لأحكام الإسلام مثل شرب الخمر وأكل
لحم الخنزير. وهذه الاستثناءات هى فى حقيقتها تطبيق لحرية العقيدة وفى نفس الوقت
فيها خروج على مبدأ إقليمية القانون السائد فى العالم المعاصر حيث يخضع كل الناس
بصرف النظر عن دينهم لقانون البلاد التى يعيشون فيها، وهو ما نؤمل أن تطبقه الدول
المسيحية على المسلمين الذين يعيشون فيها سواء كانوا يحملون جنسيتها أم كانوا من
الأجانب. وقد حاول بعض كتاب الغرب انتقاد الفكر الإسلامى فى خصوص إخضاع غير
المسلمين لأحكام الشريعة الإسلامية بمقولة إن فى ذلك خروجا على حرية العقيدة.
فالواقع أن المسيحية - كما سبق القول- اقتصرت على الجوانب الروحية والأخلاقية
وشئون العبادة وتركت تنظيم الأمور الدنيوية للدولة ومن ثم اختلف القانون المطبق فى
البلاد المسيحية رغم وحدتها الدينية سواء كان مصدر هذا القانون دينيا أو وضعيا.
فتطبيق الشريعة الاسلامية على غير المسلمين لا يمس عقيدتهم ولا يمتد إلى ما أمرت
به المسيحية من تنظيمات دنيوية فى نصوص الأحوال الشخصية وغيرها.
وتطبيقا لمبدأ" لهم ما لنا وعليهم ما علينا"
فإن لأهل الكتاب من غير المسلمين حق حمل جنسية الدولة الإسلامية التى يعيشون فيها،
فهم- حسب تعبير الفقهاء المسلمين- من أهل دار الإسلام أى وطنيون بحسب التعبير
الحديث. وينعمون بالعصمة فى أنفسهم وأموالهم وأعراضهم داخل دار الإسلام مثلهم فى
ذلك مثل المسلمين. وتمتد هذه العصمة إلى الأجانب الذين يفدون إلى دار الإسلام بإذن
دخول ويصفهم الفقهاء بوصف المستأمنين. ولا يوصد فى وجه
أهل الكتاب من الوطنيين باب من أبواب التجارة أو العمل فى الدولة أو لدى الأفراد.
ولهم مثل المسلمين، ممارسة سائر الحقوق الخاصة، حق التملك، حق العمل، حرمة المسكن،
حرية التنقل، الحق فى التعليم والحق فى الضمان الاجتماعى ....... الخ. وتجيز الشريعة الإسلامية الوصية رغم اختلاف
الدين لأن فيها معنى الصلة، وكل الأديان تقوم على التواصل والتراحم. ومن ثم تجوز وصية المسلم لغير المسلم وتجوز وصية غير المسلم
للمسلم. ولذات السبب يصح الوقف من المسلم وغير المسلم
على جهة من جهات البر والخير ويفيد منها المسلم وغير المسلم. وتسمح الشريعة
الإسلامية للمسلم بالزواج من الكتابيات ولكنها لا تسمح للمسلمة بالزواج من
الكتابى. ويتمتع غير المسلم من أهل الكتاب بسائر حقوق القانون العام مثل الحق فى
الترشيح للمجالس النيابية، حق الانتخاب... إلخ وهو ما يجرى عليه العمل فى كل
البلاد الإسلامية فى العصر الحاضر.
وينهى الإسلام عن التعصب الدينى ويأمر بالتسامح مع غير
المسلمين من أهل الكتاب ولا يجيز التطاول عليهم، من ذلك قوله تعالى:
( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتى هى أحسن إلا الذين ظلموا
منهم وقولوا آمنا بالذى أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون ) (العنكبوت: 46)
وقوله تعالى:( قل يا أهل الكتاب تعالوا
إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا )(آل عمران:
64).
كما يأمر الإسلام بالبر بأهل الكتاب فى قوله تعالى:
( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ولم يخرجوكم
من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين ) (الممتحنة:8).
ولذلك أباح الإسلام- على خلاف بعض النظم الوضعية وبعض النظم
الدينية- مخالطة غير المسلمين ومساكنتهم ومؤاكلتهم بل والسماح لهم بالزواج من
الكتابيات وكانت هذه المخالطة أحد أهم أسباب انتشار الإسلام فى الماضى والحاضر ولا
يجوز الالتفات إلى بعض الأحداث الاستثنائية التى أدت إلى مضايقة أهل الكتاب فى دار
الإسلام، فهى فى الغالب الأعم تقع من الأفراد وسرعان ما يتدخل ولى الأمر لوضع حد
لها.
والدولة كانت لا تتدخل وتضيق على غير المسلمين فى زيهم ومركبهم
ومأكلهم وما يشغلونه من وظائف إلا فى ظروف استثنائية كرد فعل لعدوان على المسلمين
فى البلاد الأجنبية كما حدث إبان الحروب الصليبية. وسرعان ما تعود
الأمور إلى مجاريها بزوال الأسباب. ويثور جدل بين
العلماء حول بعض الأمور: تولى غير المسلمين لبعض الولايات (الوظائف العامة)، تولى
غير المسلم القضاء بين المسلمين، شهادة غير المسلم على المسلم، الجزية. يسمح
الإسلام- كما سبق القول- لغير المسلم بشغل سائر الوظائف العامة فى الدولة إدارية
كانت أو سياسية وعلى رأسها منصب الوزارة، ولكنه يستثنى من ذلك المناصب ذات الطابع
الدينى مثل الخلافة والإمارة على الجهاد. وهو أمر طبيعى لأن الإسلام دين ودولة فى
ذات الوقت، والكثرة الساحقة من أبناء دار الإسلام من المسلمين. وبعض الدساتير الحديثة فى الدول المعاصرة المتقدمة،مثل دول
اسكندينافيا تشترط فى رئيس الدولة أن يكون من دين أكثرية السكان.والجزية نظام
معروف فى كل الشرائع القانونية القديمة وسقطت بقيام الثورة الفرنسية. ولكن أسباب
وجوبها وشروطها تختلف فى الإسلام عنها فى هذه الشرائع. ففيها كانت دليلا على
الخضوع والتبعية للدولة الفاتحة، ومن ثم تطبق على كل أبناء البلاد المفتوحة دون
تفرقة بين ذكر وأنثى ودون تفرقة بسبب الدين أو الجنسية ولا يعفى منها إلا أبناء
البلد المنتصر، أما فى الإسلام حسبما انتهى إليه رأى جمهور العلماء فهى تجب على
أهل الكتاب فى دار الإسلام مقابل حقن دمائهم وبديل لنصرة أهل دار الإسلام، أى
مقابل حماية أرواحهم وممتلكاتهم وتوفير الأمان لهم فضلا عن كونها بديلا عن ضريبة
الدم لأنهم كانوا لا يجندون فى الجيش الإسلامى إذ كانت الخدمة العسكرية تطوعية
ولذلك كانت لا تجب الجزية على غير القادرين على حمل السلاح مثل الشيوخ والنساء
والأطفال والرهبان.... إلخ. فهى ليست دليلا على أنهم فى مرتبة أدنى من المسلمين.
ولذلك فسر الإمام الشافعى كلمة الصغار الواردة فى الآية الكريمة:
( حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون
)
(التوبة: 29).
بمعنى جريان حكم الإسلام عليهم، ولذلك تسقط الجزية إذا عجزت
الدولة عن حمايتهم كما تسقط إذا انخرط الشخص برضاه فى الدفاع عن دار الإسلام .
والسوابق التاريخية تدل على ذلك، ومنها المعاهدات العديدة التى تمت بين قواد
الجيوش الإسلامية داخل البلاد المفتوحة من أهل الكتاب إذا قاموا بالدفاع عن البلاد
الإسلامية. ولما كان التجنيد فى العصر الحاضر إجباريا سقطت الجزية لأن الحكم يدور
مع العلة وجودا وعدماً.
وبالنسبة لتولية غير المسلم القضاء بين المسلمين وغير
المسلمين، فقد ذهب جمهور العلماء إلى عدم جوازه باستثناء الحنفية الذين أجازوه بين
غير المسلمين، وفريق من علماء الشريعة المحدثين أجاز تولى أهل الكتاب القضاء بين
المسلمين باستثناء مسائل الأحوال الشخصية، فضلا عن إجازته له فيما بين غير
المسلمين، وهو ما يجرى عليه العمل فى الوقت الحاضر. ونفس
الخلاف يثور بالنسبة للشهادة، ويجرى العمل على قبول شهادة غير المسلم على المسلم
وشهادة المسلم على غير المسلم، كل ذلك باستثناء الأحوال الشخصية بالنظر لصلتها
الوثيقة بالدين.
(5) : موضوعات الحوار بين الأديان:
يتعين علينا أن نحدد الموضوعات التى يتناولها الحوار فى ضوء
الهدف منه، وهو المعايشة السلمية بين الأديان وفى حدود المبادئ والقواعد المرعية
فى المجتمع الدولى وعلى رأسها حرية العقيدة ومبدأ المساواة، وكل ذلك دون المساس
بالأصول الثابتة فى كل ديانة من الديانات السماوية الثلاث إعمالا لفكرة الاحترام
المتبادل بين الأديان ودون المساس بسيادة كل دولة على أراضيها، ولا يتسع المجال
هنا لحصر كل الموضوعات وبيان أوجه الاتفاق والاختلاف، ولذلك سنكتفى بذكر رؤوس بعض
الموضوعات:
أ- أمور العقيدة والعبادة:
من المعروف أن الديانات السماوية تتفق فى جوهر العقيدة ولكنها
تختلف فى مدى اعتراف كل منها بالديانات الأخرى إذ السابقة لا تعترف بما جاء بعدها،
واللاحقة تعترف بما سبقها. ولكن يخفف من آثار ذلك التطبيق الصحيح لحرية العقيدة
ومبدأ المساواة بين الناس دون تمييز بسبب الدين، وإعمال هذين المبدأين يؤدى إلى
حلول التسامح محل التعصب الدينى ويظهر أثر ذلك فى عدم جواز إكراه الناس- بطرق
صريحة أو ملتوية- على اعتناق دين معين وعدم انتقاص حقوق الأقليات الدينية داخل
الدولة سواء كانوا مواطنين أو أجانب فى حدود الحقوق المقررة دوليا للأجانب.
ومقتضى ذلك تمكين الأقليات الدينية من ممارسة شعائرهم الدينية
فى حرية ويسر ويكون ذلك بالسماح لهم بإقامة دور لعبادتهم تتفق مع عددهم، والحفاظ على
ثقافتهم الدينية عن طريق المراكز الثقافية أو تعليم دينهم داخل المدارس الحكومية
أو الأهلية، والتوفيق بين مقتضيات أعمالهم وأدائهم لشعائرهم الدينية فى أوقاتها
المحددة فى ديانتهم من صلاة وصوم وحج وخلافه، ومراعاة أعيادهم وأجازاتهم الدينية
الرسمية، واحترام أحكام دينهم فى المأكل والملبس والمشرب.
ويثور تساؤل فى الدول العلمانية عما إذا كان التسامح فى أمور
العقيدة والعبادة يتنافى مع مبدأ العلمانية الذى يفصل بين الدين والدولة ويترك
أمور الدين لدخيلة النفوس تحت رعاية الكنيسة بعيدا عن الدولة. وواقع الأمر أن هذا
التسامح لا يتنافى مع مبدأ العلّمانية إذ يقتصر أثر هذا المبدأ على عدم إقحام
الدولة نفسها فى الشئون الدينية وعدم السماح للّكنيسة بالتدخل فى الشئون الدنيوية
التى تقوم بها الدولة، بل إن مبدأ حرية العقيدة يلزم الدولة بتمكين المؤمنين بدين
معين من ممارسة شعائر دينهم لمن أراد منهم ممارستها والحال على خلاف ذلك فى الدول
الإلحادية لأن هذه الدول تحارب الدين.
ويثور تساؤل آخر حول ما إذا كان التسامح الدينى يتنافى مع مبدأ
سيادة الدولة على أراضيها وهو مبدأ أساسى فى العلاقات الدولية. ونستطيع أن نؤكد
دون أدنى تردد أنه لا يوجد أدنى تناقض بين مبدأ سيادة الدولة على أراضيها ومبدأ
التسامح الدينى النابع عن حرية العقيدة لأن الدولة بإرادتها هى التى تنظم تطبيق
مبدأ التسامح الدينى، فهى التى تصدر إذنا ببناء دار للعبادة، وهى التى تسمح بتدريس
الدين فى مدارسها أو فى التعليم الخاص..... إلخ.
ويتباين مسلك الدول المعاصرة فى خصوص تطبيق مبدأ التسامح فى
الدول الإسلامية الذى لا يثير أدنى مشكلّة لأنها تطبق مبدأ " لا إكراه فى
الدين " أى حرية العقيدة، ومبدأ " لهم ما لنا وعلّيهم ما علينا
" أى المساواة. وهى مطبقة تطبيقا كاملا- كما سبق أن رأينا- أما الدول المسيحية
فبعضها اعترف بالإسلام حديثاً بعد تزايد عدد المسلمين بأوربا بما يفوق ستين مليون
نسمة، وطبق مبدأ التسامح تطبيقا كاملا أو جزئيا وعلى رأسها الفاتيكان الذى اعترف
بالإسلام كدين منذ عام 1976، وبلجيكا اعترفت به منذ عام 1974 وسمحت بتدريسه فى
المدارس الحكومية للمسلمين، والنمسا اعترفت به منذ عام 1912 وتدرسه بالمدارس
الحكومية، وكندا اعترفت به وتدرسه للمسلمين بمدارسها، وألمانيا تسمح بتدريس
الإسلام للمسلمين منذ عام 1995 رغم أنها لم تعترف به رسميا. وبعض الدول الأوربية
مثل فرنسا وإيطاليا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية، لا تعترف رسميا
بالإسلام بالرغم من كثرة عدد المسلمين بها (ثلاثة ملايين فى أمريكا وأربعة ملايين
فى فرنسا وثلاثة ملايين فى إنجلترا) ولكنها تسمح بتدريسه فى مدارس خاصة بالمسلمين
كما تسمح بإقامة مساجد للمسلمين فضلا عن السماح بنشاط ثقافى إسلامى واسع.
وتزداد فى هذه الدول موجات ثقافة الكراهية للإسلام والمسلمين
وإحياء التعصب الصليبى باسم القومية.
ولعل الحوار بين الأديان ينتهى باعتراف هذه الدول بالإسلام
كدين سماوى وما يترتب على ذلك من إقرار لمبدأ التسامح الدينى. ويزيد من غرابة
الأمر فى هذا النوع من الدول التى لا تعترف بالإسلام كثرة عدد المسلمين بها من
ناحية، وتمتع عدد كبير منهم بجنسية هذه الدول من ناحية ثانية وأثرهم، الواضح فى
المجتمع من ناحية ثالثة. ويزيد من شعور المسلمين بالظلم
والاضطهاد أن هذه الدول تتسامح بصورة مطلقة مع اليهود وتضيق علّى المسلمين.
أما الدولة اليهودية وهى إسرائيل، فإن مسلّكها يتراوح ما بين
التسامح مع العرب المسلمين والمسيحيين والتعصب ضدهم لأن سياسة الدولة حولت
اليهودية إلى صهيونية متعصبة وبعض الأحزاب السياسية بها يقوم على أصول دينية
وبعضها الآخر يقوم على أسس علمانية ولكنه يلّتزم بالمبادئ التى تنادى بها الأحزاب
الدينية ويشركها معها فى الحكم، فاصطبغ نظام الحكم فى إسرائيل بصبغة دينية مستمدة
من التوراة، وقد أدى هذا الوضع إلى انتشار التعصب الدينى لأن الديانة اليهودية-
كما سبق القول- خاصة باليهود وحدهم وتميزهم على غيرهم من أبناء الديانات الأخرى،
ومن أشد الأحزاب تعصبا حزب اللكود والأحزاب الدينية.
(ب) المعاملات:
يواجه الحوار بين الأديان عقبة كبرى تتمثل فى أن كلا من
اليهودية والإسلام يجمع بين الدين والدولة فلا يكتفى بتنظيم الجوانب الأخلاقية
للّمجتمع والجوانب الروحية من عقيدة وعبادة، بل يضيف إلى ذلك أحكاما لتنظيم الشئون
الدنيوية من سياسية وقانونية واقتصادية، ويضع بجانب الجزاء الأخروى جزاء دنيوياً
توقعه السلطة الحاكمة ضد المخالفين دون تمييز بين ما يخص شئون العقيدة والعبادة
وما يتعلّق بالأخلاق وما ينظم الأمور الدنيوية. وبعض الأحكام ورد فى صورة قاطعة
وأبدية لا تقبل التأويل ولا التعديل، وأكثر الأحكام ورد فى صورة مبادئ عامة وقواعد
كلية تقبل الاجتهاد والتغيير فى إطار الروح العامة للشريعة.
وناطت اليهوية تفسير الأحكام الواردة فى الكتب المقدسة بهيئة
دينية مقفلة تتكون بطريقة معينة، وجعلت لتفسيرها قوة إلزامية يمتثل لها الحاكم
والمحكوم. أما فى الإسلام فإن تفسير الأحكام- الواردة فى أدلة الحكم من كتاب أو
سنة أو غيرهما- وشرحها يقوم عليه جماعة يطلق عليهم وصف المجتهدين، وهذه الصفة لا
تتوارث ولا تمنح بقرار من ولى الأمر ولا بالانتخاب من الأمة ولكنها صفة يكتسبها
الشخص، أيا كان لونه أو أصله أو حسبه أو ماله، إذا توافرت فيه شروط علمية محددة.
وليس لآراء المجتهدين صفة الإلزام ما لم تكن محل إجماع
منهم. كما يكتسب رأى المجتهد صفة الإلزام إذا تبناه ولى الأمر، أى السلطة المختصة
بالتشريع، والاجتهاد لا يكون أبدا فى الأحكام القطعية إذ لا اجتهاد مع النص مثل
المواريث، وينحصر دوره فى الأحكام غير القطعية فى إطار الروح العامة للتشريع
الإسلامى، ويعبرون عن ذلك بقولهم " جواز تغير الأحكام بتغير الزمان "
أما المسيحية- كما سبق القول- فهى تفصل بين الدين والدولة وتقتصر رسالتها على أمور
الدين من عقيدة وعبادة فضلا عن الأخلاق الفاضلة. ويقوم على تفسير هذه الأحكام هيئة
مقفلة من رجال الدين ولقراراتها قوة إلزامية ، أما الأمور الدنيوية من سياسة
وقانون واقتصاد وغيرها فهى متروكة للدولة تنظمها وتجازى عن مخالفتها دون تدخل من
الكنيسة، غير أن الكنيسة أقحمت نفسها فى الأمور الدنيوية طيلة العصور الوسطى، ونتج
عن ذلك ظهور ما يعرف بالقانون الكنسى، وهو مازال رافداً من روافد الحضارة الغربية
المعاصرة، ودوره مازال ظاهرا فى مسائل الأحوال الشخصية فى البلاد المسيحية. ويتبين
من كل ذلك أن مفهوم الدين فى المسيحية أضيق منه فى اليهودية والإسلام.
ويثور التساؤل عن كيفية التوفيق بين حرية
العقيدة من جهة ومبدأ العلمانية ومبدأ سيادة الدولة على أراضيها من جهة ثانية.
إن هذا التساؤل لا محل له فى الإسلام ولا فى اليهودية لأن
كلتيهما تعتبر أحكام المعاملات جزءا لا يتجزأ من أحكام الديانة فى الحدود التى أشرنا
إليها. فغير المسلمين يسمح لهم بالسير على هدى ما ورد فى ديانتهم من أحكام ولو
كانت مخالفة للشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك فى مسائل الأحوال الشخصية وبعض صور
المعاملات حسبما أوضحنا من قبل. ولكن الجدل يثور فى البلاد المسيحية حيث يسود مبدأ
العلمانية وهو النظام السائد فى معظم المجتمعات الغربية. وقد سيطر على هذه
المجتمعات اتجاهان: اتجاه يعلى من شأن العقل البشرى ويتنكر للدين أو يتركه لدخيلة
النفوس أو يأخذ منه ما يتفق مع العقل البشرى وواقع المجتمع، وهذا الاتجاه يستمد
أفكاره من التراث الكلاسيكى (الفلسفة الإغريقية والقانون الرومانى) أما
الاتجاه الثانى فإنه يعلى من شأن الدين ويجعل من العقل خادماً مطيعاً للإيمان وهذا
الاتجاه يستمد فكره من التراث المسيحى. وقد تناوب الاتجاهان الغلبة فى حكم
المجتمعات الغربية وانتهى الأمر بسيادة الاتجاه الأول وتجسد فى العلمانية. ووصل
الأمر بهذه المجتمعات إلى حد اعتبار قيم الاتجاه العلمانى من المقومات الأساسية
للمجتمع التى لا تجوز مخالفتها. وتوفيقاً بين أفكار الاتجاه العلمانى الذى تتبناه
الدولة والتراث المسيحى الذى ترعاه الكنيسة ألزمت الدولة من يقيمون على أرضها من
مواطنين وأجانب بتطبيق النظم التى تضعها الدولة فى شئون المعاملات حتى ما كان منها
متعلقا بمسائل الأحوال الشخصية. وتوفيقا بين هذا الاتجاه وحرية العقيدة وحرية
الشعائر الدينية أجازت للناس ممارسة أمور معاملاتهم حسبما تقضى به قواعد الديانة
تحت رعاية الكنيسة دون أن يكون لذلك أثر الزامى أمام القضاء فحدث ازدواج فى نظم
الأحوال الشخصية، زواج مدنى وزواج دينى ، طلاق مدنى وطلاق دينى ... إلخ. وهذا
الازدواج مقصور على بعض موضوعات الأحوال الشخصية لأن المسيحية لم تتعرض للشئون
الدنيوية فلم تضع لها أحكاما على خلاف الحال فى الإسلام واليهودية.
وقد أثار هذا الوضع عدة مشاكل فى المجتمعات الغربية المعاصرة
بعد ما تكاثر عدد الجاليات الإسلامية فيها وحصول كثير من المسلمين على جنسيات هذه
الدول والإنسان المسلم يخاطب بأحكام الإسلام حيثما وجد ولا يجوز له مخالفتها إلا
لحاجة أو ضرورة. وهو ما نؤمل أن يتناوله الحوار بين الأديان بحيث تعامل الدول
المسيحية رعايا الدول الإسلامية من المسلمين بمثل ما يعامل الإسلام وما تسير عليه
الدول الإسلامية مع المسيحيين الوطنيين أو الأجانب ، فالقرآن الكريم يأمر بالحكم
بين اليهود بما ورد فى التوراة ووصف من لم يحكم بما أنزل الله فى التوراة بالكفر:
(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (المائدة: 44).
كما وصفهم بالظلم:
(وكتبنا عليهم فيها) -أى التوراة-...( ومن
لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ) (المائدة: 45).
ونفس الحكم أورده القرآن الكريم بالنسبة للمسيحيين فسبحانه
وتعالى يقول ( وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل الله
فأولئك هم الفاسقون) (المائدة: 47).
وهكذا أعلى الإسلام حرية العقيدة وحرية الشعائر الدينية فى
العبادات والمعاملات على إقليمية القانون.
والمجتمعات الغربية تتسامح مع المسلمين بدرجات متفاوتة فى خصوص
شئون شعائر العقيدة والعبادة ولكنها جميعا لا تسمح بذلك فى خصوص المعاملات سواء ما
تعلق منها بالأحوال الشخصية أو الأحوال العينية مما خلق توتراً بين المسلمين ونظم
الحكم فى البلاد الغربية، ونؤمل أن تكون من موضوعات الحوار فى إطار الاحترام
المتبادل بين الديانات، ومن أهم هذه الموضوعات:
حقوق المرأة وواجباتها:-
ومنها حقها فى العمل وحقها فى التنقل والنظم التى تحكم أهليتها
قبل زواجها وبعده وموانع الزواج وآثاره، ونظام التبنى، ونوع الملبس الذى ترتديه
وشكله، وما يسمى حريتها فى جسدها، وواجب الطاعة نحو زوجها وواجبها نحو أسرتها.....
إلخ. ومن حسن الحظ أن أكثر هذه الموضوعات يتلاقى فيها الفكر الإسلامى مع الفكر
المسيحى. ولكنهما يختلفان عن النظم الوضعية الغربية وقد ظهر ذلك فى المؤتمرات التى
انعقدت مؤخرا فى القاهرة وبكين وتركيا.
نظم المواريث:
وهى تختلّف فى الديانات الثلاث كما أنها تختلّف عن بعض النظم
الوضعية والحال كذلك فيما يتعلق بالنفقة بين الأقارب.
ولذلك يضطر المسلمون فى المجتمعات الغربية إلى التحايل على هذه
النظم عن طريق الوصية أو غيرها.
نظم الزواج والطلاق:
اختلفت النظم القانونية فى هذين الموضوعين منذ القدم سواء فى
ذلك النظم السماوية أو النظم الوضعية، ومن أهم مشاكلها في الوقت الحاضر الزواج
بين ذوى الديانات المختلفة، تعدد الزوجات
وما يقابله فى القوانين الوضعية من تعدد الخطايا ونظم التسرى..... إلخ.
بعض صور الأحوال العينية:
ومنها التعامل بالربا، بيع ا لغرر، بعض صور المعاملات.
خاتمـــــــة:
إن التعايش السلمى بين الشعوب يقتضى بالضرورة التعايش والتسامح
بين الديانات السماوية الثلاث وتقدم
البشرية وسعادتها رهين بتحقيق هذا التعايش وهو ما تأمر
به كل الديانات السماوية. فالمسيحية تأمر بالمحبة بين كل الناس، أصدقاء وأعداء
سمعتم أنه قيل " تحب قريبك وتبغض عدوك، وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم
" إنجيل متى : إصحاح: 5 ". والإسلام يؤكد على التعايش السلمى بقوله
تعالى:
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير) (الحجرات: 13).
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.