كلمة الوفود المشاركة
الأستاذ
الدكتور/ عبد الله بن عبد المحسن التركى
الأمين العام
لرابطة العالم الإسلامى
الحمد لله رب
العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على سيد الخلق وخاتم
الأنبياء، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعه إلى يوم الدين.. وبعد:
فأجدها فرصة للتعبير عن شكر
رابطة العالم الإسلامى، المنظمة الشعبية الإسلامية
العالمية، لفخامة الرئيس محمد حسنى مبارك، رئيس جمهورية مصر العربية على رعايته
لهذا المؤتمر، وشكرها لمعالى الأستاذ الدكتور محمود حمدى زقزوق ، وزير الأوقاف ورئيس
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، على دعوته الكريمة، وحرصه على مشاركة الرابطة فى هذا المؤتمر المبارك، والشكر للأخ الفاضل الدكتور عبد
الصبور مرزوق، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، ولكل من أسهم فى إعداد هذا المؤتمر المبارك.
ولا يخفى ما لأرض الكنانة من
السبق وحسن البلاء فى الدفاع عن الإسلام ونصرة قضايا
المسلمين، بمعرفة وتبصر، وعاطفة إيمانية قوية صادقة.
إن مؤتمر المجلس ينعقد هذا
العام تحت عنوان: "حقيقة الإسلام فى عالم متغير"، وللعنوان دلالته، وللمؤتمر أهميته، ولا ريب أن هذا العنوان قد تم اختياره
استجابة لمقتضيات وضع نعيشه، ومرحلة متميزة نمر بها، وعنوان المؤتمر يدعونا
للتأكيد على الأمور التالية:
الأمر الأول:
أهمية البحث عن الحقيقة فى الحياة الإنسانية، وصيانتها من الالتباس بالباطل والضياع فى ظلماته ، فإن الحق
نور والباطل ظلام، والإيمان معرفة الحق والتصديق به، والإذعان له، كما أن الكفر
إنكار الحق والتكذيب به، والتمرد عليه، وما خاض الناس قديما وحديثا فى فلسفة الوجود والمعرفة إلا بحثا عن الحقيقة الكونية،
واستجابة لمطالب النفس فى إدراكها، إذا صح هذا فإن حقيقة الإسلام تحتل القمة فى تلك الأهمية.
الأمر الثانى:
أهمية الإسلام عقيدة فى القلوب، وعملا بالجوارح، وشريعة فى
الحياة، باعتباره الدين الخاتم الذى ارتضاه الله
لعباده، وتعبدهم به، وأودع رسالته فى الأمة المحمدية
تكريما لها وابتلاء باستحفاظها عليه، وتكليفها بتبليغه
لكل إنسان، حيث يبلغ الليل والنهار.
الأمر الثالث:
أهمية التعرف على العالم الذى يحيط بنا، فهذا العالم يتسابق رواد المعرفة وقادة الأمم
إلى اكتشافه، ومعرفة ما فيه من الخصائص فى الثقافات
والحضارات والعوائد، ولكل وجهة هو موليها فى القصد من
ذلك، ونحن المسلمين يجب أن يكون قصدنا الرئيسى من معرفة
هذا العالم واكتشاف ما فيه: هو كيفية إيصال دعوة الحق إليه، وتبليغ رسالة الإسلام
صافية مشرقة إلى كل إنسان لينعم بها فى الدنيا ويسعد
بها فى الآخرة.
الأمر الرابع:
أهمية معرفة التغير، والحاجة
إلى الفقه فيه، والتغير سنة المخلوقات كلها، حتى إن البعض درج على صياغة الدليل
على وجود الله بالتأليف القياسى التالى:
كل متغير حادث، وكل حادث مخلوق، والعالم متغير، فهو إذن حادث، وبالتالى
هو مخلوق يفتقر بالضرورة إلى خالق.
ونرجع إلى حقيقة الإسلام وما
لها من أهمية فى هذا العصر، بل وفى كل عصر، وكيف تجب
المحافظة عليها من دون زيادة ولا نقصان فى هذا العالم
المتغير فئ كثير من عناصره.
إن الإسلام منذ نزوله، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، محفوظ بحفظ
الله له: ( إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون ) (سورة الحجر: 19 )
ليس توجها سياسيا يتغير
بتغير المصالح والموازين الدولية، بل منظومة من الأحكام الإلهية، تنتظم حياة
المسلم وعلاقاته بغيره، وعلاقات مجتمعه بالمجتمعات الأخرى فى
مختلف الظروف والبيئات.
والإسلام فى أسسه ومنطلقاته يدعو المسلمين
إلى تطوير مناهجهم، ومواجهة الحركة المتسارعة فى حياة الإنسان فى ظل الاكتشافات
الجديدة، وتجاوز الحواجز من قبل الإعلام والثقافات المتناقضة مع الإسلام.
بل يوجب على المسلمين
استغلال تقدم الاتصالات وفتح الحدود، ليس لتلقى ثقافات الآخرين، ونقل عاداتهم
ومفاهيمهم، بل للاستفادة مما لديهم من إيجابيات، وللتأثير فيهم
وإطلاعهم على مخزوننا الحضارى الإنسانى
الراقى.
أيها الإخوة:
يجب علينا أولا أن نعزز
الإيمان فى نفوسنا: بأن ديننا محفوظ بأسباب، ليس
لنا فيها من دخل ولا حظ، إلا
معرفتها والتمسك بأهدابها، وأذكر فى هذا السياق كلاما
بليغا لشيخ الإسلام العلامة ابن تيمية- رحمه الله- حيث قال: " إن الدين كان
محفوظا فى الأمم من قبلنا بإرسال الرسل إليهم، وإنزال
الكتب عليهم، فبذلك يحفظ الدين من التحريف، وتصان معالمه من الطمس. ولما انقطعت
النبوة والوحى بهذه الرسالة الخاتمة، فلا نبى بعد محمد صلى
الله عليه وسلم ، ولا كتاب بعد القرآن، أودع الله فى
هذه الأمة من الخصائص ما يكون عوضا لها عما انقطع فيها من الوحى،
فعوضها عن إرسال الأنبياء بالإجماع، وهو
عبارة عن عصمة كلمتها الموحدة، وعوضها عن إنزال الكتب بحفظ كتابها من التحريف،
وجعل حجته بالغة إلى يوم القيامة.
ولا يخفى أن حركة التغيير فى العالم لم تقتصر على الجوانب المادية، ولكنها تجاوزتها إلى
التأثير فى معتقدات الإنسان، وفصله عن حضارته وقيمه، أى إن مجالات التغيير اتجهت إلى قضايا الدين والثقافة والقيم.
والعالم الإسلامى
على وجه الخصوص مستهدف من القوى المعادية، وفى مقدمتها المؤسسات الصهيونية، لإحداث
التغيير فيه، وإحداث التأثير فى حياة
المسلمين، تحت شعارات هلامية، أحيانا باسم مكافحة التطرف، وأحيانا باسم محاربة
الإرهاب، وغير ذلك من المخترعات الاصطلاحية.
فما الواجب المحتم
علينا- نحن المسلمين- تجاه ذلك؟
إن إيماننا لا يتزعزع بأن
الإسلام خاتم الأديان، وأنه سبيل إنقاذ البشرية، وإقامة العدل فيها، وردها إلى
المحبة والسلام والتعاون، وأنه يمقت التمييز العنصرى،
والظلم والعدوان، ولكن المشكلة تكمن فى عدم معرفة
العالم الآخر بذلك، وصعوبته، فى ظل تراكمات مئات
السنين، ومؤسسات متخمة بالصور المشوهة، وتأجيج الحقد والكراهية ضد الإسلام وأمته.
إن علينا- باعتبارنا أصحاب
رسالة- أن نصبر ونصابر، ونسعى بكل ما أوتينا
من قوة للحفاظ على هذا الدين
فى دياره، وبين أبنائه، وفى عرضه على الآخرين، كما جاء
من رب العالمين، وأن لا يتطرق إلينا- حكاما ومحكومين- شك بأن النيل من إسلامنا،
وضعفنا فى الدفاع عنه ونشره، هو التخلف الحقيقى لعالمنا وانهزامنا أمام أعدائنا.
لقد أصبحنا نقف من إسلامنا فى العديد من المؤتمرات والمناسبات موقف الدفاع عنه، وذب
الشبهات عن معينه الصافى، وذلك جزء من الواجب، وليس هو الواجب كله، إذ
هناك واجب آخر، هو القيام بنشر حقائق هذا الدين بين جميع الناس، بما يكافئ العصر
من الوسائل والأساليب، وتقصيرنا فى هذا الجانب بالغ
وكبير، ونحن معذورون فى أسبابه الموضوعية التى لا يد لنا فيها، ولكننا مسئولون عن الأسباب الذاتية التى تنشأ من داخل الأمة وكيانها. ومع- ذلك لا تنكر الجهود التى تبذلها جهات عديدة فى
مستوياتها الرسمية والشعبية، سواء فى الدعوة إلى الإسلام، أم فى الدفاع عن حقيقته، ولكن النقد الذاتى واجب إذا كان يحقق معنى النصيحة والإرشاد إلى ما هو
أفضل.
أيها الإخوة:
إن رابطة العالم الإسلامى عقدت مؤخرا مؤتمرها الإسلامى
العام الرابع فى رحاب مكة المكرمة- أقدس بقعة فى الأرض- شارك فيه أكثر من خمسمائة من علماء المسلمين
ودعاتهم ومسئوليهم، وخلص إلى نتائج من أهمها ضرورة تنسيق الجهود الإسلامية الرسمية
والشعبية، وتكوين هيئة عليا لذلك، وتكوين ملتقى عالمى
لعلماء المسلمين، لتدارس القضايا ذات الاهتمام الكبير فى
حياة الأمة الإسلامية، وفى مقدمتها إفرازات عصر العولمة وتوجهاتها تجاه المسلمين.
وإنى باسم الرابطة
أشكر لمصر العربية جهودها فى هذه المجالات، وأدعو
المجلس الأعلى للشئون الإسلامية فيها، وأزهرها وعلماءها
إلى مزيد من التنسيق والتعاون المثمر، وهى دعوة مخلصة لكل المؤسسات والجهات
الإسلامية الرسمية والشعبية فى العالم الإسلامى والأقليات المسلمة.
إن الواجب كبير، والمهمة
عظيمة، ولابد من معالجة ما تواجهه الأمة بالحكمة الإسلامية، وببصيرة وافية من
العلم، والإحسان فى مخاطبة الآخرين، والسعى الصادق لإيصال رسالة الإسلام إليهم: (قل هذه سبيلى أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى
وسبحان الله وما أنا من المشركين ) (سورة يوسف:
108 ) وأدعو الله العلى القدير أن يوفق المشاركين فى
هذا المؤتمر إلى تحقيق أهدافه فى التعريف بمقاصد
الإسلام، وقدرته على مواجهة الأحداث، والتأثير فى حياة
البشر، فقد جاء رحمة لهم : ( وما أرسلناك
إلى رحمة للعالمين ) (سورة الأنبياء: 107 ).
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته..،،