خصائص الحضارة الإسلامية
مقارنة بالحضارات
الأخرى
وآفاق المستقبل
الأستاذ الدكتور/ عبد العزيز بن عثمان التويجرى
المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم
والثقافة
"إيسيسكو"
مدخل
تعد الدراسة المقارنة للحضارات فرعا جديدا من فروع العلوم الإنسانية، يلتقى
فيه علم الاجتماع مع علم التاريخ، ومع علم الفلسفة، ومع الآداب فى حقولها
المختلفة.
وشأنها فى ذلك شأن علم مقارنة الأديان الذى لم تعرفه المدرسة الغربية إلا
حديثا، بينما عرفته الثقافة العربية الإسلامية من قبل، وظهرت فى هذا العلم كتب
كثيرة هى من الأمهات التى لا تضاهى، والتى تعرف بكتب الملل والنحل والفرق.
ولئن كان ابن خلدون فى مقدمته قد وضع أسس علم العمران البشرى، الذى تطور
فيما بعد إلى أن عرف بعلم الاجتماع وبفلسفة التاريخ، فإننا يمكن أن نعد صنيع ابن
خلدون فى هذا الحقل العلمى فى القرن الثامن الهجرى، تأصيلا مبدئيا للدراسات
الحضارية المقارنة، بمفهومها العام وفى مرحلتها الأولى، قبل أن يوضع لها المنهج
الذى يقعد القواعد، ويؤصل المفاهيم، ويرسم الحدود بين هذا الصنف من الدراسات وبين
غيرها من الدراسات الإنسانية الحديثة.
ولعل مما يؤكد ما نذهب إليه فى هذا السياق، أن الجامعة المصرية التى تأسست
فى عام 1908 ـ جامعة فؤاد الأول فيما بعد،
ثم جامعة القاهرة اليوم- التى يشهد لها بالريادة فى الدراسات الجامعية الأكاديمية
المعاصرة، لم تعرف مقررا دراسيا تحت هذا المسمى
ولذلك يمكن اعتبار إنشاء قسم للغات الشرقية فى جامعة القاهرة، فى مطلع
أربعينيات القرن العشرين، على يد الدكتور عبد الوهاب عزام، البداية الأولى لظهور
هذا الفرع من التخصص الأكاديمى، لما لدراسة اللغات الشرقية من صلة وثيقة بالدراسة
المقارنة للحضارات التى تمثلها تلك اللغات، والتى هى روافد تصب فى نهر الحضارة
الإسلامية العظيم.
ولعل الدراسة المقارنة للحضارات من حيث هى فرع من فروع العلوم الإنسانية
الحديثة، هى الأقرب إلى مجال دراسة التحولات الاجتماعية والثقافية والفكرية فى
مجتمعات إنسانية متقاربة المنزع، متجانسة الميول، مترابطة حلقات التفاعل البشرى فى
مرحلة زمنية محددة، أو فى عصور من التاريخ متطاولة، على اعتبار أن الحضارة هى
عصارة هذه التفاعلات والتحولات فى ميادين الإبداع الإنسانى، على اختلاف مناحى هذا
الإبداع.
وتشترك الحضارات- على أى حال- فى نقطة واحدة، مدارها أنها نوع آخر، غير نوع
المجتمعات البدائية، وهذه المجتمعات أكثر عددا بكثير من الحضارات، لكنها- أفراداً-
أقل عددا من أفراد الحضارات بكثير(1).
ومن هنا يأتى خطأ فكرة وحدة الحضارة التى وصفها أرنولد توينبى بالضلال،
والقائلة بأن ثمة حضارة واحدة هى الحضارة الغربية (2) وتلك عنصرية حضارية، إن صح
التعبير.
الحضارة اصطلاحا:
لئن كانت تعريفات مصطلح (الحضارة) قد تعددت تبعاً للمدارس الفكرية التى
تصدر عنها، فإن التعريف الأوفى تعبيراً عن المعنى العام للفظ (الحضارة )هوأنها
تعبير عن منظومة العقائد والقيم والمبادئ، وجماع النشاط البشرى فى شتى حقول الفكر
و العلوم والآداب والفنون جميعاً، لا فرق بين فن وآخر، وما يتولد عن ذلك من ميول
ومشارب وأذواق تصوغ نمطاً للسلوك، وأسلوباً للحياة، ومنهجا للتفكير، ومثالا يحتذى
ويقتدى به ويسعى إليه.
ولقد تطور مصطلح الحضارة من عصر إلى آخر؛ فابن خلدون يعرف الحضارة بقوله
"إنما الحضارة هى تفنن فى الترف، وإحكام الصنائع المستعملة فى وجوهه (أى
الترف) من المطابخ والملابس والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله، فلكل
واحد منها صنائع فى استجابته والتأنق فيه تختص به ويتلو بعضها بعضاً، وتتكثر
باختلاف ما تنزع إليه النفوس من الشهوات والملاذ والتنعم بأحوال الترف ؛ وما تتلون
به من العوائد، فصار طور الحضارة فى الملك يتبع طور البداوة ضرورة ؛ لضرورة تبعية
الرفه للملك "
(3).
ويذهب ابن خلدون إلى أن الحضارة هى أحوال عادية زائدة على الضرورى
من أحوال العمران، زيادة تتفاوت بتفاوت الرفه وتفاوت الأمم فى القلة
والكثرة تفاوتاً غير منحصر(4).
ثم ينتقل ابن خلدون فى التعريف بالحضارة إلى مستوى أرقى، فيقول: إن الملك
والدولة غاية للعصبية، وإن الحضارة غاية للبداوة، وإن العمران كله من بداوة وحضارة
وملك وسوقة (جمهور) له عمر محسوس كما أن للشخص الواحد من أشخاص المكونات عمرا
محسوساً (5). وهذا ما يؤكد نظرية تعاقب الحضارات التى كان ابن خلدون أسبق من
فلاسفة أوروبا ومفكريها إلى تأصيلها، ثم جاء المؤرخ البريطانى أرنولد توينبى،
فبلورها وصاغها صياغة حديثة صارت اليوم من المسلمات فى علم فلسفة التاريخ.
ويقول ابن خلدون أيضاً: إن الحضارة هى سن الوقوف لعمر العالم فى العمران
والدولة (6).
أما ابن الأزرق، فيسوق تعريفاً للحضارة يقول فيه: "إن الحضارة هى
النهاية
فى أكمل العمران الخارج به إلى الفساد، والغاية فى الشر البعيد عن الخير،
ومن سلم من ذلك فلا خفاء فى قربة من الخير"(7).
وبالانتقال
إلى العصر الحديث: نجد أن مصطلح الحضارة عرف تطوراً نوعياً، إذ يقول المؤرخ
الأمريكى ديورانت فى موسوعته الضخمة (قصة الحضارة) المترجمة إلى العديد من لغات
العالم: "إن الحضارة نظام اجتماعى يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه
الثقافى، وإنما تتألف الحضارة من عناصر أربعة: الموارد الاجتماعية- النظم
السياسية- التقاليد الخلقية- متابعة العلوم والفنون، وهى (الحضارة) تبدأ حيث ينتهى
الاضطراب والقلق " (8).
وبهذا المعنى، فإن الحضارة أعمق دلالة وأرحب أفقأ وأبعد مدى فى التعبير عن
الروح التى تسرى فى مجتمع من المجتمعات، وهى بذلك أعم من (الثقافة) التى هى إلى
الجوهر والهوية والخصوصية أقرب منها إلى المظهر والمخبر والطابع العام للحياة
الإنسانية فى بيئة اجتماعية ذات خصوصيات ومميزات تصطبغ بها، أو كما قال
توينبى"الحضارة تشمل.. ولا تشملها غيرها" (9). واستناداً إلى هذا
المفهـوم، فإن الحضارة تنشأ من تفاعل ثقافات متعددة المشارب، ويشارك فى صياغة ملامحها
وتشكيل خصائصها شعوب من أعراق شتى، تنتمى إلى ثقافات متنوعة، تصب جميعها فى مجرى
عام تتشكل منه الحضارة.
والحضارة لا طابع عرقى لها، وهى لا ترتبط بجنس من الأجناس، ولا تنتمى
إلى شعب من الشعوب، على الرغم من أن الحضارة قد تنسب إلى أمة من الأمم أو
إلى منطقة جغرافية من مناطق العالم على سبيل التعريف ليس إلا، بخلاف الثقافة التى
هى رمز للهوية، وعنوان على الذاتية، وتعبير عن الخصوصيات التى تتميز بها أمة من
الأمم، أو يتفرد بها شعب من الشعوب.
فالحضارة هى وعاء لثقافات متنوعة تعددت أصولها ومشاربها ومصادرها، فامتزجت
وتلاحقت، فشكلت خصائص الحضارة التى تعبر عن الروح الإنسانية فى إشراقاتها
وتجلياتها، وتعكس المبادئ العامة التى هى القاسم المشترك بين الروافد والمصادر
والمشارب جميعاً.
ولكل حضارة مبادئ عامة تقوم عليها، تنبع من عقيدة دينية، أو
من فلسفة وضعية، حتى وإن تعددت العقائد والفلسفات، فإن الخصائص المميزة للحضارة،
تستمد من أقوى العقائد رسوخاً،
وأشدها تمكناً فى القلوب والعقول، ومن أكثرها تأثيراً فى الحياة العامة، بحيث
تصطبغ الحضارة بصبغة هذه العقيدة، وتنسب إليها، فتكون النسبة صحيحة، لصحة المبادئ
التى تستند إليها، ومثال ذلك الحضارة الإسلامية.
والحضارات الكبرى التى عرفها تاريخ البشرية تتفاوت فيما بينها فى موقفها من
المادية والروحية، فمنها ما يغلب عليه الجانب المادى، ومنها ما يغلب عليه الجانب
الروحى، ومنها ما يسوده التوازن بينهما (10).
فهى إذن، سلسلة متعاقبة من الحضارات التى تخلى المجال كل واحدة منها لما
سوف يتلوها من حضارة أخرى، مما جعل البعض يذهبون إلى القول بوجود التماثل والتطابق
بين الكثير من هذه الحضارات (11).
مفهوم الحضارة الإسلامية:
الحضارة الإسلامية هى نتاج لتفاعل ثقافات الشعوب التى دخلت فى الإسلام،
سواء إيماناُ وتصديقاً واعتقاداً، أو انتماء وولاء وانتساباً، وهى خلاصة لتلاقح
هذه الثقافات والحضارات التى كانت قائمة فى المناطق التى وصلت إليها الفتوحات
الإسلامية، ولا نصهارها فى بوتقة المبادئ والقيم والمثل التى جاء بها الإسلام
هداية للناس كافة.
والحضارة الإسلامية نوعان:
النوع الأول: حضارة إسلامية أصيلة
وتسمى حضارة الخلق والإبداع، وقد كان الإسلام مصدرها الوحيد، وعرفها العالم لأول
مرة عن طريق الإسلام،
والنوع الثانى: حضارة قام بها المسلمون فى الأمور التجريبية امتداداً
وتحسيناً، كما عرفها الفكر البشرى من قبل، وتسمى حضارة البعث والإحياء (12).
فالحضارة الإسلامية بهذا المفهوم الجامع الشامل العميق، هى إرث مشترك بين
جميع الشعوب والأمم التى انطوت تحت لوائها، وشاركت فى بنائها، وأسهمت فى عطائها،
وهى الشعوب والأمم التى كونت وشائج الأمة الإسلامية ونسيجها المحكم.
فليست الحضارة الإسلامية حضارة جنس معين فتكون بذلك حضارة قومية تنتمى إلى
قوم مخصوصين، ولكنها حضارة جامعة شاملة للأجناس والقوميات جميعاً التى كان لها
نصيبها فى قيام هذه الحضارة، ودورها فى ازدهارها وتألقها، وفى امتداد تأثيرها
ونفوذها إلى العالم الذى كان معروفاً خلال القرون التى سطع فيها نجمها، واتسع
إشعاعها، وامتد نفوذها.
خصائص الحضارة الإسلامية:
ولكل حضارة جسم وروح، كالإنسان تماماً، فجسم الحضارة يتمثل فى منجزاتها
المادية من العمارات والمصانع والآلات، وكل ما ينبئ عن رفاهية العيش ومتاع الحياة
الدنيا وزينتها، أما روح الحضارة فهو مجموعة العقائد والمفاهيم والآداب والتقاليد
التى تتجسد فى سلوك الأفراد والجماعات، وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ونظرتهم إلى الدين
والحياة، والكون والإنسان، والفرد والمجتمع (13). ومن تلك العناصر تتشكل خصائص
الحضارة الإسلامية.
وتتفرد الحضارة الإسلامية بخمس خصائص تكسبها الطابع المميز لها بين
الحضارات الإنسانية المتعاقبة فى الماضى وفى الحاضر على السواء، وهى: الخاصية
الاولى: أنها حضارة إيمانية، انبثقت من العقيدة الإسلامية، فاستوعبت مضامينها،
وتشربت مبادئها، واصطبغت بصبغتها، فهى حضار توحيدية انطلقت من الإيمان بالله
الواحد الأحد، البارئ المصور، مبدع السماوات والأرض، الأول والآخر، الباطن
والظاهر، خالق الإنسان والمخلوقات جميعاً، هى حضارة من صنع البشر فعلاً، ولكنها
ذات منطلقات إيمانية ومرجعية دينية، كان الدين الحنيف من أقوى الدوافع إلى قيامها
وابداعها وازدهارها.
الخاصية الثانية: أنها حضارة إنسانية المنزع عالمية فى آفاقها وامتداداتها،
لا ترتبط بإقليم جغرافى، ولا بجنس بشرى، ولا بمرحلة تاريخية، ولكنها تحتوى جميع
الشعوب والأمم، وتصل آثارها إلى مختلف البقاع والأصقاع، فهى حضارة يستظل بظلالها
البشر جميعاً، ويجنى ثمارها كل من يصل إليه عطاؤها. فالحضارة الإسلامية قامت على
أساس الاعتقاد بأن الإنسان أهم
مخلوقات الله، وأن جميع الأنشطة البشرية لابد وأن تؤدى إلى سعادته
ورفاهيته، وأن كل عمل يقصد به تحقيق هذه الغاية، هو عمل فى سبيل الله، أى عمل
إنسانى فى المقام الأول.
الخاصية الثالثة: أنها حضارة معطاء؛ أخذت واقتبست من
الحضارات والثقافات الإنسانية التى عرفها شعوب العالم القديم، وأعطت عطاء زاخراً
بالعلم والمعرفة والفن الإنسانى الراقى، وبقيم الخير والعدل والمساواة والفضيلة
والجمال، وكان عطاؤها لفائدة الإنسانية جميعا، لا فرق بين عربى وعجمى، أو أبيض
وأسود، بل لا فرق بين مسلم وغير مسلم، سواء أكان من أتباع الديانات السماوية
والوضعية، أم ممن لا دين لهم من أقوام شتى كانوا يعيشون فى ظل الحضارة الإسلامية.
الخاصية الرابعة: أنها حضارة متوازنة وازنت بين الجانب
الروحى وبين الجانب المادى، فى اعتدال هو طابع من طوابع الفكر الإسلامى، وميزة من
مزايا الحضارة الإسلامية فى كل العصور، فلا تفريط ولا إفراط، ولا غلو بغير وجه حق،
ولا اندفاع فى تهور، وإنما هو الاعتدال الذى هو من صميم العدالة التى تقام فى ظله
موازين القسط.
الخاصية الخامسة: أنها حضارة باقية بقاء الحياة على
وجه الأرض، تستمد بقاءها من الإسلام الذى قامت على أساس مبادئه، وقد تكفل الله
تعالى بحفظ الدين الحنيف. وهى بذلك حضارة ذات خصوصيات متفردة، فالحضارة الإسلامية
لا تشيخ لتنقرض، لأنها ليست حضارة قومية، ولا هى بعنصرية، ولا هى ضد الفطرة
الإنسانية، والإسلام لا يتمثل فى المسلمين فى كل الأحوال، لأن المسلمين قد يضعفون
ويقل نفوذهم ويتراجع تأثيرهم، ولكن الإسلام لا يضعف ولا يقل نفوذه ولا يتراجع
تأثيره، وهى بذلك حضارة دائمة الإشعاع، تتعاقب أطوارها وتتجدد دوراتها.
وهذه الخصائص الخمس تكتسب طابع الديمومة والاستمرار، من مبادئ الدين
الحنيف، لأنها نابعة منها، ولصيقة بها، وهى بذلك بمثابة الجوهر النفيس الذى لا
يتبدل ولا يتغير، وإن تبدلت الأحوال، وتجاذبت المجتمعات الإسلامية نوازع القوة
والضعف، والسطوع والأفول، والتماسك والانهيار.
لقد قادت الحضارة الإسلامية مسيرة العلم والمعرفة فى القرون الوسطى التى
تعدها أوروبا عصور الظلام، بينما هى عصور التنوير فى تاريخ أمتنا.
وحسبنا أن نشير فى هذا السياق إلى أن جورج سارتون قسم فى كتابه
Introduction to the history of science)) النشاط العلمى على مدى التاريخ،
إلى فترات تستمر كل منها نصف قرن، وذكر اسم شخص يرمز لكل نصف قرن على مستوى
العالم، فمن سنة 750 إلى سنة 1100م، على مدار 350 سنة، كان كل العلماء الرامزين من
العالم الإسلامى: جابر بن حيان، والخوارزمى، والرازى ، و المسعودى، وأبو الوفاء،
والبيرونى، وعمر الخيام، كانوا مسلمين، عرباً وأتراكاً وأفغاناً وفرساً، نبغوا فى
علوم الكيمياء والرياضة والطب والجغرافيا والطبيعة والفلك. وفى سنة 1100م، ولمدة
250 سنة أخرى، ابتدأ اشتراك الأوروبيين مع علماء العالم الإسلامى، أمثال ابن رشد،
والطوسى، وابن النفيس، وفى تلك الفترة قامت النهضة الأوروبية الحديثة التى بدأت
بترجمة علوم العالم الإسلامى ودراستها والإضافة إليها، حتى يومنا هذا، وتلك هى
الحقيقة التاريخية التى يشير إليها ويؤكدها العالم العربى المسلم المقيم فى
ألمانيا، الدكتور محمد منصور الذى اختير من بين ألفى شخصية عالمية تركت بصماتها
على الحياة الإنسانية خلال القرن الماضى بمبادرة من جامعة كمبردج (14).
وإذا كانت الحضارة فى مفهومها العام، هى ثمرة كل جهد يقوم به الإنسان
لتحسين ظروف حياته، سواء أكان المجهود المبذول للوصول إلى تلك الثمرة مقصوداً أم
غير مقصود، وسواء أكانت الثمرة مادية أم معنوية (15). فإن الحضارة الإسلامية هى
ثمرة جهود الأمة الإسلامية جميعاً، وعبر العصور التى بذلتها فى تحسين الحياة و
إسعاد الإنسان.
!ذا كانت الحضارة هى رد فعل الحاجات
البشرية، فإن الحضارة الإسلامية استجابت لهذه الحاجات جميعاً فى جميع العصور،
وكانت هى حضارة العالم دون منازع لعقود كثيرة، وبذلك تكون الحضارة الإسلامية هى صاحبة
الفضل فى إرساء حجر الأساس للحضارة الأوروبية الحديثة حيث أسهمت بكنوزها فى الطب
والصيدلة والكيمياء والرياضيات والفيزياء فى الإسراع بعصر النهضة، وما صحبه من
إحياء للعلوم المختلفة لم يقف عند حدّ، بل انطلق حتى أثمركثيراً، ولا يزال يثمر
إلى اليوم.
واقع الحضارة الإسلامية:
واقع الحضارة الإسلامية اليوم لا يعبر عن المكانة التى ينبغى أن تتبوأها
الأمة الإسلامية، ولكن مع ذلك لا يسيغ لنا هذا الوضع، أن نحكم على الحضارة
الإسلامية بالانهيار، لأننا بذلك سنكون مندفعين مع الأحكام الارتجالية وغير
منصفين، وأبعد ما نكون عن الدقة فى وصف الحال.
إن ثمة العديد من الأدلة والقرائن على بطلان النظرية التى تقول بانهيار
الحضارة الإسلامية، أو سقوطها، أو اضمحلالها بتراجع الأمة الإسلامية عن مواصلة
أداء دورها فى إغناء الحضارة الإنسانية الحديثة.
ولقد كان المفكر المصرى فؤاد محمد شبل الذى ترجم (مختصر دراسة للتاريخ)
لأرنولد توينبى، من الأوائل الذين فطنوا إلى الدلالة العميقة لمعنى انهيار
الحضارات، حيث يقول: "إن الانهيار لا يعنى تماماً أن المقصود به نهاية مرحلة
الارتقاء، إذ لا يشير التاريخ إلى أية حدود لفترة الحياة الممكنة لمجتمع، وإن نهاية
فترة الارتقاء التى هى حادث طبيعى فى تاريخ الكائن الحى، هى حادث غير طبيعى فى
تاريخ المجتمع. وقد استخدم توينبى اصطلاح (الانهيار) للدلالة على هذا المعنى،
وسيتبين أنه عندما يستخدم الاصطلاح بهذا المعنى، فإن طائفة من أهم الأعمال المثمرة
النيّرة والمشهورة فى تاريخ حضارة ما، قد جاءت فى أعقاب الانهيار، أو بالفعل-
نتيجة له "
(16).
وهذه رؤية عميقة بعيدة المدى إلى طبيعة الحضارات الإنسانية المتعاقبة، ننظر
من خلالها إلى واقع الحضارة الإسلامية اليوم فى آثارها ونتائجها وإمداداتها.
إن التأمل العميق فى واقع العالم الإسلامى اليوم- مع تجاوز الأحداث العابرة
والمتغيرات الآنية واختراق المظاهر السطحية- يُفضى بنا إلى نتائج قد تبدو غير
متفقة مع طبائع الأشياء الظاهرة، ومع منطق الأحداث الجارية، ولكننا إذا سلمنا بأن
مصير الحضارات لا يرتبط بالوقائع التاريخية فى فترات زمنية محدودة، ولا يتقرر هذا
المصير وفقأ للنتائج المترتبة على مضاعفات الأزمات التى تلم بالمجتمعات، نستطيع أن
نصل إلى الاقتناع بأن الحضارة الإسلامية فى هذه المرحلة من التاريخ، هى فى حالة
تأهب حضارى للانطلاق نحو استئناف دورة حضارية جديدة مع الألفية الثالثة، يؤكد ذلك
كله الإرهاصات التى نشاهدها على أكثر من مستوى، والتفاعلات العميقة التى تعيشها
الأمة الإسلامية، والتى لابد وأن تنتهى إلى مبادرات إيجابية ستكون حاسمة فى تقرير
مصير العالم الإسلامى، بل نستطيع أن نقول عنها جازمين واثقين، إنها ستكون حاسمة فى
تقرير مصير العالم كله.
إن الضعف العام الذى يعانى منه العالم الإسلامى فى مجالات كثيرة، وانخفاض
معدلات النمو الذى يطبع الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى معظم المجتمعات
الإسلامية، هو ضعفُ عارض، وهو مرحلة عابرة لن تطول، ستعقبها مراحل أخرى، لأن تلك
هى سنة الكون وطبيعة الحضارات، ولأن جذور الحضارة الإسلامية لا تزال سليمة محافظة
على عناصرها الحية، والمسلمون هم المسؤولون اليوم عن إنعاش هذه الجذور وإحيائها
بضخ دم جديد فى شرايين الحضارة الإسلامية، حتى تستأنف دوراتها، وتواصل عطاءها،
وتقوم بدورها فى إنقاذ الحضارة الغربية التى تعانى من أزمات شديدة لا سبيل إلى
معالجتها وتجنب البشرية كوارثها المحتملة، إلا بتطعيمها بمبادئ الحضارة الإسلامية
ذات الروح الإيمانية والنزعة الإنسانية والرؤية المستقبلية.
الحضارات الكبرى المعاصرة:
يتفق الباحثون فى مجال الدراسات الحضارية بشكل عام، فى تحديدهم للحضارات
الرئيسة القديمة منها والحديثة، لكنهم غالباً ما يختلفون فى عدد هذه الحضارات ومن
خلال النظر فى العناصر الثقافية الأساسية التى تعرف الحضارة، يمكن لنا الحديث عن
ست حضارات رئيسة معاصرة، هى: الحضارة الإسلامية، الحضارة الغربية، الحضارة
الهندية، الحضارة الصينية، الحضارة اليابانية، حضارة أمريكا اللاتينية، ولكل واحدة
من هذه الحضارات سماتها وخصوصياتها التى تجعلها متفردة فى جوانب كثيرة عن غيرها من
الحضارات، وقد تشترك هذه الحضارات فى سمات وخصائص معينة، هى من طبيعة الروح
البشرية المجبولة على الفطرة السليمة أساساً.
وحيث إننا تحدثنا فيما سبق عن الحضارة الإسلامية وخصائصها، فإننا نعرض فيما
يلى للحديث بتركيز واختصار، عن الحضارات الخمس الأخرى المعاصرة، وهى:
ا- الحضارة الغربية:
تقوم الحضارة الغربية المعاصرة على ركائز فكرية ممتدة الجذور إلى عهد
اليونان والرومان، ومن سمات الفكر الغربى وخصائصه خمس سمات فصلها الدكتور يوسف
القرضاوى فى استيعاب وتركيز بارعين، على النحو التالى:
ا- الغبش فى معرفة الألوهية: فليست رؤية الفكر الغربى الذى قامت
عليها الحضارة الغربية، رؤية صافية تقدر الله حق قدره، إنما هى رؤية غائمة مضطرية.
2- النزعة
المادية: وهى التى تؤمن بالمادة وحدها لتفسير الكون والمعرفة والسلوك، وتُنكر
الغيبيات، وكل ما وراء الحس.
3- النزعة
العلمانية: وهى من ثمار الخصيصتين السابقتين ولوازمهما، وهى تلك النزعة التى
تفصل بين الدين والحياة الاجتماعية.
4- الصراع: فهى
حضارة تقوم على الصراع، لا تعرف السلام ولا الطمأنينة ولا الحب، إنه الصراع بين
الإنسان ونفسه، وصراع الإنسان والطبيعة، وصراع بين الإنسان والإنسان، وصراع أيضا
بين الإنسان والإله
5- الاستعلاء
على الآخرين: وهى نزعة تسرى وتتحكم فى عقول الغربيين كافة، فهم يعتبرون أنهم
أفضل من غيرهم، وأن الحضارة الغربية
هى الحضارة الإنسانية، ولا يعترفون بحضارة سواها (17).
وتلك هى السمات التى تطبع الحضارة الغربية، سواء فى عهدها القديم، أو فى
عصورها الحديثة.
الجوانب الإيجابية للحضارة الغربية:
ويقتضى منا الإنصاف أن نقول ابتداء: إن الحضارة الغربية لا تخلو من جوانب
إيجابية تنفع الإنسانية، ففى هذه الحضارة فوائد كثيرة للإنسان فى حاضره ومستقبله،
كما أن لها آثاراً إيجابية تلتقى فيها مع جوانب مشرقة عديدة من الحضارة الإسلامية.
لقد استطاعت الحضارة الغربية بوساطة تقدم العلوم الرياضية والطبيعية
وتطبيقاتها التكنولوجية- أن تمنح الإنسان قدرات وإمكانات لم يمنحها أحد قبله، وما
كان يحلم بها فى نوم، أو يجول بها خياله فى يقظة، وأن توفرله بذلك وسائل وأدوات
وأشياء لم تكن تتهيأ لأحد من قبل. لقد اختصرت الحضارة
الغربية للإنسان المسافات، فقرَّبت له المكان، ووفرت له الزمان، عن طريق المواصلات
الحديثة، وتطوير هذه الوسائل بصورة مستمرة حتى غدا العالم قرية كبرى. لقد وفر عصر
الصناعة الأول بواسطة الآلة (المجهود البدنى) للإنسان، ثم جاء عصر الصناعة الثانى،
الذى أصبحت فيه الالة توقر (المجهود الذهنى) للإنسان، إنه عصر الحاسوب أو
(الكومبيوتر) الذى بات يقوم بعمليات معقدة هائلة وقد دخل الحاسوب الحياة العلمية
الإسلامية، فدخل فى علوم القرآن، وفى علوم الحديث، وفى اللغة وعلومها وآدابها، وفى
غير ذلك من العلوم الإسلامية (18).
وميزة هذه الحضارة أنها لا تقف جامدة، إنها تنتقل من طور إلى طور، وأعطت
الإنسان الحوافز التى تدفعه إلى الابتكار والإنتاج، وصنعت له المناخ النفسى
والعقلى الذى يشجعه على المضى، وهيأت له الإدارة الحسنة التى تساعد على إتقان
عمله، فتكافئ المحسن، وتعاقب المقصّر والمنحرف، كما هيأت له مجتمعاً ترعى فيه حرية
الإنسان الفرد وحقوقه الفطرية، وتُصان فيه حرماته فى مواجهة حكم الظلام، وبهذا شعر
الإنسان بكرامته وقيمته، وتحرر من الخوف والذل، فأنتج وأحسن وأفاد
(19).
هذه هى الجوانب الحسنة فى الحضارة الغربية، وكلها تتعلق بالوسائل والأدوات
والآلات التى يستخدمها الإنسان، وهى سلاح ذو حدين: يمكن أن تستعمل فى الخير، وأن
تستعمل فى الشر. وتًقارُب العالم الذى عبروا عنه بالقرية، ليس خيرا محضا، بل ربما
جلب وراءه شراًكثيراً، فهذه حضارة الوسائل والآلات، لاحضارة المقاصد والغايات.
أما الجوانب السيئة فى الحضارة الغربية، فهى تلك التى لا تتفق والتعاليم
الدينية والأخلاقية الفاضلة، والمبادئ الإنسانية المشبعة بهذه التعاليم وتلك
الأخلاق، وهى التى تهدد الحضارة الإنسانية بأوخم العواقب، وتتسبب فى الأزمات
والنزاعات والتطاحنات، وتذكى الصراع بين الدول، وتقوى نوازع الشر فى بنى البشر،
وتفسد تقدم العلوم والمعارف وازدهار الآداب والفنون، وتقوَّض دعائم الحضارة من
الأساس.
2- الحضارة الهندية:
الحضارة الهندية فى أصولها البعيدة لم تنشأ على ضفاف أنهار الهند الشمالية،
بل قامت على أساس عناصر من الحضارة السومرية نقلت إلى هناك، ونمت فى البيئة
الهندية، ثم تأصلت هناك وازدهرت مرة بعد مرة، وأصبحت من حضارات التاريخ الكبرى.
وقامت الحضارة الهندية أساساً على عبادة هندية تدور حول آلهة أسطورية، وتدعو إلى
مبادئ أخلاقية قريبة مما كانت تدعو إليه البوذية، وازدهرت فيما بين سنتى 375 و 475
بعد الميلاد على وجه التقريب.
وهذه الحضارة الهندية- أو حضارة
الجوبتا- قضت عليها بدورها قبائل الهون التى اجتاحت الهند ووسط آسيا كما اجتاحت
أوروبا، ومعنى ذلك أن الحضارة الهندية قامت على حضارات أقدم فأقدم، تتوالى واحدة
فوق الأخرى، كما هو الحال فى الحضارات الكبرى.
وهذه الحضارات الهندية المتعاقبة كلها قامت على أسس مشتركة، يبدو أن اتساع
شبه الجزيرة الهندية وتباين البيئات الطبيعية والجغرافية فيها قد فرضاها، فهى كلها
لم تكن حضارات عمل بقدر ما كانت حضارات تأمل وسكون (20). وعلى
نحو أو آخر، فإن الهندوسية كانت دائما عاملاً أساسياً بالنسبة لثقافة شبه القارة
الهندية منذ سنة 1500 ق. م. إلى سنة 400 م.
ونخلص من ذلك إلى أن الحضارات الهندية القديمة قامت على التفكير التأملى
الذى يتجه إلى الزهد فى الدنيا ويهون من شأنها، ويحث على الزهد فيها وقد تعرض
البيرونى لذلك كله، وانتقده نقداً شديداً فى كتابه عن الهند المسمى (تفصيل ما
للهند من مقولة مقبولة فى العقل أو مرذولة) (21).
وتشكل الهند اليوم بحضارتها المعاصرة قوة عالمية تنمو باطراد، وتسعى إلى
المشاركة بقوة فى صنع السياسة الدولية والتأثير فى مجرياتها.
3- الحضارة
الصينية:
يرجع عمر الحضارة الصينية إلى نحو ألفى سنة، وتجد كما وجدنا فى حالة الهند،
أن القواعد الحضارية المادية والمعنوية التى تقوم عليها كل حضارات الصين، كانت قد
استقرت على نحو ما فى الفترة من 786 1- 223 1 قبل الميلاد، حيث كان الصينيون فى
هذا العصر- رغم اختلاف أصولهم- ينظرون إلى أنفسهم على أنهم الشعب الوحيد الجدير
بالاحترام والتقدير على وجه الأرض، وكل من عداهم فهمج لا قيمة لهم.
وتتميز حضارة الصين عن غيرها من الحضارات بأنها حضارة صينية خالصة
لم تتلق من المؤثرات الأجنبية إلا القليل، لأن الصين لم تخضع لسلطان أجنبى
يحدث تغيراً أساسياً فى تكوينها الحضارى إلأ مرتين، الأولى عندما حكمها المغول،
والثانية فى العصر الحديث، فأما الغزوة المغولية، فقد تركت آثاراً عميقة فى
التكوين الحضارى للصين، ولكن هذه الآثار تلاشى معظمها مع الزمن، وأما فى العصر
الحديث، فقد كان الغزو الغربى عنيفاً وعميقاً، فزعزع الأسس التقليدية التى قام
عليها بناء المجتمع الصينى التقليدى (22) وتعتبر الكونفوشية أحد المكونات الأساسية
فى الحضارة الصينية، كما أن كون الصين اليوم دولة كبرى بشرياً ومادياً، يؤهلها
لاحتلال مكانة متميزة فى الساحة الدولية، ويجعل منها منافساً للدول الكبرى فى
التأثير على رسم السياسات الكونية.
4- الحضارة
اليابانية:
على الرغم من أن بعض الباحثين فى تاريخ الحضارات يضمون الثقافتين الصينية
واليابانية تحت عنوان حضارة الشرق الأقصى، ويعتبرونهما حضارة واحدة، إلا أن كثيرين
منهم يعتبرون اليابان حضارة مستقلة لها خصائصها المتميزة، وإن كانت فى أصولها
البعيدة منحدرة من الحضارة الصينية، واليوم نرى اليابان تشكل مجتمعاً حضارياً
متقدماً فى مجالات الحياة المختلفة، محافظة على هويتها ولغتها، ومنافسة للغرب فى
المجالات العلمية والصناعية.
5- حضارة أمريكا
اللاتينية:
تُعد حضارة أمريكا اللاتينية المعاصرة مزيجا من تفاعل حضارات الأنديك
والأنكا والمايا والأزتك القديمة، مع تأثيرات الحضارة الأوروبية التى امتزجت فى
مجتمعات دول أمريكا اللاتينية، وصبغتها بصبغتها المسيحية الكاثوليكية، ويبدو هذا
التفاعل ظاهرا فى الفنون والآداب والموسيقى والعادات الاجتماعية وطرز البناء، ويرى
كثير من الباحثين أن أمريكا اللاتينية تشكل فرعاً متميزا من الحضارة الغربية لا
يتطابق فى كثير من جوانبه، مع التيار الغربى الصرف المتمثل فى أمريكا الشمالية
وأوروبا الغربية.
وهكذا نرى أن الحضارات طبقات يلى بعضها بعضا، كل حضارة من الحضارات الكبرى
والصغرى تُخفى تحتها حضارة سابقة عليها.، ثم أخرى، وهكذا حتى بداية قصة الحضارة فى
مكان ما.
وتلك هى ظاهرة تعاقب الحضارات التى كان ابن خلدون سباقاً إلى تسجيلها فى
مقدمته.
الحضارة الغربية والحضارات
الأخرى:
من المغالطات التى يقع فيها طائفة من المفكرين فى الغرب، إطلاق صفة
(الإنسانية) على الحضارة الغربية، وقصر لفظ (الحضارة) عليها دون غيرها من الحضارات
الأخرى، وتلك نزعة استعلائية تطبع الحضارة الغربية بصورة عامة. والحق أن الحضارة
الغربية هى جزء من الحضارات الإنسانية التى يعرفها العالم فى هذا العصر، ولا يمكن
أن تُمحى هذه الحضارات جميعا، أو يقع تجاوزها إرضاءً لنزعة الاستعلاء والهيمنة
التى تسود الطبقات الحاكمة، والفئات المفكرة والمثقفة فى الغرب. ذلك أن العالم
اليوم يعرف حضارات كثيرة، فى آسيا،
وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية، ومن بينها الحضارة الإسلامية التى تستقل
بعناصر قائمة الذات، وتنفرد بخصائص تميزها عن غيرها.
إن القرار الذى اتخذته الجمعية العمومية للأمم المتحدة بجعل سنة 2001سنة
الحوار بين الحضارات يقطع الخط على دعاة مركزية الحضارة الغربية، ويدمغ الدعوى
العريضة التى يرددها بعض المفكرين الغربيين، ويدحض المزاعم العنصرية التى يروجون
لها، ولذلك، فإن القول بمركزية الحضارة الغربية وادعاء انفرادها بقيادة العالم،
يخالفان القانون الدولى، بقدر ما يصادمان الفطرة الإنسانية، ويتناقضان مع حقائق
التاريخ والجغرافيا.
ومن هنا كانت الدعوة إلى الحوار بين الحضارات فى عالم اليوم، دعوة حكيمة
عاقلة، ومنهجاً رشيداً فى السلوك الإنسانى، ومستوى رفيعاً من التعامل على صعيد
العلاقات الدولية.
والحضارة الإسلامية هى الأجدر اليوم بحمل رسالة الحوار، لما تتميز به من
خصائص إيمانية وإنسانية لا تتوفر لدى الحضارات الأخرى.
الحضارة الإسلامية فى الحواربين الحضارات:
إن الخصائص التى تتميز بها الحضارة الإسلامية لا تعزلها عن مجرى الحضارات
الإنسانية الأخرى، وإنما هى عناصر قوة تحفز إلى الحوار، وتدفع نحو التعايش، مما
يجعل للحضارة الإسلامية مركز ثقل وقوة جاذبية يوجهانها نحو التفاعل مع الحضارات،
الذى من شأنه أن يؤدى إلى التلاقح، الذى ينتج عنه ما نسميه بالتجديد الحضارى.
وأعتقد أن للحضارة الإسلامية رسالة ومسؤولية ودوراً فى التجديد الحضارى على
الصعيد الإنسانى بصورة عامة، فهذه الحضارة هى وحدها التى تمتلك اليوم العناصر
الحيوية التى يتطلبها هذا التجديد للحضارات الإنسانية القائمة: لأنها حضارة الأمة
الإسلامية المطبوعة بطابع الإسلام رسالة رب العالمين إلى البشرية جمعاء فى كل زمان
ومكان، إلى أن تقوم الساعة.
إن الهدف من كل الجهود الحضارية هو النهوض بالإنسان نفسه، فإذا بقى على
جهالته ووحشيته وضلالته انتكس وتدهور، فما قيمة الرقى المادى فى ذاته (23).
والحضارة الغربية لم تفلح، حتى الآن، فى تحقيق هذا الرقى الإنسانى فى ظل الإيمان
واليقين فى قدرة الله خالق الكون، الذى يجلب الطمأنينة والسكينة والإحساس بالأمن
العقلى والوجدانى. بينما الحضارة الإسلامية قامت - ولا تزال- على هذا العنصر
الحيوى، فهى حضارة إيمانية إنسانية فى الصميم، وفى مقاصدها وغاياتها.
إن الحضارة الإسلامية هى التى تُضفى البعد الدينى لفكرة التقدم، فلا يبقى
التقدم لمجرد التقدم، وإنما تتحدد الغاية من التقدم فى الرقى الإنسانى الذى يشبع
فى الإنسان غرائزه الخيرة وأشواقه إلى السلام، والانسجام مع الكائنات والتعاون مع
أخيه من أجل الخير والفضيلة والجمال.
ولكن الحضارة الإسلامية ليست فكرة مثالية، أو شعاراُ
مذهبياً أو مشروعاً
لم ينفذ ، أو تصورا لما يمكن تحقيقه، إنها واقع معيش، يحياه المجتمع
الإسلامى، واشترك فى صنعه الإنسان المسلم وغير المسلم ممن يعيش فى كنف المجتمع
الإسلامى، ويشكل جزءا لا يتجزأ منه، ولذلك فإن المسلمين هم الذين يصنعون الحضارة الإسلامية،
وهم الذين يصوغون مستقبلها، وهم الذين يحمونها ويحددون مصيرها.
وتلك هى مسؤولية الأمة الإسلامية فى
الحاضر والمستقبل، وتلك هى رسالة الحضارة الإسلامية.
رؤية مستقبلية إلى الحوار بين
الحضارات:
لقد صدرت الدعوة إلى الحوار بين
الحضارات من العالم الإسلامى، حيث كان الرئيس الإيرانى السيد محمد خاتمى فى فترة
رئاسته لمنظمة المؤتمر الإسلامى، أول من اقترح على الأمم المتحدة، أن تتبنى الفكرة
وتعلن سنة دولية للحواربين الحضارات، وبناء على هذا الاقتراح أصدرت الجمعية العامة
للأمم المتحدة قرارا بجعل سنة 2001 (سنة الأمم المتحدة للحوار بين الحضارات) وكان
للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة- إيسيسكو- دور مهم فى تنفيذ العديد من
الأنشطة حول الحوار بين الحضارات ممثلة للعالم الإسلامى، بناء على قرار صادر عن
المؤتمر الإسلامى لوزراء الخارجية (24 ) ولقد اهتمت المنظمة الإسلامية للتربية
والعلوم والثقافة، منذ وقت مبكر، بقضايا الحوار بين الحضارات، وكان لها دورها
المتميز بحكم اختصاصها ورسالتها، فى بلورة مفهوم جديد، متكامل ومتوازن، متماسك
ومنسجم للحوار فى مستوياته الثلاثة:
-
الحوار بين الحضارات.
-
الحوار بين الثقافات.
-
الحوار بين الأديان.
وقامت المنظمة الإسلامية للتربية
والعلوم والثقافة بتأصيل علمى لمفهوم الحوار، من خلال منهج تاريخى استقرائى، قادها
إلى نتيجة مفادها أن مفهوم الحوار فى الفكر السياسى والثقافى المعاصر، من المفاهيم
الجديدة حديثة العهد بالتداول، فليس الحوار من ألفاظ القانون الدولى، إذ لا يوجد
له ذكر أصلاَ فى ميثاق الأمم المتحدة، ولا فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، ولا
فى العهد الدولى الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولا فى العهد الدولى الخاص
بالحقوق المدنية والسياسية، ولا فى إعلان مبادئ التعاون الثقافى الدولى. وتأسيساً
على ذلك، فإن الحوار مفهوم سياسى أيديولوجى ثقافى حضارى، وليس مفهوماً قانونياً.
ويكتسب الحوار فى تراثنا الثقافى
والحضارى معنى عميقاً، يدل على قيم ومبادئ هى جزء أساسى فى الثقافة والحضارة
الإسلاميتين، فالحوار قيمة من قيم الحضارة الإسلامية، وهو موقف فكرى وحالة
وجدانية، وهو تعبير عن أبرز سمات الشخصية الإسلامية السوية.
وفى رؤية
الإيسيسكو، يستند الحوار إلى أسس ثابتة، وضوابط محكمة، ويقوم على منطلقات ثلاثة:
- الاحترام المتبادل.
- الإنصاف والعدل.
-
نبذ التعصب والكراهية.
وانطلاقاُ من رؤية الإيسيسكو إلى
الحوار، واستناداً إلى مفهومه الحضارى الذى أسهمت فى تأصيله، فإن الحوار الذى يحقق
الأهداف الإنسانية العامة، والذى يمكن أن يكون موضع الاهتمام من العالم الإسلامى،
لابد وأن يسير فى هذه الاتجاهات الثلاثة.
أولأ: ربط أهداف الحوار بالمصالح العليا
للأمة الإسلامية، بحيث لا يقع أى تعارض بين الأهداف المرسومة لأى حوار بين
الحضارات والثقافات، يشارك فيه الجانب الإسلامى، وبين القضايا الرئيسية التى تجتمع
حولها إرادة الأمة الإسلامية، والتى تعبر عنها قرارات منظمة المؤتمر الإسلامى،
سواء تلك التى تتخذ على مستوى القمة، أو على المستوى الوزارى.
ثانيأ: الاتجاه بالحوار نحو الجانب
الإنسانى، فلا يبقى دائراً حول القضايا الفكرية والعقائدية التى لا تنفع طرفاً من
الأطراف، ويدخل ضمن ذلك تحديد الموقف الإيمانى الخالص من حقوق الإنسان، ومحاربة
الظلم والعدوان، والاضطهاد، والإفساد بكل أشكاله، بحيث يقع الحرص دائماً على إصدار
بيانات مشتركة فى أعقاب كل جولة للحوار تحدد مواقف أهل الإيمان مما يجرى فى العالم
من انتهاكات لحقوق الإنسان فى كل مكان، ومما يقوم به الظالمون والمعتدون والمفسدون
فى الأرض من بغى ومنكر، من وجهة نظر الحق والعدل والقيم الدينية المشتركة، وليس فقط
من وجهة النظر السياسية والقانونية الوضعية، ومصالح الأقوياء وذوى النفوذ فى
العالم.
ثالثا: التنسيق بين أطراف الجانب الإسلامى
فى كل ما يتعلق بالحوار بين الحضارات والثقافات، بحيث تقوم الجهة الإسلامية
الرسمية أو الشعبية التى تدخل فى حوار على هذا المستوى بإبلاغ كل الجهات، أو أهمها
وأكبرها وأوسعها نشاطاُ وحضوراُ فى ساحة العمل الإسلامى العلمى والفكرى
والثقافى،بموضوعات الحوار، وبموعده، وبالأهداف المرسومة له، وبالجهة التى تنظمه،
حتى يمكن الانضمام إليه والمشاركة فيه، لمن أراد وتوفرت له الأسباب.
فإذا تمكن القائمون بشؤون الحوار بين
الحضارات فى العالم الإسلامى من التحكم فى مساره" وفق هذا المنهج، أمكن
الوصول إلى نتائج إيجابية تخدم فى المقام الأول، المصالح العليا للأمة الإسلامية
وقضاياها، وتعزز الجهود المبذولة على مستويات كثيرة للدفاع عن هذه المصالح ولنصرة
هذه القضايا، وتدعم العلاقات الدولية وتُغنيها، وتُسهم فى إقرار الأمن والسلم
والاستقرار فى العالم، وترفع من شأن قيم الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى، وبمبادئ
التعايش بين بنى البشر كافة (25).
خلاصة:
لقد أثبتت الحضارة الإسلامية عبر
عصورها المتطاولة وخلال دوراتها المتعاقبة، أنها حضارة متجددة، تساير التغيرات،
وتتكيف مع التطورات، وتنفتح على الحضارات الإنسانية جميعا وقد عرف المسلمون بُناة
الحضارة الإسلامية فكرة التقدم، التى هى محتوى التجدد المستمر والتجديد المتواصل،
وأسهموا فى تأصيلها، وعملوا على تجسيدها فى حياتهم العملية. ولما دخل العالم
الإسلامى فى طور التراجع الحضارى، ونكص المسلمون عن العمل بفكرة التقدم، التى هى
من صميم المبادئ الإسلامية، انعكس هذا الوضع على الحضارة الإسلامية، فتقلصت
ظلالها، وضعفت آثارها، ولكنها احتفظت بعناصرها، ولم تنل تقلبات الدهر من خصائصها،
بحيث كان وضع الحضارة الإسلامية انعكاساً لأوضاع المسلمين فى العالم، على اعتبار
أن الأمة الإسلامية هى صانعة الحضارة الإسلامية وحاضنتها، فإن تراجعت الأمة عن خط
التقدم وضعف شأنها، كان التراجع والضعف مصير حضارتها. وتلك قاعدة مطردة، لأنها من
سنن الله فى الكون، لا سبيل إلى تبديلها.
واليوم والعالم الإسلامى يتطلع إلى
استئناف دوره فى إغناء الحضارة الإنسانية، ويسعى إلى تدارك ما فاته من تقدم فى
جميع المجالات، فإن الحضارة الإسلامية
أخذت فى الانبعاث، وبشائر هذا
الانبعاث تتبدى حتى فى هذه الحلكة من الضباب المتكاثف الذى يلف العالم كله، ويكاد
يحجب الرؤية السليمة إلى ما يضطرب به هذا العالم من أحداث متلاحقة، ومن متغيرات
يتخذ بعضها بتلابيب بعض.
إن الحضارة الإسلامية هى حضارة الغد
يقيناً، نستمده من يقيننا فى قدرة الله تعالى وعظمته وهيمنته على الإنسان والحياة
والكون، ومن وعد الله لعباده المؤمنين، لأن الأمة الإسلامية لن تبقى رهينة وضعها
الحالى، ولن يدوم هذا الوضع طويلا، لأن دوامه واستمراره فى خط التراجع، يتعارضان
وطبائع الأشياء وسنن الحياة البشرية، ولكن على المسلمين أن يتضامنوا تضامناً قوياً
متماسكاً، وأن تتضافر جهودهم ، ليصنعوا حضارة إسلامية جديدة، تكون ملاذاً
للإنسانية جمعاء تظللهم بقيمها السمحة، وتعاليمها الفاضلة.
إن عودة الحضارة الإسلامية إلى
استئناف دورها فى إغناء الحضارة المعاصرة، ضرورة إنسانية، وفريضة دينية، ورسالة
حضارية، ومسؤولية الأمة الإسلامية فى حاضرها ومستقبلها.
المراجع
(1)
أرنولد توينبى، مختصر دراسة للتاريخ. ج ا، ص 21، ترجمة فؤاد محمد شبل، مراجعة محمد
شفيق غريال، الإدارة الثقافية فى جامعة الدول العربية، القاهرة 1966م.
(2)
المصدر نفسه.
(3)
عبد الرحمن بن خلدون، المقدمة، ص 548، تحقيق وتعليق وشرح
د. على عبد الواحد وافى، دار نهضة مصر، القاهرة.
(4)
المصدر نفسه.
(5)
المصدر نفسه.
(6)
المصدر نفسه، ص 893.
(7)
ابن الأزرق، بدائع السلك فى طبائع الملك ج ا، ص 73. دراسة
وتحقيق د. محمد بن عبد الكريم، ليبيا- تونس، الدار
العربية للكتاب 1976م
(8)
ديورانت، قصة الحضارة، ج ا، ص 3.
(9)
توينبى، مختصر دراسة للتاريخ. ص 155.
(10)
د. يوسف القرضاوى، الإسلام... حضارة الغد، ص 15، مكتبة
وهبة، القاهرة، 1995م
(11) د. عبد الرحمن خليفة، د. فضل
الله محمد إسماعيل، فى الإيديولوجيا والحضارة والعولمة. ص 274، مكتبة بستان المعرفة، كفر الدوار، مصر، 2001م.
(12)
د. أحمد شلبى، موسوعة الحضارة الإسلامية ج ا، ص: 50، مكتبة النهضة المصرية
القاهرة. 1987.
(13)
د. يوسف القرضاوى، المصدر السابق.
(14)
د. عبد العزيز بن عثمان التويجرى، تقديم كتاب (بناة الفكر العلمى فى الحضارة
الإسلامية)، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة. الرباط، 3002م.
(15)
د. حسين مؤنس، الحضارة: دراسة فى أصول وعوامل قيامها وتطورها، ص 15، العدد ا (تكرر
فى العدد 237 من سلسلة (عالم المعرفة)، الكويت 998 1.
(16)
فؤاد محمد شبل مترجم كتاب (مختصر دراسة للتاريخ) لتوينبى، ج ا، هامش الصفحتين
457،458
(17) د. يوسف القرضاوى، المصدر السابق،
ص 13- 23.
(18)
د. يوسفا القرضاوى، المصدر السابق، ص 30.
(19)
المصدر نفسه.
(20)
د. حسين مؤنس، المصدر السابق، ص 225- 226.
(21)
المصدر السابق، ص 227.
(22)
د. حسين مؤنس، المصدر السابق، ص 232.
(23)
المصدر السابق، ص 348.
(24)
الدورة السابعة والعشرون، باماكو، مالى، يونيو، 2000.
(25)
الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجرى، رؤية الإيسيسكو إلى الحوار بين الحضارات،
ضمن (الكتاب الأبيض حول الحوار بين الحضارات)، ص 97- 99، نشر المنظمة الإسلامية
للتربية والعلوم والثقافة، ومنظمة المؤتمر الإسلامى، الرباط 2002م