الصفحة الرئيسية

تنزيل برامج

القرآن الكريم
الموسوعة القرآنية
الحديث الشريف
شرح الحديث الشريف
جامعة الأزهر
موسوعة الفتاوي
شبهات المشككين
مفاهيم إسلامية
مساجد مصر
موسوعة الفقه
أعلام المسلمين
المخطوطات

منبر الإسلام



   المؤتمرات /المؤتمر الرابع عشر : حقيقة الإسلام فى عالم متغير
 
مستقبل ا

مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة

 الأستاذ الدكتور/ بوعبد الله غلام الله

وزير الشئون الدينية والأوقاف

الجزائر

إنها لمناسبة سعيدة تتاح لى لأشترك مع معاليكم فى أعمال المؤتمر العام الرابع عشر للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، برئاسة الأستاذ الدكتور/ محمود حمدى زقزوق معالى وزير الأوقاف، الذى أشكره جزيل الشكر على الدعوة الكريمة، التى سمحت لى بالوقوف اليوم أمامكم، لأسهم بهذه المداخلة فى إثراء موضوع "مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات المعاصرة". ويطيب لى أن أنوه فى البداية بحسن اختيار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية للمحور الذى تدور حوله موضوعات هذا الملتقى المبارك، ألا وهو "حقيقة الإسلام فى عالم متغير".

أيها السادة الكرام:

ما من شك فى أن أى تصور لمستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية المعاصرة لابد من أن ينطلق أصلا من الوضع الحضارى الراهن بين هذين القطبين، وذلك لرصد مختلف التناقضات التى تسهم فىتشكيل كل من هذين الوضعين الحضاريين المتميزين- من جهة- ولرصد الخلفية العقيدية والفكرية والثقافية التى شكلت نظرة كل منهما للآخر، ومن ثم موقفه منه وتصوره لمستقبل علاقته معه، من جهة ثانية.

فهناك إذن- من الناحية المنهجية- مسائل مترابطة لا يمكن رسم ملامح العلاقة المستقبلية هذه من دون التطرق إليها ، منها واقع الحضارة الغربية وتناقضاتها، وموقف هذه الحضارة من الإسلام، والوضع الحضارى للمسلمين، ومصالحتهم للذات واستكمال شروط النهوض الحضارى، ثم تصور طبيعة علاقتهم مع غيرهم.

أيها السادة الكرام:

لقد بات معروفاً أن الحضارة الغربية تتميز بروح الهيمنة، وهذا ما جعلها تفرز تناقضات صارخة بين ما تعلنه من مبادئ وترفعه من شعار وبين نفوذها فى الواقع وتأثيرها السلبى المنافى لتلك المبادئ المعلنة.

وهذه الروح لها ما يفسرها فالغربيون كانوا يقولون إنهم ورثة الحضارة اليونانية الإغريقية، والآن أصبحوا يقولون إنهم ورثة الحضارة اليهودية المسيحية، والمعنى الضمنى لهذا التغير هو إضفاء طابع الرسالة على هذه الحضارة أى أن لها بعداً دينيا سماويا وهذا البعد هو الذى يشكل الخلفية العقيدية للفكر الغربى الذى يتبنى اليوم فكرة إخضاع الحضارات الأخرى لنموذج واحد هو النموذج الغربى؟ وبخاصة منها الحضارة الإسلامية.

فالحضارة الغربية تلغى التعددية الكونية التى هى سنة الله فى الخلق؟ فلا تعترف بالآخر ثقافيا وإعلاميا واقتصادياً لأن هدفها الوحيد هو تصدير النمط الغربى الليبرالى بقيادة أمريكا.

يكفى أن نرجع إلى مختلف الإعلانات المعاصرة من مثل حقوق الإنسان، حقوق الطفل، حقوق المرأة.. وما إلى ذلك كلها إعلانات تريد أن تكون عالمية وما هى فى الواقع إلا تعبير عن النظرة الغربية، ولم تأخذ أبداً فى عين الاعتبار نظرة الحضارة الإسلامية فى الموضوع.

الحضارة الغربية المادية- كما يقول المفكر الفرنسى المسلم رجاء جارودى "أستاذ فى تعليم الإنسان كيف يعيش، لكنها عاجزة عن تعليمه لمن يعيش ولماذا يعيش؟!".

لقد جعلت هذه الحضارة من الإنسان الغربى عملاقاً ضخماً بفضل تقدمها المذهل فى مجال الكشوف العلمية والعلوم التكنولوجية ولكن معنى وجوده أصبح محورا فى صراعين: صراع مع غيره فى المجال المادى الاقتصادى، وصراع مع نفسه فى المجال الفكرى العقدى.

لقد مكنته التكنولوجية المتطورة من القدرة على تسخير الكون والطبيعة، لكنها فى موازاة ذلك أورثته فلسفة اليأس والإحساس بالضياع وعبثية الحياة، كما نفخت هذه القوة فى غروره فوسع دائرة تفوقه العلمى التكنولوجى إلى دائرة العقائد والأفكار والقيم فنصب نفسه مشرعاً وحكماً وحامياً، فى نزعة استعلائية إقصائية عنيدة ، يتبنى هو ثقافة الحرب والغزو والهيمنة العسكرية والحضارية ويؤكد فى الوقت نفسه أن قدر الآخر هو التشبع بفلسفة السلام والإذعان والتبعية، أما ثقافة الكرامة الإنسانية التى تدعو إلى إقامة العدل بين الناس أفراداً وجماعات، شعوباً وأمماً وإلى احترام الخصوصيات العقدية والثقافية وإلى التعارف والتعاون فإنه لا يقيم لها وزناً.

إن حضارة تقوم على تفضيل جنس بعينه على سائر الأجناس وتستبيح اغتصاب ما عنده، باسم الريادة الحضارية والتبنى الحضارى، وتفتقد ذلك المبدأ العام المقدس الذى هو تحريم الاعتداء على الكليات الخمس، هى حضارة غير إنسانية.

إنه لا يحق بحال لأى اجتهاد وضعى أن يشرَّع للبشرية كلها، مهما تكن عبقريته، وليس أدل على ذلك من أن القيم التى تبثها العولمة هى نتاج حضارة أفلست روحيا وأخلاقيا، تدعى خدمة الإنسان وهى تدمر فيه مقومات، الإنسان  إذ الحرية عندها هى حرية الجنس والمعتقد والإيمان بأن البقاء للأقوى لا للأصلح ، يغذى كل ذلك روح الهيمنة والإقصاء وأحادية الطرح ويرسخه فى الفكر الغربى وفى وجدانه خطاب يحظى بالرواج والقبول يمثله مفكرون تشربوا هذه الفكرة من أمثال فرانسيس فوكوياما الذى يقول فى كتابه "نهاية التاريخ: "ويبدو لى الجنس البشرى كما لو كان قطاراً طويلاً من العربات الخشبية التى

تجرها الجياد، متجهاً إلى مدينة بعينها عبر طريق طويل فى قلب الصحراء وفعلا يصل أغلب هذه العربات إلى المدينة فى النهاية  وهذه العربات عندما تصل لا يختلف بعضها عن بعض إلا فى شئ واحد هو توقيت وصولها إلى المدينة، سرعة أو بطء وصولها إلى الديمقراطية الليبرالية ومن ثم إلى نهاية رحلتها الطويلة، نهاية التاريخ ".

يتبين لنا، من مثل هذا الفكر، أن التاريخ والحضارة والمدنية والإنسانية، هى فقط ما دار فى فلك النمط الأمريكى الغربى  أما ما خالف ذلك فهو خارج التاريخ والحضارة لا يستحق الاهتمام.

وهكذا أصبح هذا الفكر- باسم الرقى الحضارى وحقوق الإنسان- يفرض مفاهيم غربية: اجتماعية و اقتصادية وسياسية معتبراً كل مخالف لها سواء باسم الدين أو الخصوصية الثقافية، انحرافاً وشذوذاً حضاريا أو إرهاباً مدمراً للحضارة الغربية.

ويرى هذا الفكر فى الإسلام، بصفة خاصة، العائق الأكبر لامتداد قيم الغرب ومبادئه.

فمن المعلوم أن الغرب- بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الثنائية القطبية- بدأ التفكير فى مستقبل العلاقة بين حضارته والحضارات الأخرى، ولقد ظهر تيار فكرى يؤمن بالحوار بين الحضارات، وإن كان هذا التيار بعيداًَ عن الأضواء لا يروج له كثيراً فهو يؤمن بتداول الحضارات والتاريخ يشهد لهم بذلك ، فالحضارة اليونانية لم تنطلق من العدم، والحضارة العربية الإسلامية ،استفادت من حضارات الفرس والهند واليونان، تماماً مثلما استلهمت النهضة الأوروبية عطاء الحضارة العربية الإسلامية ممثلو هذا التيار يؤمنون بأن تقديم الإسلام اليوم على أنه خطر على الغرب هو توهم مصنوع، وهو ما يعرف أو يسمى "العدو الضرورى" أى أن هناك عوامل وأسباباً أخرى تفسر التصعيد الذى يشهده هذا الزعم "الإسلام خطر على الغرب " وهذه الأسباب الحقيقية تتمثل فى كون الغرب اليوم، بزعامة أمريكا- فى غياب الاتحاد السوفياتى أى الشيوعية، العدو التقليدى- قد وجد نفسه فى حاجة مصيرية إلى عدو يحل محله،  عدو كفء يعطى معنى لميزانيات التسلح وسياسة الهيمنة العسكرية والحضارية والاقتصادية التى ينتهجها.

ويحلو لأصحاب هذا التوجه أن يروجوا لكل ما من شأنه أن يعزز هذا الزعم، ويؤكد أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذى يهدد أمن الغرب وكيانه.

ولعل أحسن مثال لذلك، ما لقيه من رواج واسع كتاب صامويل هنتغتن "صدام الحضارات " الذى يقول فيه: "المشكلة المهمة بالنسبة للغرب ليست الأصولية الإسلامية بل الإسلام نفسه؟ فهو حضارة مختلفة، شعبها مقتنع بتفوق ثقافته، وهاجسه ضآلة قوته!".

والخلفية الفلسفية لهذا الفكر تتمثل فى مبدأ يقول: من خالفنا كان خطراً علينا وبما أن الإسلام هو الذى يشكل الكيان الحضارى الأكثر تميزاً وخصوصية، فإنه لذلك، الأكثر مخالفة للغرب، أى العدو الأكبر بالضرورة.

ولا يقتصر الأمر على مجال الفكر، بل إن هناك إرادة واضحة لتشويه صورة الإسلام يصنعها إلى جانب الكتاب والمفكرين، المزاج السياسى الغربى الأمريكى بشكل خاص؟ مجسداً فى هوليوود، الذى ينفق مبالغ خيالية لإنتاج أفلام تعادى الإسلام وقيمه ومبادئه، وترسخ فى الأذهان اقترانه بالعنف والإرهاب والتخلف ومعاداة العلم والعقل والإنسان والحضارة ، وفى مقابل ذلك إظهار تعاطف كبير مع كل من يعادى الإسلام، باسم حرية المعتقد وما إلى ذلك.

فعندما تُعرض مثلاً العلاقة التاريخية بين الإسلام والغرب المسيحى عموماً فإن هذه العلاقة تجرد كلية من أى تفاعل حضارى إيجابى أو حوار بناء أو تفاعل مثمر، بل يركز فقط على الجانب الدموى الصدامى الحربى بينهما، ليوهموا أن الصراع والتصادم أمر حتمى بينهما اليوم بحكم طبيعة كل منهما؛ أى الحداثة والديمقراطية والعلمانية وحقوق الإنسان، باعتبارها الخصائص المكونة للحضارة الغربية، ومعاداة الإسلام لذلك كله فى زعمهم.

الإسلام فى نظرهم يقوم أصلاً على الإكراه والعنف، وهو يدعو إلى إخضاع غير المسلمين للإسلام بقوة السيف ، وأن هذه الروح المعادية للغرب هى سبب الصراع ، بينما الصراع فى الحقيقة تولد عندما شرع الغرب فى فرض نموذجه الحضارى اليهودى المسيحى، بعد تبرئة اليهود، واعتذار المسيحية لهم.

إن تصحيح نظرة الغرب إلى الإسلام، مسؤولية يقع ثقلها على المسلمين أنفسهم، فهناك مفاهيم إسلامية أسئ فهمها وتأويلها جهلاً حيناً وعن قصد أحيانا كثيرة، ساهمت فى تشويه حقيقة الإسلام، ولعل أهمها جميعاً مفهوم الجهاد.

فلا يكفى مثلاً أن نردد للغربيين أن الإسلام دين السلام والأمن والحوار والتفاعل الإيجابى واحترام الآخر وأنه رسالة حضارية إنسانية، وأنه أمن وسلام على البشرية، إذا نحن لم نصحح فى أذهانهم هذا المفهوم الذى يفيد عندهم إعلان الحرب الدائمة على غير المسلمين حتى يسلموا، وإضمار الكره لهم واستباحة حياتهم وأعراضهم وأموالهم واعتبار ذلك كله تقربا إلى الله. فالمسلمون- بهذا المفهوم الخاطئ- يمثلون فى نظر الغرب كياناً عدوانيا يشكل خطرا دائما على البشرية، وكأن الإسلام يحمل رسالة انقلابية، تؤمن بحتمية الصراع الدموى الأبدى بين الحق الذى يمثله والباطل الذى يمثله غير المسلمين من الديانات والحضارات الأخرى.

إن تصحيح هذا المفهوم- مفهوم الجهاد- فى أذهان الغربيين ينبغى أن يكون وفق بيان النسق العام الذى يقوم عليه الإسلام أصلاً وبصفة شاملة.

فالإنسان فى المنظور الإسلامى خلق لعمارة الأرض ( إنى جاعل فى الارض خليفة). (البقرة/ الآية 30)  والخالق سبحانه ينادى الناس جميعاً لأنهم جميعاً من آدم (يا بنى آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يوارى سوءاتكم)،. (الأعراف/ الآية 26) فالتكريم الإلهى فى مخاطبة الناس جميعا هو للإنسانية (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة). (النساء/ الآية 1). من أجل ذلك جعل الإسلام التعبير عن تقدير هذا التكريم الإلهى هو الخلق الحسن، أى المعاملة الحسنة التى تقصد لذاتها، من غير اعتبار لدين أو جنس أو لغة أو ثقافة (ادفع بالتى هى أحسن ). (فصلت/ الآية 34)، وكذا قوله سبحانه: (خذ العفو وأمر بالعرف)،. (الأعراف/ الآية 199).

فليس غريباً أن يكون السلام فى الإسلام، بناء على ذلك كله، أساس كل علاقة، سواء بين الأفراد أو الجماعات أو الأمم وأن يكون تحية كل مؤمن لنبيه ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً). (الأحزاب/ الآية 56) وتحية المؤمنين بعضهم على بعض (فسلموا على أنفسكم). (النور/ الآية 61).

 


عندما تُقدَّم هذه الحقائق الأساسية ناصعة للإنسان الغربى، فإنه يتيقن بنفسه من أن الدين الذى يحل السلام هذا المقام لا يمكن بحال أن يرضى عن أى لون من ألوان أو الإكراه أو التطرف أو الغلو أو التعصب ، ولا يكون هذا الدين حينئذ إلا نابذاً لكل ما يثير الضغائن والأحقاد المؤذية إلى الصدام والعنف، فلا بد من توضيح قاعدة أساسية هى أن الإسلام دين يحرم الاعتداء والحرب أصلاً، ولا يبيحها إلا فى حالة الدفاع عن حرمة الإنسان ومقدسات الدين والوطن، والجهاد الذى يساء فهمه وتأويله لم يشرع إلا فى هذا السياق، فأول آية شرعت الجهاد كانت مقرونة برد البغى والعدوان، لا المبادرة به ابتداء؛ ( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا)،. (الحج/ الآية 39).

فالجهاد طاعه لله ورسوله، فلا يكون إلا وفق ما أمر الله به ورسوله أى حفاظاً على الكليات الخمس، وإقراراً لمبادئ الحرية والعدل وتحقيقاً للأمن والسلام فى العالم؛ فلا إكراه ولا بغى ولا عدوان ولا ظلم، مهما يكن الدافع لذلك ، ولهذا كانت دائماً العلاقة القائمة بين الأمة الإسلامية وغيرها من الأمم علاقة مسالمة وتعايش وحوار.

فالسلم فى الإسلام هو الأساس، والحرب استثناء طارئ تفرضه دواع خارجة عن إرادة الأمة الإسلامية ؛ تقوم بها فى هذه الحالة الدفاعية امتثالاً لأمر الله سبحانه، لا رغبة فى الاعتداء والبغى ( وإن جنحوا للسلم فاجنح لها). (الأنفال/ الآية 61).

وهذا المبدأ السامى الذى وضعه الإسلام هو الذى يفسر ذلك التراث المشرق من آداب القتال والحرب والأخلاقيات العالية التى يتحلى بها المجاهد دائما ، إن المفهوم الخاطئ للجهاد يجد- كما أسلفت- من يروج له فى الغرب لتشويه حقيقة الإسلام وإبرازه كخطر عليه والحق أن هؤلاء يجدون عند بعض المسلمين الجاهلين بحقيقة دينهم ما يقوى عندهم هذا الزعم الباطل.

فهولاء المسلمون يسيؤون إلى دينهم بسبب جهلهم وسوء تمثيلهم له ، وبخاصة فهمهم الخاطئ للجهاد ،إن الجهاد فى هذا العصر بالنسبة للأمة الإسلامية فيما عدا رد عدوان أو استرجاع حق غصب بالقوة يتمثل فى استفراغ الجهد والطاقة من أجل القضاء على الجهل والفقر والتخلف، بالإيمان والعلم والعمل،

فى إطار وحدة جامعة تمكن من إقامة المشروع النهضوى الإسلامى المتميز، الذى يغرى غيره من الأمم بصلاحه وحسنه وخيريته وريادته الحضارية، فيفرض نفسه- لا بالقوة- لكن بالحضور والإقناع، فيقبل عليه غيره، تابعا مقلدا مستأنسا، باعتبار هذا الكيان الحضارى الإسلامى قدوة جاذبة مؤثرة.

إن هذه الحقيقة الكبيرة، أو هذه الخاصية التى يتميز بها الإسلام هى التى ينبغى "الجهاد" من أجل تجسيد مضمونها فى الواقع الحضارى الراهن كبديل للعولمة، بصفتها نزعة احتوائية تلغى الخصوصيات وتفرض نمطاً أحادياً من القيم وأساليب العيش.

الإسلام يدعو إلى العالمية لا إلى العولمة؟ ومعناها أن يعرض كل دين وكل إيديولوجية وكل جنس بضاعته الحضارية، أمام الفكر الحر والإرادة السيدة لباقى الشعوب والأمم والحضارات، دونما ضغط أو إكراه، ليكون بعد ذلك الاختيار عن قناعة وشعور بالجدوى ، وفى هذه الحال فقط يكون البقاء للأصلح حقا لا للمفروض قسراً وإكراهاً لأن الإسلام يقوم على الوحدة الإنسانية، لا العرقية أو الدينية أو اللغوية وما إلى ذلك ، ولأن الإسلام حق ، والباطل هو الذى يخشى الحجة والبرهان ويلغى الآخر ويصادره ، أما الحق فإنه وحده الذى لا يضيق بحوار بناء، يذعن فيه طرفاه لما هو أصح وأحسن وأقوم، لأنه يتعامل بمنطق (قل هاتوا برهانكم) (البقرة الآية 111) مهما يكن نوع الاختلاف ومجاله، فشتان ما بين العالمية والعولمة؛ فالعالمية بمعنى انفتاح الأمم بعضها على بعض هى سنة من سنن الله فى خلقه ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبآ وقبائل لتعارفوا). (الحجرات/ الآية 13) ، ومعناها السمو بالخصوصية الحضارية إلى العالمية ، أما العولمة فإنها إقصاء وإلغاء لهذه الخصوصية ونزوع خطير إلى احتواء العالم.

لكن الإسلام اليوم لا يزال يعيش بنفسه لا بأهله، والمسلمون مدعوون إلى تصحيح فهمهم لدينهم ولذاتهم وتاريخهم ليضمنوا إصلاح واقعهم الحافل بالمتناقضات، والتخطيط لمستقبلهم ومستقبل علاقتهم بغيرهم من الأمم والحضارات.

إن المتأمل فى التناقضات التى يعيشها المسلمون اليوم، بين سمو العقيدة والهوان على الناس، بين غنى التراث الفكرى والروحى والأدبى، وبين أعراض سوء التغذية الروحية والفكرية والأدبية، بين التوثب والطموح وبين التعثر والاصطدام بالواقع الكابح بثقله وصرامته ،إن هذا المتأمل يدرك أن هذه التناقضات جميعاً أعراض مختلفة لمرض واحد، أو نتائج عديدة لسبب جوهرى واحد هو اهتزاز مرجعيتهم الحضارية القائمة على الإسلام عقيدة ومنهاج حياة. هو استيرادهم لحلول وضعت أصلاً لمشكلات الغير السياسية والاقتصادية والاجتماعية؛ مشكلات خاصة، هى وليدة واقع تاريخى معين ومناخ حضارى متميز؛هو الواقع التاريخى الغربى والمناخ الحضارى الغربى  فالمسلمون فى هذا الاغتراب الإرادى عن الذات، كمن فقد مفتاح بابه فقام يستعير مفتاح باب جاره ويحاول بعد ذلك عبثاً الولوج إلى بيته.

فهناك مبادئ هى من صميم توجيهات الإسلام يغفل عنها المسلمون؛ من ذلك التخطيط للمستقبل واستشراقه ، فأول خطبة للرسول e  فى المدينة المنورة نصح فيها المسلمين بقوله: "أما بعد أيها الناس فقدموا لانفسكم"وفى خطبة أخرى قال: "أيها الناس إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم ".

إن أمة بدون رسالة هى كم بشرى وامتداد جغرافى لا غير؛ وأمة الإسلام لها رسالة حضارية إنسانية عالمية وهذه الأمة تعلم علم اليقين أن قانون النصر والهزيمة الحضارى خاضع لسنن الله فى خلقه، بمعنى أن أهلية المجتمع للريادة الحضارية إنما يقوم على استيفاء شروطها الموضوعية أى اتخاذ الأسباب؛ ومعنى ذلك كله أن الانتماء إلى عقيدة سماوية صحيحة لا يشفع وحده للسقوط الحضارى والتخلف إذا لم تتوفر أسباب المناعة والقوة من صدق العزيمة وصالح العمل وحسن التوكل ( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ). (الرعد/ الآية 11)، ومن هذه الأسباب، أسباب نفسية، أهمها تجاوز النظرة التشاؤمية التى ترى أن المسلمين اليوم لا يملكون شيئا يقدمونه للإنسانية، لعجزهم وقصورهم وتفوق غيرهم عليهم فى كل مجال، ولهم فى أسلافهم الأوائل خير مثال  فقد انطلق الدعاة إلى الله سبحانه من بوادى الحجاز ولا يملكون عن حطام الدنيا شيئاً لكنهم كانوا رسل هداية أخرجوا الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم.

هناك إذن تحديات تواجه المسلمين اليوم جعلتهم مضطرين إلى العمل فى جبهات عديدة ، لأن من هذه التحديات ما هو مفروض من الخارج، ومنها ما هو عائد إلى الذات نفسها فمن جهة واقع حضارى عالمى متشابك معقد، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، تكتلات عملاقة تسيطر على أسواق التجارة العالمية، تؤثر مباشرة فى اقتصاديات العالم، وتطور مذهل فى مجال تكنولوجيا الإعلام فلم يبق مع الإنترنت معنى للأسرار والخصوصيات والحواجز التقليدية المصطنعة للتحصين من الغزو الإعلامى والثقافى والحضارى فالعالم كما أصبح يقال اليوم: قرية إلكترونية.

يقابل هذا- عند المسلمين- التخلف، والفقر، والأمية، واهتزاز مناهج التعليم، وشيوع روح اليأس من الحاضر، والهجرة إلى الماضى، والعيش على أمجاد السلف، دون القدرة على إحياء القيم ذاتها التى صنعت تلك الأمجاد.

إن تقدم تكنولوجيا الإعلام الغربى يشكل اليوم تحديا ما فى ذلك شك، لكن هذا التقدم نفسه يمكن استغلاله وتوظيفه لتصحيح نظرة الغربيين إلى الإسلام ، وذلك بنشر أفكار بعض الغربيين أنفسهم، من النزهاء الذين عرفوا حقيقة الإسلام وأنصفوه ؛ وأشاعوا بين الناس أن هذا الدين لا يمكن أن يرقى إليه فكر، فى الدعوة إلى التسامح واللين واحترام الآخر، ومن هؤلاء مثلاً المستشرق الإنجليزى توماس آرنولد الذى قال: "إن الملاحدة ظلوا ينعمون فى ظل الحكم الإسلامى بدرجة من التسامح ليس لها مثيل فى أوروبا، وإن العقيدة الإسلامية تلتزم بهذا النهج مع جميع أتباع الديانات الأخرى".

إن مثل هذا الأسلوب يفيد كثيراً فى تنوير الرأى العام الغربى، الذى نعلم كلنا أن هناك إرادة مغرضة غير أمينة تمعن فى تشكيله والتأثير فى نظرته إلى الإسلام وتوجيهها، وإيهامها بأن ما يقوم به بعض المنتسبين إليه- وهم منهم براء- من جرائم وحشية هو من صميم تعليماته ومبادئه لأنه كما يتوهمون دين ينافى العقل والتطور ويكبح الحرية والإبداع ويعادى غيره، ويبارك الجمود والتطرف.

إن تصحيح هذه النظرة الخاطئة يقع على عاتق المسلمين أنفسهم، كما أسلفت؛ وذلك فى مستويات ثلاثة، فى المستوى العلمى النظرى، وفى المستوى التاريخى، وفى مستوى الواقع الحضارى المعيش؛ أى أن يبرزالمسلمون حقيقة

الإسلام الثابتة وجوهره الخالد ثم يبينوا أن ما لا يتوافق مع حقيقة هذا الدين فى تاريخ المسلمين إنما هو حجة عليهم لا على الإسلام ، وأخيراً أن يجسدوا فى واقعهم الحضارى هذه الحقيقة وهذا الجوهر.

إن تجاوز هذه الإشكاليات والتحديات الحضارية هو الذى يفضى إلى تحقيق الذات، باعتبار ذلك من الشروط الأساسية التى ينبغى توفرها لدى المتحاورين حضارياً، ما دمنا نؤمن بأن مستقبل العلاقة بين الحضارة الإسلامية وغيرها سيقوم على الحوار، والحوار كما نعلم جميعاً يجب أن يكون طرفاه متكافئين، حرين، سيدين، بالتعبير الحديث.

إننا نحن المسلمين، موقنون من أن الإسلام قادر على التعايش مع جميع الثقافات والحضارات، وقادر على الأخذ منها والاستفادة بما يأخذ وأن هذا التعايش الحضارى الإنسانى أساسه الحوار؛  لكن وفق مبادئ وأدبيات لا يكون للحوار من دونها أى معنى أو أثر، وأول هذه المبادئ ألا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله  أى أن يكون الحوار قائما أصلا وابتداء على التقدير والاحترام المتبادل، وعلى حسن النية ونبل الغاية وسلامة القصد.

فشعار المسلم فى مجال الإبداع الفكرى عموما والاجتهاد البشرى فى مختلف مناحى المعرفة الإنسانية، هو قول رسول الله e: ( الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أنى وجدها) أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

كما أن شعار المسلم فى الحوار الجاد البناء هو قول الشافعى رضى الله عنه: "رأيى خطأ يحتمل الصواب ورأى غيرى صواب يحتمل الخطأ"، وليس غريباً أن يحرم الإسلام الجدال إلا إذا كان القصد منه تجليته للحقيقة ؛ وهذه الحقيقة لا يهم على أى لساق جاءت لأنها هى الهدف والغاية من الحوار أو الجدال.

ومن هذه الأدبيات كذلك التواضع؛ فهذا رسول الله e يقول فى تواضع جم كما جاء فى القرآن الكريم: ( و إنا أو إياكم لعلى هدى أوفى ضلال مبين)،. (سبأ/ الآية 34) ؛( لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون ). (سبأ/ الآية 25). لقد ساوى بين طرفى الحوار ونسب لنفسه، احتمال الخطأ بل الضلال المبين تسامياً منه بأدب الحوار؛ وهو حبيب الله المصطفى المعصوم صلوات الله وسلامه وملائكته عليه.

هذه المبادئ والآداب من حقنا- بل من واجبنا- أن نبرزها ونمكن لها فى الواقع؛ إذ من الخطأ الجسيم أن نتخلى عن المفاهيم الأصيلة لحضارتتا، وأن نترك المجال للمفاهيم الاستشراقية أن تسود.

هذا وفى مقابل ذلك كله، لابد للطرف الثانى- أى الغرب- إذا كان مؤمناً بالحوار الحضارى أذ يراجع نفسه، وأن نخلص النية للإذعان للحق كلما حصحص؛ ويتحرر من عقدة التفوق والنزعة الإقصائية التى تجعله يعتقد أن ما عنده هو وحده الصواب الصالح النافع، وما عند الغير بالضرورة والطبع خطأ ضار فاسد.

إن فكراً يقوم أصلا على الخطأ فى التصور، وعلى سوء تقدير الآخر، بل على احتقاره وإلغائه، لا يساعد على الحوار بل ينمى دواعى الصراع والصدام.

فمن العبث الحديث عن مستقبل علاقة حوار حضارى إنسانى، إذا كان الأساس قائما أصلا على أفكار مسبقة خاطئة، سواء فى التصور والتحليل أو فى معرفة الآخر وتقييمه.

الحوار الحضارى من أسسه أن يحدد المتحاور موقفه بموضوعية وصدق ؛ مع إضمار حسن التقدير للآخر؛ لا أن يحدد لهذا الآخر موقفه أو أن يميليه عليه.

فعندما يدعى هذا المتحاور امتلاك الحقيقة وحده من دون الآخرين، فستكون لهذا الادعاء امتدادات فى واقع الحياة ؛فهو ينصب نفسه مرجعاً وحيدا لمعرفة من يحق له مثلا أن يمتلك القوة التكنولوجية أو القوة العسكرية أو التشريعية وما إلى ذلك، باسم الحقيقة والخيرية والريادة، وفى هذه الحال يصبح الغير مجبرا على التبعية والإذعان، من دون نقاش، لأنه الطرف الضعيف فى المعادلة، أو القاصر حضاريا.

 
الصفحة الرئيسية الإتصال بنا روابط عن الموقع خريطة الموقع